عيدالرحيم جداية: الحدث الروائي في صخرة نيرموندا للروائي بكر سباتين

الشاعر والناقد عيدالرحيم جداية

إضاءة:

كان صلاح فضل يقول لنجيب محفوظ، عندما نقد روايتيه الحرافيش وأولاد حارتنا، لقد دخلت على الأسطورة بخجل، ولو دخلت عليها بقوة، لتفوقت على الأسطورة يا نجيب محفوظ.

 قد يقتصر الحدث في أذهان البعض على الفعل والفاعل، كما يقتصر أيضا في تفكير البعض على الفعل والمفعول به، فالحدث ينتج عن فعل لازم أو متعدي، وهذا الحدث، حدث لغوي بسيط، يسهل الوصول إلى معناه بدرس نحوي بسيط ايضا، لكن الحدث الروائي، هو الذي يجيب على سؤال الراوي، السؤال الأكبر الذي يتضمن سلسلة الأحداث، في السرد، والوصف، المنتجة للمشهد الروائي، لكن الحدث الروائي بكليته، هو الذي يحمل مجمل المشاهد الروائية، في حدث كلي، يتسع للفعل الروائي، واللغة الروائية، من سرد، ووصف، وصور فنية، وإنسانية، واجتماعية، يتضمنها المشهد الروائي.

فالحدث الروائي، حدث يتضمن حالة الفعل، والصور الناتجة عنه، والفضاء الذي يتحرك فيه الحدث، والحواس التي تتلمس الحدث، والمشاعر، والعاطفة، التي تعيش الحدث، وتحكم عليه بِإيجابيته، أو سلبيته، لا فرق، فالمهم أن يكون الحدث الروائي ناجحا فنيا، بما يتضمن عند بكر سباتين في صخرة نيرموندا من:

1- الأسطورة:

 إذا كان الحدث من الحدوث في الزمان والمكان، أي إتمام الفعل، والقيام به في زمان ومكان محددين، والأسطورة حدث مفتعل في الخيال والذاكرة الجمعية، كيف استفاد بكر سباتين، من أسطورة صخرة نيرموندا، وحكاية الأميرة، والتنين كراكون، اللذان أسقط المكان في الزوايا الدلالية، على نيرموندا مقابل يافا، لكن الزمان مبهم غير محدد في التاريخ الإنساني، لكنه محدد في الذاكرة الجمعية الفلسطينية في يافا، لتحمل الأسطورة فكرة النجاة، والبعث، والإنفلات من غضب التنين كراكون، كما يأمل بكر سباتين، أن تنفلت يافا وفلسطين، من غضب تلك الأساطير، التي أفتعلها اليهود، للسيطرة على يافا وفلسطين، وربما تصل أسطورة أرض الميعاد، وشعب الله المختار، إلى خرافة حكائية، قابل فيها بكر سباتين بين أسطورتين، ليدحض الخيال بالخيال، ويبقى الواقع جميلا، محلقا، في الزمان والمكان على مر التاريخ.

2- الواقواق:

          يعيدنا طائر الواقواق، إلى رواية (كاين كيسي) طيران فوق عش الواقواق، حيث تدور الأحداث في مستشفى المجانين، وقد عمد اليهود في رواية صخرة نيرموندا، إلى تربية الواقواق، من خلال شخصية داوود المخلخلة، التي حملت الوهم اليهودي، بأن يحل الواقواق، الطائر العدواني، في عشوش طيور فلسطين، التي ولدت في فلسطين، وستبقى فيها على عكس الواقواق العدواني، الذي لا يعرف أرضه وبلاده، فإدعاء الواقواق، هو إدعاء يهودي بحت، وأسلوب يهودي في زرع المستعمرات، والتعدي على يافا، ومسح معالمها، لإثبات هوية يهودية، لا وجود لها إلا في الوهم اليهودي.

3- المقاومة:

          تمثلت المقاومة في كثير من بلدان العالم للإستعمار بالطبقة المسحوقة كما الثورة الفرنسية التي قام بها الشعوب الفرنسية المسحوقة، كذلك غاندي في الهند الذي قاد الشعوب المسحوقة ضد الإستعمار البريطاني، ولا ننسى جيفارا وغيره من رموز المقاومة مثب نيلسون مانديلا، لكن رواية نيرموندا قد جمعت المقاومة التي انبثقت من بيوت العشوائيات إلى قصور الباشاوات في وحدة وطنية جمعت المسيحي والمسلم في إطار مقاومة اليهود من يافا وفلسطين.

4- الرمز:

          مثلت بلقيس رمزا في الحب، والعذاب، والقهر، لكنها مثلت دور الأنثى، في المقاومة، وهذا الرمز مقتبس من القرآن الكريم، في قصة بلقيس ملكة سبأ، لتكون بلقيس في التنقل بين الثوار، والأحرار في يافا، ملكة يافا، التي عملت على حمايتها من جنود الإحتلال، وقد أجاد بكر سباتين، بتوظيف هذا الرمز، ليدل دلالة جمالية، ومضمونية، على دور المرأة في المقاومة الفلسطينية.

5- المكان:

          نشطت الأحداث في رواية صخرة نيرموندا مكانيا، حيث يافا المدينة، ويافا البحر، ويافا البيارات، والمزارع، في هذه الثلاثية نشطت أحداث الرواية، وتقصي الراوي بكر سباتين تفاصيل المكان في شوارع يافا، واحيائها، وفنونها المعمارية، بتتبع ذكي، أقام فيه بناءً روائيا، تركز حول 1942 لكن الأحداث، التي ولدت في يافا المدينة، تعالقت مع يافا البحر، والشاطئ، والصخرة، والموانئ، والعمال، والسفن، والشاحنات، يافا المتحركة دائما حتى المكان حيث مسجد البيك، كل الشخوص تدور حوله وحول الباعة، لكن النضال والمقاومة، قد استفادا من البيارات والمزارع، للدفاع عن يافا، فيافا أم الغريب، مكان مهدد حاليا بالزوال، بإمتداد البناء الصهيوني لمدينة تل أبيب، حيث تل الربيع المجاورة ليافا أم الغريب.

الخاتمة:

          أن سيطرة الروائي بكر سباتين، في روايته صخرة نيرموندا، على عناصر الحدث الروائي المتعددة، والمتشعبة في بناء هندسي، تشكل الميزة الأبرز في بناء الحدث الروائي في الزمان والمكان، اللذان تشابكا مع الشخوص في حركتهم، وتاريخهم، ومقاومتهم، مستفيدا من الأسطورة، في تشكيل أحداث روائية متكاملة البناء، في حدث روائي أكبر، يشكل الرؤية الكلية للكاتب، بعد الإنتهاء من نصه الروائي.

          فالعناصر الروائية، تنفلت كثيرا عند بعض الكتاب، لكن بكر سباتين، استطاع أن يجمعها في بوتقة بنائية جمالية، مقدما مضمون القضية الفلسطينية، في فنية الروائي الذي يوحي بالمشهد الروائي، لتشكيل الحدث في نظرة جمالية إبداعية، وربما الفنان، والمعماري، وعالم الرياضيات بكر سباتين، قد تجمعوا في نسخة مثلى للروائي بكر سباتين في رواية صخرة نيرموندا.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الشاعر والاديب والناقد والتشكيلي عبد الرحيم سليمان الجدايه هو ابن ايدون واربد وصما والقدس وسيلة الحارثيه ووهران والقاهرة والعيون ,قرائتك للرواية بالاختزال هو اضافة نوعية للنقد الادبي, ودعوه مفتوحة لقرائتها

  2. أبدع الناقد حقا بطريقة تناوله لهذه الرواية الوطنية االجميلة لتي تعج بالحنين ليافا عروس البحر، ونهج اسلوبا مغايرا وملخصا ولافتا ومشووقا ووربما فريدا بطريقة العرض الجذابة المفصلية من اوجه عديدة فبوركت جهوده…

  3. ببصراحة والصراحة راحة االرواية جيدة وعادية وهذه ثالث او رابع دراسة نقدية تنشر عن هذه الرواية “اليتيمة” حيث ربما لم ينشر الكاتب وهو فنان تشكيلي اصلا غيرها…ولا اعرف ما المغزى حقا من نشر أربع كتابات حول رواية عادية فيما سوق الروايات يحفل بالكثير من الابداعات الروائية المميزة…ويبدو ان الروائي يطلب من بعض اصدقائه الكتاب وضع مقالات عنها وهذا مؤشر على جفاف الابداع واعرف ان كلامي مباشر ومؤثر ويمكن ان يحذف ولكن النزاهة الكتابية هي السبيل الوحيد لتقدم ابداعنا متمنيا أن نقرا قريبا رواية جديدة للكاتب الفنان المبدع وأن يحفزه كلامي هذا للمزيد من الكتابة الروائية الجميلة….ودمتم جميعا بخير والحق يفضل ان يقال!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here