عن الخطاب الإعلامي العربي في مرحلة التغيير بين نظرية الحياد والموضوعية و الإبداع

كمال خلف

بوصفي واحدا ممن يعملون في الفضاء الإعلامي و قضايا الرأي العام ، أجد نفسي معنيا بما سأطلق عليه فوضى الخطاب الإعلامي العربي ، وهو بشكل طبيعي انعكاس لفوضى الفضاء السياسي والأمني التي طغت على المشهد العربي منذ عشر سنوات ، عندما تحرك الشارع العربي ينشد التغيير.

 بالنسبة لي هذه الفوضى على المستويات السياسية  والاجتماعية والأمنية و الإعلامية ليست سوى مرحلة عصيبة تسبق التحولات في بنية المجتمع العربي نحو مرحلة جديدة كليا في تاريخه ، ليست بالضرورة مرحلة أفضل هذا مرهون بمسارات التغيير كيف ستمضي وماهي مآلاتها  .

ولعلي هنا اضرب مثلا للتحول الكبير الذي طرأ على المنطقة العربية بعد فترة الحكم العثماني وولادة المد القومي العربي الجديد و الدولة الوطنية بعد الثورة العربية الكبرى ، وهي ما أدت لاحقا إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات منتاحرة وتسليم فلسطين للحركة الصهيونية وبروز فترة الحكم العسكري عبر الإنقلابات،  وهي مرحلة بدأت تتآكل اليوم على وقع الفوضى الراهنة .

وبالعودة إلى الفضاء الإعلامي الذي شهد نهوضا مبكرا منذ نهاية تسعينات القرن الماضي ، بصورة فضائيات وكوادر إعلامية عابرة للحدود تخاطب الرأي العام العربي بصورة شاملة . وهو ما جعلنا نستبشر بهذا التطور خاصة أنني بدأت العمل في هذا المجال مع بداية هذه التحولات . لكن سنوات الجمر الأخيرة  إعادة صياغة هذا التطور على وقع الانقسام السياسي العربي حول ما سمي الربيع العربي ،  واختلط الخطاب وأنفرز الإعلاميون .

ومع ميل دول كبرى ودول إقليمية لمخاطبة الرأي العام العربي من شاشات ناطقة بالعربية ، فإن حجم الفرز والاستقتطاب اتسع وأخذ شكل كنتونات إعلامية تتخندق دفاعا عن سياسيات في مواجهة أخرى . مع موجة من التبريرات للإعلاميين الذي وجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن أنفسهم  وعن طبيعة عملهم الجديد ، ومضطرين للتأقلم مع هذا الواقع الغير متوازن  .

 فلم تعد القضايا العربية الجامعة مثل الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية ، وتحرير الأرض العربية ومقاومة الاحتلال ، هي القضايا الأساسية والجوهرية ، إنما صعد إلى سلم الأولويات تنظيم الحملات الإعلامية المتبادلة  بين الخصوم ,  ورصد وتوجيه حركة التغيير الذي ينشدها الشارع العربي ، لتصب في خدمة هذا الطرف أو ذاك .

في خضم هذه الفوضى الإعلامية يلفت نظري موجه صعدت  من المصطلحات والاتجاهات التي بدأت تبرز لدى نخبة من الإعلاميين العرب ، ربما يمكن وضعها في إطار محاولة النأي بالنفس عن هذه الفوضى وتفادي الفرز والاصطفاف في بيئة إعلامية فاقدة للتوازن   أو يمكن النظر لها كجزء خاص بالإعلام العربي  في مسار التحولات في بنية المجتمع ، او دفع نحو حداثة ومهنية  الخطاب الاعلامي  او شيء آخر لا يمكنني الجزم في الحقيقة  . هنا أعني ذاك الخطاب الذي يقول إن الإعلامي العربي يجب أن يكون محايدا ، وأن يكون ناقلا للأحداث دون أن يبدي رأيا فيها ، مع التشديد في سياق ذلك على أن الإعلامي يجب أن لا يكون مناضلا أو ثوريا ، إنما مهنيا فقط . وهنا يربط أصحاب هذا الرأي المحترم بين هذه الشروط وبين  الإبداع والمهنية والتطور والحداثة . وهذا الرأي يحتاج إلى نقاش ، صحيح أن تحديث الخطاب الإعلامي العربي وتحديد مواصفات الإعلامي باتت أكثر من ضرورة ، ولكن هذا الرأي المستشهد غالبا بمهنية الإعلام الغربي ، وهذا التأثر بالغرب ينسحب على عدد من المستويات في عالمنا العربي وليس غريبا أن يقلد الأضعف الأقوى حسب نظرية ابن خلدون الشهيرة .

إنما خصوصية الحالة العربية المنكوبة و المبتلاة  بالاحتلال الإسرائيلي لأرض عربية وتشريد شعوبها  والتبعية المطلقة للقوى الكبرى ، والمهددة بمشاريع التقسيم والتفتيت والإرهاب والتشدد والتطرف   فضلا عن التخلف عن ركب الحضارة ، كلها مسائل تفرض خصوصية ومسؤولية على الإعلامي العربي تتجاوز فكرة أن يتماهى مع أقرانه في دول الغرب المتطورة التي لا تواجه تلك التحديات المصيرية . وهذا لا يتنافى مع منهج الموضوعية والمهنية والإبداع . إن عدد كبيرا من المبدعين والنخب التي وصلت أعمالها إلى العالمية كانوا مناضلين وحاملين لرسالة غير محايدة فيما يتعلق بقضايا أمتهم . وإذا نظرنا إلى أعمال المناضل الثوري غسان كنفاني و قصائد محمود درويش ، وهي ابداعات لم تكن محايدة وحملت قضايا يؤمن بها هؤلاء إلى العالمية . ومن منا لا يؤمن أن كوكب الشرق وايقونة الفن العربي هي ” أم كلثوم ” وقد غنت رائعتها ” أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم ” ، وهي اغنية في قمة الإبداع والحرفية الفنية ولكنها ليست محايدة .

لايمكنني أن أتصور أن الصحفيين والإعلاميين الفرنسيين كانوا محايدين عند دخول جنود ألمانيا النازية لاحتلال باريس . ولم يرى أحد منا الإعلاميين الأمريكيين محايدين عندما ضرب الإرهاب برجي التجارة في نيويورك . نحن العرب نتعرض لهذا يوميا ومنذ عقود .

ما نذهب إليه لا يعني أن يتحول الإعلامي العربي إلى مناضل ثوري  يعتمد خطابا جامدا متكلسا،  إنما لا يجب أن يتحول الإعلامي العربي إلى روبوتا كتلك التي يصنعها اليابانيون للعمل في التلفزيون بديلا عن البشر.  أو ينظر إلى القضايا والأزمات العربية من بمنظار نخبة مترفة ، بعيدة عن مجتمعها وهمومه ، أو يقلد الإعلاميين الغربيين في تعاملهم المحايد مع قضايانا ، لأنها ببساطة لا تمسهم مباشرة .

ندرك تماما أننا في مرحلة حساسة كل شيء فيها يمضي نحو التغيير ، وأن الفوضى ليست سوى مرحلة انتقالية بين زمنيين ، وأن المعركة والصراع هو في الشكل النهائي للتغيير . وإن الإعلام ليس استثناء .

كاتب واعلامي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اخي كمال لا احد يشك في الضغط الدي يتعرض له الاعلامي الحر لخطورة الاعلام كسلاح عابر للحدود والازمان اد اصبح السلعة الوحيدة التي تخاطب العقول والحرية هنا لاتعني الحياد خاصة في معركة الوعي التي لم تكن يوما في دائرة الحياد وانما يسوقها لنا الغرب كدلك فكبريات الصحف العالمية المؤثرة على مصادر القرار امثال CNN وهيرالد تريبين ورويتر اللندنية كانت وما تزال في خدمة الصهيونية العالمية وبانحياز كبير
    ايها الاخ العزيز الاعلام الدي لايخدم الاوطان ليس سوى هرطقة فكرية لا معنى لها وهو في الاساس اي الاعلام عملة وطنية في خدمة الحكام وهو اصل حكايته ومن يقول غير دلك فهو يغالط نفسه وما الضغوط التي يتعرض له الاعلام المقاوم من حصار وقطع للبث بين الحين والحين قصف للمقرات كما وقع لقناة المنار الاعلامية ابان عدوان 2006 ليس بعيدا عن الحرب التي تتعرض لها حركات المقاومة ومعادات الامبريالية الامريكية في اي بقعة من الارض وما يقع في امريكا الجنربية حاليا يؤكد مدى النفاق الغربي حول حرية الاعلام فهو في ايديهم سلاح يشوهون به الحقائق ويدمرون به الاوطان اما نقل الحقائق كما هي لاوجود له في عالم يعتمد على الراي العام لخدمة الاهداف السياسية ولكم في فبركات الاحداث في سوريا العروبة اصدق الامثال قبعات سود البسوهم لون البياض و غدا سيطهرن لنا بالعراق بلون ازرق والرسالة لاتتغير وطن عربي غارق في الجهل والعصبية.
    اخي كمال لا ولن يتواجد اعلام محايد الا ادا توفر العدل وهدا من المستحيل ان يسود في مجتمع المصالح فقد ولى مع مجتمع القيم وما دامت المادة والمصلحة هي الغالبة فكل شيء معروض للبيع فابقى حفطك الله انت واخوانك في منبر الميادين على سجيتكم الوتقى ولا تبحثوا عن رضى الغرب الدي يدعي الحضارة فانتم ادرى برضاهم ومن يستحقه وليكن في علم الجميع ان الحرب الدائرة بيننا وبينهم ما تزال عقائدة حتى النخاع وان التغيير ات مهما طال الزمن او قصر نعم هناك اثمان ستؤدى من مالنا ودمنا فنحن في درب الجهاد رغم قساوة الظروف وجهل اغلبية الشعوب نتيجة طول تعرضنا لعوامل الاستعمار الدي ابى ان يتركنا لحالنا نبني وطنا بلا احقاد يكون فيه الانسان هو المبتدا والخبر وتصبح الاوطان دالك البيت الجميل الدي يجمع الجميع دون افراض ولا تفريض فسر حفطك الله على دربك المضئ وفقك الله والله المستعان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here