عميرة أيسر: ماذا يجري في هرم السُّلطة الجزائرية يا ترى؟

 

amira-aysar.jpg666 (1).jpgneww

عميرة أيسر

البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية قبل أيام قلائل والذي أكد على أن كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ممثلة في الوزير الأول السيِّد أحمد أويحي والقاضية بفتح رأس مال المؤسسات العمومية أمام القطاع الخاص للاستثمار، تحت رعاية مجلس مساهمات الدولة، تعتبر باطلة و لاغيه. وأشار ذات البيان إلى أن اتخاذ إجراءات كهذه لا تتم إلا بعد استشارة الرئيس وبموافقة شخصية منه، وهي الخطوة التي عدَّها الكثير من المراقبين والمحللين السّياسيين، انتكاسة حقيقية في العلاقة الوطيدة التي كانت تجمع الرئيس بالوزير الأول، حيث أن الكثير من الملفات الشائكة كان الوزير الأول يتصرف فيها بدون العودة إلى رئيس البلاد، فيما رأى غيرهم بأن التماهي الذي كان بين مؤسسة الرئاسة والوزارة الأولى قد انفرط عقده، وبأن هناك حركة تغييرات قادمة ربما تطيح بالوزير الأول بعد الهجوم الإعلامي الشرس الذي شنَّه عليه  في الإعلام الوطني، غريمه الأول وحليفه في الائتلاف الرئاسي حزب جبهة التحرير الوطني، والذي وعد أمينه العام السيِّد جمال ولد عباس بأن الحزب لن يسمح بتمرير إجراءات و قوانين كهذه من شأنها كما قال أن تؤدي إلى رهن الاقتصاد الوطني، بما يضر بالمكتسبات المُحققة والمنجزة منذ الاستقلال مستنداً في ذلك على الفصل رقم 3 من الدستور وعلى المواد 18-19-20 منه، والتي تؤكد بأن الملكية العامة هي حقُّ لجميع المواطنين ولا يمكن التصرف فيها إلا بعد أخذ موافقة الجهات المختصة، بما  يضمن حقوقه كاملة. فحالة الجدل السِّياسي والحزبي في الجزائر بعد هذه التعليمية الصادرة عن الرئاسة  فتحت الباب على مصراعيه مرة أخرى، لتطرح السؤال التقليدي، حول من يتحكم بدواليب الدولة الجزائرية، فإذا كان الوزير الأول الحالي السيِّد أحمد أويحي هو من وقَّع مرسوم إقالة السيِّد عبد المجيد تبون من منصب الوزير الأول عندما كان مديراً لديوان الرئاسة كما يؤكد على ذلك العارفون بخبايا قصر المرادية، فمن يا ترى بنظر هؤلاء، وقع على المرسوم الرئاسي  الذي يلغي التعليمة الصادرة عن الوزير الأول؟ وهل هذه التعليمية الرئاسية هي مقدمة لتنحيته من منصبه، كما يتوقع البعض في الجزائر.

وحسب العديد من القراءات السِّياسية، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ارتباك ولغط سياسي داخل منظومة السلطة السِّياسية الحاكمة في البلاد،  والجميع يتذكر كيف تمت إقالة وزير السِّياحة  والصناعات التقليدية الأسبق  السيِّد مسعود بن عقون حتى قبل أن تجري مراسيم تنصيبه وذلك بعد حوالي 48 ساعة فقط من توليه لمنصبه الوزاري ، وذلك بعد ورود تقارير سلبية عنه من المصالح الأمنية المختصة جرت إقالته على أساسها عبر مرسوم رئاسي استثنائي، وتمَّ تعيين خلفه السيِّد حسين مرموي بعدها بأيام قلائل على رأس تلك الوزارة ، فالصراعات في هرم السُّلطة والتي زادت حدتها مؤخراً، تدخل كما يقول العارفون بخبايا الحكم في الجزائر، مرحلة مفصلية تزداد تعقيداً وحدَّة، مع اقتراب موعد رئاسيات سنة 2019م، والتي أصبحت على الأبواب، في ظلِّ حالة اقتصادية صعبة بدأت تلقي بظلالها الكثيفة عن المواطنين، والذين استقبلوا العام الجديد بزيادات في أسعار الوقود و العديد من المواد الغذائية الواسعة الاستهلاك، والشيء الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام؟ هو عن مدى الثقة التي كان الرئيس  بوتفليقة يضعها في الحكومات الجزائرية المتعاقبة طوال فترة حكمه والتي بلغت تقريباً 21 حكومة ما بين تعديل وزاري، وطاقم حكومي جديد، لأن هناك مديريات موازية لكل وزارات الدولة على مستوى الرئاسة تقريباً.

 فطبيعة النظام الرئاسي الذي يحكم البلاد، والذي يركز كل السُّلطات في يد الرئيس ويجعل من شخص الرئيس هو محور الحكم، إذ يستطيع بالرغم من التعديل الدستوري الذي أقِّره البرلمان سنة 2016 م أن يقيل  هذا البرلمان بغرفتيه، وكذلك  أن يأمر بإنهاء مهام الحكومة الحالية ولكن لا يمكن لأحد أن يقيل الرئيس، وهذا ما يعتبره البعض من أركان الحكم ضمانة لاستقرار البلاد، فيما يراه آخرون فرصة حقيقية أمام الرئيس من أجل زيادة نفوذه بما يسمح له بأن يضع قواعد اللعبة السِّياسية بما يخدم توجهاته السِّياسية و  بما يضمن له إنجاح برنامجه  الاقتصادي الخماسي ، فحتىَّ الصلاحيات التي أعطت لأحزاب المعارضة من أجل مراقبة عمل الحكومة و إمكانيتها استجواب وزرائها أو حتىَّ الوزير الأول فيها، تبقى شكلية مادام أن هذه الحكومة تتبع لرئاسة الجمهورية، ولا سلطة لأحزاب المعارضة عليها، فالصراعات السِّياسية المحتدمة في الجزائر بين العديد من عصب الحكم. باتت انعكاساتها السلبية تظهر على السطح رويداً رويداً، وسط حالة من الغموض تلف مستقبل البلاد السِّياسي والاقتصادي، وتعيد طرح السؤال المُحيِّر، من يحكم البلاد حالياً؟، في ظلِّ عجز الرئيس عن القيام بكامل مهامه الدستورية نتيجة حالته الصحية الصعبة يا ترى؟

-كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here