عيسى محمد المساوى: الامارات البرغماتية.. القفز من التحالف بعد احكام السيطرة

عيسى محمد المساوى

مع دخول السنة الخامسة من العدوان على اليمن تفاجأ الجميع بالتطور المثير للدهشة في القدرات العسكرية لصنعاء وانتقالها السلس من استراتيجية الدفاع الى استراتيجية الهجوم محققة سلسلة من الانتصارات العسكرية الميدانية بالتوازي مع الاستهداف الجوي غير المسبوق للعمق السعودي، هذا التطور الكبير كان له دلالات بالغة الأهمية قرأتها ابو ظبي بذهنية برجماتية أوصلتها الى أن المصالح العليا للإمارات تواجه خطراً حقيقياً وأن حمايتها أولوية قصوى تقتضي فك الارتباط عن الرياض وتركها تواجه منفردة نتائج مقامراتها العسكرية عالية الكلفة والعالقة منذ سنوات داخل دائرة من الفشل المستحكم.

تهديدات صنعاء على لسان السيد عبدالملك الحوثي الرجل الأقوى في اليمن يبدو أنها دفعت بالخلافات بين قادة الامارات على خلفية الدور العسكري في اليمن الى الذروة مهددة بتصدعات داخل البيت الاماراتي الواحد، خصوصا بعد ان حققت ضربات الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة الأخيرة اختراقاً كبيراً لمنظومات باتريوت الدفاعية المتطورة محققة اصابات دقيقة لمنشآت أرامكو شمال الرياض التي تمثل قلب الاقتصاد السعودي بالإضافة الى مطارات ومواقع عسكرية حيوية في جنوب السعودية كان لها نصيب الأسد من ضربات الطائرات المسيرة غير المسبوقة كماّ وكيفاّ، فعلى وقع تهديدات صنعاء لم يكن بوسع ابو ظبي ابعاد شبح المشاهد المتخيَلة لصواريخ كروز وأسراب الطائرات المسيرة وهي تهاجم المنشآت الحيوية في إمارة دبي العمود الفقري لدولة الامارات العربية التي لن تبقى متحدة إن حصل مثل هذا الهجوم.

على الجبهة الأوسع هناك توترات اقليمية متصاعدة بلا ضابط منذرة بالانفجار، بالإضافة الى تحولات متسارعة في مواقف الفاعلين الدوليين تدفع باتجاه وقف العمليات العسكرية في اليمن ورفع اليد عن قيادة التحالف المتهمة بارتكاب جرائم حرب والتسبب بأسوء كارثة انسانية في تاريخ الامم المتحدة، فالسعودية وبسبب جرائمها في اليمن وفي الداخل السعودي تقف اليوم في مواجهة محتدمة مع الكونجرس الأمريكي ومشاريع قراراته العقابية التي يقترب مؤيدوها في كل مرة من اجتياز حاجز الأغلبية المعطل لسلاح الفيتو الذي يستخدمه الرئيس ترامب كلما اقتربت عصا الكونجرس من رأس النظام السعودي، ومن غير المستبعد ان تشهد المرحلة القادمة احراز مثل هذه الأغلبية.

 أمام كل تلك التداعيات سارعت أبو ظبي الى القفز من طائرة التحالف التي تتضاءل فرص نجاتها كما يفعل الطيار الحربي عندما تفشل محاولاته في الهروب من الصواريخ المعادية، إذ لم يكن بوسع الامارات في ظل التحولات المتسارعة الانتظار على كرسي القيادة لفترة أطول، فالفرصة الذهبية للخروج بماء الوجه من المستنقع اليمني ربما لا تتكرر، لذا صدر قرار الانسحاب العسكري من اليمن وبات أمراً واقعاً تؤكده تصريحات الدبلوماسيين الغربيين ومسؤولين مقربين من أبو ظبي ليبقى الجدل محصوراً فيما اذا كان الانسحاب جزئياً أم كلياً، وحفاظاً على مشاعر السعودية المصدومة جراء ما تعتبره طعنة من الخلف لم تعلن الامارات رسمياً عن الانسحاب وحرصت على تسميته بـ “اعادة الانتشار” كما ساعدت في توحيد الفصائل المسلحة المتواجدة في الساحل الغربي من اليمن وربطها بقيادة التحالف في محاولات عبثية للتخفيف من وقع الصدمة المفاجئة التي هيجت الخلافات غير المعلنة بين الحليفين.

كانت عملية الانسحاب بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير السعودي المثقل بالخلافات المتصاعدة على خلفية تقاسم المصالح والقلق المتنامي من تزايد النفوذ الاماراتي في الجنوب، ففي الوقت الذي أحكمت فيه أبو ظبي السيطرة على مطامعها الاقتصادية ودورها السياسي في جنوب اليمن أخذت السعودية وبطريقة دراماتيكية تتحول من الحلقة الأقوى الى الحلقة الاضعف ومن لاعب اقليمي رئيس الى لاعب تابع للإماراتي الذي لم يكن يتمتع بدور يذكر في اليمن، فالمعروف عن الامارات انها ظلت لعقود منكفئة على تنمية مواردها غير النفطية وسقف طموحاتها ينتهي برؤية دبي مركزا اقتصاديا يحتل المرتبة الأولى على مستوى الجزيرة العربية أما اليوم فالوضع يختلف كل الاختلاف، فمع بسط السيطرة العسكرية على جنوب اليمن وخصوصاً محافظتي عدن وحضرموت باتت المصالح الاستراتيجية للسعودية مرهونة بموافقة صانع القرار الاماراتي سواء ما يتعلق بانفصال حضرموت عن اليمن كمشروع سعودي قديم او ما يتعلق بمد خطوط النفط السعودية عبر حضرموت الى بحر العرب هرباً من مخاطر المرور عبر مضيق هرمز الذي تحول اليوم الى كابوس مزعج لممالك الخليج وحلفائها الدوليين، حتى على مستوى التأثير في الساحة الجنوبية من اليمن فقد بات واضحاً للمتابعين مدى التراجع الرهيب الذي وصلت اليه السعودية وليس أدل على ذلك من عجزها عن اعادة الرئيس هادي الى عدن وفشل مساعيها الحثيثة في الحصول على موطئ قدم لعقد جلسات برلمان هادي لا في العاصمة المؤقتة ولا حتى في مدينة المكلا عاصمة حضرموت، وبعد مفاوضات معقدة نجحت السعودية في انتزاع موافقة اماراتية على انعقاد جلسات البرلمان في مدينة سيئون وسط تظاهرات جماهيرية حاشدة تطالب برحيل برلمان هادي الذي لا يمثل الجنوب تقف وراءها أدوات الامارات، وما تزال هذه المعضلة ومعها العجز السعودي قائمة حتى اليوم بدليل فشل زيارة رئيس برلمان هادي الى ابو ظبي في الحصول على موافقة محمد بن زايد باستئناف جلسات البرلمان من عدن، في ظل هذه المعطيات الصادمة التي لا تقل في دلالاتها عن قرار الامارات بالانسحاب المفاجئ من اليمن تتأكد حقيقة أن السعودية باتت بالفعل لاعباً تابعاّ للإمارات بعد أن كانت اللاعب الخليجي الرئيس إن لم يكن الأوحد.

هذه المكاسب مجتمعة تقود بدورها الى خلاصة محورية مفادها أن الامارات نجحت في انتزاع حصة الأسد من الدور القيادي في اليمن الذي تفردت به السعودية لعقود دون منازع خليجي، وهنا مكمن الوجع السعودي الدفين المتفاقم بفعل الدور الاماراتي المزدوج القائم على وضع قدم في التحالف وأخرى تتحرك في كل الاتجاهات متجاوزة الخطوط الحمراء بهدف تعزيز الدور القيادي للإمارات وهو ما تعتبره الرياض المستلبة تعدياً صارخاً وغير مسبوق على دور ومكانة الشقيقة الكبرى لا أظنه يمر دون ردود فعل انتقامية تعيد لصانع القرار السعودي اعتباره اللائق بمكانته القيادية ولشركاء التحالف اوزانهم الحقيقية ولو بعد حين، فتحركات أبو ظبي السرية باتجاه بعض العواصم المطلوب منها ان تسوق لصنعاء فكرة الانسحاب مقابل ضمانات بعدم الاستهداف لم تنجح في تحقيق الهدف وربما تطلبت الخضوع لعملية ابتزاز باهضة الكلفة، لذا وجدت ابو ظبي نفسها مضطرة للنزول من الشجرة وتجربة مسار الخط المستقيم عبر قنوات تقليدية الراجح أنها تمكنت من العودة بما يحفظ ماء الوجه،  هذه القنوات لا تختلف كثيرا عن تلك التي اوصلت الرياض الى اتفاق ظهران الجنوب الذي عدّه كثيرون انتصاراً للرياض وكان بمقدورها ان تجعل منه مساراً للخروج المشرف من مستنقع اليمن لكنها أضاعت الفرصة، ويبقى الفارق المهم هو قدرة ابو ظبي على التحول المرن من ذهنية  المقامر الى ذهنية البراجماتي وبالتالي القبول الذاتي بالانحناء للعاصفة عندما يكون الانكسار محصلة طبيعية للوقوف في وجه الإعصار وهذا ما لا تجيده الرياض.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. معلومات الكاتب خاطئه
    اولا محمد الحوثي صرح لرأي اليوم ان الامارات اعادت تموضع قواتها و لم تنسحب
    ثانيا الحوثي لن يقصف مطارات و مصالح دبي لان دبي رئة الاقتصاد الايراني الذي يتنفس من خلال عشرات الشركات الظاهره و المخفيه و العامله في دبي و لن يجرؤ الحوثي على قصفها الا بتوجيهات ايران و المتتبع لتصريحات الحوثيين منذ 4 سنوات يجد انه يهدد الامارات بدون اي استهداف حقيقي و جاد
    ثالثا لم يحقق الحوثي من ضرب الاهداف السعوديه بالطائرات المسيره اي نتائج على الارض اليمنيه فقواته باقية في ثكناتها و لم تحرر اي مساحات من التي يسيطر عليها التحالف و من معه
    رابعا عبدالملك الحوثي قوي بخبراء حزب الله الموجودين معه و الذين يحركون الباليستي و الطائرات و المسيرة و يقدمون الدعم اللوجستي التقني العالي بالاضافه الى انه في اي معركه حتى لو كانت اقتحام منزل صغير يدفع بعشرات من المقاتلين و لا يبالي بمصائرهم و لا يحسب اي قيمة لنفوس البشر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here