عميرة أيسر: الاحتجاجات النقابية في الجزائر

 عميرة أيسر

تعرف الجزائر منذ أشهر موجة احتجاجات شملت مختلف القطاعات والشرائح الاجتماعية، من أطباء وعمال صحة وأساتذة وطلبة ، وقدماء المتقاعدين وجنود الاحتياط في الجيش الوطني الشعبي، وكل هؤلاء يطالبون بمجموعة من المطالب المحقة في معظمها، كزيادة رواتبهم التي أصبحت لا تكفيهم في ظلِّ الارتفاع الرهيب في الأسعار، أو كتحسين شروط العمل وضمان الحدِّ الأدنى  من الخدمات والوسائل والتي  تضمن لهم  القدرة على أداء وظائفهم بالشكل المطلوب، كفئة الأطباء والأساتذة المضربين… الخ أو تحسين شروط الدراسة و الإيفاء ببنود العقد الموقع بين طلبة المدارس العليا للأساتذة وبين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والقاضي بتوظيف هؤلاء الأساتذة  عند تخرجهم في مدارس ومعاهد تكون قريبة من مقرات سكانهم وفي نطاق ولاياتهم، ولا يحقُّ بموجب بنود هذا العقد للجهات المعنية أن توظفهم في ولايات بعيدة، أو حتىَّ قريبة من ولايتهم الأصلية التي ينحدرون منها، و من المطالب الاجتماعية التي تأتي بعد أن أغلقت الحكومة باب الحوار في وجوههم.

 ولجأت  عوضاً عن ذلك إلى استعمال لغة العنف والتهديد والوعيد إذ لم يتوقف هؤلاء عن الإضراب المفتوح كما هو الحال بالنسبة لوزيرة التربية الوطنية السيِّدة نورية بن غبريط التي هددت بطرد حوالي 19 ألف أستاذ ينتمون إلى نقابة المجلس الوطني لمستخدمي التدريس ثلاثي الأطوار للتربية (ابتدائي، متوسط، ثانوي) المعروف بالكناباست، أن لم يعودوا إلى مقرات عملهم في أقرب وقت ممكن، فالحكومة الجزائرية التي تحاول كسب الوقت و تدفع بالأمور إلى مزيد من الاحتقان، بعد أن تمَّ الاعتداء على الوقفات الاحتجاجية  السلمية التي قام الطلبة والأساتذة  والأطباء المضربين بتنظيمها عبر مختلف ولايات الوطن ، وحتى على مسيرات متقاعدي الجيش الوطني الشعبي من طرف قوات الشرطة، مما خلف العديد من الإصابات في صفوف هؤلاء. و مما زاد من حنق وغضب هؤلاء المضربين هو لغة التخوين والأوصاف التي لا تليق والتي أطلقها الوزير الأول السيِّد أحمد أويحي عن الأساتذة المضربين والذين وصفهم في أحد تصريحاته بالقراصنة، وهو التصريح المستفز الذي آثار الكثير من ردود الأفعال السِّلبية، وبالأخص أن الراتب الذي يتلقاه الأستاذ في الجزائر، لا يعادل حتى 1 بالمائة مثلاً  من راتب لاعب كرة قدم محلي وليس حتىَّ أجنبي.

وتأتي هذه الاحتجاجات النقابية والجزائر تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة وحالة من الانسداد السِّياسي الغير مسبوقة، و قبل عام واحد من موعد رئاسيات 2019م، وهو ما دفع بالبعض إلى الحديث عن  وجود أطراف خارجية أو داخلية، تحرك هذه الاحتجاجات أو تحاول الاستفادة منها وتوظيفها سياسياً، قدر المستطاع من أجل تحقيق أكبر قدر من الزخم و فرض أجنداتها السِّياسية والاقتصادية على صناع القرار في الجزائر، أو في إطار الصراع على من سيخلف الرئيس بوتفليقة في حال لم يترشح لفترة رئاسية أخرى كما يتوقع الكثير من المراقبين للوضع السِّياسي الداخلي، وتساءل البعض من المشككين في مطالب المضربين المحقة، لماذا لم يقم هؤلاء بكل بتنظيم كل هذه الإضرابات دفعة واحدة في سنوات البحبوحة المالية مثلاً؟ متجاهلين بذلك الكثير من الحقائق، والتي من بينها أن الكثير منهم كالأطباء والأساتذة قاموا بتنظيم العديد من الإضرابات في السنوات 6 الماضية على الأقل، وكانت السلطة السِّياسية تقدم لهم الوعود الوردية بحلِّ جميع مشاكلهم المهنية، و إعادة الاعتبار لهم داخل قطاعاتهم، ولكنها في كل مرة كانت تتهرب من تنفيذ وعودها التي قطعتها لهم.

وبالتالي لم يعد لهؤلاء سوى الشارع مكاناً وحيداً لهم من أجل الضغط عليها، لتنفيذ مطالبها جميعاً وإلاَّ فإن الإضرابات سوف تستمر، وتزداد وتيرتها في الأشهر القليلة القادمة، كما يؤكد على ذلك المضربون، مما يدفع بالبلاد نحو المجهول، ويكبِّد الاقتصاد الوطني خسائر مالية معتبرة، جراء التَّوقف على العمل، ولكن من جهة أخرى فإنَّ هذه الإضرابات المحقة ستكون ربما القشة التي ستقسم ظهر البعير، وربما تدفع بالحكومة  إلى تغيير من سياساتها البالية والغير مسئولة في تعاملها مع المشاكل والتحديات التي تعرفها البلاد وعلى جميع الأصعدة والمستويات مستقبلاً.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here