أمل الحارثي: عن رسالة الطبيبة الأردنيّة

أمل الحارثي

انتشرت عبر وسائل الاتّصال الاجتماعيّ رسالة مِن طبيبة أردنيّة تُناشد الشعب الأردنيّ والمسؤولين أنْ يُعيدوا لها حقَّها وكرامتها بعد أنْ تعرَّضت في وضح النهار وفي يوم مِن أيّام رمضان للاعتداء بالضرب مِن قبل مرافقٍ لإحدى المرضى، ولسبب _ليس لها أيّ يدٍ فيه_ يتعلّق بعدم وجود سرير للمريض، الأمر الذي أثار غضب المرافق، فاعتدى عليها بضربها حتّى سقطت أرضًا وهي تنزف مِن أنفِها.

الرسالة مُؤثّرة، بدَأَتْها الطبيبة بالكلام عن قِصَّتها معَ كليّة الطبّ، وسنوات التعب الطويلة التي عانَت خلالها هي وعائلتها، والعمل في مستشفى بدون راتب، وبدون تأمين _وهو أمرٌ فظيع_ كلُّ هذا مِن أجل أنْ تُتمَّ تخصُّصها في الجراحة العامّة؛ لأنّها تُريد خدمة بلدها وشعبها، وخصوصًا الإناث اللواتي يتحرّجُ بعضهنَّ مِن الكشف على يد طبيب.

تحدَّثَتِ الطبيبة بحزن وقهر يستطيع أيّ قارئ لرسالتها الإحساس به بوضوح، مبيّنةً الأذى النفسيَّ قبل الجسديّ الذي لا يُمكن تجاوزه دون أنْ يُعيد لها الجميع كرامتها وحقَّها، وقالت مُوجّهةً كلامها لمَن يقرأ الرسالة: “أنا أُنثى أنا مُمكن أنْ أكون أختَك مرَتَك أوبنتك”.

جملةُ “أترضاه لأختك” تلك التي اعتدْنا عليها، وسمعناها كثيرًا ربّما أصبحت في غير مكانها ، فأنا أظن أن  الرجل الذي يعتدي على امرأة غريبة بالضرب  لا بدَّ أنّه مُعتاد على ضرب أُخته أو زوجته أو ابنته ، ضرب المرأة كنوعٍ مِن أنواع التفريغ عَن الكبت شائع،  إلا أنه هذه المرة طال امرأة غريبة وهذا ما زال مستهجنا في مجتمعنا والحمد لله .

نعم ليست هذه المرّة الأولى التي يتعرَّض فيها طبيب للعنف على يدِ أهالي المرضى، بل إنَّ الأمر زاد عن حدّه وتفاقم، ويجب أنْ تُوضع القوانين وتُنفذ لتكفل كرامة العاملين والعاملات في القطاع الصحّيّ، لكنّي لا أستطيع أيضًا ألّا أُصنِّف هذه الحادثة تحت بند العنف بشكل عامّ الذي يشمل العنف ضدّ المرأة والعنف المنزليّ وهو السبب الأول في كلّ أنواع العنف الأخرى.

العنف المنزليّ لا يُنتج سوى أجيال مُعتادة على العنف كوسيلة للتنفيس عن الغضب، هذا الضرب المسموح قانونيًّا واجتماعيًّا بقصد التأديب ألحق بالمجتمع أكبر الضرر، وأنتجَ شخصيّات مهزومة مِن الداخل، لا تعرف طريقة للحوار سوى مدّ اليد والاعتداء على الآخر، ظلم لا يُولِّد سوى الظلم، وحلقة مفرغة مِن العنف يُمارسه كلّ فرد على مَن هو أضعف منه.

المُتابع لأخبار الأردن يرى كيف تسارعت جرائم الغضب التي تبدأ عادةً بالاختلاف، وتنتهي بالعنف الذي قد يصل إلى القتل، فنجد الأب الذي قتل ابنه والأخ الذي أجهز على أخيه أو أخته، والسبب واحد وهو عدم إدارة الغضب، بل وتوجيهه دائمًا باتّجاه الطرف الضعيف الذي لا حول له ولا قوّة، كأنْ يغضب الأبُ مِن المُدير فيضرب الزوجة والأولاد، ويغضب مرافق المريض مِن الحكومة التي لم تُؤمّن أَسِرَّةً كافية للمرضى، فيضرب الطبيبة الشابَّةَ التي لا تملك مِن الأمر شيئًا.

باتَ مِن الضروريِّ وضع قوانين تُجرِّم كلَّ أنواع العنف، وأوّلها العنف المنزليّ، ضرب الأولاد والزوجة بدافع التأديب أو التنفيس عن الغضب، يجب أنْ يُجرَّم وبالقانون، إذ إنّه لم يُنتج لنا سوى أجيال لا تعترف بالحوار والتفاهم، ولا تُؤمن إلّا بالضرب والعنف والصراخ كوسيلة للتعبير.

فقط عندما نكسر حلقة العنف سنعرف أين يجب أن نوجه غضبنا ، فلا يخرج إلا في الاتجاه الصحيح وبالطرق السلمية الصحيحة لننتزع حقوقنا المشروعة   ، أما العنف فهو يحوّل المظلوم إلى ظالم لا يستحق التعاطف بل ويخلق حالة من الكراهية وانعدام الأمان في المجتمع ليست في مصلحة أحد.

كاتبة أردنية

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ما حدث هو ردت فعل ناتجة عن ضغط نفسي وشد عصبي يعيشها المواطن في ظل الغلاء والواسطة والمحسوبية .وكل الطواقم الطبية تتعرض لمثل هذه الحالات من بعض البشر. ولكن حقيقة يجب ان لاتصل الامور لهذا الحد ويجب تواجد حرس خاص بهذه المستشفيات لاجل كبح من يجاوز حدوده .ويجب فعلا مقاضاة ذلك المرافق .

  2. ربما أصبح كسر حلقة ألعنف أمر مستحيل فقد فعل تحويل مجتمع ألأردن الى مجتمع أستهلاك فعله في أنتاج تحول في العلاقات ألأقتصادية وألأجتماعية بين ألناس. تسهيل القروض ألشخصية وتوفير سيولة مالية في ألأسواق يعزز جنوح الناس نحو ألأستهلاك مع عجز مالي متزايد وزيادة في الدين . في نفس ألوقت, يزداد عجز ألحكومات عن تقديم ألخدمات ألأساسية في الصحة والتعليم وألأسكان وألنقل مما يرتب أعباء مالية أضافية على ألناس دون وجود فرص عمل ولا فرص لزيادة ألدخل. فقر التاس يزداد وكلف ألمعيشة تزداد وألعب ألضريبي يزداد. ركود وتضخم يميزان أقتصاد ألأردن منذ عقود ولم ينجح أحد في أخراج ألأقتصاد من أزمته! ألاف ألخريجين ينضمون سنويا ألى عشرات ألآف من ألباحثين عن عمل. كل هذا يدفع الى انتشار مظاهر ألعنف تعبيرا عن ألقهر والتوتر وأليأس. ربما يلجأ البعض الى امتهان ألعنف وألجريمة المنظمة كطريقة عيش الى جانب الفساد المالي. لاتكفي ألقوانين وألعقوبات ولا ألمناشدات ألعاطفية لكبح ألعنف.لابد من انعاش ألأقتصاد لتشغيل الناس وتحصين ألمال ألعام ووقف ألهدر لتوفير الأموال اللازمة لتقديم ألخدمات ألأساسية للناس.

  3. انها مأساة
    وعلى نقابة الاطباء ان تتحمل مسؤولياتها اتجاه اعضائها

  4. الحل ليس في وضع قوانين تجرّم تأديب الأب لأولاده كوسيلة “ناجعة ” لهدم بناء الأسرة تحقيقا لأهداف ” اتفاقية سيداو” التي أصبحت سائدة على القوانين الأردنية رغم عدم مرورها بالقنوات الدستورية….الحل يكمن في إعمال مبدأ سيادة القانون…من يقدم عل ضرب طبيب أثناء عمله…يعلم أن فعلته يسدل عليها الستار ب “جاهة وفنجان قهوة “.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here