عن “عدالة” وباء “كورونا”: الانظمة العربية تخاف من رعاياها أكثر!

طلال سلمان

مرة أخرى تبدى النظام العربي قاصراً، متخلفاً، لا يحترم شعبه حتى لو خاف من ثورة الغضب المكبوت في صدور الناس: فلقد خاف هذا النظام من “رعاياه” أكثر من خوفه عليهم من وباء الكورونا.

تسابقت أجهزة الاعلام في الوطن العربي، ومعظمها مملوك من دولها، إلى نشر الاخبار عن تمدد هذا الفيروس الخطير في مختلف دول العالم، مع اجتهاد مدفوع وحرص مشبوه على إنكار واقع الامر ومدى انتشار هذا الوباء في الممالك والجمهوريات والامارات العربية هشة التكوين والتحصين في وجه الاوبئة التي تصيب ـ في الغالب الاعم ـ الرعايا، ولا ترقى ـ في تقديرهم ـ ادراج القصور المحصنة وسرايات الحكم المحروسة بصرامة فلا تدخلها حتى الفراشات.

كانت قيادة الصين هي الاشجع بين دول العالم في الاعتراف بوجود الوباء فيها..

وكان الرئيس الاميركي دونالد ترامب هو الأقل تحسسا بالمسؤولية حين اتهم الصين بأنها قد ضخمت الاخبار عن الوباء حتى تخيف العالم لتسيطر عليه، قبل أن يستفيق هذا الرئيس الاحمق على الحقيقة المرة: إن الوباء قد انتشر في بلاده، مدنها العظمى كنيويورك، وولايات فلوريدا وكاليفورنيا وتكساس الخ.وضرب فأسقط من رعاياه اكثر مما عالجت الصين.

وفي حين كانت السلطة في لبنان اول من اعترف بوصول هذا الداء وفتحت ابواب مستشفى الحريري في بيروت ثم المستشفيات الحكومية في المناطق، قبل أن تعلن بعض المستشفيات الخاصة تجهيز بعض اقسامها لاستقبال المصابين بهذا الوباء..

وفي حين كانت عواصم الدول الاوروبية كافة، الارقى فالأنظف، كروما وباريس وفيينا وبرلين وجنيف، ومعها إيران بعاصمتها طهران، تعلن يوميا عن تمدد هذا الوباء بين مواطنيها حاصداً المئات من رعاياها، كانت العواصم العربية تعتصم بالصمت تستراً على الداء وكأنه فضيحة!

ثم.. توالت الاعترافات على استحياء (بل ربما هو الشعور بالذنب)، فتم الاعلان عن بضع اصابات في مملكة الصمت والذهب، بعدها تجرأت الامارات، ولم تخجل الكويت عن اصدار كشف يومي بالإصابات والوفيات، وان ظلت قطر في الطليعة بعدد المصابين..

كيف لمن يرى في شعبه “رعية” او “وقفا خاصا” للأسرة المالكة أن يهتم بعديده، وكم يموت او يسقط مريضاً من هذا “القطيع” الذي يتناسل بأكثر من المتوقع، وتتزايد اعداد الرعايا بما قد يهدد سلامة النظام.

ثم أن بعض الدول العربية ظلت، ولعلها ما تزال تتكتم حول اعداد المصابين، او حتى عن اقتحام الداء حدودها، في محاولة بائسة للادعاء بأن نظامها الفذ اقوى من أن تتجرأ هذه الجرثومة المعادية على أن تقتحم حدوده الآمنة.. فالنظام من حديد صلب، بل من فولاذ في وجه الشعب كما في وجه الميكروبات المعادية.. والتي لا بد قد صنعها المعارضون اعداء الشعب.

..اما في بريطانيا العظمى فلم يخجل القصر من الاعلان عن اصابة ولي العهد الامير تشارلز بوباء كورونا.. تدليلاً على الطبيعة الأممية لهذا الوباء.

من يحترم شعبه يخاف عليه ويحصنه ضد الاوبئة ويحمي سلامته..

ولا بد من الشهادة للأوبئة عموماً، ولكورونا بشكل خاص بأنها “اممية” و”اشتراكية” و”غير عنصرية”، لا تميز بين أمير وخفير، او بين غني وفقير، بل هي لا تفرق بين الابيض والاسمر والاصفر والاسود .. فالخلق كلهم سواء، غنيهم والفقير.

كذلك لا بد من التنويه بأن الشعور بالخطر قد رفع نسبة التعاطف بين الناس، وربما بدافع حماية الذات، فأنت بخير طالما جارك بخير..

لتكن السلامة للناس جميعاً، نساء ورجالاً، شيبة وشباناً..

وليت التضامن في مواجهة خطر الموت يمتد إلى التضامن في مواجهة اعباء الحياة والتكاتف تعزيزاً لإنسانية الانسان.

رئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. من يحكمون البلدان ويسيطرون عليها بالقوة و الإكراه وعلى الشعوب الطاعة والإلتزام إن لم أقول التعبد لهم فهؤؤلاء الهم الواحد لهم الأكثر إزدياد غنا و كل شيء تحت سيطرتهم ومن يخالفهم او له رأي مخالف يعبر عنه بسلمية وديبلوماسية وأدبية فمصيره الإعتقال والتعذيب و الإنعزال عن الجميع و التخلل العقلي والنفسي وربما الإغتيال مع اناس ليس لديهم الحياة بجانب المحيط المجتمعي من قبل القوة الحاكمة.

  2. مصائب قوم عند قوم مصائب. ذلك التسابق المحموم الذى لا يفتر … اذن لماذا تطور وتخزن كل أنواع الأسلحة التى ما فتئت الأرض رحابها وانتقلت إلى الفضاء الذى كان مجهولا؟!؟! عيب وعيب وثم عيب. نطمح فى نظام ادارى جديد وملائم للدول والمجتمعات يحترم الإنسانية التى تحترم بدورها البيئة. ربنا ما خلقت هذا عبثا

  3. لا بد ان نشير الى جهود ملك المغرب حفظه الله في حماية مواطنيه مقدما صحة المغاربة على الاعتبارات الاقتصادية و المالية بالرغم من هشاشة الاقتصاد المغربي و محدودية امكانياته.فتم اتخاذ إجراءات صارمة للحد من انتشار الوباء مما جعل الصحافة الدولية تنوه بجهود المملكة المغربية كإحدى الدول النموذجية في الحد من الوباء.لا بد ان نكون منصفين بشكل لا نضع الجميع في نفس السلة.

  4. ____ ’’ أنت بخير .. طالما جارك بخير ’’ من أحسن و أبدع ما قرأت في موضوع التضامن و التكاتف و التآخي .

  5. ____ يسمح لي الأستاذ طلال سلمان لأقول بأن كورونا غير ’’ عادل ’’ كونه وباء متطور لا يصدر إلا من عالم أول متطور تنمويا و اقتصاديا و اعماليا و عمائليا . و أما العالم الثاني و الثالث ’’ السائر في طريق النمو ’’ _ كما يتكرم الصناف على تسميته _ هو ضحية الأول و إنتاجاته و مدخناته و دخانه بعبارة أدق . هؤلاء جميعا \ .. ليه الظلم .. أنا ما سويت شيئ .

  6. في كلماتك وروحك لبنان الستينات ، عندما كنا نغرق بالجهل والفقر والمرض ، وكان لبنان عاصمة الثقافة العربية ، والحضارة والحرية . عافاك الله ، ومد في عمرك . ومنحك نورا على نور .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here