عيد اسطفانوس: عن الحرية والتغيير في الوطن العربي

عيد اسطفانوس

  فات هؤلاء الذين تجمدوا عند القرن السادس أن الافق لم يعد حدوده  خط التماس مع الرمال  فقد اتسع اتساعا هائلا بينما يغطون فى نوم عميق داخل كهوف فى البوادى   ، وبينما هم ههنا نائمون  تسللت أفكار وأدوات وتقنيات  الاجنبي الاعجمي الكافر الملحد وغزت غرف النوم وتلقفها الشباب النهم للمعرفة الحقيقية القابع خلف الشاشات الكريستالية، تلقفوها منتجات من التكنولوجيا والابداع والابتكار المبهر ،وهو منتوج التحرر والتجديد والحضارة والمدنية التي صوروها له على أنها رجس ومعصية وزندقة وخروج عن الملة وعن طاعة ولي الامر، لكن هؤلاء الشباب اكتشفوا  أن كل هذه الترهات التي لا يمل المنظرون الكبار من ترديدها وبثها ليل نهار قسرا في عقولهم، اكتشفوا أنها مكلمة أزلية فاسدة، مكلمة جربوها سلفا وجربوا نتائجها الكارثية على كل قضايا هذه الشعوب المنكوبة، مكلمة عنعنات محفوظة ومكررة  وممجوجة، مكلمة يستدعون فيها نفس الاصوات الزاعقة وكأن البشر مازالوا في الصحارى ، ويستدعون نفس الازياء وكأن البشر مازالوا يركبون الإبل، إلا أن أجيالا شبت على غير هواهم، وعلى غير ثقافتهم وعلى غير نمطهم في الحياة، أجيالا اخترقت عوالم الحداثة والتقنية، بينما الكبار منشغلون بسيرة زواج الجن بالإنسية والعلاج بالحجامة وبول البعير بينما هم فى هذا المستنقع الآسن  حسمت هذه الأجيال أمرها  حسمت الصراع النفسي الهائل الذي عانته بسبب هؤلاء الذين ضخوا في عقولهم الغضة أكاذيب مجتمعات التعالي والتفوق والتمايز العرقي والديني والمذهبي، حسموه لما شبوا عن الطوق ورأوا بأعينهم حجم الكذبة الــــهائلة التي تعرضوا لها لقرون وعقدوا المقارنة التاريخية الحاسمة واكتشفوا الحقـــيقة المرة، فهذه مجتمعات فاسدة يتوارثها حكام فاسدون، مجتمعات متخـــلفة منقسمة لا تنتج حتى ما تأكله، حتى الثروات التي حصل عليها بعضهم بتصاريف القدر لم تستطع إلا أن تزيد الهوة اتساعا بين الغنى الفاحش والحياة تحت خط العدم، مجتمعات راكدة كمياه البرك المغلقة  لاابتكار ولاابداع ولافنون ولا ثقافة

ويتساءل الناس ما هو القاسم المشترك بين ما حدث ويحدث وما سيحدث في كل المنطقة  وآخرها السودان ؟ والجواب هو أن القاسم المشترك بين كل هذه  الشعوب أن كلها  مستعبدة تكلست مفاصلها وأصابها  الجمود والتحجر وانسدت فيها  شرايين التغيير، التغيير الذي هو قرين الحرية وتوأمها الملتصق وهو سنة حياة سنها الخالق دورة لكل الكائنات والمجتمعات، دورة حياه تبدأ وتنتهي في ديناميكية متناغمة، سنة تغيير ازلية تطال  الجميع، شخوصا وآراء وأحداثا ومواقف ونظريات وتحليلات وعقائد ودولا وأحلافا، وحتى النبات والحيوان والجماد ،كلها خاضعة لسنة الكون وخالقه في الغداة والرواح، أي التغيير والتحول وبالتبعية التطور والتنوع المثري، أما أن يجثم على صدرك حاكم لنصف قرن فذاك شر البلية التي ابتليت بها هذه الشعوب المغلوبة، فتارة يتوارثوهم بتأويلات ترتكن إلى العقيدة وتارة بتأويلات ترتكن إلى التاريخ، وأخرى إلى الجغرافيا،

إن هؤلاء الواقفين ضد دوران عجلة الزمن لا يتعظون وسوف تدهسهم تروسها  التي تتسارع كل يوم عاجلا أو آجلا.

فهؤلاء الشباب قبضوا على لحظة الحقيقة التي ظهرت في الافق كومضة أشعلها منذ عقد من الزمن ذاك الشاب التونسي البائس، عندما جعل من جسده شعلة كشعلة أولمب، وهي تطوف الآن بكل المناطق الموبوءة بالظلم والقهر والعنصرية، تطوف لتنير سبيل هؤلاء الشباب إلى طريق العتق من القهر والعبودية، وبينما يتشبث الحكام بكراسيهم التي كان  بعضهم قد اقترب من اكمال خمسة عقود قابعا فوقها من دون حراك ويطمع في المزيد، وهو زمن نهضت فيه أمم من العدم، وأصبحت تحتل مكانه بارزة، نهضت الصين ونهضت اليابان ونهضت كوريا ونهضت ماليزيا ونهضت سنغافورة واتحدت أوروبا وشعوب كثيرة في كل بقاع الارض انفتحت على الدنيا وتخلصت من أوهام وهواجس الغزو والتبشير والكائنات الغريبة التي تحوم على الأطراف ليل نهار، أوهام محو الثقافة والعقيدة، وتوقف الزمن بهؤلاء ارتكازا على شماعة المؤامرة، ونعود الى الشاب البوزيدي الذي أوقد الشعلة وعلى ضوئها استشرف أقرانه في كل المنطقة  صورة المستقبل وهبوا في تسونامي رهيب مكتسحين كل رموز وأصنام الماضي، لكن قوى الشر المتربصة استشعرت الخطر القادم وهبوا ليطفئوا شمس الحرية التي أشرقت بعد احتجاب طويل، فنجاح الثورة في السودان ونكرر السودان بالذات سيكون كارثة على مموليهم ورعاتهم فالسودان كان الباب الملوكى لنشر التطرف والتعصب والارهاب فى كل شرق ووسط أفريقيا  بالطبع مع الفرع الرئيس فى مصر ، كما أن التغيير والحرية وهما صنوان سيدفعان للتفكير وهو أمر جد خطير أن تعود العقول لاستعمال الهبة الالهية التي تميز الانسان عن الحيوان وهي التفكير، التفكير الذي لا شك سيكشف تلك الغمامة السميكة التي غشت العيون والعقول الغمامة التى تمنع الانسان من الخروج عن المسار المحدد له سلفا، يساق مسيرا من باب رحم أمه حتى باب القبر، باعتباره كائنا ناقص الاهلية لا يستطيع أن يميز بين الخير والشر، التفكير الذي فتح عيون الشباب وهبوا رافعين راية إحياء قيم الرابطة الانسانية النبيلة التي افتقدوها في خضم بحر هائج من الشعارات والتأويلات الطائفية والعنصرية البغيضة المسيسة لمصلحة حكام طغاة، هب الشباب رافعين شعارات التآخي والتعاون والمحبة والحرية والمساواه لتصحيح الصورة المشوهة لهذه البقعة الطاهرة من الكوكب التى باتت  مزرعة تفريخ للإرهابيين الذين يدبرون لتدمير الحضارة الانسانية، ومزرعة للفتاوى العنصرية التي استعدت علينا كل الكوكب ، ولن يهدأ بال أنظمة القهر باسم الدين  حتى يطفئوا شمس هذه الثورة الوليدة بسكب براميل الفتاوى لإشعال الفتن النائمة، ولإطفاء الهمم التي استيقظت، والآمال التى ابتعثت بعد موات ترى هل يستطيعوا أن يطفئوا الشمس ؟ أم ترى سيحرقهم لهيبها المتعاظم الذي بات يحاصرهم من كل اتجاه.

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. انهم قله واقليه مرضى ومهوسون يدمرون ولا يبنون وهم القدوه التي تفتن الناس قريبها وبعيدها وتشوه الوحه الحقيقي لثقافتنا وديننا . وهم اشد خطر على الامه من العدو البعيد المتربص .
    انهم 1% من الامه ولكن حين نحولهم الى عدد فهم 10 مليون انسان بفكرهم وعقدهم واساليبهم ووسائلهم وهم مايوازي جيشي النازي والفاشي مجتمعين ..حقيقه مره . ما الحل . ربنا يشفيهم ويهدينا ويهديهم .

  2. يا استاز، ما عاد السعودية و ايران، ليس هناك دولة عربية او اسلامية “دينية” ، وارى ان احداهما في طريق النجاح على ما يبدو.

    اما باقي الدول فهي خليط غير واضح المعالم، من علمانيين وقوميين وقليلا من الليبيراليين. ولا دولة نجحت او حتى قطعت شوطا يبعث الامل في نفوس الشعوب.

    يعني، على الاقل، الدولة الدينية معها احتمال نجاح 50٪.

    يا استاز عما تكتب، وما قصة القرن السادس، تقصد الرومان ام الفرس….

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here