عيسى محمد المساوى: بعد اغتيال سليماني.. استفزاز أمريكي يضع إيران في المحك

عيسى محمد المساوى

كلما تسعى إيران الى خفض التصعيد وتحاشي المواجهة المباشرة مع أمريكا يسارع ترامب الى اعادتها من جديد الى صدارة المواجهة بقرارات استفزازية تزيح الستار عن سلوك امريكي متعمد يخفي وراءه رغبة جامحة في مواجهة حتمية لكن بالكيفية التي يريدها ترامب ونتنياهو، فما هي دوافع هذا السلوك المتعمد وكيف يمكن فهم تداعياته المستقبلية والمسارات التي ستتحرك فيها إيران؟

الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج الى إعادة قراءة تفاعلات المشهد وفي مقدمتها عملية اغتيال القائد قاسم سليماني في سياقها الصحيح الذي يعطي لسلسلة الأحداث السابقة واللاحقة حقها من التوصيف الموضوعي بوصفها حلقات مترابطة ومتناسلة من رحم مخطط تآمري يعود الى العام 2015م وتحديداً عقب الانتصار الكبير الذي احرزته إيران بالتوقيع على الاتفاق النووي باعتباره تطوراً هاماً في مسار صراع عميق بين مربع الشر في المنطقة ممثلاً بأمريكا وإسرائيل والسعودية والامارات من جهة وإيران من جهة أخرى.

منذ هذا التاريخ بدأت ملامح المخطط التآمري في التشكّل واكتملت أركانه مع انتخاب ترامب رئيسياً للولايات المتحدة الأمريكية في 2016م، هنا أخذ نتنياهو يقود نقاشات جادة بشأن تداعيات الاتفاق النووي على مربع الشر واسرائيل تحديداً، فإلى جانب أنه يعزز من النفوذ الإيراني في المنطقة ينظر اليه نتنياهو باعتباره خطأ فادحاً يفاقم من خطر التهديد الإيراني لإسرائيل وبالتالي لابد من  تأجيل هذا الخطر لعشر سنوات على الأقل إن لم يكن من الممكن القضاء عليه، انطلاقاً من هذه الأرضية التي أرساها نتنياهو بدأ مربع الشر تنفيذ مخططه التآمري الهادف الى اضعاف إيران وإجبارها على تغيير سلوكها، إما باستخدام القوة العسكرية لتوجيه ضربة نوعية لإيران وهو ما يطمح اليه نتنياهو منذ البداية، او باستخدام القوة الناعمة لتغيير النظام الإيراني.

لاعتبارات عدة لا يتسع المجال لسردها تم تأجيل الورقة العسكرية واتفقت أطراف المؤامرة على البدء بالعقوبات الاقتصادية ظناً منهم أن بمقدورها تركيع النظام الإيراني والمجيء به صاغراً الى طاولة المفاوضات لإبرام اتفاق نووي جديد يشمل  الترسانة الصاروخية وشروط أخرى مذلة.

 انتهت الجولة الأولى سريعاً بانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي في 2018م مسجلةً انتصاراً خاطفاً لمربع الشر وتم الدخول مباشرة في الجولة الثانية من الصراع بفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية وفق سياسة الحد الأقصى لكنها كما الجولة الثالثة التي أرادت اسقاط النظام عبر الاحتجاجات الشعبية في إيران نوفمبر 2019م فشلتا في تركيع النظام الإيراني الذي نجح في الحيلولة دون وصول التداعيات الى مرحلة الاستسلام لإملاءات تل أبيب وواشنطن.

هزيمتان متتاليتان تكبدتها أطراف المؤامرة في توقيت سيء للغاية لا يسمح بانتظار المزيد من مكاسب العقوبات التي تستغرق وقتاً أطول، وعلاوة على هاتين الهزيمتين يعاني كل طرف من أطراف المؤامرة هزائم إضافية من نوع آخر، فنتنياهو فشل لدورتين انتخابيتين في تشكيل الحكومة وباتت فرصة الفوز بالدورة الانتخابية المقبلة أضعف بكثير من سابقتها، أما ترامب  فيخوض معركة شرسة مع خصومه الديمقراطيين ويواجه بسببهم محاكمة مهينة في الكونجرس تتزامن مع بدء جولة الانتخابات لدورة ثانية يدخلها ترامب مهزوماً في الملف الإيراني وفي اليمن وسوريا والعراق، وكذلك الحال مع بن سلمان وبن زايد الغارقين في مستنقع اليمن في ظل مخاوف متزايدة من تنفيذ صنعاء تهديداتها بضربات شاملة لأهداف حيوية سعودية وإماراتية.

خوض المعركة الانتخابية في ظل المعطيات الراهنة تمثل برأي نتنياهو وترامب مجازفة كبيرة يتضاعف معها خطر السقوط ومغادرة السلطة وبالتالي ضياع المشروع الكبير الذي يبدأ بصفقة القرن ولا ينتهي بهزيمة إيران، أمام هذا المأزق المستفحل لابد إذاً من ضربة خاطفة تسفر عن انتصارٍ كبيرٍ يضمن الفوز بفترة رئاسية جديدة، فأربع سنوات بنظر مربع الشر تكفي لإلحاق هزيمة ساحقة بإيران في حين يتعذر تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي في غضون بضعة أشهر هي كل ما تبقى من العمر السياسي لترامب ونتنياهو.

هكذا تبلورت عملية اغتيال شخصية قيادية بحجم ومكانة القائد سليماني العدو المشترك والرجل الثاني في إيران بوصفها الضربة القاصمة الكفيلة بانتزاع الانتصار الكبير، أما اذا أقدمت إيران على انتقامٍ دامٍ يستهدف مصالح أمريكا في المنطقة حينها سيجد ترامب المبرر لتوجيه ضربة عسكرية خاطفة من منطلق الدفاع المشروع عن النفس مدعوماً باللوبي الاسرائيلي والمال السعودي والإماراتي.

 أدركت إيران مبكراً الفخ الذي ينتظرها فجاء انتقامها مخيباً للتوقعات، فلا دماء ولا أشلاء وإنما ضربة محكمة  للقواعد الأمريكية بهدف تحقيق انتصار معنوي لا أكثر، وفي مسارٍ موازٍ تحرك قوي مع الحليف العراقي لإحراز الانتصار الكبير بإخراج القوات الأمريكية من العراق وهذا ما يعتبره ترامب صفعةً مدويةً ستقود الى خسارة محققة لمعركته الانتخابية.

 كان من الطبيعي أن يسارع ترامب وفريقه الى تأكيد استمرارية الوجود العسكري بالعراق بل وتعزيزه بدراسة لتوسيع وجود حلف الناتو أيضاً، والأكثر من ذلك فرض عقوبات جديدة على إيران والدفع بالحلفاء الأوروبيين الى تفعيل آليّة تسوية النّزاعات وإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران في توجّه مدروس بعناية يهدف الى الحفاظ على المكاسب الكبيرة الناجمة عن اغتيال سليماني وفي المقابل حرمان إيران من تحقيق أي مكاسب وإعادتها كلما حاولت الهروب  الى صدارة المواجهة من جديد.

 بينما تراهن إيران على عنصر الوقت والعمل بطريقة غير مباشرة على تكبيد نتنياهو وترامب  أكبر قدر من الهزائم المختلطة بمشاهد الدماء والأشلاء بهدف التخلص منهما انتخابياً، نجد أن رهان مربع الشر بقيادة ترامب يعتمد على الاحتفاظ بالمكاسب المتحققة وحشد ما أمكن حشده من عوامل حسم المعركة الانتخابية المعتمدة أكثر على الجبهة الداخلية، وهنا يبرز الدور المحور للتوجه السعودي والإماراتي المستعد سلفاً لدفع فاتورة الحسم الانتخابي نيابةً عن الحلفاء مهما كلّف الثمن.

ما يزال الوقت مبكراً لتحديد منْ سينتصر في هذا الصراع والمؤكد أن المعركة الانتخابية ستظل العنوان غير المعلن لحلبة الصراع المستمرة لشهور وإن بعناوين مختلفة، لكن ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن مربع الشر بقيادة ترامب يمتلك تفوقاً واضحاً من حيث وحدة الجبهة الداخلية والإمكانات المتوفرة وقدر كبير من التنظيم ووضوح الرؤية بعكس ما هو عليه وضعية إيران، هذه الوضعية التي لا تبدو مناسبة لصراع يدخل مرحلة هي الأكثر سخونة وخطورة أخذت حيزاً مهماً في  الخطاب الأخير لسيد اليمن الذي تضمن حديثاً مركزاً عن الحاجة الملحة لتوحيد المواقف والجهود لكل الأمة وليس لمحور المقاومة فحسب، رافضاً منهجية مربع الشر التي تسعى الى تثبيت معادلة تجزئة المعركة باعتبارها من أخطر المعادلات، فالسيد الحوثي قدم قراءة نقدية لأهم النقاط المفصلية في الوضعية الراهنة في محاولة منه لشدٌ الأنظار الى وجوب تهيئة وضعية متقدمة لجبهة المقاومة تتناسب مع حجم التحديات والمخاطر التي يمثلها اليوم مربع الشر.

هكذا تبدو المعركة مع مربع الشر معركة الجميع وليس معركة إيران فقط وهذا ما أكد عليه السيد نصر الله والسيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في خطبته العربية الجمعة الفائتة، ليبقى السؤال: هل هذا التوصيف الدقيق المتفق عليه في خطابات القادة هو كذلك على أرض الواقع؟

بتقديري أن هناك فجوة ليست هينة تحتاج الى اجراء مراجعات جادة للمواقف والسياسات وأُطر منظمة لتلك المراجعات وما سيعقبها من نقاشات ومشاورات بشأن الجهوزية لمواجهة المرحلة الأخطر من الصراع، ونظراً لأهمية استقصاء ملامح هذه الفجوة التي يتعذر بدونها التنبؤ بالمستقبل سأحاول تسليط الضوء عليها في مقالات قادمة إن شاء الله.

*كاتب ومحلل سياسي يمني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اتفق معك بكل ما ذكرت وخصوصا مسالو استيعاب ايران للفخ المنصوب بعد ضربة سليماني.. واختلف معك حول تصنيف دول محور الشر بعد الاتفاق النووي فلم تكن السعودية والامارات بتلك الخطورة والرعونة مثلما هي عليه اليوم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here