عن قتل “يهودي” من أُصولٍ إثيوبيّة في الدولة العِبريّة!

خالد الجيوسي

هذه المَرّة تُسلّط الأضواء على العُنصريّة الإسرائيليّة، ولكن من زاوية أخرى بعيداً عن مأساة الشعب الفِلسطيني، ومُحاولات الإعلام والعربي منه على وجه التّحديد، حرف النّظر عن قضيته ومُعاناته، والحديث عن وجود السرطان الإسرائيلي، وكأنه من المُسلّمات التي يجب التعايش معها، وتقديم التنازلات وفقها.

في إسرائيل كدولة عبريّة صهيونيّة، يُحدّثونا عن مملكة من الديقراطيّة الحديثة بين دول عربيّة شرق أوسطيّة، لكن الصورة القادمة من هُناك تكشف مدى الزيف والخِداع لهذه الدولة، والحديث بالطبع ليس عن احتلالها فلسطين، وتهجيرها شعبها، ومُمارستها كُل أنواع التهجير العنصري القائم على الهُويّة العربيّة الإسلاميّة، والتمييز القائم على ذلك النوع من الاحتلال الاستعماري، كآخر بلاد تخضع للمُحتل بهويته العصريّة الحديثة.

إسرائيل ليست دولة قوميّة لليهود كما يتم تصويرها في الإعلام، وتخوض حرباً لجمعهم تحت شعارها الصهيوني، فالتمييز الصارخ بين أصول أولئك اليهود، يخضع لمعايير عُنصريّة تمييزيّة، كان آخرها حادثة فجّرت الاعتراض، والتظاهرات الغاضبة، على خلفيّة مقتل يهودي من أصول “إثيوبيّة” على يد شرطي كان خارج يوم دوامه الرسمي.

الآلاف من الإسرائيليين خرجوا إلى الشوارع اعتراضاً على مقتل اليهودي الشاب، أغلقوا الشوارع، نظّموا اعتصامات، وأغلقوا الطرقات بالإطارات، بل إنّ 111 شرطيّاً أُصيبوا خلال تفريق المُتظاهرين، وأطلقت قوات الأمن الإسرائيليّة قنابل الغاز المُسيّل للدموع لتفريق المُحتجّين الغاضبين، كما اعتقلت عدداً منهم، في مشهدٍ فوضويٍّ يُشبه الكثير من مشاهد تعاملات قوى الأمن العربيّة العنيف مثلاً مع مُظاهرات شعبيّة مطلبيّة أو اعتراضيّة، وتنتقد الحكومة الإسرائيليّة كيفيّة التعامل اللاديمقراطي معها، كونها (إسرائيل) دولة قانون ومُؤسّسات.

هذه المشاهد القادمة من دولة الاحتلال الإسرائيلي دولة “القانون والمُؤسّسات”، تدل على أنّ دولة إسرائيل المزعومة، ليست دولة ذات قضيّة هدفها استعادة حُقوق اليهود على اختلاف أصولهم، وانتماءاتهم كما يروج، بل هي دولة عُنصريّة حتى مع مُواطنيها اليهود، لكن مُجرّد ذنب بعضهم كما جرى مع القتيل سولومون تيكا 18 عاماً من أصول إثيوبيّة اختلاف لون بشرته، وتفضيل يهود العرق الأبيض الأوروبيين عليهم، فكيف هو الحال مع الفِلسطيني الذي يقتله الجيش الإسرائيلي بذرائعٍ مُختلفة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نِتنياهو، والذي عجِز عن تشكيل حُكومته، ويُواجه اتّهامات بالفساد، قد تنتهي برميه خلف القُضبان بعد رفع الحصانة، لم يكن ينقصه سوى قضيّة رأي عام تهُز أركانه، وتضعه في موقف المُحرَج، والمُدافع عن نفسه، وإثبات عدم إخفاقه في جميع الملفّات، حيث أعرب عن أسفه لمقتل الشاب الإثيوبي “المأساوي”، وأعترف مُجبراً بعد تفاقُم حالة الاحتجاج الغاضب من المُتظاهرين أمَلاً في تهدأتهم، وثنيهم عن إغلاق الطرق، بأنّ المُجتمع الإثيوبي يُواجه مُشكلات، ويحتاج إلى المزيد من العمل لحل المزيد من المُشكلات، مُناشداً المُحتجّين التوقّف عن إغلاق الطرق.

الدولة العبريّة تستنفز، وتُلاحق جميع من يعملون لفضح جرائمها بحق الشعب الفِلسطيني، وتُلاحق من يُشكّكون برواية المحرقة التي تعرّض لها اليهود على يد الألمان النازيين (نظام أدولف هتلر) بتُهمة مُعاداة الساميّة، لكنّها وفي ذات الوقت، تُقيم دولتها على أسس تصنيف الأعراق، وتُميّز بين مُواطنيها اليهود وفق أصولهم، ومنابتهم، ولون بشرتهم، وحادثة مقتل اليهودي الإثيوبي دليلٌ ثابتٌ في ذلك السّياق، تماماً كما وضعت “النازيّة” العِرق الآري الجرماني في قمّة الهرم، بينما جاء اليهود، الغجر، والروس في أسفله، إذاً ألا تُمارس الدولة العبريّة “نازيتها” بفهمومها وتعريفاتها للعصر الحديث؟

هذه الحادثة “العُنصريّة” ضد يهودي إثيوبي ليست الأولى من نوعها، فقد أطلق شرطي النار على رجلٍ يهوديٍّ من أصول إثيوبيّة، يناير الماضي، وكان الرجل يحمل سكّيناً، حيث اعتبرت عائلته أنّ الشرطي قد استخدم معه العُنف المُفرط، وهو ما نتج عنه أيضاً إغلاق المُحتجّين للطريق السريع احتجاجاً، وهذا يشي بالكثير، ويحمل بدون أدنى شك دلالات عُنصريّة، تحمل طابع الإصرار والترصّد، كما في الحادثة الحاليّة التي فجّرت التظاهرات الغاضبة في حيفا، وتل أبيب،  القدس على مقتل الشاب صاحب 18 ربيعاً على يد شرطي، قال شهود عيان لوسائل إعلام إسرائيليّة، أنّ الشرطي لم يتعرّض لخطر أو هُجوم، ممّا يُحمّل الحادثة طابعاً عُنصريّاً.

بكُل الأحوال، دولة إسرائيل لا يُمكنها أن تكون دولةً جامعةً لليهود، أوّلاً لأنها تقوم على أراضٍ مُغتصبة، وهذه حقيقة تاريخيّة لا يُمكن إنكارها، فأرض فِلسطين هي مُلك الشعب الفِلسطيني الأصيل، ولا بُد له أن يعود يوماً وإن طال لجوءه، وشتاته، واحتلاله، وثانياً لأنّ إسرائيل الدولة هذه عُنصريّة حتى مع مُواطنيها من الدرجة الثانية والثالثة، لاعتبارات عديدة، أبرزها لون البشرة، وكما هاجر الجميع إلى إسرائيل المزعومة لاعتبارات ديمقراطيّة وإنسانيّة، واقتصاديّة، سيأتي اليوم الذي يُغادرونها لاعتبارات تمييزيّة وعُنصريّة، وهذا اليوم نَراه ليس ببعيد، فامتِهان الكرامة المُفضي للموت، من أكثر الأفعال حماقةً التي قد ترتكبها الدولة مع مُواطنيها، ولا نعلَم إذا كان الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين يستطيع كما صرّح منع الموت التالي، الامتهان التالي، ووقف العُنف، فدولة مُحتلّة مِثل دولته معروفة بامتهان الشعوب، والفِلسطيني تحديداً، لا يُعوّل عليها كثيراً!

كاتب وصحافي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. الاخوه المعلقين باسل وغسان . لا حاجه لانتقاد الشعب الفلسطيني المظلوم فلو فعل الفلسطينيون ما فعله اليهود الاثيوبيون لتم فتح النار عليهم وقتلهم جميعا ليس من الشرطه فحسب بل من المستوطنين المسلحين ايضا. اوضح مثال مسيرات العوده في غزه حيث يتم قتل حتى المسعفين ومراسلي الصحف الذين يحاولون تغطية اخبار المسيرات التي تعتبر سلميه بكل المقاييس .

  2. اولا و بعد اجمل تحية” السلام على من اتبع الهدى” أثمن عاليا ما جاء في هذا التقرير الصحفى الفاضح لعنصرية الكيان الاسرائيلي و نفاقه تجاه
    ا شخاص عموما ينتمون لطينته الفاسدة في غالبية الأحوال أو الأ خر سواء عربي مسلم أو مسيحي …هذه الشخصية العدوانية العنصرية باساليبها الإرهابية فاقت بملايين السنوات الضوئية ممارسات “الابارت هايد” هو، النازية “والعدوان الفرنسي تجاه الشعب الجزائري .

  3. كنت انتظر بفارغ الصبر نشر الڤيديوات المصورة لاعمال العنف والحرق وقتل الشرطة من قبل الشباب الإثيوبي ، نشرها التصدر عناوينها على الأقل في قناة الميادين مثلا أو على صفحة رأي اليوم ولكن للأسف !!!!!!!!!!!

  4. كما قال المعلق باسل
    لماذا الفلسطينيون لا يقوموا منذ ٧٠ عاما كما فعله الاثيوبيون ,, فهل الاستراتيجية الفلسطينية هي التعايش مع من لا يريدونهم ولا يريدون التعايش سوى مع هم بالدولة التي اعلنوها ,, ولكن لا بد للصهاينة ان يرحلوا فكل شيء يبنى على باطل لن يدوم ,, فان كانت الارض اجبرت عليهم فالسماء ترفضهم وترفض غطرستهم ,, عنصريتهم ستنقلب عليهم والفساد الذي نشروه بالعالم انقلب ايضا عليهم والتحريض الذي مارسوه بين الشعوب والدول انقلب عليهم ونتمنى اليوم الذي تنقلب الارض عليهم فيصبح عاليها واطيها وهو يوم موعود ,,

  5. استاذ خالد ربما مقالك الوحيد الذي تناول هذه القضية وكم اسعدني طرحك للقضية للاضاءة على عنصرية هذا الكيان.
    بالمقابل ولانني اعرف انك منفتح على الجانب العربي المنبطح اللاهث لعلاقات مع هذا الكيان، كنت اتمنى لو سلطت بعض الضوء على ما طرحه الكثير ممن يدعون الثقافة وهم يعيشون في بقعة ارض تتبع غصبا لال سعود، هؤلاء استعملوا هذه الاحداث باظهار كم ان الفلسطيني كاذب منافق وكيف ان هؤلاء الاثيبوبيين في خلال ساعات فعلوا ما فشل به الفلسطينيون على مدار سنين.

  6. لا أحد من العربان يجرؤ على نقل الخبر أو ذكر الأحداث بالعنصرية السرائيلية
    لان يعرفو إسرائيل ستفتح ملفاتهم أمام العالم و
    إذا كانت السعودية مثلا ملفها قتل اليمنيين
    وقطر ملفها عنداسرائيل استعباد وموت عمال الأجانب في المنشأت الرياضية
    كلها مصالح وشكرا

  7. ومواقع التواصل عطلت ليس في اسرائيل فقط ، حتى لا يقال ان اسرائيل فعلت ذلك لكي تخفي ما يجري ،
    بل تم تعطيلها على مستوى العالم لكي لا يتم تداول مقاطع للاحتجاجات في اسرائيل ، وهذا يدل على تحكم
    اسرائيل على هذه المواقع ،
    تحياتي ،،

  8. الاعلام كله اخرس و اعمى امام تلك المظاهرات بعشرات الالاف و كأن الامور تجري في كوكب آخر. و حين يخرج بضعة اشخاص في مظاهرة احتجاج في اي بقعة من فنزويلا او ايران او العراق او سوريا تظل وسائل اعلامهم تنبح ليل نهخار بكاءً على الديمقراطية. ان الله فضح ديمقراطيتهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here