عميرة أيسر: مخطط  إقامة دولة لأزواد في الجنوب الجزائري الكبير

 

amira-aysar.jpg666 (1).jpgneww

عميرة أيسر

المخططات الاستعمارية الكبرى التي تستهدف القارة الإفريقية والجزائر على وجه الخصوص باعتبارها بوابتها الشمالية، وذلك من أجل تقسيم الإقليم المغاربي بما يضعف من قوة دوله المركزية التي تعتبر في المفاهيم الجيواستراتيجية صمام أمان، يمنع انفراط  ترابط الوحدات السِّياسية الجغرافية لمجموعة كبيرة من الدول الواقعة في الشمال الغربي والجنوبي الأوسط لقارة السمراء، فإن هذه القوى الامبريالية الغربية ومنذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، تخطط وتجهز لما يسمى إعلان دولة الأزواد الكبرى  والتي تشمل الجزء الشمالي من  السنغال، ومالي والنيجر وتشاد  وحتى بوركينافاسو، والجزء الجنوبي من الجزائر وليبيا وموريتانيا وتمتد حتى تونس والمغرب، و  تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة بمفاهيم العلوم السِّياسية و مصدرة للإرهاب و بؤرة توتر أمني دائم حسب التوصيفات الاستخباراتية والعسكرية يصب في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من هذا المخطط الاستعماري.

 الصراع في هذه المنطقة الأمنية و التي تعتبر امتداداً طبيعياً لوجود قبائل الطوارق الجغرافي والديمغرافي، والتي تعتبر غنية بالكثير من الثروات والمعادن الطبيعية والباطنية، والتي تسعى القوى الاستعمارية إلى السَّيطرة الكاملة عليها، كالنفط والغاز والذهب واليورانيوم… الخ، فهناك الكثير من القوى في المنطقة تريد إقامة ما يعرف بدولة الصحراء الكبرى، والتي كانت مشروعاً موجوداً ومعداً للتنفيذ منذ سنة 1890م عندما تمَّ الاتفاق على تشكيل كيان سياسي ممثًّل لقبائل الطوارق على غرار الدولة الكردية في منطقة الشرق الأوسط، والتي صاغت بنودها وحددت جغرافيتها الدول الاستعمارية التقليدية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، وذلك  بتاريخ 10 أب/ أوت سنة 1920م، وذلك بعد اتفاق سيفر  الذي وقِّع بين السُّلطة العثمانية والحلفاء، والذي أجهضه مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة سنة 1923م، بعد توقيع اتفاق لوزان الشهير والذي خلاَ من أيَّة إشارة إلى إقامة دولة للأكراد في تلك المناطق الجغرافية.

وبمجرد إعلان استقلال جمهورية مالي عن فرنسا سنة 1960م، ثار إقليم شمالي مالي في وجه الحكومة المركزية في باماكو سنة 1962م، وطالب بالانفصال وتشكيل جمهورية الأزواد، ولكن الجيش المالي استطاع أن يقضي على هذا التمرد سنة 1964م بعدما دمَّر مخازن الغذاء، و استطاع فرض الحكم العسكري على قبائل الطوارق، ولكن الصراع المسلح انفجر مرة ، وكان سيمتد إلى الجنوب الجزائري الكبير لو لا حنكة الدبلوماسية الجزائرية التي استطاعت تهدئة الأوضاع في الإقليم، ونجحت في إقناع أطراف الصِّراع بالتوقيع  على بنود اتفاقية تمنراست سنة 1991م، ولكن الأطراف الُموقعة عليه بما فيها حركة تحرير الأزواد لم تلتزم بهذا الاتفاق، وعلى إثر ذلك نزح عشرات الآلاف من المدنيين من شمالي مالي باتجاه الجزائر وموريتانيا وليبيا وتونس، وتعقدت الأوضاع أكثر بعد أن أعلنت الحركة الوطنية لتحرير الأزواد عن تأسيس جمهورية مستقلة لها في الأجزاء الشمالية من مالي، وهو ما اعتبرته باماكو بمثابة إعلان حرب، وعلى إثر هذا الإعلان انتشرت العصابات المُسلَّحة وتجار السَّلاح والمخدرات، ومجموعات ذئاب الصحراء الإرهابية، والتي تضمّ جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، كجماعة أنصار الله بقيادة أغا علي ومختار بالمختار وغيرهم. والتي قامت باختطاف عدد كبير من الرهائن الغربيين، وأجبرت حكوماتهم على دفع مبالغ مالية طائلة في مقابل الإفراج عنهم.

وفي سنة 2012 م، تمت عملية الإطاحة بالرئيس المالي تومادو توماني الذي عجز عن السَّيطرة على الوضع في شمال مالي الذي انطلق منهم العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت دول الجوار كموريتانيا والجزائر وتونس، و بعد سنة 2011م، وعند سقوط النظام المركزي في ليبيا حصلت الجماعات الإرهابية في مالي على صواريخ مضادَّة للطائرات من جماعة أنصار الشريعة في ليبيا، واستطاعت أن تحشد الآلاف من عناصرها وتدخل في صراع مسلح ضدَّ الجيش المالي، و التنسيقية الوطنية لحركات الأزواد والتي تضم ثلاثة حركات رئيسية من قبائل الطوارق وهي، الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد،  والحركة العربية لتحرير أزواد(جناح ولد سيداتي) وهي تسيطر عملياً على حوالي 80 بالمائة من أراضي الإقليم في شمال مالي وعلى أهم مدنه الرئيسية وهي كيدال، وبير، ومنكة، وقيني، وتشرف على تسيير الأمور فيه إدارياً وأمنياً، بالتنسيق مع قوات حفظ السَّلام الدولية، والقوات الفرنسية، وفرضت على المجتمع الدولي أن يتعاطى مع مطالبهم بالحكم الذاتي، بجدية وموضوعية أكثر، من أجل إيجاد حلِّ لمعاناة الأزواديين.

فالجانب الأزوادي يرفض لحدِّ الآن التوقيع على اتفاق السِّلم والمصالحة الذي يقضي بأن تنسحب القوات المالية والجماعات المسلحة التابعة لها، من بلدة مينكا الشمالية، وبأن تحل محلها قوات أمن تابعة للأمم المتحدة، بصفة مؤقتة، وهو الاتفاق الذي صادقت عليه الحكومة المالية بتاريخ 15 ماي 2015م، وذلك بعد ضغوط مارستها المنظمة الدولية في باريس في شهر مارس من نفس السَّنة، ولكن تنسيقية حركة الأزواد رفضت التوقيع عليه، وذلك لأن باماكو في نظرهم لم تعترف بالإقليم كحقيقة سياسية وجغرافية، ولا تريد منح قبائل الطوارق في شمال البلاد حقهم في إرادة هذا الإقليم إدارياً وأمنياً، ضمن نطاق الدولة المالية الفيدرالية، وإنشاء برلمان خاص بالإقليم على غرار برلمان كردستان في شمال العراق، وحتىَّ اتفاق الجزائر الذي تمَّ التوقيع عليه في 20 جوان سنة 2015م في العاصمة الجزائرية، لم يشر إلى هذا الجانب من الاتفاق، إنما اكتفى بالإشارة إلى ضرورة إنشاء مجالس محلية تتمتع بصلاحيات واسعة، وتنبثق من اقتراع حرٍ ومباشر، وبإشراف دولي ولكن لا يعطي للإقليم الحقَّ في الانفصال عن كيان الدولة المالية.

 فالمجتمع الدولي والجزائر يتخوفون من أنَّ منح الاستقلال لإقليم الأزواد سيؤدي إلى تقسيم دول المنطقة، ومطالبة الطوارق فيها بإنشاء دولة لهم، على غرار نظرائهم في دولة مالي، فالمنطقة من الناحية الإستراتيجية تقع على كف عفريت، بعدماَ سيطرت قوات تابعة لتنظيمات إرهابية على مناطق واسعة في شمال البلاد، وبالرغم من تدخل القوات الفرنسية وبرعاية دولية هناك، واستطاعت تحرير الكثير من مناطق إقليم الأزواد من أيدي عصابات الإجرام الإرهابي الأعمى، ولكن لا تزال هناك الكثير من المدن التي لا تزال تحت سيطرة هؤلاء الإرهابيين، والذين بالتأكيد ترعى بعضهم الاستخبارات الفرنسية أو البريطانية أو حتى الأمريكية، والتي تريد تقسيم المنطقة كما فعلت بالكثير من المناطق الجغرافية في أوروبا الشرقية، أو في منطقة الشرق الأوسط.

فالحركات الإرهابية كحركة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي المنحدر من أحد العائلات القوية، والقبلية الكبيرة ذات الزعامة التاريخية داخل قبائل الإيفوغاس الطوارقية، والذي بعد أن تمَّ التوقيع على اتفاق السَّلام سنة 1992م لإنهاء الصراع المسلح بين مالي و المتمردين الطوارق، عمل قنصلاً لمالي في مدينة جدَّة السعودية، و بعد سنة 2012 م، أعلن تمرده صراحة على الحكومة المركزية في باماكو، و سيطرت حركته الإرهابية الانفصالية على مدن تمبكتو وكيدال، وغاو، وطردت الجيش المالي منها، وتمَّ الإعلان عن تشكيل جمهورية الأزواد الإسلامية وتطبيق الشريعة حسب مفهومه لها، وأبدى رغبته في تقاسم السُّلطة مع الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، وهو بذلك قد فتح الباب على مصراعيه أمام نزعة الانفصال القومية التي بدأت تنمو تدريجياً، وبرعاية غربية لدى الكثير من الزعماء القبليين المنتمين لقبائل الطوارق في المنطقة.

وباعتبار أن الجزائر ذات ثقل ووزن قاري وإقليمي كبير، وفيها الكثير من التنوع الثقافي و الإثني والعرقي الكبير، وضربت طوال تاريخها المثل في التعايش والتناغم والانسجام بين كل مكونات الشعب الجزائري، وبعد أن فشلت فرنسا في فصل منطقة الصحراء الكبرى عن طريق اتفاقيات أيفيان، كما كان يخطط ديغول لذلك منذ سنة 1958م، وفشلوا في تدميرها عن طريق إغراقها في بحور من الدَّم والدموع ولمدة عشر سنوات كاملة، يُحالون هذه المرة استغلال أحد المكونات الرئيسية في النسيج التاريخي والوحدوي الوطني، لضرب البلاد في خاصرتها الجنوبية، وإقامة دولة الأزواد  والتي تضم جزءَ من الجنوب الجزائري من أجل الاستيلاء على ثروات الصحراء الكبرى، فتصريحات الجنرال الفرنسي جان بيار بوسي سنة 2015 م، والذي كان يشغل منصب رئيس أركان جيش البر الفرنسي، والتي أكد فيها على أن فرنسا  متواجدة في منطقة السَّاحل والصحراء، واستطاعت أن تحرز تقدماً كبيراً هناك، وأصبحت تمتلك  بالتالي الكثير من المعلومات الاستخباراتية، التي مكنت القوات الفرنسية من تتبع نشاط تنظيم القاعدة الإرهابي في المنطقة.

وهي نفس الحجة التي استعملتها باريس لنشر حوالي 3 ألاف جندي فرنسي في كل من بوركينافاسو، ومالي وموريتانيا والتشاد والنيجر، والرئيس الحالي إيمانويل ماكرون كان ممن أشرفوا على القمة الأمنية التي عقدتها دول السَّاحل الإفريقي في نهاية العام الماضي، ودعمت فرنسا جيوش تلك الدول بأموال طائلة، وغيَّبت دور الجزائر في تلك القمة عمداً، وذلك تمهيداً  لتنفيذ المُخطط الفرنسي الغربي لضرب أمن الجزائر واستقرارها، انطلاقاً من جنوبنا الكبير، وبتواطؤ من دول الجوار ذات الولاء السِّياسي والعسكري والاقتصاد لفرنسا.

فعلى أجهزة الاستخبارات والقيادة العسكرية والسِّياسية، أن تعمل على إحباط هذه المخططات الخبيثة التي تحاول النيل من استقلال البلاد ووحدتها الترابية، وأن تحاول إيجاد حلول ناجعة لكل المشاكل الداخلية، بما يلبي احتياجات كل طبقات وأطياف المجتمع الجزائري. الهجوم الإرهابي الذي أحبطته السُّلطات التونسية والجزائرية والليبية، والذي قامت بتنفيذه حركة أبناء الصحراء من أجل العدالة الإرهابية قبل أيام قلائل، كما أودت ذلك جريدة الجريدة التونسية، وذلك بعد الإعلان عن مقتل زعيمها المدعو عبد السَّلام طرموس، وكان يهدف هذا المخطط لإحداث الفوضى والاضطرابات الأمنية على طول الحدود البرية  للجزائر مع كل من تونس وليبيا ومالي، وذلك بالاشتراك مع الكثير من التنظيمات الإرهابية النشطة في جنوب الصحراء، فالأوضاع الأمنية في غاية الخطورة، والجزائر مستهدفة، وعلى الجميع التكاتف من أجل إحباط هذا المخطط الذي لا يخدم إلاَّ أعداء الجزائر في المقام الأول والأخير.

-كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الخوف كل الخوف من الخونة أو بما يسمون الحركى الجدد من بني جلدتنا والمتغلغلون في دواليب الحكم..لان العدو لايجرؤ لولا معرفته المسبقة بوجود دعم له من الداخل…لذلك يجب على المؤسسة الأمنية أن تكشف هؤلاء ومحاكمتهم قبل أن يقع الفأس على الرأس…اللهم أحفظ بلدنا الجزائر…تحياتي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here