عيسى محمد المساوى: صنعاء والرياض..  ايهما أقرب الى النصر؟

عيسى محمد المساوى

خمس سنوات من الحرب الشاملة على اليمن وما تزال السعودية مسنودة بتحالفها العربي بعيدة كل البعد عن احراز انتصار عسكري وهي التي اعلنت في العام الأول لحربها العدوانية عن تدمير 80% من اسلحة الحوثي بما في ذلك معظم الصواريخ الباليستية واستعادة نسبة مماثلة من الأرض الى حضن الشرعية، غير أن العام الخامس من العدوان على اليمن كشف عن تطورات صادمة غيرت موازين الصراع رأسا على عقب، فالسعودية تقف اليوم عاجزة عن وقف ضربات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تستهدف أهم منشآتها الحيوية، وتحالفها تعصف به خلافات وتصدعات بين ابرز اعضائه وداخل ادواته اليمنية، أما الشرعية فقد فرت من جديد الى الرياض بعد خسارة مدوية لمعركة عدن أمام المجلس الانتقالي المدعوم اماراتيا، وما تزال قائدة التحالف الذي وجد اصلا لدعم الشرعية غارقة منذ شهرين في مفاوضات جدة بحثا عن حل توافقي لإعادة تفصيل قميص الشرعية واعطاء المجلس الانتقالي تمثيلا رسميا نظير جهوده في هزيمة الشرعية وطردها من عدن لتصبح الشرعية بإرادتين متصادمين كما هو حال قيادة التحالف، ونظرا لتصادم الارادات اصبحت السعودية بجلالة قدرها  ومكانتها عاجزة بالفعل عن اعادة الشرعية الى بضعة كيلومترات في مدينة عدن لسبب بسيط هو أن الامارات صاحبة اليد الطولى في جنوب اليمن غير راضية عن تلك العودة إلاً بشروطها.

 هكذا يتضح بجلاء أن الشرعية المزعومة لا سلطة لها حتى على قصر المعاشيق في عدن ناهيك عن مساحة الـ 80% من الأرض المزعوم تحريرها، وأنها لم تكن سوى قميص عثمان لشرعنة الحرب واخفاء الاطماع الحقيقية للسعودية والامارات المتصارعتين على تقاسم المصالح والنفوذ جنوب اليمن، فالسعودية المهيمن الوحيد على اليمن لعقود من الزمن لم تعد كذلك امام النفوذ الاماراتي ذي الاعوام الخمسة المتحكم بجنوب اليمن ليس بقواته العسكرية بل بأدواته الجنوبية وبالتالي فإن ما يقدمه من تنازلات تظل ثانوية ومن باب ذر الرماد على عيون الشريك العجوز والعاجز عن الاستغناء عن الدور الاماراتي وادواته المحلية التي تقاتل دفاعا عن حدوده الجنوبية الممزقة نيابة عن الجيش السعودي المهزوم، أما الحليف الأمريكي فلا يجيد سوى الحرب الكلامية وزرع الأدمغة السعودية بـ “فوبيا ايران” المسؤولة عن كل صغيرة وكبيرة بهدف بلورة مشاريع جديدة لحلب البقرة السعودية، فهذه المرة سرعان ما ظهرت نتائج الحلْب في تصريحات البنتاجون عن ارسال تعزيزات عسكرية  للسعودية تشمل جنود وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاعية أغلب الظن انها ستكون كسابقتها المهم أن تدفع السعودية الثمن كالعادة، غير أن مهمة هذه القوات وما قد يتبعها من اسناد عسكري  لن تتجاوز سقف الاستعراض الاعلامي ودعم معنويات الحلفاء أيا كانت التطورات، وهنا يجدر الإشارة الى موقف أمريكي واضح يضع حدا لطموح الحلفاء وتكهنات المحللين ترجمته تصريحات رئيس هيئة الاركان الأمريكية المشتركة جوزيف دانفورد قائلا  ” ليس لدينا القوة الكافية لردع هجمات ايران ووكلائها التي تستهدف شركائنا في المنطقة كالسعودية والامارات” بمعنى آخر دافعوا عن انفسكم وسنبيع لكم ما تحتاجونه من السلاح والخبرات أما قواتنا فهي للدفاع عن مصالحنا فقط إذا استهدفتها إيران.

هكذا بدت صورة السعودية تضج بالخيبة والانكسار المرير عسكريا وسياسيا وبمشاهد صادمة لابتزاز الحلفاء ومؤامرات شركاء يحاربون إيران في اليمن ويتسللون خلسة لكسب ودها وتطبيع العلاقة معها، وإذا بالطموح السعودي يتضاءل من ابتلاع اليمن وتعزيز مهابة الدولة القائدة الى البحث عن عملية إنقاذية للخروج من مستنقع اليمن بما يحفظ ما تبقى من ماء الوجه كان آخرها ما تناقلته وسائل الاعلام عن تلقي رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان طلبا من محمد بن سلمان والرئيس ترامب للتوسط لدى إيران لخفض التوتر وانهاء الحرب في اليمن.

أمام تلك الصورة البائسة عما آلت اليه السعودية نجد على الجهة المقابلة صورة مغايرة تماما، فجبهة صنعاء بقيادة أنصار الله تُظهر تماسكا داخليا وقدرات عسكرية نوعية وانتقالا مذهلا من استراتيجية الدفاع الى الهجوم وتوجيه ضربات قاتلة لأهداف حيوية على امتداد الجغرافيا السعودية مخترقة أحدث منظومات الدفاع الأمريكية كان أبرزها الضربة النوعية التي استهدفت منتصف سبتمبر/ايلول الماضي منشآت ارامكو وأدت الى خسارة 5 مليون برميل نفط يوميا اي ما يعادل 50% من الطاقة الانتاجية للسعودية وارتفاع اسعار النفط بنسبة 20% وما تزال تداعياتها مستمرة الى اليوم،  أما المستقبل القريب فينذر – إذا تُرجمت تهديدات صنعاء – بأيام سود تنتظر السعودية والإمارات إن هما لم يرضخا لمبادرات انهاء تلك الحرب العدوانية، فصنعاء باتت تمتلك بحكم التجربة قدرات عسكرية نوعية قادرة على تقطيع اوصال الشريانات النفطية التي تضخ الحياة للنظامين السعودي والاماراتي ويعتمد عليها الاقتصاد العالمي بدرجة رئيسية الأمر الذي يفتح الباب واسعا لتداعيات كبيرة ستقصم ظهر البعيرين السعودي والإماراتي ولن يجدا أمام الرهان الخاسر على الدور الأمريكي بداً من وقف الحرب والدخول في تسوية عادلة.

 أما على صعيد العمليات البرية فيمكن تتبع مسار الاختراق الكبير والخطير للعمق السعودي وصولا الى تموضع الجيش واللجان الشعبية على تخوم مدينة نجران كبرى إمارات الجنوب وأهمها على الاطلاق الأمر الذي يبدو معه أن فكرة سقوط نجران أضحت قرارا سياسيا أكثر منه عسكريا، يدعم ذلك مشاهد الاعلام الحربي التي وثقت بالصوت والصورة سلسلة من الانجازات العسكرية النوعية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك ما يمتلكه الجيش واللجان الشعبية من مهارات قتالية استثنائية وتكتيكات عسكرية لم تصمد أمامها ألوية عسكرية بكامل عتادها من افخر ما انتجته الصناعة الأمريكية ومسنودة بغطاء جوي كثيف تتقدمه طائرات الأباتشي والـ F16 وهو ما يمكن تقصيه بذهول كبير عند مشاهدة العملية النوعية “نصر من الله” التي أدهشت حصيلتها الصادمة الخبراء العسكريين، فهذه العملية تضع صانع القرار السعودي أمام تساؤل محوري مفاده: إلى أي مدى سيصل الأثر التدميري داخل بنية النظام السعودي في حال قررت قيادة أنصار الله  تنفيذ عمليات برية داخل العمق السعودي على غرار “نصر من الله” ؟؟

إن الاجابة على سؤال كهذا يحتاج الى مساحة مستقلة لاستقصاء سيناريوهاته المتعددة ولكن يمكن القول بصورة عامة أن هزة عنيفة ستصيب بنية النظام السعودي تتفاوت درجتها وأثرها التدميري بتفاوت السيناريوهات المتوقعة وهو ما يجعل هذا التموضع الاستراتيجي في العمق السعودي أحد أهم الاوراق الرابحة واثقلها وزنا وبها يكون انصار الله قد امسكوا بمفتاح الحل لكثير من القضايا المعقدة التي ستتصدر مفاوضات التسوية النهائية في مقدمتها تحرير كامل التراب اليمني من القوات الأجنبية والحصول على التزامات عملية بإعمار ما دمرته الحرب وقبل هذا وذاك ضمان وحدة وسلامة الاراضي اليمنية ووقف مؤامرات التقسيم والانفصال، ذلك أن أي مشاريع من هذا القبيل من الممكن جداً ان تواجه بمشاريع مماثلة في العمق السعودي، فالأقليات الشيعية في المنطقة الشرقية والجنوب لديها مظلوميات تاريخية ومعاناة طويلة مع أبشع صور الطغيان والتنكيل التي يمارسها النظام السعودي بحقها، لكنها في ذات الوقت تعيش اعتداداً عالياً بالذات لما تمتلكه من إرث حضاري وجذور ضاربة في اعماق الجزيرة العربية من قبل مجيء آل سعود بمئات السنوات متخذة من هذه التركة وقوداً لنضالها في مواجهة نظام آل سعود الذي ترى فيه كيانا طارئا فرضته القوى الاستعمارية بالقوة لتُقاسمه ثروات ابناء الجزيرة العربية.

 هذه الأقليات بفضل ما تمتلكه من المقومات اللازمة لنشوء كيانات سياسية مستقلة بذاتها تمثل نماذج شبه مكتملة لانتفاضة شعبية تحتاج لاكتمال شروط نجاحها قوة اسنادية بالمواصفات التي يمتلكها أنصار الله وستنتزع حقها في تقرير المصير وفك الارتباط عن نظام آل سعود، بل أن محيط المملكة الملتهب بعداوات ونزعات انتقامية قد يجد الفرصة مواتية لتغذية ما تبقى من حركات تحررية في الشمال والحجاز، ومنْ يدري فقد تسفر التفاعلات عن التحام الجميع في معركة الخلاص النهائي من حكم آل سعود، ولهذا كله شواهد ومعطيات على ارض الواقع يدركها النظام السعودي كل الادراك وله مع انتفاضة القطيف المسلحة تجربة مريرة ما يزال الى اليوم يلاحق جيوبها المشتعلة بين فترة وأخرى، لذا فإن النظام السعودي لا يجرؤ على الدفع باتجاه تقسيم اليمن لأنه يعي جيدا الارتدادات العكسية التي من المؤكد أن تزج به في ذات المصير.

إنه العام الخامس من الحرب العدوانية على اليمن يزيح الستار عن تصدر جبهة صنعاء بقيادة أنصار الله لمشهد تحولاته الصادمة راسما بتطورات مسرحها العسكري معادلة النصر بركيزتيها الرئيسيين، الأولى: القدرة على الاستهداف الدقيق لأهم المنشآت الحيوية في العمق السعودي والاماراتي كما اثبتت التجربة، والثانية: التوغل الاستراتيجي في العمق السعودي وبالتالي امكانية بتر ايادي النظام السعودي عن قلب خاصرته الجنوبية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here