غاز المتوسط مباراة يلعبها الكبار في الليبي

  • د. جمال سعد اللافي

قد لا يخفي علي الكثيرين ان التجاذبات الاقليمية الحالية غريبة بعض الشي, وخاصة بعد ما شهدته وتشهده المنطقة العربية من ازمات وحروب وتشظي سياسي واقتصادي. المصالح الاقتصادية والسياسية هي المحرك الرئيسي في تشكيل تحالفات الدول في صراعاتها. لعلنا شاهدنا كيف ان هذه المصالح ليس لها مبادئ بل احيانا غير اخلاقية , المهم فيها مصلحة الاطراف المتصارعة , هذه المصلحة غالبا ما تكون اقتصادية وسياسية للدول المعنية بهذه الصراعات. الصراع في سورية كان في ظاهره ينادي بالديمقراطية لكن الدول الداعمة لها مأرب اخري , دول الخليج ( السعودية قطر والامارات ) وتركيا كانت تتمني تغيير النظام في سوريا للتخلص من حزب الله وتمرير مشاريعها الاقتصادية والتي من ضمنها الحصول علي منفد علي البحر الابيض المتوسط لتصدير النفط والغاز وزيادة حصتها من الاسواق النفطية الاوروبية , الولايات المتحدة دعمته لأنها ترغب في التخلص من حزب الله التي تدعمه ايران وسوريا وايضا للإضعاف محور الممانعة ضد اسرائيل , اوروبا لها نفس الاهداف بالإضافة الى حرصها علي تنويع مصادر تزويدها بالطاقة وتقليل اعتمادها علي الغاز الروسي. روسيا وايران هم من وقف مع سوريا لمصالحهم ايضا وبشكل قوي فلم يسبق لروسيا التحرك بقوة في الدول العربية لأنها كانت تحت السيطرة الامريكية لعقود , الروس مصلحتهم في بقاء النظام السياسي السوري للإحباط المخططات الغربية والامريكية فيما يخص الطاقة لان مصلحة روسيا هي ان تبقي هي المورد الرئيسي للطاقة في اروبا والتي تصل في اجماليها الى 47% من اجمالي ما تستهلكه اوروبا من الطاقة يأتي من روسيا (اكثر من 200 مليار متر مكعب من الغاز في 2019) , خاصة مع تنامي الضغوط الامريكية علي الدول الاوروبية في ايقاف مشروع النورد ستريم 2 (NordStream 2) والذي لم تتكلل جهودها بالنجاح في ايقافه حيت يهدف الى نقل 55 مليار متر مكعب سنويا الى المانيا والاستغناء عن الخط الاوكراني السابق الذي تغدي روسيا اروبا من خلاله.

روسيا لها ملفات مهمة في سوريا غير الطاقة منها العسكرية وايضا الجيوسياسية. ايران وبالرغم من علاقتها الممتازة مع تركيا الا انها وقفت في صف سوريا بالمال والرجال لإحباط المخطط السعودي الاماراتي القطري التركي ولم تكن الطاقة (النفط والغاز) من مصلحتها في تدخلها, انما ايران ترغب ان تكون لاعب سياسي قوي في المنطقة بأي ثمن وهو ما نجحت فيه الي الان بالرغم من الحصار المفروض عليها. الان وبعد ان اصبح النظام السوري يستعيد سيطرته علي الدولة السورية وتشتت الحلف المضاد مع بقاء بعض اللاعبين الرئيسيين في المشهد للاستفادة مما تتمخض عنه الايام وهي حبلي بالمفاجئات تأتي ليبيا التي ما تزال تعاني من الفوضى والحرب الاهلية , اصدقاء الامس من اطاحوا بنظام الزعيم القذافي ها هم اليوم يتناحرون بعد ان دقوا بينهم عطر منشم. مصر وقفت طرفا في هذا النزاع مع الامارات والسعودية وايضا روسيا مع الحكومة المؤقتة في الشرق الليبي بينما وقفت كل من تركيا وقطر في جانب حكومة الوفاق التي تسيطر علي طرابلس , مصر والسعودية والامارات مصلحتها في التخلص من حركة الاخوان المسلمين التي ظهرت بعد 2011 وسيطرت علي مصر الي ان اطيح بها بدعم كل من السعودية والامارات.

الاطاحة بالإخوان لم يكن الهدف الوحيد فليبيا امن استراتيجي لمصر وهي قوة اقليمية ولابد لها من ان تكون علي اتفاق مع أي حكومة ليبية مستقبلية الامر الذي لن يكون مع حكومة الوفاق وخلفيتها الاخوانية. الامر الاخر ان مصر سنة 2015 اكتشفت حقل الضهر للغاز والمكتفات البترولية باحتياطيات مؤكدة تبلغ 30 تريليون قدم مكعب ( تقريبا نصف الاحتياطي الغاز الليبي ) , مصر تفكر في الاستفادة الاقتصادية من مواردها النفطية فقامت بأنشاء مصانع تسييل الغاز الطبيعي وخاصة بعد توقيع اتفاقية استيراد غاز طبيعي من الكيان الصهيوني لإعادة تصديره لتشغيلها , مصر ربما تفكر مستقبليا في تصدير الغاز الي اروبا عبر البحر المتوسط مع الكيان الصهيوني وقبرص. روسيا حديثا استكملت خط (TurkStream 1,2) حيث تحصل تركيا وبأسعار تفضيلية علي 15.75 مليار متر مكعب من الغاز سنويا ويمر عبرها نفس الكمية (15.75 متر مكعب سنويا) ليربطها بالسوق الأوربية من خلال النمسا ويعبر الي بلغاريا , صربيا والمجر وايضا ليستبدل خط الغاز العابر الي تلك الدول من خلال اوكرانيا والتي هددت بتقويض الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي الي اوروبا.

تركيا لا تهتم وتغير من تحالفاتها وفقا مصلحتها لان موقعها الاستراتيجي وقوتها الاقليمية يعطيها الحق ان تملي علي من تشاء شروطها. روسيا تعمل ايضا وفق مصالحها فهي تريد تصدير غازها وان تبقي لاعب رئيسي في السوق الأوربية وتمنع المنافسين ان استطاعت. عندما تسارعت الازمة الليبية الحالية اتجهت الانظار اليها فروسيا ترغب في انهاء الحرب في سوريا وتركيا حصلت علي اتفاق ترسيم الحدود البحرية بينها وبين ليبيا بعد وعود تركية بحماية حكومة الوفاق ووقف زحف الجيش الليبي التابع للبرلمان في الشرق , هذا الاتفاق يسمح لتركيا ان تتدخل في أي اتفاق لاحق في المنطقة التي تم الاتفاق عليها بين ليبيا و تركيا. أي ان أي مشاريع خطوط نقل للغاز من مصر او الكيان الصهيوني لن يتم الا بموافقتها وهو امر لا تكرهه روسيا بل في مصلحتها فهي اسقطت عصفورين بحجر واحد علي الرغم من دعمها للجيش الليبي الموالي للبرلمان في الشرق. فمن ناحية اتفقت روسيا وتركيا علي ان يكون هناك وقف لأطلاق النار في طرابلس مع ارسال تركيا المقاتلين المعارضين للنظام السوري في ادلب الي طرابلس وتمكين الحكومة السورية من السيطرة علي اخر بؤر المعارضة السورية في ادلب ومن ناحية اخري روسيا تستفيد أيضا بعرقلة أي مشاريع مستقبلية لتزويد اروبا بالغاز من جنوب المتوسط. الخاسر الوحيد في هذه الاتفاقيات هي ليبيا كون الجميع يلعبون علي ملعبها بدون مقابل بل علي ليبيا دفع فاتورة اللاعبين صاغرة.

باحث في اقتصاديات النفط والغاز الليبي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here