عميرة أيسر: ومن قال لكم بأن العربية لغة أهل الجنة يا ترى؟

amira-aysar.jpg666 (1).jpgneww

عميرة أيسر

والله لم أعد أعرف ماذا أصاب البعض في الجزائر، فبمجرد اعتماد اللغة الأمازيغية كلغة قومية وطنية ثانية معتمدة رسمياً في الدولة، طبعاً إذا صدقَّنا كلام السُّلطة بحذافيره، هاج بعض القوم وماجو فهذا يقول: بأن هذه الخطوة مقدمة لتقسيم الجزائر، مع أن دولاً عظمى والأمثلة  على ذلك كثيرة، من كندا إلى جنوب إفريقيا إلى الهند … الخ لشعوبها أكثر من لسان واحد، بل إن في بعض هذه البلدان تعيش شعوبها داخل فسيفساء متنوعة ومن مختلف الأديان والطوائف الكثيرة والمتعددة، ومع ذلك لها مقعد دائم في قمة العشرين الاقتصادية، وهذا يتَّهم النخب الوطنية التي باركت هذه الخطوة بأنها صامتة خانعة ودعواه في ذلك أن  اللغة العربية مستهدفة وسوف تصبح لغة أجنبية في الجزائر، وهي التي لها جذور تمتد لحوالي 14 قرناً ونيف طبعاً إذا ربطناها بالإسلام، وهي لغة الدين والتعاملات الرسمية والثقافة والأدب والشعر ولا يمكن التفريط بها لأنها لغة حية عضوية تطورية بمفهوم علوم الليسانيات، وهذا يقول بأنها لغة أهل الجنة ويجب أن تكون لوحدها في المشهد الهوياتي الثقافي الوطني، وذهب  هؤلاء إلى أبعد من ذلك عندما أكدوا على أن من لا يتحدث بها فإنه سيذهب إلى الجحيم، بالرغم من أنه لا يوجد ولا حديث واحد صحَّ عنه عليه أفضل الصلاة والسَّلام في ذلك، فكل الأحاديث التي يستدلون بها هي في نظر علماء مصطلح الحديث أحاديث معلولة السَّند والمتن.

ومن الأحاديث المشهورة لدى الرواة، التي يستدل بها هؤلاء للتدليل على صحة ما ذهبوا إليه الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط والحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( أحبوا العربية لثلاث، لأني عربي، والقران عربي، وكلام أهل الجنة عربي)، وهو حديث حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقال: عنه  الإمام الذهبي، أظن هذا الحديث موضوعاً، وقال: الشيخ  العلامة ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى عليه وعليهم أجمعين، في كتاب الضعيفة وفيه جمع عدداً هائلاً من الأحاديث التي لا تصح عنه عليه أفضل الصلاة والسَّلام، ورقمه 160 حديث موضوع، أي مكذوب على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وجاء نفس الحديث  بلفظ أخر أو برواية من طريق أخر كما يقول أهل الحديث من طريق أبي هريرة رضي الله عنه كما يرى الطبراني في الأوسط، أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا عربي، والقران عربي، ولسان أهل الجنة عربي) وقال: الإمام الألباني رحمه الله في سلسلته الضعيفة تحت رقم 161 حديث موضوع.

وحتى الإمام محمد بن تيمية الحراني الذي يسميه أنصار الوهابية وشيوخها في الجزائر بشيخ الإسلام عندما سأله رجل يا إمام هل صحيح بأن كلام أهل الجنة سيكون بالعربية، وكلام أهل النار بالفارسية، فأجاب، بعد أن حمد الله وأثنى عليه لا يعلم على وجه لغة يتلك الناس يومئذ، ولا بأي لغة يسمعون خطاب رب العزَّة جلاَ وعلاَ، لأن الله تعالى لم يخبرنا بشيء عن ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح بأن الفارسية لغة الجهنميين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي،  ولا نعلم نزاعاً في ذلك بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بل كلهم يكفُّون عن ذلك، لأنَّ الكلام في مثل هذا من فضول القول…

 ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين، فقال البعض: يتخاطبون بالعربية، وقال آخرون إلا أهل النار فأنهم يجيبون بالفارسية، وهي لغتهم في النار. وقال: بعضهم يتخاطبون بالسريانية فإنها لغة آدم عليه السَّلام، وعنها تفرغت اللغات، إلاَّ أهل الجنة فأنهم يتكلمون بالعربية، وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها، لا من طريق عقل ولا نقل بل هي دعاوى عارية عن الأدلة، والله تعالى أعلم وأحكم، انتهى كلامه رحمه الله من مجموع الفتاوى، أي كتابه فتاوى ابن تيمية تحت رقم (299/4 ).

فيا قوم أعطوا القوس باريها، ولتكن عندكم عيون ثاقبة كعيون زرقاء اليمامة، فالعربية لغة نحترمها ونحبها ولا نرضى إلا أن تكون سيَّدة متوجة في النسيج الاجتماعية والثقافي والوحدوي للجزائر، أما إعطاء المسالة اللغوية في الجزائر  بعداً شوفينياً، وإقصاء الآخرين شركاء الوطن والدين والثقافة والتراث، والحضارة والدم والتراب، تذهب حتى إلى جعلها لغة أهل الجنة، فهذه مبالغة ليست في محلها، فيجب على الجميع أن يفكروا في كيفية بناء وطن قومي جامع لكل أبنائه مهما اختلفت دياناتهم أو طوائفهم أو لغاتهم أو عاداتهم أو تقاليدهم.

وصدقوني الإقصاء والتهميش لن يولد إلاَّ الكره والحقد والعداوة والبغضاء والتعصب المقيت، وهي كلها أدوات استعملها الغرب في الماضي، ولا يزال لتدمير دولنا المغاربية والعربية واحدة تلوى الأخرى، فهل أنتم منتهون؟، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح كما قال: عليه أفضل الصلاة والسَّلام، وقوله تعالى يا أيها الناس إناَّ  خلقناكم من ذكر وأنثى، جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم خبير صدق الله العظيم، توحدوا  يا أبناء الجزائر فأنتم أبناء أمة عظيمة، علَّمت العالم كيف يثور وكيف ينتصر، أم أنَ بعضكم قد نسي هذا التاريخ المجيد الذي كتبه كل أبناء الجزائر ودون استثناء بماء الذهب على جدران التاريخ الإنساني الخالد.

-كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ترسيم اللسان البربري في الدستور الجزائري صدر منذ سنتين وهو امر ليس بالجديد ولذلك لا اعتقد ان هناك من يتكلم عنه اليوم. ولا أحد عارضه… لكن ما يثير التساؤل اليوم هو حكاية ربط يوم يناير او راس العام كما يقال في بعض مناطق الجزائر بصعود الفرعون شيشنق لسدة الحكم في مصر، هذا ما يثير الجدل لأنه لا علاقة له بالحقيقة وهو مجرد دجل لا اساس له من الصحة. فشيشنق لم يقم بأي حرب ضد مصر لأن عائلته كانت تعيش في مصر لمدة قرنين قبل أن يصعد أحد أفرادها وكان كبير الجند لسدة الحكم…وكان والده كاهنا … كما أن الفترة الزمنية بين رمسيس الثاني وشيشنق هي قرنان من الزمان. فلم تقم أي حرب بينهما..هذا أمر يجب أن يعاد فيه النظر لأنه مجرد دجل ولا علاقة له بالحقيقة….الكاتب يستشهد بدول مثل الهند، في تعدد لغاتها الرسمية. لكنه تناسى أن الأقوام التي تسكن الهند تتعايش فيه ويقبل بعضها بعضا ويؤمنون بالإرادة في العيش المشترك ولذلك فعندما تكون لهم مائة لغة رسمية لا ضرر من ذلك، فهذا يقوي وحدة البلد..لكن ما هو موجود عندنا قائم على الحقد على العرب وعلى العربية ، حيث ينظر الى العرب كدخلاء يجب طردهم وينظر الى العربية كلغة ميتة وأجنبية يجب التخلص منها…هذا هو لب المشكل في الجزائر والمغرب. ولذلك هناك صراع وليس إرادة في العيش المشترك..طرف يريد اقصاء طرف آخر… هناك عداء شديد ضد العرب والعربية، ولا أعتقد أنه سينتهي لأن الأطراف التي تغذيه كثيرة داخليا وخارجيا..وهذه هي المصيبة التي تتخبط الجزائر فيها..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here