عملية التحول من الثورة الى “الدولة” ثم إلى الثورة مرة أخرى؟

د. نهى خلف

يبدو ان الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني لم يقوموا  فقط  بمحاولات جهنمية  لمحاربة التاريخ الفلسطيني والغائه من طرفهم ، كما ذكر السيد كوشنر بكل وقاحة، ولكن قد نجحوا أيضا في اقناع بعض الأطراف السياسية الفلسطينية بضرورة إلغاء ذاكرتهم وتاريخهم.

والتعريف الصحيح للتاريخ هو ليس فقط كل ما حدث منذ ومن بعيد أو  كل ما حدث منذ سبعين عاما لفلسطين وأهلها  بل ايضا كل ما يحدث في كل يوم و منذ شهر أوعام او عقد من الزمن، كما أن معظم الأحداث تتبلور تدريجيا مع الزمن و لا تحدث بشكل مفاجيء.

ولذلك الجميع يعي اليوم ان ما يسمى  بصفقة القرن جاء كنتيجة لعملية تراكمية من الأحداث والمواقف.

فبينما كانت الإستراتيجية الأمريكية و الصهيونية العنصرية ثابتة في مبادئها التي تهدف إلى تصفية  القضية الفلسطينية بل التخلص من الشعب الفلسطيني، لم تكن إستراتيجية المواجهة من الطرف الفلسطيني بنفس المستوى، بل كانت  تمر بمطبات وذبذبات وأفخاخ تزعزع استمراريتها و ثباتها و ذلك بالرغم من الثبات الشعبي الفلسطيني في التمسك بأرضه وثقافته و ذاكرته.

 وفي رأيي إن لم تتم مراجعة  دقيقة و نقدية للتاريخ السياسي الفلسطيني الحديث  منذ عام  1964 و إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وأهدافها وانجازاتها السياسية، ومن أهمها الاعتراف بها وبحقوق الشعب الفلسطيني  في الأمم المتحدة في عام 1974، فلن يكون ممكنا التوصل إلى تحليل علمي لما يحدث اليوم. وبالرغم من بعض‘نقاط الضعف الإدارية’ في إداء منظمة التحرير  قبل عام 1993،  مما أدى بها  إلى اتخاذ بعض القرارات المنافية لمبادئها الأولية و الأساسية  و التي مست بجوهر كيانها، الا انه يمكن اعتبار  انجازاتها على الصعيد التاريخي و على صعيد السياسة العالمية أهم من  أخطائها .و أعني هنا ببعض ‘نقاط ضعفها’ للأسف المنافسات و الخلافات الداخلية بين التنظيمات بعضها البعض  من جهة، وحتى بين المواقع  القيادية  للبعض الذين  ينتمون إلى فصيل واحد. كما أن  من أهم  نقاط ضعفها كانت  تكمن في تحول ادارتها شيئا فشيء،  من  ثورة  مبنية على نضالات و عطاء شعبي،  الى هيئة   تشبه بعض البيروقراطيات العربية في ممارساتها اليومية و الامتيازات التي انهالت على بعض المسؤولين،.مما  أدى إلى إصابة  الكثير من العاملين ا في مواقع مسؤولية  بشكل عام وفي مواقع  دبلوماسية بشكل خاص ، بجنون العظمة حيث أصبحوا  يظنون أن اهتمام العالم بهم هو بسبب شخصياتهم البارعة  و ليس  بسبب اهتمام العالم  بقضية فلسطين العادلة و اقتناعهم بأهميتها . كما أن كثير من دبلوماسيها  الذي عملوا في مرحلة التحول البيروقراطي (ما بعد  الثوري)  لم  يمتازوا  بمقدرة سياسية او  كفاءة  ثقافية  و خاصة أخلاقية،  لتحمل مسؤولية تاريخية من هذا الثقل،  بل كانت تعييناتهم تتم على أساس الولاءات لبعض القيادات و لبعض الحصص التنظيمية، مما  حول الدبلوماسية الفلسطينية إلى ساحات للتنافس و  بؤر من الفساد و العنطريات .

و مما زاد الطين بلة،  اتفاقيات السلام في عام 1993 حيث أصبح هؤلاء الدبلوماسيين مكبلين ومجبرين على التعاون مع الدبلوماسية الإسرائيلية التي كانت تقدم شكوات ضد من لم يوافق على التعامل معها،  حيث قد أصبح  غير ممكنا لهم ان يدافعوا غلى استقلالية القرار الفلسطيني و مطالب الشعب الفلسطيني المحقة   أمام الدول التي كانت تقول لهم: ‘ انتم شركاء مع  الصهاينة في اتفاقيات سلام و تعاون  أمني  فلا يمكنكم  ان تطالبونا نحن بعدم الارتباط و التعاون معهم؟؟’ وهكذا، بعد أن كانت اكثرية دول العالم الثالث و من اهمها الصين تقاطع الدولة الصهيونية  أصبحت اليوم من شركائها في التجارة وتبيع لهم أسلحة،  و وصل الحد إلى إلغاء قرار الجمعية العامة الذي كان يعتبر إسرائيل دولة‘ ابارثيد’ دون احتجاج من الدبلوماسية الفلسطينية ، و هي سابقة غريبة من نوعها في الأعراف الدولية وعلى صعيد الامم المتحدة، فأين كانت الدبلوماسية الفلسطينية أينذاك ؟كما ان هناك  مواقف  دبلوماسية أخرى تسببت ببلبلة مثل ’تقرير غولدستون‘ و غيره…  

كما أن البعض من قيادات الصف الثاني بدأت تتصرف و كأن فلسطين تحولت فعلا من ثورة إلى دولة حديثة على شكل‘ سنغافورة’ و ان وظيفتها الدبلوماسية كدولة تتطلب دبلوماسيين من نوع جديد يتمكنوا من مسايرة العولمة وان يتصرفوا  كنوع من‘ التكنوقراط ’ و قد فشلت أيضا  هذه المحاولة  في تصحيح مسار الدبلوماسية الفلسطينية، التي أرادت ان تظهر بمظاهر جديدة ، و تحظى على حصة اكبر من الموازنات و كأنها أصبحت  من نفس مستوى دبلوماسية  الدول العظمى الغنية ، و لا داعي لذكر في هذا المجال كيف كانت بعض الوفود الفلسطينية تنزل في فنادق أفخم من التي كانت تمكث فيها بعض الوفود الأوروبية و ذلك حتى في فترات كان يعاني الشعب الفلسطيني فيها من الجوع والفقر المفقع.

و اليوم لم يذكر أحد، كيف تم تهميش منظمة التحرير و بداياتها الثورية، عبر عدة خطوات بل تآمرات مفتعلة، مع هدف إبقائها في حالة موت سريري لكي تستخدم  عند الحاجة، أي عندما تفشل المشاريع التجريبية الاخرى. 

و كما يقول بعض المفكرين العالميين ، فان القضايا المعقدة يجب أن تواجه بمنطق معقد  بنفس  مستواها، و ليس بمنطق مبسط لا يأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات، مثلا: الم يكن من الممكن إبقاء منظمة التحرير قوية و مستقلة كممثلة لكل الشعب الفلسطيني ،بالموازاة مع المشاريع التجريبية الأخرى التي قد تثبت  فشلها فيما بعد ؟؟

هل كان من الضروري تهميش كل الاتحادات الشعبية  المستقلة التي كانت تمثل كفاءات و قيادات ميدانية في كل مخيمات و مدن الشتات الفلسطيني وفي الداخل  و طمسها و تفريغها من مهامها الرئيسية  و ابقائها كهياكل تحت سيطرة أفراد يدمجون بين مواقعهم السياسية  من العهد الفائت؟؟

فمتى ستعالج بجدية  هذه الحقب الشائكة من تاريخ فلسطين، أي منذ إنشاء منظمة التحرير في عام 1964 حتى  خروج القوات الفلسطينية من بيروت، ثم منذ الخروج من بيروت في عام 1982 حتى عام 1993، وثم منذ  اتفاقيات أوسلو حتى صفقة القرن حيث تم اغتيال منظمة التحرير الفلسطينية  بالتقسيط و تهميشها حتى أ صبحت نفس  هذه المنظمة التي كانت تشكل المظلة الشاملة لاحتواء الشعب الفلسطيني و التعبير عن متطلباته  الحيوية  و الدفاع عن مظالمه عبارة عن هيكل عظمي، و الغريب أن الأكثرية التي تحدثت عن كيفية مواجهة صققة القرن، اكانوا من المؤيدين او  من المنتقدين للسلطة الفلسطينية ،  لم يقولوا شيئا عن  أهمية الدور الذي يمكن ان يلعبه الفلسطينيين في الخارج ،متناسين ان منظمة التحرير كانت قد أسست أصلا في الخارج قبل أن تنتقل  إلى الداخل دون تحقيق حق العودة للاجئين الذي كان مطلبها الاساسي في عام 1964، وذلك  رغم أن  كل المعلومات تشير  ان الشباب الفلسطيني و الاكادميين   الفلسطينيين في الخارج، أكانوا في الولايات المتحدة او في أوروبا ، أو في مدن الشتات كافة ، تمكنوا من القيام بعدد من النشاطات المناهضة للصهيونية   عبر حركات المقاطعة و عبر عدة منابر إعلامية جديدة، حتى اصبحوا شوكة في حلق الحركة الصهيونية الممتدة دوليا، كما أصبحت هذه النشاطات  تلعب  دورا يفوق دور الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية رغم إمكانياتهم المتواضعة و محاربتهم من عدة أطراف.

فقد حان الوقت لإعادة التفكيرو النظر في بناء ‘هيئة سياسية جامعة’ للشعب الفلسطيني على شكل منظمة التحرير الفلسطينية الأصلية  دون نقاط ضعفها القديمة و مع بعض  التحديثات والتعديلات الجوهرية، ومن اهمها قضية التمثيل  الشعبي الذي يجب ان يضم  كافة أطياف الشعب الفلسطيني، ليس على أساس الحصص التنظيمية التي قد تعيد تشكيل نفس الخلافات، بل بناء على انتخابات محلية نزيهة  في كل أماكن التواجد الفلسطيني: في المخيمات الفلسطينية و كل المدن و القرى الفلسطينية وبين كل الجاليات في مدن الشتات ،بهدف احداث تجديد في النخب الفلسطينية الفعالة  و اطلا ق الطاقات المبدعة الشابة وعلى ان يكون نصف أعضائها من النساء (من أعمار و خبرات متفاوتة و خاصة من الأجيال الشابة) و على أن يكون الثلث الباقي من  النصف الآخر من الشباب (المتفاوتة أعمارهم بين الخمسة و عشرين و خمسين عاما)، تاركين فقط الثلث الأخير من النصف الثاني  لبعض الحكماء و المرشدين و العلماء و المفكرين  من الجيل الأكبر سنا. و على هذه الأطر أن تختار ماذا تريد و كيف يمكنها أن تصنع مستقبلها و أساليب المقاومة التي ستمكنها من التحرر والوصول إلى استقلالها واسترداد حقوقها المسلوبة.

ان اطر و أشكال التمثيل السياسي  ليست غاية بل وسيلة، و عندما تكون الوسيلة عادلة ستكون الغاية المنشودة صحيحة و عادلة ، كما ان المساهمة في صنع المستقبل ستكون بحد ذاتها وسيلة لفك الحصار الذهني و الفكري و السياسي و القمعي و التغييب  المفروض على الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده دون استثناء.

إن هذا التصور العام الخيالي قد يعتبر  غير واقعي و صعب التنفيذ، وهو يحتاج بالتأكيد إلى دراسة تفصيلية و مراجعة نقدية  و مناقشة ، و لكن الأساليب الحديثة  لتطبيقه متاحة عندما تكون هناك إرادة لتحقيق ذلك،و هو  في رأيي المتواضع  السبيل الوحيد لإخراج الشعب الفلسطيني المناضل و المجروح  من الورطة التاريخية التي قد أوقع فيها من قبل الأعداء  أولا، وبعض الأصدقاء المقنعين ثانيا، على أمل ان يتم ذلك بأسرع وقت لمواجهة المخططات التصفوية الاجرامية ضد الشعب الفلسطيني.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. سيدتي،

    التأريخ ليس عملية سرد لأحداث حصلت في الماضي طبقا لتسلسل زمني، بل هو دراسة للأحداث التاريخية وتأثيرها على المسار التاريخي للأحداث.

    ما تعتبرينه من اهم انجازات منظمة التحرير (وتبنين عليه سرديتك) في عام 1974 بانتزاعها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، كان في حقيقته صك براءة قانوني للأمم المتحدة سمح لها التخلي عن تطبيق قراراتها التي اصدرتها هي نفسها بانشاء دولة للعرب الذين يسكنون فلسطين، ورمي الكرة في حضن ما تقبل به منظمة كانت ولا تزال تجمع عدة اطياف متناقضة كل منها تعمل طبقا لتعليمات مشغليها غير الفلسطينيين الذين يعملون عند السيد الأميركي.

    تاريخنا في حاجة ماسة الى اعادة كتابته بدقة تاريخية، وبتجرد علمي، حفاظا على القضية الأساس، وكما تعلمين سيدتي، القضية الأساس ليست الأشخاص ولا المنظمات، ولا ارث الأشخاص او ارث المنظمات، القضية الأساس هي كل فلسطين، فلسطين التاريخية من البحر الى النهر.

    مع فائق احترامي.

  2. طالما أن حركة فتح لا تريد أن تغير ولاتبدل من نهجها السياسي سوف تبقى الرحا تدور والأنقسام الحزبي بين فتح وحماس يزيد الكارثة كوارث فوق كل الكوارث …؟ وستبقى هناك طبقة طفيليّه تعتاش وتقات وتسترزق من هذا التيه وهه الردة لابد من طوفان يجرف معه كل التراكمات لابد من شخصية فلسطينيه إعتبارية تعيد للمشهد الفلسطيني بريقة وتعيد للبندقية وهجها تفرض أجنداتها على الساحة الدولية والمجتمع الدولي ( بالصرماية ) وليس بالقوة هذا العالم يخاف ولا يختشي العالم لا يحترم إلا الأقوياء ولا يخاف إلا من لغة القوة فإن ثرنا فحياة أو ممات وكلا الأمرين لن نخسر سوى القيد والخيمة …لنسقط إتفاق اوسلو وندوسه بإقدامنا ونلقية في القمامة ونعلو ونعلو بثورتنا وببندقيتنا ونعود لقواعدنا تحت الأرض ..؟؟ عندها ستجدين العالم راكع تحت قدميك يستجدي ..أَما عن هذه المراوغة وهذا التدليس من قبل محمود عباس وحاشيته التي أورثتنا الذلة والمهانة وأورثتنا عار لن يغسله إلا بحرٍ من الدم ..؟ هذا الخطاب الممجوج وترديد شعارات لحظية آنية وخطاب ديماغوجي باهت وسفسطة كلام لن تفيد ؟ هذا الخطاب وهذا الأستجداء لجامعة الدول العربية والأمم المتحدة لن يجلب لنا إلأ مزيد من العار والدمار … قالو للحرامي إحلف قال أجاك الفرج .؟ دكتورة نهى سيّدتي : طرحكم هذا خجول وفيه مجمالة مبالغ فيها …؟ لنسمي الأمور بمسمياتها ونضع الشخص المناسب في المكان المناسب.؟ الموضوع ليس معادلة كيمياء بين النظرية والتطبيق.؟ الموضوع : كرامة ووطن وأرض وشعب وقضية وبشر وإنسان وثوابت وليس تجربه نقدية لمسرحية هزلية أو لقصيده أو رواية المسألة مصيرية بحته ..؟ إما أسود أو أبيض لايوجد منطقة رمادية بين الوطن والكرامة هما مصطلحان متلاصقان من المستحيل تجزئتهما لاكرامة بدون وطن ولا وطن بدون كرامة ..؟ ولا وطن بدون تضحيات ولا وطن بدون دماء ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة . كمثقفين يجب علينا أن تحمل العبىء الثقيل لهذه المرحلة الخطرة إذا الساسة فشلوا ويشرقون ويغربون لابد على النخب من شعبنا الفلسطيني إستلام الدفة وعليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة ..في هذة المرحلة ويجب ان يكون طرحنا جريء وبدون مواربة أو دبلوماسية أو حفظ خط الرجعة من أوقعنا في هذا التيه وهذه الردة هو محمود عباس فعليه أن يعتذر ويغادر المشهد فوراً…؟ ونحن قادرون على إعادة نتاج أنفسنا وترميم أجسادنا وجروحنا وقادرون على تخطي حقول الألغام التي القانا بها محمود عباس وزمرته .؟ شعبنا العربي الفلسطيني لديه من الخبرات ومن تراكم الخبرات مايكفي لمواجهة أعتى الأعاصير وإسقاط كل المشاريع التصفوية وكل الأجندات المشبوه على حركة فتح وآن الأون لها أن تجدد خطابها وعليها وعلى كادرها أن تحدد إستراتجيتها لمواجهة هذا التآ مرعلى المشروع الوطني الفلسطيني إذا لم تراجع حركة فتح وكادرها برنامجه السياسي وإذا لم يغيروا ويبدلوا من نهجهم ..هنا على نخب شعبنا الفلسطيني
    تحمل المسؤولية كاملة في هذه المرحلة الخطرة وبأي وسيلة وبأي ثمن مهما كانت النتائج ومهام بلغ الثمن لذالك ومهما بلغت وعظمت التضحيات …؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here