عينٌ على العسكر وأخرى على البرادعي: رؤية إستشرافية للأزمة المصرية

mouhamad alsinjlawi33

 

محمد السنجلاوي

إن موضوع استقالة البرادعي يملي علينا طرح التساؤل الآتي: “ما سر تلك الإستقالة التي كانت بمنزلة أكبر لطمة لقادة الإنقلاب؟!

إن تلك الإستقالة التي قدمها بتاريخ (14/8/2013)، نحصر أسبابها ضمن نطاق احتمالين: إما بدافع الخوف من جماعة “الإخوان المسلمون” أو الجماعات الإسلامية التي قد تتطور ردة فعلها إلى القيام بعمليات تصفيه جسدية لرموز الإنقلاب (سواء كانوا مدنيين أم عسكريين) والذي يعد هو من أبرز رموزهم. وإما بدافع تلميع صورته (محلياً ودولياً)، عن طريق النأي بنفسه عن الدخول في مرحلة تلطيخ الأيدي بالدماء، وبذلك يكون قد نال رضى “جماعة الإخوان”، التي طالما اختلف معها كثيراً منذ أن تسلم مرسي رئاسة الجمهورية وصولاً إلى عزله وإقصائه عن سدة الحكم.

ولكن البرادعي الذي توجه إلى النمسا بعد أربعة أيام من استقالته، لم يعلن انسحابه من الحياة السياسية، ودلالة ذلك تلك التغريدات التي يطلقها بين الفينة والأخرى على موقع التواصل الإجتماعي “تويتر”؛ ليؤكد للجميع بأنه ما زال يتابع الأحداث أولاً بأول.

وهنا نعود للتذكير بأن البرادعي عندما عاد إلى مصر في مرحلة حكم المخلوع (مبارك)، كان يضع نصب عينيه كرسي الرئاسة – كما أسلفنا ذلك سابقاً -، وعندما انقلب على مرسي لم يبدل طموحه، ولكنه لم يتحقق له مما اضطره للقبول بمنصب نائب الرئيس. بناءً على ذلك ستظل فكرة الرئاسة في ذهنه حتى بعد أن قدم استقالته وغادر البلاد.

انطلاقاً من ذلك الهدف (الوصول إلى كرسي الرئاسة)، فإن البرادعي لن يدخر جهداً في استغلال مكانته الدولية للعمل على الإطاحة بقادة الإنقلاب، عن طريق إجراء اتصالات مع المجتمع الدولي الذي يكن له كل المحبة والتقدير، وبالتالي سينجح بذلك رغم كل ما أثير حول مناكفة الولايات المتحدة له عند ترشحه لإدارة وكالة الطاقة الذرية للمرة الثالثة.

وبما أن البرادعي يصفه البعض بــ ” الرجل الغامض”، فلا شك بأن أغلب تحركاته ستكون من وراء الكواليس لحشد مواقف دولية رافضة للإنقلاب العسكري، بخاصة أن البرادعي أعلن موقفه الرافض للإنقلاب بأكثر من تصريح، ومثالاً على تلك التصريحات ما أوردته وكالة (يمن برس): “ما لا يعرفه المصريون، هو أني اكتشفت بعد فوات الآوان، أن نظام مبارك ما زال يحكم مصر، وللأسف إن الرئيس مرسي كان معه حق عندما قال إنها دولة عميقة” كما أوردت الوكالة ذاتها قوله: للأسف ما حدث في مصر مؤخراً، يمكن اختصاره بأن نظام مبارك (الدولة العميقة في الجيش والداخلية، والقضاء، والصحافة، والإعلام، والإقتصاد، وأمريكا، وإسرائيل، وبعض الدول العربية) توقعوا نجاح مرسي والإخوان في الإنتخابات، ولذا اتفقوا على أن يسمح لهم بتولي الحكم، ولكنهم خططوا لإسقاطه بافتعال الأزمات وتدبير المؤامرات ضده، فيوم (30/6)  كان مدبراً ومخططاً له وحركة (تمرد) تعلم هذا جيداً”.

انطلاقاً من ذلك نعود للقول مرة أخرى، بأنه إذا ما حدث إنقلاب لصالح مرسي، وتوجه الأخير لرد المعروف للبرادعي عن طريق دعوته للإنضمام إلى السلطة، فإنه من وجهة نظرنا لن يستلم منصباً أقل من المنصب الذي استلمه لدى سلطة الإنقلاب، مما يقوده لاحقاً بعد انتهاء المدة الرئاسية لمرسي، إلى خوض معركة الرئاسة مجدداً للوصول إلى حلمه “كرسي الرئاسة”.

إذن لقد برهن البرادعي للجميع من خلال استقالته، على أنه بطل حقيقي من أبطال السلام، الأمر الذي سيجعل الجميع يتوجهون إليه للمشاركة في أي سلطة جديدة، لا مكان للعسكر فيها، ولأن مرسي هو المرشح بقوة إلى قيادة أي سلطة قادمة، ستكون المنفعة متبادلة بين الطرفين (مرسي والبرادعي)، فالبرادعي سوف يعود إلى السلطة مرفوع الرأس حاصداً ثمن استقالته، ومرسي سوف يرحب به ليثبت للغرب وللآخرين بأنه ليس صاحب عقلية إقصائية ولا استحواذية، جاعلاً من البرادعي بداية صفحة جديدة لتصالحه مع جميع التيارات والأحزاب والحركات ذات المرجعيات المتعددة.

السيناريو الثاني: إنهيار الواقع المصري بشكل تدريجي، في ظل تشبث حكومة الإنقلاب بالحل العسكري، والإستخدام المفرط للقوة ضد أنصار مرسي، وصولاً إلى تكرار “النموذج الجزائري العشري الأسود”، الذي هيمن على الجزائر منذ عام (1992)، عقب إلغاء نتائج الإنتخابات عام (1991)، حيث ألغى الجيش الجزائري الإنتخابات البرلمانية، بعد اكتساح التيارات الإسلامية متمثلة بــ (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) لتلك الإنتخابات، ليحدث بعد ذلك مواجهة بين الجيش الجزائري والإسلاميين على مدى (10) سنوات راح ضحيتها أكثر من نصف مليون جزائري.

وما يقوم به العسكر في مصر الآن، يجعل الساحة المصرية بيئة خصبة لولادة تيارات إسلامية متشددة لا تعرف لغة غير لغة العنف، ولا طريقاً غير طريق الإرهاب، ومن يظن أن مصر بمنأى عن السقوط في مستنقع الحرب الأهلية فهو واهم بخاصة في ظل ركوب العسكر مركب البطش والتنكيل والتهميش.

السيناريو الثالث: نظراً لتحلي سلطة الإنقلاب بعقلية الإقصاء والبطش، والقرارات الغاشمة التي اتخذتها بشكل أحادي للإستحواذ على الحكم مثل: إصدار قانون التظاهر (24/11/2013)، وتشكيل لجنة الخمسين لتعديل الدستور بتاريخ (1/9/2013) والضغط على المصريين بأساليب متنوعة للتصويت بــ “نعم” على الإستفتاء الدستوري.

فإصدار مثل تلك القرارات سوف يشكل إحراجاً للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية التي تحرص دائماً على مساندة الأنظمة الديمقراطية، لتظل بنظر الرأي العالم العالمي دولاً لا تنشر إلا قيم التسامح والحوار والديمقراطية.

وبالفعل لقد ولّد قرار تشكيل لجنة الخمسين لتعديل الدستور، رفضاً واسعاً وانتقادات شديدة اللهجة من قبل الأحزاب السياسية التي تم تهميش حصتها وعلى وجه الخصوص الإسلامية منها، كما كان هناك غياب واضح لرموز ثورة (25/1)، مما عدَّه البعض خيانة لأهداف تلك الثورة.

وبالمقابل فقد فجر قانون التظاهر، ثورات شعبية طلابية راح ضحيتها عدد من طلبة الجامعات؛ مما ولّد ردود فعل دولية غاضبة. بخاصة في ظل السير في محاكمة ما عرف بــ (فتيات الإسكندرية)، التي لاقت هي الأخرى إستهجاناً شعبياً واسع النطاق.

إن محصلة تلك الممارسات لحكومة الإنقلاب، سوف تعمل على زيادة الأصوات الرافضة لها، وتعمل على خلق تناغمات بينها وبين تحالف دعم الشرعية الذي تشكل بتاريخ (27/6/2013)، مما يحشد الساحات والميادين مجدداً وبأعداد غفيرة للإطاحة بحكم العسكر، وسيكون على رأس تلك الحشود ثوار (25/1) وغيرهم ممن شاركوا بتلك الثورة، وقد يلمس المراقب السياسي عودة أجواء تلك الثورة في المستقبل القريب.

وإذا ما انخرط المصريون بتلك الحشود، فإنهم لا شك سيضغطون على حكومة العسكر والعمل على إسقاطها. بخاصة إذا ما تدخلت أطراف دولية في الأزمة المصرية بعد اشتعال ساحات مصر بأصوات الثوار.

وقتذاك سوف يتم الدعوة إلى عقد انتخابات رئاسية، ليدخلها بقوة (د. محمد مرسي) متنازلاً عن المطالبة بعودته إلى منصبه؛ لأن النتيجة التي آلت إليها الأزمة المصرية لم تكن بسواعد تحالف دعم الشرعية وحدهم، وإنما هناك شركاء لهم في ذلك نتيجة احتشادهم الذي أسقط حكم العسكر، وحرر مرسي ورفاقه من سجون الإنقلابيين.

وفي نهاية رؤيتنا للأزمة المصرية، نختم بما قاله المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” في معرض حديثه عن مظاهرات المناصرين للشرعية واستمرارها وصمودها: “توقعت صمود التظاهرات، وتوقعت خلافات العسكر، وتوقعت مجازر النفس الأخير، وتوقعت أشياء كثيرة، والآن أقول لكم من نفس القاعة التي درس فيها الرئيس المصري محمد مرسي، أن الرئيس سيعود زعيماً، وستصبح مصر أقوى مما كانت، وضحايا رابعة هم ثمن حرية شعب تعداده يقترب من (100) مليون نسمة، يأبى العالم أن يعطيهم حريتهم، فثاروا ثورتهم الطاهرة، وستنجح وحاسبوني على هذا”.

للمتابعة على الفيس بوك: الدكتور محمد السنجلاوي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here