عندما يصبح النجاح خطيئة!!

مرفت بنت عبدالعزيز العريمية

يولد الإنسان، ومعه أحلامه الكبيرة التي يسعى إلى تحقيقها لسبر أسرار العالم،  وعندما يكبر يبدأ في وضع الخطط، والإستراتيجيات التي توصله إلى أهدافه ،معظم الاختراعات، والاكتشافات التي بين أيدينا  اليوم كانت أحلاما  اعتبرها البعض أنّها حماقة، أو ضربا من الخيال، يستكثر البعض عليك الأحلام ،وأن تكون لك  طموحات كبيرة، فيضحكون كلما أخبرتهم عن أحلامك الكبيرة ،أما الآخر فقد يتجاوز هذا الى تحطيم ارادتك،  وتثبيط من عزيمتك، وإن دارت الأيام، وتحققت أمنياتك، ونجحت فأنهم يسارعون الى نقدك نقدا جارحا ،ويسقطون تجاربهم المؤلمة عليك  ..فهل يعد النجاح خطيئة  تستوجب العقاب كما نعاقب الفاشلين !!

 لا أذكر متى وقعت آخر مرة   فريسة بين براثن المحبطين، فهم منتشرون بكثرة هذه الأيام !! حتى وإن قررت أن تكون إيجابيا، وتصاحب الايجابيين، وهم ندرة فالمحيط غير مشجع بدءا من الأخبار المنشورة على وسائل الإعلام إلى أحاديث الناس التي تقدم تحليلات، ونصائح للتكيف مع الاحباط باعتباره أمرا واقعا.

 الأمر وارد جدا في بيئة خارجية تعاني من صعوبات اقتصادية، واجتماعية، وخوف من استقبل مجهول، ومحيط اجتماعي يعتريه الخوف من المستقبل، والاحباط كظاهرة بدأ يتسلّل بسرعة في مجتمعاتنا حتى بات طبيعيا بين الأطفال، والشباب.

الإحباط مرض يحتاج إلى علاج، واجتثاثه من الجذور، فالإنسان المحبط يصبح غير منتج، يختار العزلة، فالمحبط غالبا ما يضرُّ نفسه، وإن كان مؤثرا يبدأ في التأثير فيمن حوله، وقد يصبح عدوانيا كثير التذمر والسلبية. فما بالك إن كان المحبط شخصا مؤثرا، أو يتبوأ مركزا اجتماعيا، أو وظيفيا حينها كل الأحلام والمقترحات البناءة لن تراوح مكانها.

هناك نوعان من المحبّطين  النوع الأول المحبّط المنافس الذي يسعى الى تحطيم نجاحات  الاخرين ،والآخر المحبّط المكتئب الذي يرى الواقع عبر نظارة قاتمة نتيجة ظروف، وتجارب قاسية يمر بها، وكلاهما يساهمان في تدمير المجتمع،الأول عن دون قصد، و يمكن علاجه، وتفاديه، أما الأول،  فهو خطير لأنه يستخدم استراتيجية ممنهجة لتحطيم الناجحين، وتدمير المنجز سواء أكان فرديا أو مجتمعيا ولا يعبأ من تأثير منهجيته في تدمير المجتمع بأكمله وللأسف فأن هذا النوع ينتشر بين صفوف المؤثرين هذا  يذكّرني بمقولة للعالم أحمد زويل عندما قال “الغرب ليسوا عباقرة والعرب ليسوا أغبياء، فقط هم يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل” .

 وبطبيعة الحال يسعى المحبِطون توظيف كافة الوسائل المتاحة لتحقيق مآربهم منها التكنولوجيا الحديثة (التواصل الاجتماعي خصوصا) في تنفيذ بعضا من استراتيجيات الاحباط ، من خلال تكرارالرسائل  الاعلامية الممنهجة أو الهاشتاجات التي تنشر الفكرة كالنار في الهشيم، وبكبسة زر واحدة .

 حتى بات جلد الذات أمرا طبيعيا، والشائعات، والأخبار المفبركة التي تمس حياة الأفراد، والمؤسسات والدول في كل مكان وبأحدث التقنيات والبرمجيات ، ولا أدري لماذا نحن قساة جدا على ذواتنا، فهل هذه القسوة تحقق لنا أهدافنا؟ وهل سقوطنا الاختياري في فخ المحبّطين، وتخلينا عن أحلامنا أصبح هدفا وغاية.

يقال بأن في كل موقف نعيشه تكون استجابتنا اما بالمواجهة وخوض التجربة بشجاعة، أو الهروب، والاختفاء، ونتظاهر بالموت كما تفعل بعض الكائنات حتى يذهب الخطر ونتجاوز تبعاته.

 استراتيجية (اعمل نفسك ميت) ناجحة جدا للحيوانات، والنباتات التي تعيش في الطبيعة القاسية، فذلك أكبر امكانياتها، أما الانسان الذي كرمه الله بالعقل فأمامه عدة سبل لمواجهة التجارب والتعامل معها .

قد تبدو الحياة قاسية بعض الشيء،لكننا نزيد من قساوتها بمفهومنا السلبي لذواتنا ، فلماذا نعقب مرة تلو الأخرى على جلد ذواتنا عاطفيا ونفسيا  برسم صورة قاتمة خالية من الآمال البيضاء؟

لماذا  الهروب من الواقع إلى الملهيات التي تغذي أفكارنا السوداء ؟

فخلف النظارة السوداء القاتمة الرؤية لا تكون واضحة جدا ليلا أو نهارا

إن جلد الذات ما هو الا تعبير تراجيدي عن الفشل في الوصول إلى المراد  لن يشعرك بالأمان ولن يبقيك بمأمن بل سيعيدك إلى الوراء خطوات، من المفيد محاسبة الذات لتقييم تجاربنا، والخروج بدروس تعيينا على اتخاذ قررات صحيحة، أما عشق السخط، والسلبية، وتدمير كل ما هو جميل، والنقد  من أجل النقد ماهي إلا دائرة مفرغة يدور فيها الفارغون ، تحقق لهم انتصارا وهميا يقول المختصون بالعلوم النفسية أن الشعور بالألم النفسي قد يساعد في تحسين قدرات الفرد الذاتية  بشكل طفيف عبر إفراز  هرمون الادرينالين  إلا ان الاستمرار في جلد الذات له عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع ويصبح الفرد خطرا على نفسه ومجتمعة لانه لا يرى الا الجوانب السلبية في كل شيء كمن يرى سوى بقعة سوداء في ثوب ابيض جميل .

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل يتجاوزه إلى ضعف القدرة على التواصل الإيجابي، وفقدان الأمل، والصعوبة في مواجهة الأزمات، والتعامل معها ، إن جلد الذات قد يتحول من سلوك فردي إلى سلوك جمعي يمارسه المجتمع بأكمله.

هناك علاقة وثيقة بين النجاح والأعداء، فكلما ازدت تميزا، ونجاحا كثر أعداؤك، والعكس صحيح،  فالنجاح يولد الأعداء .

..من المواقف التي ذُكرت عن الأديب الكبير عباس محمود العقاد، رحمه الله، أنه أتاه يوما رجل يشتكي من هجوم الناس عليه،  فطلب منه أن يجمع كل المواضيع التى كتبت عنه، فجمعها  ثم قال  له ضعها تحت قدميك فلما فعل قال له : لقد ارتفعت عن مستوى الأرض بمقدار هذا الهجوم ولو زادوا فى نقدهم لزاد ارتفاعك”.

فالنقد في هذه الحالة يزيدك بعض سنتميرات في طولك  تستطيع بها أن تلامس ثمار النجاح المتدلية من على رأس الشجرة ، حتى الحجارة  التي تلقى في طريقك ما هي الا احتفاء بنجاحك، و نوع من الإقرار،  والاعتراف بأن ما قد حققته كان مميزا،| ومؤثرا، وملفتا، وكما قال الكاتب  مصطفى أمين، رحمة الله عليه “«إذا قمت بعمل ناجح وبدأ الناس يرمونك بالطوب فاعلم أنك وصلت بلاط المجد، وأن المدفعية لا تطلق في وجهك، بل احتفاء بقدومك!!

يبدو الكلام مثاليا بعض الشيء الا أنها خلاصة تجارب خرج بها ناجحون  قاوموا  استراتيجيات المحبّطيين،بالتجاهل والمضي في تحقيق الإنجازات، فلا أحد سيحقق أحلامك غيرك ،ولن تنهض المجتمعات الا بالناجحين الطموحين إن أردنا معرفة أسباب تراجع المجتمع في الانتاجية فتش عن المحبّطين بين جنباتها وفي مؤسساتها، ويقول “ليس براون” صوّبْ نحو القمر، فإن سقط سهمك، فسيسقط بين النجوم ، فلنستمر في العطاء غير مكترثين بالأصوات الشاذة،  فالحياة مسرح كبير، كما قال شكسبير، وكل من فيه من رجال ونساء يؤدون أدوارا وزّعت عليهم ،فلتكن ممن يمثل دور الناجح وتجاهل بصمت .

كاتبة عُمانية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here