عن احتجاز سعد الحريري في السعودية وغياب العرب.. كأمة.. عن الفعل

talal-salman-200

طلال سلمان

 

يخرج الوطن العربي، تدريجياً، من العصر عائداً إلى القرون الوسطى، بل ربما إلى الجاهلية: تنهار دوله التي اقيمت بقرارات من محتليها: اذ أن بريطانيا اساساً، ومعها فرنسا، هما من رسما حدود “الدول” في المشرق العربي: سوريا ومعها لبنان (بعد عملية ضم وفرز فرنسية فيما يتصل بالحدود) ثم إمارة شرقي الاردن التي استُولِدت على عجل لاسترضاء الحليف التاريخي لبريطانيا أمير مكة والحجاز، الشريف حسين، بشخص ابنه الامير عبد الله، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيداً لإعداد “الارض” لإقامة دولة اسرائيل، والعراق لبريطانيا ومعه معظم الخليج العربي الذي لم تكن قد استنبتت فيه “الدول” التي نعرفها اليوم. أما مصر (الملكية، آنذاك) فكانت خاضعة للاحتلال البريطاني.. وفي ليبيا التي كان الاستعمار الايطالي قد احتلها بقواته العسكرية في العام 1911، ثم دخلتها في الحرب العالمية الثانية القوات البريطانية فاحتلت الشرق (بنغازي وطبرق حتى الحدود المصرية)، في حين احتلت فرنسا الجنوب (سبها حتى حدود تشاد)..

أما تونس فكانت تحت الاحتلال الفرنسي حتى انتفاضتها الشعبية التي اوصلتها إلى الاستقلال في اواسط خمسينات القرن الماضي.

وأما الجزائر فكان الاحتلال الفرنسي قد فرض عليها لغته ورفض الاعتراف بعروبتها واعتبرها مقاطعة فرنسية.. وكان على شعبها أن يخوض غمار ثورة طويلة امتدت طوال خمسينات القرن الماضي وحتى بداية ستيناته لتستعيد هويتها ولغتها وموقعها في نضال أمتها.

وحدها المملكة العربية السعودية قامت بالسيف تحت أنظار بريطانيا التي تخلت عن الشريف حسين. بعدما كانت قد أطلقت باسمه نداء “الثورة العربية” ضد السلطة العثمانية لإقامة “دولة كل العرب” في العام 1915 تخلت عنه، بل ونفته إلى جزيرة قبرص التي كانت تحتلها لإزاحة آخر عقبة امام “توحيد” نجد والطائف وامارة مكة مع شرق المملكة، وصولاً إلى الظهران التي ستتحول إلى مقر أكبر مصفاة لتكرير النفط وشحنه تحت ادارة شركة “ارامكو” الاميركية.

***

ها هي المملكة المذهبة تقْدم على سابقة خطيرة وفريدة في بابها: تقدم على احتجاز رئيس حكومة دولة أخرى، عربية ولكنها ليست من ولاياتها، وليس مواطنوها من رعاياها، وتمتنع عن الافراج عنه برغم الوساطات الدولية (رئيس فرنسا) والشفاعات العربية، والتمني اللبناني بلسان رئيس الجمهورية الذي نفد بالأمس صبره، فجاهر زواره بأن رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، محتجز في السعودية مع عائلته، من دون تبرير أو تفسير مقبول، مما يشكل اعتداء على سيادة لبنان وكرامة شعبه.. ولن نسكت أو نهدأ حتى يُطلق سراحه ويعود الينا سالماً!

ولان عملية الاحتجاز كانت على هذه الفظاظة، وتعبر عن امتهان لكرامة لبنان بكل أطيافه، فقد استفزت اللبنانيين جميعاً، على اختلاف طوائفهم ومواقفهم السياسية، فهبوا يستنكرون هذا التصرف الاخرق، ويعلنون تضامنهم مع رئيس حكومتهم “الاسير”، مدينين الموقف المستهجن والذي لا سابقة له، أقله على المستوى العربي: احتجاز رئيس حكومة لدولة عربية في دولة عربية أخرى، من دون تبرير او تفسير.

هذا في الوقت الذي تفرض السعودية (ومعها دولة الامارات العربية المتحدة) حصاراً قاسياً على اليمن، ويواصل طيرانها الحربي ومدفعية جيشها قصف مدن الحضارة الانسانية الأولى وقرى الفقر والتعاسة في اليمن، دون خوف من رقيب أو حسيب، وتحتجز “رئيس جمهورية اليمن” الذي عينته بنفسها، مع حكومته في الرياض.. ثم انها تفوض نفسها ودولة الامارات لإقامة قواعد عسكرية على الشواطئ اليمنية المطلة على بحر العرب وعلى مضيق باب المندب بشكل خاص.

ومن أسف فان الدول العربية مجتمعة لم تستطع أو هي لم تشأ أن تحرك ساكناً او أن تسعى (ولا نقول: أن تضغط ..) لإطلاق سراح رئيس الحكومة اللبنانية المحتجز في السعودية، من دون وجه حق، ومن دون أي تبرير، أو خوف من المساءلة.

هذا مع الاشارة إلى أن السعودية لم تستأذن احداً في إعلان حربها على اليمن، بكل الضحايا في الارواح والعمران التي تسببت فيها.. وكذلك دولة الامارات. أن “العرب”، حالياً، بلا مرجعية، بلا قيادة، بلا رأس جامع..

***

أن الدول تتصرف بحسب ثرواتها في النفط والغاز، وبهذين “الكنزين” هناك من يقرر مصائر الدول، فضلاً عن اسعار السلعتين واسواقهما و”خزينة” عوائدهما.. وعلى هذا فتصنيفها لا يخضع لا لعراقتها في التاريخ، ولا لدورها في خدمة أمتها، ولا لأهمية موقعها وكفاءات شعبها، حتى ليكاد يكون الفقراء من أبناء هذه الامة “فَعَلة” و”شغيلة” و”كتبة” في دول النفط والغاز. على أن المستهجن أن تتقصد المملكة العربية السعودية ايذاء لبنان، الذي لم يصدر عنه وفيه، ما يهدد أمن المملكة وأهلها (بمن فيهم اسرتها الحاكمة) بالخطر.. أو حتى بالمساءلة.

هل أن السعودية قد استضعفت لبنان، دولة وشعباً، فتجرأت على احتجاز رئيس حكومته (الذي يحمل جنسيتها) مع عائلته ومنعه من العودة إلى بلاده التي يشغل فيها موقعاً سامياً، برغم كل الوساطات والشفاعات المكتومة منها والعلنية، كما زيارة جمهورية فرنسا الطارئة والتي التقى خلالها ولي العهد الامير محمد بن سلمان.. من دون جدوى!

إن هذه الواقعة الشنيعة تكشف هزال الاوضاع السياسية العربية، وافتقاد المرجعية المؤهلة على فض الخلافات ومنعها من التفاقم. الطريف أن المملكة السعودية، وفي هذا الوقت بالذات، تستدعي جامعة الدول العربية إلى الانعقاد بصورة طارئة، لتنظر في شكواها ضد التدخل الايراني في الشؤون العربية.. بينما هي تحتجز في قصر ملكي بالرياض (وليس في طهران) رئيس حكومة لبلد عربي آخر من دون تفسير او تبرير، لا لشعبها الذي تنظر اليه على انه مجاميع من الرعايا، ولا للبنان، ولا لسائر الدول العربية، ولا لرئيس فرنسا الذي خرج عن جدول اعماله ليزورها متشفعاً لسعد الحريري.

ومعروف أن الجامعة العربية تعاني من موت سريري، من بين أسبابها تجاهل الدول العربية النافذة، وبالأخص الغنية، وتخليها عنها كمرجعية عربية مؤهلة لان تحل النزاعات بين دولها، اذا ما حدثت.. أن العرب يخرجون من العالم، بفضل قياداتهم الحاكمة، التي حرمت عليهم العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام.

والى أن يعود العرب إلى وعيهم وإمساكهم مصيرهم بأيديهم، كشعوب وأمة، سيظلون عرضة للمفاجآت الخفيفة او الصاعقة كمثل احتجاز رئيس حكومة لبنان سعد الحريري في مملكة آل سعود.

كاتب ورئيس تحرير وناشر صحيفة “السفير”

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. هي ليست جامعة وليس عربية انها عبرية صهيونية بامتياز وعلى العرب الشرفاء إن وجدوا أن يخرجوا منها بأسرع وقت ممكن

  2. /____ ’’ ثغرة ’’ في الدستور اللبناني .. قد تجعل من موضوع الحريري شأن داخلي ’’ سعودي_ سعودي ’’ .. و في حالة التدويل يصبح تنازع إختصاص .. لبناني_ فرنسي_ سعودي .. مع إمكانية إدراج الموضوع ضمن لائحة ’’ نوادر جحا .. !!

  3. يجب الاعتراف، بدون اي مواربة، ان الكيانات السياسية القائمة في المشرق العربي هي كيانات تحمل شحنة طائفية متزايدة. الطائفية كانت صنيعة الصراع العثماني الإيراني على المنطقة لانه لم تكن هناك دولة مركزية تضمن حقوق العرب وعمقتها فرنسا وبريطانيا عندما وضعتا مخططط سايكس بيكو. وما دام الأمر كذلك فلكي تتعايش الطوائف المتساكنة في المنطقة يجب الوصول الى توافقات لا تهضم حقوق الطوائف المختلفة. الملاحظ، وهو امر في غاية الخطورة، ان الطائفة الشيعية تعاظم نفوذها بشكل مقلق في كل من العراق ولبنان وهناك مسعى لإلحاق سوريا واليمن بما تعرفه التطورات في العراق ولبتان. هذا هو سبب التوترات القائمة والتي لا يمكن ان تنتهي الا بالتوافق بين مختلف الطوائف ودون ظلم كما هو حاصل في العراق ودون اي تغول كما هو حاصل في لبنان ودون اي مسعى للهيمنة كما يجري في اليمن.

  4. بسم الله الرحمن الرحيم
    حضره السيد طلال سمعان
    ان الجامعه العربيه لا يوجد عندها قدره تخاذ القرار من المنظار العربي وارو;يه العربيه او الاسلاميه. ان اعضاء جامعه الدول العربيه معظمهم يشتري السلاح منامريكا وبريطانيا او روسيا. وان هذه الدول تشترط كيف يستعمل السلاح, واين, وان كل هذه الدول عنده اشروط مع الدول التي تسلحهم بان لا يستعملوا السلاح ضد اسرائل. وثانيا ان ل ايستعملوا السلاح لقتال ايه دوله لا توافء عليها امريكا. وهذا يعني ان كل قرار حرب من دول الخليج والسعوديه لا يصدر اللا بموافقه الدول المسلحه وان امريكا واسرائل لن يسمحوا باقامه صراع اللا ان يكونوا متاكدين بان هذا القتل والسلاح يعمل لصالحهم اولا. وان الجامعه العربيه ليس لها قرارا. وكل دوله ل اتصنع سلاحها بيديها فان قرارها يكون ممن يسلحها. ودول الجامعه العربيه ليس عندها قرارا داخليا.

  5. الاستاذ طلال سلمان المحترم
    تحيه واحترام لشخصك الكريم
    تمنيت دائما ان يكون تحليلنا لسلوكيات ما يسمي بالعرب من منظور ما يملكونه من مقدرات يعمل لها الداخل والخارج كل حساب. فاموال النفط يملكها العرب لكن النفط ليس ملكهم, لهذا تتحكم القوي الغربية وعلي راسها الولايات المتحدة الامريكية في سلوك العرب حسب مصالحها، اي الخراب وليس التنمية لاهل المنطقة. يمتلك العرب ثروة اخري وهي الدين للتحكم في عقول الشعب المؤمن بتلك العقيدة ويحققوا بها التخلف لاهل المنطقة. فماذا بقي للعرب بل ومن هم العرب الذين تدافع عنهم؟

    التقدير والاحترام

  6. هذه المملكات يا استاذنا لا تقبل و لا تطيق انتقاد كلمة واحدة من إعلامي او صحفي …لكنّها تقتل شعباً اعزل عريق بحضارته أو تستدعي رئيس حكومة يمثل جميع الاطياف و الأعراق و تجبره على الاستقالة والله هذا أمراً غريب !! وتستدعيه كانما صبي من صبيانها …هذه السياسية المتكبرة القبلية لا تستخدم بحق لبنان بل إهانة للشعب اللبناني بجميع اطيافه المحترمة …

  7. /____ تطورات آخر ساعة
    الحريري رايح ع .. بير ،، باريس ؟ .. مخرج ورطة ؟ أم .. ورطة مخرج ؟ هذا بالنسبة للسعودية . أما بالنسبة للبنان : هل هي .. مدخل ورطة ؟!!

  8. في اسوء ظروفها لم تصل الامة الى ما وصلت اليه الان بسبب تأمر بعضها على البعض حتى وصل التأمر داخل البيت الواحد بأمر من السيد المحتل الذي قاومناه واخرجنا من بلداننا ايام صحوتنا ومن المفارقة ان نستدعيهم اليوم ليحتلونا من جديدة ممن ؟ من أبناء جلدتنا ( الخونة) هذا هو وضع الامة التي عصف بها البترو دولار عربي يا أستاذ طلال.. لكن لدي قناعة ان الامة ستنهض عاجلاً ام اجلاً لانها لا يمكن ان تخلو من المخلصين مهما عظمت الشدائد والمحن .

  9. /____ الأستاذ طلال يشير ربما إلى ’’ التشتت العربي ’’ ، هذا التشتت هو سبب إحتلال إسرائيل لفلسطين . الخيانة و الرعونة و التواطئ و التآمر البيني هو علامة تميز ’’ المنتوج العربي المشترك ’’ .. انظر إلى لبنان : /. أقول هو المحتجز .. و ليس الحريري .

  10. من أجل المناضل سمير القنطار خضنا حرب ضروس لتحريره في عام 2006 ،فما بالك برئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، المحتجز في السعودية مع عائلته. إنهم لا يدرون مع من يتعاملون . هل تظن السعودية إنها قد استضعفت لبنان، دولة وشعباً، فتجرأت على احتجاز رئيس حكومته (الذي يحمل جنسيتها) مع عائلته ومنعه من العودة إلى بلاده. أقول لها بأنها قد إرتكبت أكبر خطأ إستراتيجي لأن لبنان قوي جدا جدا. و عدم التراجع بسرعة سيكلفها الكثير الكثير..

  11. الى الاستاذ طلال سلمان
    بعد التحيه والتقدير والاحترام
    ومعروف أن الجامعة العربية تعاني من موت سريري،
    اتمنى ان لا تطول و أن تمت في اسرع وقت و دول المقاومة و شرفاء العرب
    يقومون في تأسيس جامعتنا العربية من غير بترودولار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here