عملية عسكرية مرتقبة في شمال شرق سورية.. هل تقدم الحل لمشاكل المنطقة

الأيهم طه

يتزايد الحديث في كل يوم عن اقتراب موعد إطلاق عملية عسكرية تركية بمشاركة فصائل معارضة سورية مسلحة نحو مناطق حدودية هي   تل أبيض و رأس العين  في الشمال الشرقي السوري المحاذية لولاية شانلي اورفا التركية وقد أشارت عدة حسابات سورية معارضة على مواقع التواصل الى اقتراب موعد هذه العملية .

ويظن البعض أن مثل هذه العمليات العسكرية ستكون (عصى موسى ) التي تقدم الحل لجميع المشاكل وتشفي جميع الأمراض لكن الواقع مختلف .

 العملية التي لوحت بها أنقرة كثيرا خلال عام 2018 وبداية 2019 ولكنها كانت تؤجل بشكل مستمر  بسبب معارضة الجانب الأمريكي و الأوربي وحمايته لمناطق قسد عبر تواجده بشكل مباشر وعلني على الشريط الحدودي .

وكانت الحدود السورية التركية قد شهدت تحشيدات عسكرية مستمرة منذ عدة اشهر استعدادا لهذه العملية  التي في حال حصولها تأتي تأكيد لرؤية انقرة في الأمن القومي التركي الذي يرفض وجود كانتون كردي موالي لحزب العمال التركي المعارض لحكومة انقرة  قريب من الحدود بحسب تصريحات انقرة  وايضا  لإنشاء منطقة أمنة تستوعب المدنيين السوريين اللاجئين في تركيا  وربما تكون بغرض  إنشاء حزام عربي يحيط بمناطق سيطرت قوات سورية الديمقراطية (الكردية)، التي ترى فيها أنقرة عدوا يهدد امنها.

رؤية الحكومة التركية  تتمثل في عدة زوايا داخلية وخارجية أهمها   الإعلان ان هذه المنطقة ستتمكن من استيعاب مئات الاف من السوريين الموجودين على الأراضي التركية وهذا سيخفف من الضغط السياسي والشعبي الداخلي  لترحيل السوريين وما خلفه من أثار سلبية على شعبية الحزب الحاكم  ,ويأتي ذلك بالتزامن  مع حملة أطلقتها الحكومة التركيا لإغلاق المخيمات السورية على الأراضي التركية وكان آخرها اغلاق مخيم حران الذي كان يضم حوالي 9400 شخص حيث أكدت الحكومة التركية رغبتها بإغلاق كافة المخيمات تباعا  ,و ايضا  بالتزامن مع حملة امنية للتدقيق على السوريين الموجودين في أراضيها  وتقييد تحركاتهم وتحديد مناطق تواجدهم , فضلا عن  الكثير من الإجراءات التي تثقل كاهل اللاجئ السوري وتدفعهم الى التفكير بخيارات بديلة عن التواجد على الأراضي التركية.

وربما يتوقع البعض أن دفع آلاف الشباب السوريين    الذين كانوا يعملون في تركيا الى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة  في الداخل السوري قد يؤدي  الى تطوع جزء منهم في التشكيلات العسكرية الموجودة على الأرض وعودة انخراطهم في النزاع المسلح وهذا يعني رافدا بشريا لفصائل موالية لها.

كما ان زيادة الضغط على السوريين الموجودين في تركيا قد يدفعه  اما الى العودة الى الداخل السوري او الى التفكير بالهجرة الى اوربا و الخلاص من اعبائهم الداخلية كعامل ضغط سياسي واقتصادي و أمني.

وياتي ذلك بالتزامن مع تأكيد السلطات التركية انها تسعى لحل ازمة اللاجئين على اراضيها وانها تعمل لإنشاء مناطق آمنة يعود لها قرابة المليون سوري في محاولة لانتزاع ورقة اللاجئين من يد المعارضة التركية في الداخل , وايضا مع  تلويح مولود جاويش اوغلو بتعليق اتفاقيات اللاجئين بين أوروبا وتركيا بدعوى ان الجانب الأوروبي لم يلتزم بها .

تركيا لم تخفي انها تستخدم ورقة اللاجئين السوريين خارجيا وتحديدا  في وجه اوربا للتهديد بها , لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية وفي عدة ملفات  سواء في النزاع القبرصي عبر تهديد اوربا بأنها تمنع تدفق اللاجئين عنها او في ازمة التنقيب عن النفط قبالة السواحل القبرصية وهو ما صرح به علنا وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، قبل عدة ايام في 20 من تموز الجاري، إن الحكومات الأوروبية لا تستطيع الصمود 6 أشهر في حال فتحت تركيا أبوابها أمام المهاجرين وسمحت لهم بالعبور نحو القارة الأوروبية.

 كما أن ورقة الاجئين  قد تفيد في تحديد الحدود السورية التركية مستقبلا بما يتجاوز اتفاقيات اضنة لترسيم الحدود التي تم التوقيع عليها في عام 1998 بين الحكومة السورية والحكومة التركية في حينها.

بحسب التصريحات التركية فهناك تباحث مع الجانب الامريكي حول انشاء منطقة امنة هذا المشروع الذي بقي مطروح على الطاولة لسنوات طويلة دون ان يحدث اي تقدم فيه وهو مرفوض من قبل العديد من الأطراف الفاعلة في النزاع السوري وبينها الحكومة المركزية في سوريا وروسيا و من الإدارة الذاتية الذين يرون فيه محاولة للهيمنة على جزء من الأراضي السورية.

لاشك أن انقرة خسرت الكثير من أوراقها في النزاع السوري خلال السنوات القليلة الماضية فضلا عن عدم وجود توافق داخلي حول السياسة الحالية في الملف السوري وهذا كان واقع اغلب دول الجوار (تركيا-الاردن -لبنان )  التي حاولت ان تلعب دور فاعل في هذا النزاع سواء عسكريا او اقتصاديا او اجتماعيا ولذا تم اغلاق غرف التنسيق العسكري (الموك – الموم ) وتراجع الاهتمام بالملف السوري لمصلحة قضايا داخلية في دول الجوار الذي بات وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين على أراضيها يشكل صداعا مستمرا و تحول الى ورقة ضغط  داخلي تؤرق حكومات تلك الدول .

فتح جبهة جديدة في مناطق تل ابيض ورأس العين و تل رفعت  لن يقدم الكثير للوضع الحالي وربما سيزيد الأمور سوء فمن المستبعد ان تتقدم العملية الجديدة التي يتم التلويح بها منذ سنوات أكثر من عدة كيلو مترات لن تتجاوز ال30 كم بما يكفي لانشاء المنطقة التي يرغب بها الأتراك وستكون فصائل المعارضة التابعة لهم مسؤولة عنها  , لكن التساؤل يبقى ماذا ستقدم هذه المنطقة ؟

ماذا قدمت المناطق الأخرى في ريفي حلب وادلب ؟ وكيف هي الأوضاع فيها اقتصاديا واجتماعيا وخدميا؟

وهل سيفيد  الهرب نحو الأمام وتنفيذ تحركات عسكرية في الخلاص من استحقاقات داخلية  أخذت تظهر على السطح وبقوة.

مجموعة من الأسئلة التي تجيب عنها الوقاع الموجودة على الأرض في مناطق  مثل عفرين وغيرها التي شهدت عملية ابقة (غصن الزيتون) في 20/ياناير/ كانون الأول  2018 .

غياب موقف كردي واضح من بيان الأوضاع حول السلطة المسيطرة على  الشريط الحدوي زاد في عدم القدرة على التنبؤ بمستقبل المنطقة خاصة أن التصريحات الكردية كانت متناقضة في احيان كثيرة و تراعي الموقف الامريكي من الأوضاع في سورية , فمع كل حديث عن عملية عسكرية تركيا كانت أصوات الأكراد في الادارة الذاتية  تعلو بان هذه المناطق هي جزء من الاراضي السورية وان حمايتها تقع على عاتق الحكومة في دمشق , ومع تراجع احتمالات الحرب يعود الأكراد في الادارة الذاتية الى موقفهم من رفض تدخل الحكومة السورية في مناطقهم و الاعلان ان المفاوضات مع دمشق غالبا ما تصل الى طريق مسدود بسبب إصرار دمشق على بسط سيطرتها على كامل التراب السوري بشكل فعلي ورغبة الجانب الكردي إقليم فدرالي يدير شؤنه بعيدا عن السلطة في دمشق.

لابد من الإشارة أن أي نزاع جديد سيفاقم من سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة  التي يبدوا انها لن تشهد الاستقرار خلال فترة قريبة  كما أن زج اللاجئين في استحقاقات داخلية وخارجية ربما لن يحمل نتائج مضمونة لأي طرف في المنطقة , مع وجوب التشديد على مراعاة حقوقهم و الإنسانية و أوضاعهم .

وكان يجب ان نعي جميعا (كل أطراف النزاع السوري ) بعد سنوات من النزاع المسلح في سورية أن البندقية ليست عصى موسى او يد المسيح وما ينتج عنها يبقى غير مضمون النتائج اذا لم يتبع بتسويات سياسية تحفظ حقوق جميع الأطراف ولا تفرط بكرامة الإنسان السوري الذي تم استغلاله واستنزافه و أهدرت حقوقه الإنسانية، و ذهب كفرق عملة بين الأطراف المتصارعة.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here