غازيتا رو: 25 عاما على بدء الحرب في الشيشان

 

 

تحت العنوان أعلاه، كتب أندريه تشيستوف في “غازيتا رو” حول تاريخ وتداعيات الحرب في الشيشان.

وجاء في المقال:  بدأت، منذ 25 عاما، الحملة الشيشانية الأولى، حيث دخلت القوات الفدرالية الروسية أراضي جمهورية الشيشان، التي كانت وقتها تحت قيادة الجنرال السوفيتي السابق، جوهر دودايف، الذي هدد موسكو بشن “غزوات” عليها. وتسببت عملية مكافحة الإرهاب، التي كانت في واقع الأمر حربا داخل الدولة، في فقدان آلاف الأرواح من العسكريين والمدنيين الروس، وأصبحت إحدى أصعب الأزمات في مجتمع الدولة الفتية.

دخلت القوات الفدرالية الشيشان استنادا إلى المرسوم الرئاسي الذي وقعه الرئيس الروسي آنذاك، بوريس يلتسين، في 11 ديسمبر 1994، وحمل عنوان “إجراءات تنفيذ القانون، وحفظ النظام والأمن المجتمعي على أراضي جمهورية الشيشان”، وبدأت حرب الشيشان الأولى.

وعقب إصدار المرسوم، علّق يلتسين بأن الهدف من الحملة هو “إيجاد مخرج سياسي لأزمة جمهورية الشيشان، أحد مكونات الاتحاد الروسي، وحماية مواطنيها من التطرف المسلح. حيث يقف خطر الحرب الأهلية واسعة النطاق عائقا أمام مفاوضات السلام، والتعبير الحر عن إرادة الشعب الشيشاني”.

وحينما نشرت القوات الفدرالية، لم تكن الجمهورية تحت سيطرة المركز الفدرالي، وكان رئيس الجمهورية، الجنرال السوفيتي السابق دودايف شديد العدوانية تجاه موسكو، وهاجم مسلحوه الجزء الأوسط من روسيا، بينما دعا إلى “الغزوات حتى آخر شيشاني”.

كانت الجمهورية المتمردة بحلول ديسمبر 1994 تمتلك عددا كبيرا من الأسلحة المتبقية في وحدات الجيش، ومارس دودايف إرهابه ضد السكان المحليين الناطقين بالروسية في الجمهورية، واعتقل وضرب القيادات السابقة، الموالية لموسكو. كانت فكرته إنشاء جمهورية إتشكيريا المستقلة عن موسكو، التي قام بتوزيع دستورها للصحفيين من العاصمة الروسية للاطلاع عليه. لقد فوجئ الجيش الروسي، ومن بينهم العسكريون الذين عرفوا دودايف من قبل، بالتغييرات التي طرأت على شخصيته، فقد كان ضابطا شجاعا ومنضبطا، وكان طيارا مقاتلا في الجيش السوفيتي، والجنرال الوحيد من أصول شيشانية. ومن بين الأسباب غير المباشرة للنزاع، يعتقد أنها الكراهية الشخصية ما بين يلتسين ودودايف، حيث لم يكن يلتسين يرغب في التعامل معه على محمل الجد.

يقول سيرغي فيلاتوف، الذي شغل منصب رئيس إدارة الرئيس يلتسين في الفترة من 1993-1996، إنه كان من الصعب التقارب بين المركز الفدرالي ودودايف، بالنظر إلى الظروف وقتها. حيث كان بالقرب من دودايف دائما “المتشدد باسايف وفريقه، ولم يكونوا يسمحوا له بالتحدث مع أي شخص”.

ويتابع سيرغي فيلاتوف لغازيتا رو: “حاول دودايف لقاء يلتسين، لكن الكرملين تعامل معه على نحو غامض: ذهب كثيرون إلى أنه كان يرغب في اللقاء لرفع شعبيته التي كانت بصدد الانخفاض، أو أنه كان سيستخدم اللقاء لتوجيه إنذار لنا”.

ووفقا لفيلاتوف، فقد ارتكبت “سلسلة كاملة من الأخطاء” خلال الحملة الشيشانية، لعل أهمها إرسال جنود صغار السن، عديمي الخبرة، إلى الجمهورية الصغيرة، ومعظمهم تدرب على العمليات العسكرية في ظروف المدينة. من الجانب الآخر كان كثير من المسلحين قد أمضوا خدمتهم العسكرية في الجيش الروسي، ويعرفون نقاط ضعفه، ونظرا للحالة العامة التي كانت عليها البلاد في التسعينيات، كان الجيش الروسي ضعيف التجهيز والعتاد، في الوقت الذي واجه فيه الجنود نقصا في الأدوية والإمدادات.

ونتيجة لذلك حدثت سابقة لم تتكرر في تاريخ روسيا الحديث، حينما اعتذر نائب قائد القوات البرية، إدوارد فوروبيوف، عن قيادة العمليات العسكرية لما رآه من عدم جاهزية الجيش لخوضها، بينما قاد القوات الروسية في منطقة الشيشان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فيما بعد، أناتولي كفاشين، وكانت الواجهة الرئيسية لحملة الشيشان وزير الدفاع آنذاك، بافل غراتشوف، الذي اتخذ قراره، نهاية 1994، بشن الهجوم على غروزني، وعلى قصر دودايف الذي وصف نفسه بـ “رئيس إتشكيريا”.

وعد غراتشوف يلتسين بالسيطرة على غروزني بهجوم خاطف، إلا أن استخدام الدبابات أثناء الهجوم، أثبت فشله في ظروف المدينة، وجعلها أهدافا سهلة للمسلحين، ووقع جراء اقتحام غروزني أكثر من 1000 قتيل من الجنود الروس، وأصيب عدد كبير من الأشخاص.

وسميت العمليات العسكرية في الشيشان بعملية مكافحة الإرهاب، لكن الناس أطلقواعليها “الحرب الشيشانية الأولى”، واتسم مقاتلو دودايف بالقسوة المفرطة في أغلب الأحيان، حيث تعرض الجنود الأسرى للتعذيب، كذلك كانت هناك وفيات كثيرة جراء الغارات الجوية، فقد استخدم المتطرفون المناطق السكنية لإطلاق النار على الجيش الروسي.

كانت الحملة الشيشانية الأولى أول حرب تلفزيونية تبث على الهواء مباشرة، ولأول مرة يصطدم الجمهور بمشاهد مقتل الأطفال الصغار، في ظل مطالبة السلطات من قبل المعارضة بإنهاء النزاع، واستخدم المقاتلون معاناة السكان من المدنيين للفت انتباه النشطاء الدوليين في مجال حقوق الإنسان والمثقفين والنخب الروسية لقضية إتشكيريا، وطالبوا بدورهم السلطات الروسية بإنهاء الحرب.

كان من بين رموز المشاعر المناهضة للحرب، تغطية صحفية “نوفايا غازيتا”، آنا بوليتكوفسكايا، التي وصفت وحشية الحرب الشيشانية ومعاناة المدنيين، لكنها في الوقت نفسه كانت تنتقد من قبل الجيش بسبب تعاطفها مع المسلحين.

كان موقف المجتمع الروسي سلبيا إلى حد ما، حيث كانت نتائج استطلاع الرأي الذي قام به المركز الروسي لاستطلاع الرأي العام أن 36% ممن قام المركز باستطلاع آرائهم من الروس يطالبون بحل سلمي للأزمة الشيشانية، بينما أيّد 23% منهم انسحاب القوات الروسية، مقابل 30% رأوا أنه من الضروري استخدام الحزم في حل الأزمة. كذلك كان 31% من المواطنين يرون أن مسؤولية ما حدث تقع على عاتق دودايف، مقابل 25% يرون أن يلتسين ومن حوله هم المذنبون.

وتجدر الإشارة هنا أن الشيشانيين لم يدعموا جميعا قيادة إتشكيريا في شخص دودايف وقادته الميدانيين، بل كان بعض الزعماء الشيشانيين يقاتلون في صف القوات الفدرالية، وبعد وفاة دودايف عام 1996، صعد إلى السلطة جنرال آخر كان عقيدا سابقا في الجيش السوفيتي، هو أصلان مسخادوف، الذي وقع عام 1996 اتفاقية هدنة مع المركز الفدرالي، سميت باتفاقية خاسافيورت، والتي انتهى بموجبها النزاع، مع بقاء الشيشان خارج نطاق ولاية روسيا، وظل الوضع كذلك حتى عام 1999، مع اندلاع “الحرب الشيشانية الثانية”، ضد مقاتلي شامل باسايف، والتي تمكن فيها المركز الفدرالي من حشد الدعم لمفتي الشيشان أحمد قديروف، والذي انتخب فيما بعد رئيسا لجمهورية الشيشان”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here