عن مسلسل الود والكلام المعسول.. حماس تغسل الخطايا

الدكتور محمد بكر

بعد سلسلة من التحولات والتطورات التي طرأت على المشهد السياسي العربي برمته، باتت فيها لعبة المحاور ومفرزاتها اكثر وضوحاً ، وشكل الاصطفاف وطبيعة العداء أكثر رسوخاً، ولاسيما بعد تغير مآلات الأمور وماباتت عليها الصورة من سوداوية وقذارة ، فجر القيادي في حركة حماس الدكتور محمود الزهار  ” قنبلة سياسية” من العيار الثقيل، عندما صرح لموقع النهضة نيوز بأن ” النظام” في سوريا فتح لهم كل الدنيا، ودعم حماس وغير حماس، وكان على الأخيرة أن لاتترك الأسد، مضيفاً أنه يجب أن نصدح بالحقيقة والصدق، بالرغم ان ذلك لن يعجب البعض بحسب قول الزهار.

صحيح أن بعض من القيادات الحمساوية كانت قد أعلنت سابقاً مواقف سياسية من الدولة السورية شبه متوافقة مع تصريحات الزهار، لكن إعلان الأخير كان متمايزاً جداً لجهة التخصيص في شخص الأسد، خليل الحية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، وصالح العارور كانوا قد أكدوا على الدور السوري وأهميته في المنطقة، قبلهم اسماعيل هنية وصف مايجري في سورية في تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية في العام الماضي بأنه فتنة وقد باتت الساحة السورية مسرحاً لتصفية حسابات دولية واقليمية، كل تلك المواقف تأتي كانعكاس لمجريات الحرب في سورية، وميل الكفة لصالح دمشق وحلفائها، تدرك الحركة أن حساباتها وتفاعلها وانتصارها لبدايات ” الثورات” العربية، كان سلوكاً مندفعاً تطاول كثيراً في الإعلام والسياسة، ولاسيما بعد وصول الأخوان المسلمين لسدة الحكم في مصر، وبات التقرب من ” جوقة” الأخوان ،السمة الأبرز لأداء الحركة التي تنقّل قاداتها كثيراً بين قطر ومصر وتركيا.

السقوط المتسارع للأخوان في مصر، وبعدها السقف المحدود لجملة ” العطايا” القطرية والتركية، والتي لاتتناسب والأهداف المعلنة للحركة بصفتها فصيل مقاوم مسلح، وإدراك الحركة أن تطوير القدرات والوصول للحالة الردعية العسكرية في وجه الكيان الصهيوني، لايمكن أن تصيغها العلاقة مع قطر وتركيا، كل ذلك كان الأساس في الانقلاب الحمساوي، تقربت الحركة مجدداً من طهران وحزب الله ، وتنامت صورة ذلك بعد جملة من التحديات على المستوى الداخلي ” الوضع الاقتصادي” واخرى على المستوى الخارجي ” صفقة القرن” ،وجملة التحالفات التي باتت تصاغ تحت مسميات مختلفة ليس فقط لتصفية القضية، بل لتصفية محور بعينه.

حماس اليوم باتت تتلمس ضرورة أن تصيغ استراتيجيات مختلفة في التعاطي مع الاصطفافات الحاصلة، لا بل باتت تدرك ان المواقف الرمادية او التعاطي الحيادي مع الأحداث، لن يجلب الحلول ولن يبعدها عن رياح الخطر، وأن سد الباب في وجه الأخيرة لن يستجلب الأمان مطلقاً، ولاسيما أن قطار التطبيع يمضي مسرعاً على سكة الاستهداف وجملة من النيات المفضوحة تجاه القضية الفلسطينية.

الأيام القادمة ربما تشهد حراكاً تقوده طهران وقيادات من حزب الله من اجل تعبيد طريق الحركة نحو دمشق، والتفاوض مع الأسد من اجل إعادة المياه ” لسواقيها” ، قبول دمشق أو رفضها هو مرهون بما تقدمه الحركة من سياسات مختلفة، ولعل من أعلن على لسان وليد المعلم في حديث للميادين لجهة أن دمشق من الممكن أن تعود علاقتها بالجانب التركي لوضعها الطبيعي، فيما لو توقف الأخير عن دعم المعارضة المسلحة، وانسحب من الأراضي التي احتلها في الشمال السوري، من الممكن أن يغفر لحماس اذا ما انتهجت سلوكاً مختلفاً، وقُدّمت ضمانات من خلال الراعين لعملية المصالحة.

السياسة تعلم الكثيرين بأن المواقف والمشاهد لايمكن أن تبقى ثابتة، بل هي مجبولة بالتحولات وكم هائل من المرونة ولغة المصالح، وعند هذه الأخيرة تقدم الحركة مصلحتها ومصلحة القضية بالتقرب من دمشق على حساب أي مصلحة حزبية أو فصائلية، وتدرك ربما  أن ” غسل” الخطايا ممكن، والوصول المتأخر خير من عدم الوصول.

* كاتب صحفي فلسطيني

روستوك – ألمانيا

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here