عمر نجيب: هل ينجح ترامب في إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة؟ حركة طالبان واثقة من أنها انتصرت وقوات الناتو ستنسحب

عمر نجيب

 مساء يوم السبت 7 سبتمبر 2019 اعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبشكل مفاجىء، إلغاء اجتماع ذكر أنه سيكون سريا كان مقررا عقده مع قادة حركة طالبان الأفغانية في منتجع كامب ديفيد، وذكر أنه كان سيلتقي عددا من قادة طالبان، والرئيس الأفغاني أشرف غني، كل على حدة، وذلك بالتزامن مع الذكرى الثامنة عشرة لهجمات 11 من سبتمبر2001 على نيويورك وواشنطن، كما أعلن الرئيس الأمريكي عبر عدد من التغريدات على موقع “تويتر” وقف “مفاوضات السلام” الجارية مع الحركة منذ نحو عام، وأضاف “إن وفدا من طالبان كان في طريقه إلى الولايات المتحدة لكني ألغيت الاجتماع على الفور”.

 وعلل ترامب إلغاء لقائه مع قادة طالبان، ووقف المفاوضات مع الحركة، بالهجوم الذي وقع في العاصمة الأفغانية كابل يوم الخميس 5 سبتمبر، وأسفر عن مقتل 12 شخصا بينهم جندي أمريكي، وإصابة العشرات، وهو الهجوم الذي أعلنت طالبان مسؤوليتها عنه، وحمل ترامب الحركة مسؤولية وقف المفاوضات، “معتبرا أن طالبان أرادت بقتل هذا العدد من الأشخاص تعزيز موقفها التفاوضي، لكنهم لم يحققوا ذلك، بل جعلوا الأمور أسوأ”.

وختم “إن لم يكن باستطاعتهم قبول وقف إطلاق نار خلال مفاوضات السلام هذه البالغة الأهمية، وهم في المقابل قادرون على قتل 12 شخصا بريئا، فهم على الأرجح لا يملكون الوسائل للتفاوض على اتفاق مجد” متسائلا “على مدى كم من العقود يريدون الاستمرار في القتال؟”.

 تصريحات ترامب جاءت بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان “زلماي خليل زاده” المبعوث الأمريكي الخاص بأفغانستان ورئيس وفدها التفاوضي مع الحركة، يوم الثلاثاء 3 سبتمبر،عن التوصل إلى اتفاق مبدئي يقضي بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في نهاية شهر نوفمبر 2020، مقابل ثلاثة شروط تلتزم بها طالبان، وهي: بدء التفاوض مع الحكومة الأفغانية وهو أمر رفضته طالبان حتى الآن لأنها تعتبر حكومة كابل دمية جاء بها الامريكان، وخفض الهجمات على المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الأمريكية، وطرد تنظيم القاعدة من أفغانستان. وذكر في حينها أنه إذا ما تم التصديق على هذا الاتفاق من قبل الرئيس ترامب، فستبدأ الولايات المتحدة بسحب أكثر من 5 آلاف جندي، أي ثلث قواتها المتواجدة هناك والبالغ عديدها حسب البنتاغون الأمريكي ما بين 12 الف و 14 الف جندي، خلال 135 يوما.

 الرئيس الأفغاني الحليف لواشنطن انتقد علناً الاتفاق الذي توصل إليه الجانب الأمريكي مع طالبان التي رفضت التفاوض مع حكومته.

 دول حلف الناتو التي لبعضها جنود في أفغانستان وفي مقدمتهم ألمانيا وبريطانيا لم تعلق حتى مساء يوم الأحد على القرار الأمريكي، وإن كان سياسيون أوروبيون قد أشاروا إلى أنه لم يكن هناك إتفاق مع طالبان لوقف إطلاق النار زيادة على أن القوات التي تدعمها واشنطن تشن منذ أيام هجمات على مناطق يسيطر عليها مقاتلوا طالبان، وهكذا فإن التبرير الذي قدمه ترامب لا يمت للحقيقة بصلة.

  يذكر أن القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي شاناهان كان قد صرح قبل أشهر ويوم الخميس 14 فبراير 2019 في العاصمة البلجيكية بروكسيل لأعضاء حلف شنمال الأطلسي أن أي سحب محتمل للقوات الأمريكية من أفغانستان لن يتم من جانب واحد وإنما مع حلفاء آخرين.

وذكر شاناهان حينها في تصريحات للصحفيين عقب انتهاء اجتماعات الحلف: “لن يحدث خفض من جانب واحد للقوات الأمريكية العاملة في أفغانستان بل سيكون منسقا.. خرجنا من هنا أكثر قوة وأكثر تنسيقا”، على حد تعبيره.

تكرار لما وعد به في سوريا

 محللون سياسيون قدروا أن قرار ترامب اللافت، وإن كان يشكل انتكاسة لجهود إحلال السلام والاستقرار في أفغانستان، فإنه يربك في الوقت نفسه الحسابات السياسية للرئيس الأمريكي، والذي كان يأمل في التوصل لاتفاق سلام ينهي حربا دامت حوالي 18 سنة مع طالبان ويساعد في عودة آلاف الجنود الأمريكيين إلى ديارهم، وهو الاتفاق الذي كان ينتظر أن يقدمه للرأي العام الأمريكي باعتباره أحد الإنجازات السياسية المهمة لإدارته، لاسيما أنه يستعد لخوض انتخابات الرئاسة لولاية ثانية في شهر نوفمبر عام 2020.

ويشار إلى أن ترامب، الذي تعهد خلال حملته الانتخابية السابقة بوضع حد “للحروب التي لا تنتهي”، كان قد أعطى الضوء الأخضر قبل نحو عام، لعقد مفاوضات مباشرة وغير مسبوقة مع طالبان، بهدف التوصل لاتفاق ينهي نزاعا طويلا، كبد الولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية فادحة.

 أسلوب التعامل الأخير للرئيس الأمريكي بشأن أفغانستان يشابه إلى حد كبير، تراجعه عن وعده بسحب القوات الأمريكية من سوريا، فبتاريخ 19 ديسمبر 2018 أعلن أنه قرر سحب القوات الأمريكية الموجودة في سوريا وعديدها حوالي 2400 جندي حسب الينتاغون، ولكن من دون الكشف عن جدول زمني أو أرقام.

 بعد خمسة أيام ويوم الأحد 23 ديسمبر تراجع الرئيس الأمريكي،عن الآلية التي سيتم وفقها سحب قوات بلاده الموجودة في شمالي سوريا، وذلك بعد أيام قليلة من الإعلان عن بدء انسحابها فعلياً.

 وقد جاء ذلك في اتصال هاتفي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ترامب، قال الأخير إنه تطرق فيه إلى سحب قواته من سوريا “بشكل منسق وبطيء”، حسب تغريدة له.

المستفيدون

 في واشنطن يشير مراقبون إلى أن أهم المستفيدين من قرار ترامب وقف مفاوضات السلام، هي الحكومة الأفغانية التي استبعدت من تلك المفاوضات، وكل هؤلاء الذين ساندوا الغزو والاحتلال الأمريكي الذين يخشون من مصير مشابه للفيتناميين الذين ساندوا الحرب الأمريكية على بلادهم والذين هزموا بشكل كامل سنة 1975 وحاول أغلبهم الفرار خلال إخلاء السفارة الأمريكية في سيغون بواسطة الطائرات العمودية.

 كذلك يمكن القول أن وقف المفاوضات لو طالت مدته سيشكل نصرا لصقور البيت الأبيض. وكان عدد من السفراء الأمريكيين السابقين في أفغانستان قد حذروا في رسالة مفتوحة نشروها يوم الثلاثاء 3 سبتمبر، من الانسحاب العسكري الأمريكي بشكل كامل من أفغانستان قبل إحلال السلام فعليا في البلاد.

ورغم ذلك فإن قرار ترامب الأخير بشأن الموقف من طالبان لا يعني، كما يتفق محللون، الحكم بنهاية المفاوضات بين الجانبين، إذ لا يملك الطرفان خيارات حقيقية أخرى سوى التمسك بالمسار التفاوضي، خصوصا بعد أن جربا اللجوء للخيار العسكري لحسم المعركة وهو ما ثبت فشله على مدى 18 عاما.

 ويبقى مسار المفاوضات صعبا ودونه العديد من العقبات والحسابات المعقدة للطرفين، فالولايات المتحدة تريد الانسحاب من أفغانستان بأقل الخسائر السياسية الممكنة، وضمان ألا تتحول البلاد بعد الانسحاب إلى ساحة للجماعات المعادية لها، كما تخشى من تقارب طالبان مع موسكو ونسف خطط واشنطن لإستخدام أراضي أفغانستان كمنطلق للجماعات المسلحة التي تريد قلب أنظمة الحكم في عدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة وسط آسيا، لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك دون تقديم تنازلات مؤلمة لطالبان التي تصر على جدول زمني قصير لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، ورفض التفاوض مع الحكومة الحالية، ورفض إتباع سياسة مناهضة لروسيا.

باب لم يغلق

  بعد ساعات قليلة من المفاجأة التي فجرها الرئيس الأمريكي، لمحت واشنطن يوم الأحد إلى أن باب المفاوضات لم يغلق نهائياً. وبالفعل أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن بلاده لا تستبعد استئناف المفاوضات مع حركة طالبان بشرط أن “تغير طالبان سلوكها” وتحترم تعهداتها.

كما أكد ان الرئيس الامريكي “لم يقرر بعد ما اذا كان سيمضي قدما في قراره سحب آلاف من الجنود الامريكيين من أفغانستان كما نص عليه مشروع اتفاق تم التفاوض بشانه مع طالبان.

وردا على سؤال لشبكة “ايه بي سي” يوم الأحد 8 سبتمبر عن مصير المفاوضات بعد اعلان ترامب، قال بومبيو إن خليل زاده “سيعود إلى دياره حاليا”. واضاف “آمل أن تغير طالبان سلوكها وتلتزم من جديد الأمور التي تحدثنا عنها”، مشيرا إلى أنه “في نهاية المطاف هذا سيحل عبر سلسلة من المحادثات”، داعيا بإلحاح الى تنظيم اجتماع مباشر بين الحكومة الأفغانية وطالبان الأمر الذي ترفضه الحركة حتى الآن.

وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر صرح خلال مؤتمر صحفي في باريس يوم السبت 7 سبتمبر إن بلاده تسعى للتوصل إلى اتفاق سياسي مع طالبان.

وقال إسبر خلال المؤتمر الصحفي في باريس مع نظيرته الفرنسية ”ترى الولايات المتحدة أن أفضل سبيل لإحراز تقدم هو التوصل إلى اتفاق سياسي وهذا ما نعمل جادين على تحقيقه الآن وهذا لا يعني أننا سنقبل بأي اتفاق“.

وأضاف ”سنعمل على إبرام اتفاق جيد، اتفاق جيد بما يكفي ولو لضمان تعزيز أمن بلدينا وفتح مسار أكثر إشراقا أمام الشعب الأفغاني“.

في كابل، حمل مدير المعهد الأفغاني للدراسات الاستراتيجية داود مراديان المفاوض الأمريكي زلماي خليل زاده مسؤول فشل العملية.

وذكر لوكالة فرانس برس إن خليل زاده “لم يستبعد الحكومة الأفغانية فقط من المفاوضات بل أطرافا فاعلين مهمين أيضا لواشنطن وحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والهند”.

كما انتقده “لإعطائه الانطباع بأن الولايات المتحدة تريد الرحيل بسرعة سواء طبق الاتفاق أو لم يطبق”.

ضربات أشد

 طالبان سارعت إلى التنديد بقرار ترامب، مراهنة على أنه سيعود عنه. وقالت في بيان على تويتر “ما زلنا نعتقد أن الجانب الأمريكي سيتراجع عن هذا الموقف”.

وأضافت محذرة واشنطن أنها في حال لم تتراجع عن قرارها وقف المفاوضات فإن “أمريكا ستعاني أكثر من أي طرف آخر، وستتضرر مصداقيتها وستزيد خسائرها البشرية والمالية”. وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم الحركة في بيان يوم الأحد إن قرار الرئيس الأمريكي سيؤدي إلى إزهاق أرواح مزيد من الأمريكيين وخسارة مزيد من الأصول الأمريكية. و”سيعاني الأمريكيون أكثر من أي طرف آخر بسبب إلغاء المحادثات“.

وأضاف أن المحادثات كانت تجري بصورة سلسة حتى يوم السبت، وأن الجانبين اتفقا على عقد محادثات بين الأفغان في 23 سبتمبر.

وتركت طالبان الباب مفتوحا لمحادثات مستقبلية، مؤكدة في بيانها أنها “ستلتزم بالحوار، إذا كان طريقه مفتوحًا”.

ووصفت الحركة المسلحة، قرار الرئيس الأمريكي، بأنه يظهر “انعدام خبرة” ترامب، مضيفة أن “القوات الأمريكية قبل الهجوم الأخير، وحلفائها في أفغانستان، قتلوا العديد من الأفغان وأحرقوا ممتلكاتهم”.

وأوضحت طالبان، أنها تسلمت دعوة الرئيس الأمريكي لزيارة الولايات المتحدة في أواخر أغسطس 2019، لافتة إلى أنها أجلت تلك الرحلة حتى توقيع الاتفاق في العاصمة القطرية الدوحة.

واختتمت الحركة التي كانت تحكم أفغانستان حتى عام 2001 بيانها، قائلة أن “الإمارة الإسلامية لديها سياسة قوية وموقف لا لبس فيه. لقد دعونا إلى حل وسط قبل أكثر من 20 عامًا. ما زلنا في هذا الموقف ونعتقد أن الولايات المتحدة ستعود إلى هذا الموقف. لقد أثبت نضالنا على مدار الأعوام الثمانية عشر الماضية للأمريكيين تمسكنا بمواقفنا وسيستمر الكفاح حتى يتم إنهاء الاحتلال الأجنبي ويتم إعطاء الأفغان الفرصة للعيش حسب اختيارهم. نواصل جهادنا ونؤمن إيمانا راسخا بالانتصار النهائي”.

استراتيجية طالبان

 يرى عدد من المراقبين أن استراتيجية طالبان المقبلة لفرض التسوية تستند على شن هجمات جديدة واسعة على ما يبدو على أساس أن فرضية النجاح في ميدان القتال ستعزز موقفها في المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الأمريكيين.

وقال بعض قادة الحركة الميدانيين أيضا إنهم لا يعتزمون التخلي عن مكاسبهم مع اقترابهم من النصر، مما يشير إلى أن القيادة تواجه ضغوطا داخلية كي لا تقبل وقفا لإطلاق النار.

وكان مسؤولون أفغان على صلة بالمحادثات قد قالوا لمجلة “تايم” إن الحركة أبلغت مقاتليها بأن واشنطن ستسحب قواتها في غضون عام، وأن الاتفاق لا توجد به شروط تسمح بتجميد الانسحاب الأمريكي أو النكوص عنه.

وأضافوا قائلين إن قادة طالبان دعوا أنصارهم للاستعداد للنصر بالترحيب بالأفغان الذين انحازوا للجانب الأمريكي بدلا من الانتقام منهم، مشيرين إلى أن الانتصار لن يتطلب سوى عدم الاستسلام وفي النهاية سوف يوقف الأمريكيون القتال.

وأجرت الأطراف المتحاربة خلال شهور تسع جولات من محادثات السلام في العاصمة القطرية الدوحة بهدف إنهاء أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة.

وقضى خليل زاده، الأفغاني الأصل، والذي شغل في الماضي منصب سفير واشنطن في كابل، عام 2018 وهو يتنقل من دولة لأخرى في مسعى لكسب الدعم لاتفاق تاريخي مع طالبان.

حرب لا تنهي

غزت القوات الأمريكية أفغانستان في أكتوبر 2001، بعد أن اتهمت واشنطن حركة طالبان الحاكمة في كابل آنذاك بإيواء زعيم “تنظيم القاعدة” أسامة بن لادن وغيره من زعماء التنظيم المتهمين أمريكيا بالمسؤولية عن هجمات 11 سبتمبر 2001.

ونجحت القوات الأمريكية في ازاحة حركة طالبان من السلطة، ولكنها أي الحركة لجأت عقب ذلك إلى شن مقاومة مسلحة واسعة النطاق شملت كافة أرجاء أفغانستان.

واستمر عديد القوات الأمريكية بالتزايد بينما واصلت واشنطن ضخ الأموال التي تقدر بمليارات الدولارات من أجل التصدي لمسلحي حركة طالبان وتمويل عمليات إعادة الاعمار.

فبين عامي 2010 و2012، عندما كان للأمريكيين نحو 100 ألف عسكري يخدمون في أفغانستان، بلغت كلفة الحرب نحو 100 مليار دولار سنويا، حسب الأرقام التي نشرتها الحكومة الأمريكية.

وبينما حول الجيش الأمريكي تركيزه من العمليات العسكرية الهجومية نحو تدريب وإعداد القوات الأفغانية لاحقا، انخفضت التكاليف بشكل ملحوظ بين عامي 2016 و2018، إذ بلغ الإنفاق السنوي نحو 40 مليار دولار.

ومن المتوقع أن يبلغ الإنفاق في السنة المنتهية في مارس 2019 حوالي 18 مليار دولار فقط.

 وهكذا وحسب الأرقام التي نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية، يبلغ مجموع ما أنفقه الأمريكيون عسكريا في أفغانستان من أكتوبر 2001 إلى مارس 2019 نحو 760 مليار دولار.

ولكن دراسة مستقلة أجراها مشروع تكلفة الحرب في جامعة براون الأمريكية خلصت إلى أن الأرقام الرسمية التي نشرتها الحكومة الأمريكية لا تعكس الواقع إلى حد كبير.

وأشارت الدراسة إلى أن الأرقام الرسمية لا تشمل تكاليف الانفاق على العناية بالجرحى من العسكريين الأمريكيين ولا الأموال التي أنفقتها وزارات الدولة الأمريكية الأخرى والمتعلقة بالحرب في أفغانستان ولا الفوائد التي تكبدتها الحكومة بسبب القروض التي اخذتها لسداد نفقات الحرب.

وقدرت دراسة جامعة براون كلفة الحرب في أفغانستان بأنها أقرب إلى تريليون دولار أي ألف مليار دولار.

 وتكبدت القوات الامريكية منذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد حركة طالبان في عام 2001 حوالي 3200 قتيلا ونحو 20500 جريحا.

وحسب الأرقام الرسمية، كان عدد العسكريين الأمريكيين الذين يخدمون في أفغانستان في يونيو 2018 بلغ نحو 14 ألف عسكري، ولكن كان هناك في البلاد أيضا أكثر من 11 ألف من المدنيين الأمريكيين يعملون كمقاولين أو كقوات مرتزقة.

ولكن هذه الخسائر الأمريكية لا تقارن بالخسائر التي تكبدها المدنيون والعسكريون الأفغان.

الف مليار دولار

 بداية شهر يناير 2019 قالت مجلة فوربس الأمريكية إن الحرب في أفغانستان كلفت الولايات المتحدة حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة، مصادر أمريكية تتحدث عن 3200 قتيل على أساس حساب من ماتوا بعد نقلهم جرحى إلى الولايات المتحدة.

الأرقام التي نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية عن السيطرة الفعلية على الأرض حسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تشير إلى سيطرة الحكومة الافغانية على 58 في المئة من أراضي البلاد وطالبان على 20 في المئة أما 22 في المئة فهي مناطق متنازع عليها. وشككت الصحيفة بهذه الأرقام وقالت إن بعض الولايات التي تقول الحكومة إنها تسيطر عليها، عمليا هي خارج سيطرتها ما عدا مراكز الولايات.

وحسب تقديرات وزارة الدفاع الامريكية يتراوح عدد مقاتلي طالبان ما بين 20 إلى 40 ألف شخص يحملون السلاح مقابل 350 ألفا عدد أفراد الجيش وقوات الأمن الأفغانية الذين تدعمهم واشنطن.

واستطاعت طالبان أن تحتفظ بقوتها وتصمد كل هذه الفترة رغم أن عدد القوات الأمريكية وحلف شمالي الأطلسي التي تم نشرها في أفغانستان لدعم القوات الحكومية وصلت في مرحلة ما إلى 140 ألف جندي مدعومين بأحدث الأسلحة وموارد مالية لا محدودة.

 وقد أثارت المعارك الأخيرة في أغسطس وسبتمبر 2019 بين طالبان والجيش الأفغاني في قندوز والتي أدت إلى مقتل المئات من الجنود وسيطرة طالبان على المدينة، العديد من التساؤلات حول قدرة الجيش الأفغاني في الدفاع عن المناطق التي يسيطر عليها ومسك الأرض في غياب الدعم العسكري للقوات الأمريكية، رغم صرف عشرات المليارات على تدريب وتجهيز هذه القوات.

ويرى بعض الخبراء المختصين بالشأن الأفغاني إن الحركة قادرة على الاستمرار في هذا النوع من العمل العسكري وشن حرب عصابات ضد القوات الأمريكية إلى ما لا نهاية. والحركة في وضع أفضل في الوقت الراهن وتحقق المزيد من المكاسب على أرض المعركة ضد القوات الحكومية رغم الدعم الجوي الأمريكي.

وتنصح القوات الأمريكية في أفغانستان القوات الأفغانية بالانسحاب من المناطق غير المأهولة والتركيز بدلا من ذلك على مراكز المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية. لكن حتى ذلك فشل على أرض الواقع بعد معارك قندوز التي أبادت فيها طالبان قطعات من الجيش عن بكرة أبيها.

وظهرت حركة طالبان في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، شمالي باكستان، عقب انسحاب قوات الاتحاد السوفيتي السابق من أفغانستان. وبرز نجمها في أفغانستان في خريف عام 1994. ويعتقد على نطاق واسع بأن طالبان بدأت في الظهور لأول مرة في المدارس الدينية الباكستانية.

ونفت باكستان مرارا أنها هي من أسست طالبان، لكن لا يوجد شك كبير في أن العديد من الأفغان، الذين انضموا في بادئ الأمر إلى صفوف الحركة، تلقوا تعليما في المعاهد الدينية في باكستان.

وكانت باكستان أيضا واحدة من ثلاث دول فقط، بالإضافة إلى السعودية والإمارات، اعترفت بطالبان حينما وصلت للسلطة في أفغانستان في منتصف التسعينيات وحتى عام 2001 وآخر دولة تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طالبان.

 ومنذ تولي الرئيس ترامب السلطة في واشنطن تكررت إتهاماته لباكستان بدعم حركة طالبان.

حرب باردة

  يتهم عدد من القادة العسكريين الأمريكيين في افغانستان روسيا بدعم طالبان وتقديم السلاح لها رغم العداء التاريخي بين الطرفين في إطار الصراع بين روسيا وأمريكا، مما يعيد إلى الذاكرة بعض ذكريات الحرب الباردة بين الطرفين، وتطبيقا لمبدأ “عدو عدوي صديقي”.

فقد صرح قائد القوات الأمريكية في افغانستان الجنرال جون نيكولسون “لبي بي سي” في شهر أبريل 2018 أن الاسلحة الروسية تهرب عبر طاجكستان إلى حركة طالبان.

وذكر إن روسيا تبالغ في عدد مسلحي “الدولة الاسلامية” في أفغانستان لتبرير تسليح طالبان، حيث تتكرر المواجهات بين الحركة ومسلحي الدولة الاسلامية، وهو يعني إسباغ نوع من الشرعية على طالبان وبالتالي تبرير تقديم الدعم لها حسب قوله.

وكان نيكولسون قد اتهم روسيا وايران أواخر عام 2016 بإقامة اتصالات مع طالبان ومنحها نوعا من الشرعية.

لكن وزير الدفاع الأمريكي السابق جميس ماتيس أعلن أمام الكونغرس في مايو 2017 أن الأدلة المتوفرة عن مستوى الدعم الروسي لطالبان لا قيمة لها.

لكن بعد ذلك بشهرين فقط كرر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون الاتهام لموسكو بتقديم أسلحة لطالبان.

 وتشير دعوة موسكو لطالبان للمشاركة في مفاوضات السلام حول افغانستان التي نظمت في 4 سبتمبر 2018 في العاصمة موسكو، إلى تنامي الاتصالات بين الطرفين وتحولاً في موقف الحركة وميلها نحو البراغماتية السياسية.

أما إيران التي باتت تخضع لعقوبات امريكية متزايدة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وحرمان طهران من تصدير النفط، أهم مصادر دخلها، فلن تتوانى حسب المراقبين عن محاولة لعب الأوراق التي بيدها ضد واشنطن ومن بينها ورقة طالبان.

موسكو وطالبان

 جاء تقارب موسكو مع طالبان في إطار مساعي الرئيس الروسي فلادمير بوتين لإنهاك حلف الناتو، بسبب تهديده للجوار الروسي واستمرار توسعه في هذا المجال. وعلى الرغم من نفي الحكومة الروسية تقديم أي دعم مادي لطالبان أو إجراء مفاوضات سرية معها، فإن السفير الروسي لدى أفغانستان ألكسندر مانتيتسكي أكد أن اتصالات حكومته مع الحركة تهدف إلى ضمان سلامة المواطنين الروس، وتشجيع محادثات السلام، قائلا: “تعتبر روسيا السلام والمصالحة الوطنية ضروريتين، وعليه فإن عملية السلام يجب أن تتم تحت قيادة الأفغان، لكن حلف شمال الأطلسي يحاول تجاهل خطورة الوضع، وإلقاء مسئولية فشله على روسيا”. وتعتبر هذه العلاقات ليست وليدة اليوم، وإنما بدأت منذ عام 2007، ولكن مع ظهور فرع داعش في أفغانستان والمعروف باسم ولاية خراسان ودعم واشنطن له وإستخدامه لإضعاف طالبان، عملت موسكو على استغلال ظهور التنظيم في جوارها لإقامة شبه تحالف مع طالبان ودعمه ليس سياسيًا فقط، وإنما من خلال المال والسلاح.

 وحسب محللين تمتلك روسيا أسبابًا وجيهة للتقارب مع حركة طالبان، ومن هذه الأسباب محاولة وقف تطويق حلف الناتو لروسيا والسعي لتكبيده خسائر فادحة، إلى جانب إخراج الولايات المتحدة من أفغانستان، والتي تعتبرها روسيا تهديدا كبيرً، باعتبارها موجودة في مناطق الجوار المباشر، وتسعى لإقامة طوق حولها وإثارة الاضطرابات في الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تسعى موسكو لجمعها من جديد تحت قيادتها.

توازنات جديدة

  جاء في تقرير غربي: سيكون للتحالف بين روسيا وطالبان، إلى جانب استعانة موسكو بطهران في هذه العلاقة والحصول على دعم من قوى أخرى، تثبيتًا لتوازنات جديدة في المنطقة، وليس في أفغانستان فقط. فعودة طالبان أو على الأقل توظيفها فترة معينة في إضعاف الحكومة الأفغانية الموالية للولايات المتحدة سيطيح بالنفوذ الأمريكي من هذه المنطقة، كما أضعفت روسيا من نفوذ واشنطن في سوريا بدعم إيراني، ولهذا قد يتكرر هذا السيناريو هناك. وتكشف استعانة موسكو بالصين في هذا الشأن عن وجود مصلحة مشتركة، لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي والناتو من هذه المنطقة، إذ يعتبر هذا الوجود تهديدًا لكلا البلدين الصاعدين، اللذين قد يتعاونان ولو مرحليًا بهدف تقليص الوجود الأمريكي في العديد من المناطق، وكانت البداية في سوريا.وستستغل موسكو الاضطراب الأوروبي في هذا الشأن، حيث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانشغالها بمحاربة الإرهاب على أراضيها ومواجهة مخاطر وأعباء اللاجئين، إلى جانب توظيف ورقة التراجع الأمريكي التي هدد بها ترامب مرارًا عن الالتزام بأمن حلفائه وتقليص المشاركة الأمريكية في حلف الناتو.

التعاون الروسي مع طالبان، جاء مدفوعًا برغبة ثنائية للقضاء على تنظيم الدولة، طالبان تحمي نفوذها الديني، وروسيا تحمي نفوذها الجغرافي.

على الرغم من الحديث عن إمكانية إقامة علاقات قوية وليس تحالفًا بين روسيا وحركة طالبان، فإنه من غير المرجح أن يتم بشكل قوي، وإن شكل فلن يدوم، لوجود تناقض كبير بين أطراف هذا التحالف، فالعلاقة التي ستنشأ ستكون طارئة لأهداف معينة، وهي الاتفاق على إخراج الولايات المتحدة والناتو من هذه المنطقة.

حشد داعش

 تقول مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أنه سجلت منذ بداية شهر فبراير 2019 عمليات نقل أشد كثافة من أي وقت سابق لمسلحي داعش من العراق وسوريا إلى أفغانستان، وذلك في نطاق خلق ما يراه العسكريون الأمريكيون توازنا أفضل للقوى في هذا البلد.

 وكانت حركة طالبان قد اتهمت في شهر يوليو 2019 الولايات المتحدة بالقيام بنقل إرهابيي داعش من العراق وسوريا الى افغانستان وتسليحهم.

ونقلت صحيفة افغانستان تايمز في تقرير لها، أن “الاتهام الأفغاني طرح خلال المحادثات بين طالبان وواشنطن في الدوحة”.

وأقر مسؤولون في الحكومة الافغانية وشيوخ القبائل ان الولايات المتحدة تقوم بنقل الدواعش داخل البلاد بين مختلف المحافظات“، مشيرين مثلا إلى أن ”طالبان بعدما حاصرت مقاتلي داعش في إقليم جوزجان خلال شهر رمضان الماضي تدخلت المخابرات الأمريكية وأنقذتهم بواسطة طائرات الهليكوبتر”.

وكان زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني، قلب الدين حكمتيار قد اتهم في شهر يناير 2018، إيران بالتغاضي عن نقل المخابرات المركزية الأمريكية لمقاتلي تنظيم الدولة عبر أراضيها إلى أفغانستان، بهدف استنساخ لعبتها في العراق وسوريا باسم “محاربة داعش”هذه المرة في بلاده.

خطر روسيا والصين

 الحرب الدائرة في أفغانستان جزء من سلسلة مواجهات من أجل إقامة نظام عالمي جديد لا تنفرد فيه الولايات المتحدة بالهيمنة ولهذا فهي تتحرك لمنع تبدل التوازنات القائمة. ويوم الجمعة 6 سبتمبر 2019 دعا وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إلى تركيز أوروبي أكبر في التصدي لما وصفه بالخطر الأمني والاقتصادي المتنامي من جانب الصين وروسيا.

وفي عام 2018، وضع الجيش الأمريكي قضية التصدي للصين وروسيا في صلب استراتيجية الدفاع الجديدة، في أحدث مؤشر على تغير الأولويات بعد أكثر من 15 عاما من التركيز على محاربة المتشددين.

وقال إسبر في المعهد الملكي للخدمات المتحدة وهو مؤسسة بحثية في لندن ”من الواضح أن روسيا والصين تريدان تقويض النظام الدولي بعرقلة القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية لدول أخرى“.

وأضاف ”تواجه الولايات المتحدة هذا التحدي بشكل مباشر لكن إذا أردنا الحفاظ على العالم الذي بنيناه جميعا على مدى عقود من التضحيات المشتركة، فعلينا جميعا أن نهب لنجدته“. وأضاف أن البلدين يطوران قدراتهما في مجالي الفضاء والإنترنت.

وهناك عدة خلافات في العلاقات الأمريكية الصينية منها الحرب التجارية المتأزمة والعقوبات الأمريكية على الجيش الصيني وعلاقات واشنطن مع تايوان التي تعتبرها بكين إقليما منشقا.

وتحدث إسبر عن مخاوف بشأن الصين، من الطريقة التي تستخدم بها قوتها الاقتصادية إلى سرقة التكنولوجيا.

وقال ”أود أن أحذر أصدقائي في أوروبا.. هذه ليست مشكلة في أرض بعيدة لن تمسكم“.

كما أبرز إسبر التهديدات التي تمثلها روسيا من احتمال غزو دولة مجاورة إلى أفعالها في سوريا.

وأضاف ”بعبارة بسيطة.. تواصل السياسة الخارجية الروسية تجاهل الأعراف الدولية“.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تعودنا من الكاتب الاستطراد في الشرح والتفصيل حتى في البديهيات ..مما يجعله يخوض في امور لا علاقة لها بموضوعه كاسهابه في الحديث عن الحرب التجارية الصينية الامريكية ، استطيع ان الخص حديثه الذي كان اطول من ليلة يقضيها المرء من غير عشاء ، ان استنزاف الجهد الاميركي سيدفعها اخيرا للانسحاب والخروج من افغانستان ،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here