عندما أنزل الأسرى الفلسطينيون سراويلهم!

د. فايز أبو شمالة

الاحتلال الذكي لا يضرب بعصاه، الاحتلال الذكي يلوح بعصاه، و يضرب بعصا سلطات محلية، يوجدها تحت رعايته، ويدعمها بماله وسلاحه، ويعطيها العصا التي تؤدب الشعب الواقع تحت الاحتلال.

الاحتلال الذكي ليس وليد العصر، لقد حكم الفرس والروم البلاد من خلال سلطات محلية، وفروا لها الدعم، وقد التقت مصالحهم مع مصالح سلطة المحتل المركزية، فواصلوا تقديم الولاء والطاعة للغريب، وحفظ الأمن العام والنظام.

أما الاحتلال الأكثر ذكاءً فإنه يربط مصالح الشعب الواقع تحت الاحتلال بمصالحه، بحيث يصير الهدوء قرين لقمة العيش، ويصير النظام قرين إبريق الزيت، ويصير الحفاظ على الأمن قرين الترقية والوظيفة والسفر، وهكذا تصير التبادلية، هاتوا طاعة عمياء، وخذوا خبزاً طرياً وشربة ماء.

في غزة نحج المحتلون الإسرائيليون نسبياً في تحقيق نظرية المقايضة من خلال الوسطاء الدوليين والعرب، حيث يقول الوسطاء: خذوا مساحة صيد حتى 15 ميلاً بحرياً، خذوا كهرباء ثماني ساعات يومياً، خذوا تسهيلات في المعابر، خذوا سفراً مقنناً عن طريق معبر مصر، خذوا مستشفى ميدانياً، وهاتوا الهدوء، مقايضة تقوم على تحقيق أهداف مطلبية وحياتية للشعب الواقع تحت الاحتلال مقابل الالتزام بالهدوء والصمت.

في الضفة الغربية نجح المحتلون الإسرائيليون كلياً في تطبيق نظرية المقايضة، حيث يقدم ممثل الحكومة الإسرائيلية فرص عمل وسفر وتسهيلات معيشية وبطاقات شخصية مهمة وامتيازات في الضفة الغربية، ويأخذ الأمن والهدوء والطمأنينة، مقايضة تقوم على السيطرة على كامل الأرض مقابل سيطرة السلطة على الشؤون الحياتية للشعب الواقع تحت الاحتلال، إنها معادلة تعاون وتفاهم وتنسيق وترتيب وتوافق وانسجام، والنتيجة هي: خذوا رغيف الخبز أيها الفلسطينيون، وهاتوا الهدوء والصمت.

ومها تكن التبريرات والأعذار، وقد يكون بعضها منطقياً، إلا أن نظرية المقايضة خاسرة بالنسبة للشعب الفلسطيني، ولا تصب في نهاية المطاف إلا في مصلحة المحتلين، وهذا ما يجب أن يضع له الفلسطينيون حداً، وأن يبحثوا عن وسائل ضغط على الاحتلال بعيداً عن المقايضة، وقريباً من التنغيص على حياة المحتلين.

في سجن نفحة الصحراوي، قبل ثلاثين عاماً، تطورت سياسة مديرية السجون، وصارت تقوم على المقايضة بدلاً من العصا، وقال لنا مدير السجن، خذوا ساعات بث تلفزيوني مفتوح، خذوا زيت زيتون ومشتريات، خذوا سجائر ومكسرات، خذوا سكراً ومهلبية، خذوا احتفالات وطنية وأغاني ثورية، خذوا حكماً ذاتياً داخل الغرف، وهاتوا الهدوء والأمن، وأطيعوا، نفذوا ما نأمركم به من ضرورات أمنية.

وفي يوم هادئ وحنون، قال لنا مدير سجن نفحة الصحراوي: مطلوب منكم أيها السجناء إنزال سراويلكم حين خروجكم من السجن إلى سجن آخر أو العودة إلى السجن من معبار سجن الرملة.

فماذا نفعل نحن السجناء؟ هل نتخلى عن الامتيازات والمنافع والمصالح، ونرفض إنزال السراويل، أم ننزلها للتفتيش العاري، ونحافظ على المكتسبات التي حصلنا عليها في السجن؟

كان قرار السجناء: نحن نرفض إنزال السراويل طائعين، ولكن، إذا قيدنا السجان بالسلاسل، وقام الضابط نفسه بإنزال سروال السجين للتفتيش، فلا حول لنا ولا قوة!

بعد فترة، وأثناء عودتي من مستشفى سجن الرملة، أراد السجان أن يضع السلاسل في يدي كي ينزل سروالي للتفتيش وفق الاتفاق، يومها رفضت السلاسل، وأسلوب اللف والدوران في إنزال السروال، وقلت للضابط: انتظر، سأنزل السروال بنفسي! خجل الضابط أن ينظر إلى عورتي، وقال: لا داعي، ادخل السجن بسلام.

الفلسطينيون بحاجة إلى إعادة تقييم موقف، ودراسة جدية لآلية مواجهة الاحتلال لا بالسؤال عن كيفية إنزال السروال!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. هو الاحتلال سروال ام لعبة اكل وغاز،،،لقد ضحكوا علينا،، وجعلوا من اوسلو مشنقتنا وسلطتي غزة ورام الله ابطال المقايضة مع الاحتلال ،،،فالمقايضة هي خطتهم في تجديد سلطتهم،،وزعاماتهم ولو على خازوق اوسلو الاحتلال،،،!!!

  2. ذكرتني يادكتور فايز بسجن نفحه ومستشفي سجن الرمله حيث أنني كنت ازور شقيقي في سجن نفحه وحين أصابته نوبه قلبيه حاده تم نقله أولا إلي مستشفي سوروكا في النقب وبعد إستقرار حالته تم نقله إلي سجن الرمله..قمت بزيارته في ذلك الوقت في سجن الرمله وقبل أن يحضروه جلست مع الطبيب المعالج وقال لي انصح اخيك بالبقاء في المستشفي إلي أن يتم شفاؤه لأنه كان يطالبهم بالعوده الى سجن نفحه وكأنه متنزه..لكن بعد معرفتي كيف كان السجناء يعيشون حياتهم كاخوه لا فرق بين حمساوي وفتحاوي وكانوا يتشاورون في أصغر الأمور حتي لا يكون خلافات كما نشاهد الآن
    خرج شقيقي بعد أوسلو وكان محكوما بالمؤبد لكن الصهاينة كانوا علي علم بحالته الصحيه فأطلقوا سراحه حتي لا يموت داخل السجن وبالفعل بعد خروجه لم يعش أشهر قليله وتوفي وهو في عز شبابه..حصل هذا يادكتور بالفتره التي هرب بعض المحكومين في سجن نفحه اتذكر ذلك جيداً..رغم قساوة المكان في صحراء النقب لكنه كان مدرسه يتعلم فيها السجناء من بعضهم كل حسب معرفته أي أنهم لم يكونوا يقضون أوقاتهم دون الحصول علي فوائد من بعضهم البعض بالتعليم والنقاشات المفيده وتعلم اللغه العبريه جميعهم يتكلمونها بطلاقه وبجهودهم
    هذه بعض ماكان في سجن نفحه الصحراوي..بورك فيك يادكتور أنت لا زلت تناضل بالكلمه والمعرفة والعلم

  3. وماسهى علينا “سؤالي لجدتي حول قصة اغنية الأم الفلسطينيه لطفلها عند ساعة نومه “طير طير ياحمام والخ وكيف الأم الصهيونيه بتغني لطفلها “بكره بتكبر يافرخي وبتحمل الباروده والشرخي وبترجع جبل صهيونا ” واذ ما نام تقول له نام أجاك “الزرعي ” (أحد الفدائين في منطقة اللد أثناء الإستعمار البريطاني ) وبعدها ينام مذعورا بعد ان يحطّها في سرواله ايحاء من خوف امه وفعلتها ؟؟؟؟؟؟؟ وهذا ديدنهم الحقد الأسود مشفوعا مع جين الجبن والخوف استاذ فايز ” والشاهد الحي تكبيرات طفل الأقصى وكيف حال من حوله من جنود العدو الصهيوني الذين اصابهم الذعر وهم مدججين بسلاحهم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  4. لامناص للثورة الفلسطينيه إلا العوده الى مربع الحالة الفلسطينيه اين يجب ان تكون بأدواتها وشخوصها “مرحلة تحرر وطني في الداخل كما في الشتات (ضريبة التحرر الوطني ومن جهّز غازي فقد غزا ويذكرني عندما ضاق العمق العربي في وجه الشهيد أبو عمّار قام بجمع 50 مليون دينار كويتي من فلسطيني الشتات في ليلة وأحده كما يذكرني ماكانت اي عمليه عسكريه تتم ضد العدو الصهيوني دون الضؤ الأخضر منه وفق الأخبار الموثوقه مصادرها ) والأهم تشكيل محكمة ثوريه للبث في الإختلاف مابينها والمارقين عن ثوابتها والمتغولين عليها من الخارج ؟؟؟؟؟؟؟؟مهما بلغت التضحيات وطال واوقصر الولوج لتحقيق الهدف الجامع وهذا قدر الله ان حبى اهل فلسطين شرف الدفاع عنها وخط الدفاع الأول عن عمقها العربي والإسلامي والإنساني (مركز الصراع بين الخير والشر ) ؟؟؟؟؟ وبعد الأخذ بالأسباب ” واعدوا ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون به عدوالله وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم ؟؟؟؟ “وان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ” والقضيه الفلسطينيه بمناعتها وسر ديمومتها طارده لكل من تلفع تحت ظلالها لتحقيق مصالحه الضيقّة وكم من الشهداء رووا بدمائهم ارضها الطاهرة وكم قذفت بشخوص الى مزابل التاريخ ؟؟؟؟؟؟؟؟ “ولاتهنوا في ابتغاء القوم فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالايرجون وكان الله عليما حكيما “

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here