عمر نجيب: هل يدفن رهان صفقة القرن الأمريكي في مهده؟ مشروع ترامب طرح صريح لسياسة واشنطن الدائمة التأييد لإسرائيل

 

عمر نجيب

 بعد مناورات ومماطلة طويلة وكثيرة خرجت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب يوم الثلاثاء 28 يناير 2020 بمسرحية أطلقوا عليها إسم صفقة القرن وادعوا أنها أفضل حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إخراج المسرحية لم يرق حتى إلى مستوى أسوأ إنتاجات هوليوود السينمائية حيث أن غالبية المحللين اتفقوا على أنها محكوم عليها بالفشل.

 المشروع الأمريكي أثار ضجة ولغطا كثيرا، ولكن من وجهة نظر موضوعية، ماذا كان البعض ينتظر من إدارة البيت الأبيض سواء كان على رأسها ترامب أو غيره. منذ زرع الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية وخلال كل فترات وجوده وصراعه وحروبه مع الفلسطينيين وبقية الأمة العربية وقفت واشنطن بكل طاقاتها عسكريا وإقتصاديا وسياسيا مع تل أبيب. خلال ما سمي بالعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر سنة 1956 دعمت واشنطن الضغط السوفيتي والعالمي لإنسحاب الأطراف المهاجمة من سيناء ليس دعما للقاهرة ولكن لأنها أولا أرادت الحلول مكان لندن وباريس كمحرك أساسي في المنطقة العربية ولتصورها أنها يمكن أن تغري القاهرة بالتحالف معها بدل موسكو وتدخل تحولات على توجهات حركة عدم الانحياز التي كانت تتشكل حينها واعتبرتها حليفا عمليا للكرملين. بعد ذلك مارست واشنطن دورها الحقيقي في مساندة إسرائيل. في حرب يونيو 1967 شاركت القوات الأمريكية من وراء الستار في الحرب التي مكنت تل أبيب من احتلال ما تبقى من ارض فلسطين التاريخية وسيناء وهضبة الجولان السورية، وخلال حرب الأف يوم أو الاستنزاف المصرية على ضفاف قناة السويس في الفترة ما بين مارس 1968 و 8 اغسطس 1970 ضد الجيش الاسرائيلي. تدخلت أمريكا مرارا لدعم صمود القوات الإسرائيلية بكل الطرق وجعل الجيش المصري يخسر أكثر مما يرى أنه يكسب، حتى جاءت مبادرة وزير الخارجية الامريكي وليم روجرز لوقف اطلاق النار في 8 اغسطس 1970.

فرض الأمر الواقع

 ظنت واشنطن وتل أبيب أن الهدوء سيطول ويفرض الأمر الواقع على القاهرة فأقامت تل أبيب المستوطنات في شمال سيناء ووضعت المشاريع بدعم أمريكي لتحويل سيناء إلى ورش لإسرائيل الكبرى، ولكن حرب 6 أكتوبر 1973 شلت المخطط ولو إلى حين حسب تصور البعض خاصة في تل أبيب. خلال حرب أكتوبر 1973 وهذا أمر ثابت بالوثائق نقل الجيش الأمريكي مئات الدبابات وعشرات الطائرات وآلاف الأطنان من الذخائر والصواريخ لدعم القوات الإسرائيلية وحتى إنضم مئات إن لم يكن آلاف من الأمريكيين للقتال على جبهتي سيناء والجولان وساهم الاسطول السادس الأمريكي في التشويش على الاتصالات العسكرية السورية المصرية وإطلاع تل ابيب على كل تحركات قوات خصومها بفضل اقمار التجسس، ووصل العالم إلى حافة حرب عالمية نووية ثالثة عندما هدد الكرملين السوفيتي بالتدخل عسكريا ردا على التورط الأمريكي.

 في كل مراحل الصراع العربي الإسرائيلي لم يتغير موقف البيت الأبيض، كانت هناك مناورات وإدعاءات بالبحث عن تسويات ولكن المشروع الأساسي الصهيوأمريكي لم يتبدل.

احتلت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978، ضمن سلسلة أمنية بعيدة المدى. وأنشأت فيه ميليشيا من المتعاونين معها بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد، وفي عام 1982 دخلت إسرائيل إلى بيروت، وجاء الجيش الأمريكي ومعه الفرنسون إلى العاصمة اللبنانية لحماية الانجاز الإسرائيلي في طرد منظمة التحرير الفلسطينية تحت تسمية قوات حفظ السلام الدولية. في 23 أكتوبر 1983 تم تغيير الأمر الواقع فبتفجير بشاحنتين مفخختين استهدفت القوات الأمريكية والفرنسية وهو ما أودى بحياة 299 جندي أمريكي وفرنسي أصبح من الصعب الإستمرار. حينها قال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عن الهجوم أنه “عمل حقير”، وتعهد بالحفاظ على قوة عسكرية في لبنان. وذكر وزير الدفاع الأمريكي كاسبار واينبرغر، أنه لن يكون هناك أي تغيير في سياسة الولايات المتحدة اتجاه لبنان. وفي يوم 24 أكتوبر حل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بموقع الانفجار في الثكنة الفرنسية، في زيارة غير رسمية، وبقي لبضع ساعات فقط، وقال: “إننا سنبقى”، وزار نائب رئيس الولايات المتحدة جورج بوش الأب موقع تفجير قوات المارينز في 26 أكتوبر وقال أن الولايات المتحدة “لن يهددها الإرهابيون”. ولكن في النهاية تنازلت باريس وواشنطن وإنسحبت تلك القوات.

 تعثر المشروع الإسرائيلي ولكن الجيش الإسرائيلي بقي في الجنوب اللبناني حتى عام 2000، حيث أعلن إيهود باراك والذي كان رئيس الوزراء آنذاك في هذا العام الانسحاب التام دون أي اتفاق مع لبنان وذلك نتيجة خسائر جيشه المتصاعدة في مواجهة المقاومة اللبنانية. وتبع انسحاب الجيش الإسرائيلي جميع القوى اللبنانية المساندة له. مزارع شبعا التي تقول تل أبيب أنها سورية لم ينسحب منها الجيش الاسرائيلي وهي لا تزال محتلة حتى الآن.

الفرق بين الرئيس الأمريكي ترامب ومن سبقه من الرؤساء الأمريكيين أنه إختصر الطريق ولم يلجأ إلى المناورة ووضع النقاط على حروف السياسة الأمريكية الحقيقية في المنطقة العربية. نقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس ثم حلل أمريكيا ضمها إلى إسرائيل وفعل نفس الشيء مع الجزء الذي ظل الجيش الإسرائيلي يحتله في هضبة الجولان السورية.

حملة إنتخابية

 أين إذن الجديد في صفقة القرن.

 مبادرة ترامب هي مغازلة للناخب الأمريكي المنتمي الى الجماعات الدينية لكسب صوته في الانتخابات الرئاسية المقبلة. الناخب الديني المنتمي الى جماعات الإنجيليين ذات الوزن القوي في الانتخابات تؤمن بعودة المسيح، وتعتقد أنه لن يتأتى هذا الهدف سوى بإسرائيل قوية. وتعتقد نسبة هامة من الناخبين المتدينين بأن قيام إسرائيل الكبرى هو تحقيق للتنبؤات الواردة في الكتاب المقدس. وكان الواعظ الانجلي فرانكلين غراهام قد صرح أن “الرب هو الذي تدخل في اختيار ترامب رئيسا وليس الروس لأننا نعيش الآن علامات اقتراب عودة المسيح عليه السلام”. ويعتقد نصف الأمريكيين في عودة المسيح قبل سنة 2050 ويجب إعداد الشروط التاريخية بدعم إسرائيل. ويرى ترامب في أصوات المتدينين الدجاجة التي تبيض ذهبا. فصفقة القرن هي قرار سياسي بغلاف ديني تأثيراته لن تتعدى الانتخابات الأمريكية.

صحيفة فرانكفورتر روندشاو الالمانية علقت على خطة ترامب يوم الأربعاء 29 يناير وقالت:

 إنه على الرغم من أن كلا من ترامب ونتنياهو يقدمان نفسيهما على أنهما “مخلصان” ويحاولان إضفاء بعد سياسي كبير على الخطة “إلا أن الهدف الدنيوي لهذه الورقة واضح تماما، حيث إن “خطة السلام” تهدف لمساعدة رجلي الدولة اللذين يتعرضان لرياح عكسية شديدة، للبقاء في منصبيهما”.

 أن توقيت الإعلان عن هذه الخطة “ليس لها علاقة كبيرة بالوضع بين البحر المتوسط والبحر الميت، ولكن في الحقيقة تم اختيار هذا التوقيت على خلفية الاحتياجات التي تدور بخلد ترامب ونتنياهو”.

 رئيس الوزراء الإسرائيلي ليس قلقا فقط بشأن فرص إعادة انتخابه خلال الانتخابات البرلمانية المقررة في إسرائيل في شهر مارس 2020، وهي ثالث انتخابات خلال سنة واحدة، “بل إنه يخشى أيضا على حريته: فهو متهم رسميا بالاختلاس والغش والرشوة، و مهدد بالسجن. “أما ترامب، الذي يحظى بشعبية كبيرة في إسرائيل، فيسدي لصديقه “بيبي” من خلال “صفقة القرن” المزعومة، معروفا آخر، لضمان إعادة انتخاب نتنياهو“.

 يقول نقاد الإعلان عن الخطة، إن الإدارة كان حريا بها أن تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية في مارس وتشكيل حكومة جديدة، لكن ذلك الرأي يخطئ فهم المغزى وراء الإعلان. فانتظار هذا الوقت الطويل حتى الانتخابات ونتائجها يعني الانتظار حتى مايو، وهذا إن لم يطل الأمر عن ذلك، إذ في حال أسفرت الانتخابات عن نتيجة غير حاسمة مرة أخرى، سيعني ذلك المخاطرة بعدم إطلاق الخطة على الإطلاق. إضافة إلى ذلك، يوفر الإعلان التجريبي صرفا مرحبا به للأنظار عن محاكمة العزل وأحداثها، وهو ما يسمح لترامب بادعاء أنه المكرس نفسه لقضايا الدولة المهمة، في حين أن الديمقراطيين يضيعون الوقت في سياسة بليدة لا جدوى منها.

مرحلة عصيبة

 المحللون الذين يحاولون أن يظهروا نوعا من الحياد بشأن مشروع ترامب يقولون كما جاء في قصاصة لوكالة رويترز “إن الفلسطينيين تنتظرهم فترة عصيبة”.

وذكر جريج شابلاند المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة “تشاتام هاوس” بلندن ”ليس أمامهم خيارات مفيدة. الرد بشكل إيجابي على خطة ترامب للسلام أمر مستحيل بالنسبة لأي زعيم فلسطيني. سيبدو أمام شعبه وكأنه باع القضية الفلسطينية بالكامل“.

وأضاف شابلاند ”يبدو أن هذا الأمر كله مرتب بطريقة ما بحيث يكون لزاما على الفلسطينيين أن يرفضوا وبعد ذلك يمكن للأمريكيين أن يقولوا لإسرائيل ولبقية العالم امضوا قدما ونفذوا الخطة لأن الفلسطينيين غير مهتمين بالسلام كما هو واضح“.

ووقف بالفعل على هذا الخط الهجومي جاريد كوشنر، صهر ترامب والمهندس الرئيسي للخطة وإلى جانبه مستشار ترامب السابق جون بولتون. وقال للصحفيين ”لن نستجدي الفلسطينيين.. من الصعب عليهم أن يمثلوا دور الضحية عندما يكون لديهم بالفعل صفقة حقيقية مطروحة على الطاولة“.

وبين الساحات المتاحة أمام الرئيس عباس “84 عاما” ساحة الأمم المتحدة لحشد المعارضة الدولية لخطة ترامب.

لكن واشنطن تستطيع استخدام حق الفيتو في إجهاض أي خطوة في مجلس الأمن. وحتى إذا فاز عباس بالدعم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلن يثمر ذلك عن شيء يذكر على أرض الواقع أكثر مما أثمر عنه تصويت عام 2017 الذي دعا ترامب إلى التخلي عن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ونال الفلسطينيون التأييد بواقع 128 صوتا من أصل 193، لكن كل ذلك لم يكن سوى مجرد استعراض للدعم الخطابي.

وقالت ديانا بوتو، المستشارة القانونية السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إن من المهم ”محاسبة الدول العربية التي كانت جزءا من هذه المهزلة“، لكن من غير المحتمل أن يؤدي هذا إلى تعزيز ساعد الفلسطينيين.

وأضافت ”هناك استراتيجية أفضل هي البدء في محاسبة إسرائيل، سواء كان ذلك من خلال العقوبات أو التحركات القانونية“.

وإحدى هذه الخطوات القانونية في المحكمة الجنائية الدولية، حيث تسعى رئيسة الادعاء فيها إلى التحقيق في جرائم حرب مزعومة في الأراضي الفلسطينية.

ولا تزال المحكمة في مرحلة اتخاذ القرار بشأن ما إذا كانت تتمتع بالولاية القانونية في هذا الشأن. وتقول إسرائيل إن المحكمة ليس لها اختصاص بالتحقيق في الأراضي الفلسطينية.

منحدر بلا قرار

 في تحليل لخطة ترامب قال الكاتبان روبرت مالي، وهو محامٍ أمريكي، ويشغل منصب الرئيس والمدير التنفيذي لمنظمة “مجموعة الأزمات الدولية” غير الحكومية، وسبق أن كان منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الخليج العربي في عهد أوباما. وآرون ديفيد ميلر، وهو محلل وكاتب أمريكي مختص بالشرق الأوسط. وباحث رئيسي بمركز وودرو ويلسون ومستشار سابق بوزارة الخارجية الأمريكية.

“إن استراتيجية ترامب لا تنفك تتكشف أمام أعيننا، وهي مجموع كل خطوة جديدة تتخذها. فهي تعكس قناعة فريق ترامب بأن القوةَ غير الممارسة قوة مهدرة، وأن القوة التي تقف عليها تلك الإدارة يجب أن تستخدم لتفكيك سبل الماضي والتخلص منها، وأن الرؤساء السابقين أمضوا وقتا طويلا في قلقٍ حيال كيف سيكون رد فعل خصوم أمريكا على أفعالها، في حين أن خصوم أمريكا هم من يجب أن يقلقوا بشأن كيف ستكون ردود فعل أمريكا على أفعالهم. سيحين وقت سداد الفاتورة الجماعية في مرحلة ما، وقد يكون منحدرا بلا قرار. لكن حتى ذلك الحين، سيتعامل العالم مع إدارة لا تفتأ تتحرر من كل قيد على نحو متنامٍ. وعلى ما يبدو، فإن احتمالات سلام إسرائيلي فلسطيني عادل وقابل للحياة ستكون مجرد خسارة واحدة من خسائر عديدة في هذا الطريق”.

 يشير محللون أن هؤلاء الذين يتصورون داخل إدارة ترامب أن خطته تملك فرصا جيدة للنجاح يتجاهلون أن العالم دخل الآن مرحلة الأقطاب المتعددة ولم تعد الولايات المتحدة هي المتحكمة في القضايا العالمية مثل القضية الفلسطينية. وفرضت روسيا ودول أخرى قراراتها في مناطق النزاع مثل سوريا وليبيا وشبه جزيرة القرم وجيورجيا وفنزويلا. ولن تسمح كبريات العواصم مثل موسكو وبكين لواشنطن الانفراد بملف هام مثل القضية الفلسطينية. بل وتحفظت عواصم غربية مثل باريس على مبادرة ترامب عندما أكدت في بيان رسمي أنها ستدرس بعناية المبادرة دون إبداء دعم واضح.

 ويتوقع محللون أن تطرح دول أوروبا الغربية خطتها البديلة للسلام، ولكن بعد أن تنهار خطة الرئيس الأمريكي أمام أعين العالم بأسره. وبالنسبة للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فقد جاء تعليقه منصفا: لن يكتب النجاح لأي خطة سلام على الإطلاق، إذا لم يرغب الجانبان في تحقيق السلام من خلال الجهود المشتركة. أعتقد أن الفلسطينيين لن يقدموا على تغيير الحدود بين الدولتين، إلا من خلال تبادل بعض الأراضي، وبالتأكيد ليس من خلال ضم أحادي الجانب لأراضيهم من قبل إسرائيل”.

 أن ما يجعل الخطة “مهزلة” أيضا أن أحد أطراف النزاع أي الفلسطينيين لم يشركوا في مضمون الاقتراح، بل رفضوا الاجتماع مع إدارة ترامب لأكثر من عامين. ومن غير المنطقي أن يتوقع منهم الموافقة على صفقة كتبها شخص حاول إرغامهم على التخلي عن عاصمتهم، وأغلق بعثة الفلسطينيين في واشنطن، وقطع كل الارتباطات المالية، وهذه ليست طريقة لتهيئة المناخ لعملية دبلوماسية جادة.

 الأمر الذي تجاهله ترامب وطاقمه عند طرح مسرحية التسوية، ان أغلب الدراسات والابحاث التي أجرتها الأجهزة الأمريكية وفي مقدمتها المخابرات المركزية حذرت من أن المشروع لا يملك حظوظا حقيقية للنجاح وأنه وحسب تطورات الأوضاع في المنطقة العربية خارج إطار التقديرات الموضوعة أمريكيا سيقود إلى مزيد من المواجهات والصراعات العسكرية التي ستلحق ضررا كبيرا بإسرائيل.

موقع الصدارة

 اعتبر فريق من المحللين الإسرائيليين أن “صفقة القرن” أعادت فجأة القضية الفلسطينية إلى موقع الصدارة ولن تصب في مصلحة إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو شخصيا، على عكس توقعاته.

وقال المحلل إيهود يعاري عبر القناة “12” عقب انتهاء اجتماع جامعة الدول العربية عن الرئيس محمود عباس إن “أضعف رئيس (عباس) سيطر على زعماء المنطقة “القادة العرب”، وجرهم إلى إصدار بيان يرفض صفقة القرن”.

وأضاف أن “هذه صفعة لنتنياهو، وهذا إنجاز كبير على المستوى العربي لأن بيان الجامعة العربية سيمهد لاستصدار قرار من القمة الإسلامية والأمم المتحدة لرفض صفقة القرن، وإذا تم ذلك فإنه سيعني وفاة الصفقة قبل أن تعيش”.

وسخرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية من نتنياهو بقولها إنه “لن يستطيع ضم الضفة وفقط استطاع ضم السجينة نعمة يسسهار” المدانة في روسيا بتهريب المخدرات.

واعتبر محللون آخرون أن الصفقة تعكس جهل صانعيها بالوقائع على أرض الصراع العربي الإسرائيلي، وأن نتنياهو سيخسر أصوات الناخبين نتيجة إعلان الصفقة.

وذكر المحلل العسكري روني دانييل إن “أصحاب المليارات الأمريكيين جاؤوا ليجربوا عقد صفقاتهم علينا، وكأننا دمى ويقامرون علينا”.

وأضاف: “نتنياهو ذهب إلى صفقة القرن وحدث معه العكس، قالوا له توقف عن ضم الضفة، والمستوطنون أعلنوا أنهم لن يقبلوا بمنح الفلسطينيين 70 في المئة، بالتالي يفقد أصوات المستوطنين والعرب وتحول كل شيء ضده”.

وأشار معلق الشؤون السياسية في قناة 12 أمنون أبراموفيتش إلى أن “من كتب الصفقة لا يفقه شيئا في الواقع، ففريدمان وكوشنير وغرينبلات منفصلون عن الجغرافيا، ومن ثم أن صفقة كهذه تحتاج لاستفتاء شعبي لسنوات لتنفذها. حتى النفق بين ترقوميا وهي بلدة في الضفة الغربية وغزة يحتاج لعشرات المليارات من الدولارات وعشر سنين”.

أما محللة الشؤون السياسية في التلفزيون الإسرائيلي، دانا فايس فاعتبرت أن “الأمريكيين ساعدوا العرب، ولن يجرؤ نتانياهو إيديولوجيا أن يقول لا للدولتين”.

من جهتها، أكدت الصحافية، رينا متسليح أن ترامب أعاد وضع القضية الفلسطينية على رأس أولويات الحملة الإعلانية الانتخابية الإسرائيلية بعد أن ظن الإسرائيليون أنهم تجاوزوا هذه النقطة، وأنه لم يعد هناك شيء اسمه القضية الفلسطينية في الحملات الانتخابية”.

وأضافت: “عادت القضية الفلسطينية من أوسع الأبواب إلى الحملة الدعائية الإسرائيلية الانتخابية، وأوضح ترامب من دون أن يدري أن في إسرائيل يسارا ويمينا، يسار يريد دولة فلسطينية، ويمين لا يريد دولة فلسطينية. أما حزب الوسط “أزرق أبيض” فلا داعي لوجوده أساسا لأن العمل السياسي لا يحتاج إلى زينة حزب وسط، فإما أن تكون يسارا، أو تكون يمينا”.

 في داخل الكيان الصهيوني استفسر البعض عن موقف الجيش الإسرائيلي من اعتزام تل أبيب ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية ؟.

 رئيس المخابرات العسكرية السابق عاموس يدلين صرح إن “الضم أمر خطير، إذ قد يعرقل سبيل الوصول إلى أي اتفاق سياسي في المستقبل، وأية محاولة لفصل ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في “يهودا والسامرة” الضفة الغربية. وفي نهاية المطاف، قد ينتهي إلى كابوس الدولة الواحدة. ومثل هذه الدولة لن تكون قادرة على أن تكون يهودية وديمقراطية، وستتسبب في انهيار الحلم الصهيوني”.

هذه كلمات قاسية. ولا يسمح لزملائه ولا مرؤوسيه السابقين الذين لا يزالون في الجيش بالتعليق على هذه الكلمات، لكن يمكننا التكهن بما يتعلق بمسألة الضم، أنَ الكثير منهم يتفقون مع وجهة نظره.

الأمن المفقود

 الوزير الإسرائيلي السابق ورئيس جهاز الأمن العام الأسبق “الشاباك”، عامي أيالون، رأى أن خطة السلام الأمريكية، هي ليست خطأً تكتيكيًا إضافيا، بل خطأ إستراتيجيا سيجلِب حمامات من الدماء والمآسي على الفلسطينيين والإسرائيليين، وسيؤدي لإشعال المنطقة برمتها، لافتا في الوقت عينه إلى أن البدء بنقاش القضايا الاقتصادية قبل الخوض في المسائل الجوهرية هو خطيئة لا تغتفر لمن قام بإعداد الخطة، ولمن يحاول تسويقها.

وتابع رئيس جهاز الشباك سابقا أن هذه الخطة هي بمثابة صفعة مجلجلة للفلسطينيين، وعدم فهم الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني، موضحا أنه لو جرى الحديث عن “شراء” الفلسطينيين بالأموال، لكي يتنازلوا عن آمالهم الوطنية، لكان هذا الأمر حصل منذ وقت بعيد، وبالتالي فإن الحديث لا يجري فقط عن عدم فهم كامل للقضية من قبل الأمريكيين، بل عن نمط تفكير ليس أخلاقيا بالمرة، ويفتقد أيضا للمصداقية.

وتابع قائلا إن الهدف الجوهري لعملية السلام يجب أن يكون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ما قبل الرابع من يونيو من العام 1967، مع القيام بعملية تبادل الأراضي إن كانت هناك حاجة لذلك، وعليه، أضاف، إذا كان الطرفان، بالإضافة إلى الوسيط، لم يقوموا بتحديد الهدف النهائي للعملية، فلا حاجة أصلا للبدء فيها.

وشدد أيالون على أنه بالرغم من أن إسرائيل هي إحدى الدول العظمى والمحمية جدا وفق أي مقياس أو معيار موضوعي، وهي دولة عظمى من ناحية التكنولوجيا، والعلم والجيش، فإن سكانها يعيشون في حالة من فقدان الأمن والآمان المستمر، لافتا في الوقت عينه إلى أن الرؤية الإسرائيلية تتبلور ليس حسب القيمة الدفاعية التي يتمتع فيها المواطنون، بل بحسب قيمة فقدان ونقصان الأمن التي يشعرون فيها دائما”.

تحقيق ما فشلت فيه المجازر

يبدو أن خطة القرن لن تقتصر على الاستيلاء فقط على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بل إنها ترمي إلى تحقيق ما فشلت فيه المجازر وخطط الصهيونية لتغيير الهوية أي التخلص من جزء من فلسطينيي 48 وتحديدا سكان منطقة المثلث العربي بإسرائيل الذين تريد تل أبيب إلحاقه بالسلطة الفلسطينية.

جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت في الأول من شهر فبراير 2020:

تم ضم منطقة المثلث عام 1949، أي بعد إعلان قيام إسرائيل في 15 مايو 1948، بعدة أشهر وهذا يعني أن هذه الأراضي أصلاً كانت عند إعلان الهدنة بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية بيد العرب، وتحديدا تحت سيطرة الجيش العراقي، الذي فوض الأردن في التعامل معها.

ويبدو أن منطقة المثلث العربي التي تتسم بطابع محافظ تمثل اتجاها مختلفا في النمو السكاني مقارنة بباقي المناطق العربية الأكثر اندماجا وحداثة حيث انخفضت نسبة الخصوبة حيث أصبح معدل الفلسطينيات في الداخل الإسرائيلي أقل من النساء اليهوديات المتدينات الحريديات والبالغ 7 أطفال للمرأة الواحدة، بل إنه أقل من متوسط معدل الخصوبة في إجمالي إسرائيل البالغ 3.1 طفل للمرأة الواحدة، ولذا فإن التخلص منها لا يقلل الوزن النسبي فقط لفلسطينيي 48، بل إنه أيضا معناه التخلص من المجموعة الفلسطينية الأكثر زيادة في السكان والأكثر محافظة على الهوية الفلسطينية التقليدية والمرتبطة بفلسطيني الضفة الغربية.

في الصفحة الثالثة عشرة من خطة “صفقة القرن” مقترح لضم منطقة المثلث في فلسطين المحتلة عام 1948، والتي تسكنها غالبية فلسطينية من الباقين في أرضهم بعد النكبة ويحملون الجنسية الإسرائيلية، إلى شبه الدويلة الفلسطينية التي ستقام على 40 في المئة من مساحة الأرض المحتلة أصلا عام 1967. المقترح، الذي سبق أن جرى تداوله في الأوساط السياسية الإسرائيلية ومعاهد الأبحاث، ليس جديدا، لكن إعادة طرحه في الصفقة أثار مخاوف أهل المنطقة، لا من احتمال خسارة “مواطنة” تعرفهم وتتعامل معهم كدرجة ثانية أو ثالثة، بل من فكرة إجراء تبادل مع مستوطنات في الضفة هي أصلا أراض سلبت من أبناء شعبهم.

أسئلة كثيرة تطرح حول دوافع إسرائيل من وراء هذا “التنازل”، وخصوصا أن “التنازلات” لم تكن في يوم من الأيام من دينها. في عام 1949، عمد الاحتلال إلى ضم منطقة المثلث بموجب “اتفاق رودس” الذي وقعه مع الأردن، والذي أدى، إلى جانب “تفاهمات الشونة”، إلى “ضم سلسلة من التجمعات العربية، من أم الفحم في الشمال حتى كفر قاسم في الجنوب، إلى إسرائيل”. كانت الدوافع آنذاك ضمان “عمق استراتيجي” مع منفذ بري بين الشمال والجنوب، وفصل اليهود عن الخط الأخضر بواسطة قرى ومدن المثلث عبر وضعها تحت السيطرة الإسرائيلية. ورغم حصول سكان تلك القرى والمدن على الجنسية و”المواطنة” الإسرائيليتين، إلا أنهم ظلوا تحت حكم عسكري إسرائيلي 18 عاما. هكذا، يتضح أن ضم منطقة ذات غالبية فلسطينية كان لعوامل “استراتيجية” فقط، وهو ما يفسر حقيقة أن مشاريع تهويد المثلث لم تبدأ إلا في الثمانينيات، وليس بالتوازي مع مشاريع تهويد الجليل والنقب، والتي عملت إسرائيل من خلالها على قطع أي تواصل جغرافي بين البلدات العربية، عبر إنشاء المستوطنات واستيعاب القادمين الجدد. إذ، بعد نحو 30 عاما من ضم المثلث، بدأت إسرائيل تستشعر خطرا ديموغرافيا منه، ولا سيما أنه لا حضور يهوديا جديا على طول الخط الأخضر الملاصق للمثلث، ولهذا تبنت استراتيجية بناء أجزاء من المستوطنات داخل الخط الأخضر وأخرى خارجه داخل الضفة المحتلة.

 فكرة “تبادل المناطق”، ظهرت نهاية الثمانينيات، حيث أدركت إسرائيل أنه لكي تضم إليها مستوطنات الضفة في إطار أي تسوية مستقبلية، ستكون عليها مبادلتها بمنطقة المثلث التي حافظت إلى حد ما على التواصل الجغرافي بين بلداتها. وتزامن طرح هذه الفكرة، التي كان عرابها الباحث الصهيوني يوسي ألفر، مع نضوج ما عرف بـحل الدولتين. وفي أعقاب الانتفاضة الثانية، عاد المقترح إلى التداول، مستحوذا على البرامج الانتخابية للأحزاب الصهيونية وسياسييها، وخصوصا منهم وزير الأمن السابق، أفيغدور ليبرمان، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك، مقترحا تهجير سكان الجليل إلى تبوك، بين السعودية والأردن، كحل للمعضلة الديموغرافية.

غير منطقي

 مع هذا، تجديد الطرح في “صفقة القرن” لا يجده البعض منطقيا. من وجهة نظر الكاتب والباحث، أحمد سليط من أم الفحم، فإن احتمال ضم المثلث إلى أراضي السلطة مستبعد، لأسباب منها أنه “خلف أم الفحم هناك مستوطنة تدعى ميعامي، وهناك مستوطنة جديدة تدعى حريش معدة لاستيعاب ربع مليون مستوطن، وهنا حديث عن مدينة استيطانية لا مجرد مستوطنة”. وعليه، فإن “المنطقة تشكل رافعة اقتصادية من المستحيل أن تتخلى عنها إسرائيل بسهولة”. يضاف إلى ما تقدم “مسألة التنظيمات المافياوية الثلاثة الكبرى التي تسيطر على المثلث، وتختزن مئات آلاف قطع الأسلحة المتنوعة التي قد تشكل في حالة الضم بيئة لإنشاء عمل مسلح لاحقا ضد إسرائيل”، بحسب ما يؤكد سليط. ويلفت إلى أنه “تاريخيا، كان هناك خطاب سياسي عن ضم أم الفحم بالتحديد”، عازيا إياه إلى أن المدينة بالنسبة إليهم “الإسرائيليين” “تشكل بيئة خصبة للعمل السياسي، فعمل الحركة الوطنية في الداخل بدأ من الحزب الشيوعي الذي عمل بصورة كبيرة في أم الفحم بعد الناصرة، مرورا بحركة الأرض التي تميزت بعملها السري إلى أن حظر نشاطها، ومن ثم حركة أبناء البلد، والحركة الإسلامية، وليس انتهاء بإنشاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي”. وإلى جانب الدور السياسي، كان للمثلث دور اجتماعي في العلاقة مع الضفة، إذ تناسبت العائلات من طرفَي جدار الفصل وتصاهرت، إلى حد أن البيئة الثقافية والدينية كانت متماهية.

من جهته، يرى الأمين العام لحركة “كفاح”، أيمن حاج يحيى، أن “أساس ضم المثلث إلى إسرائيل كان بدافع حاجتها إليه بسبب مرور شارع الملك به، ربطا بوادي عارة، وهو ثاني شارع يربط شمال فلسطين بجنوبها إلى جانب شارع الساحل… من دون ممر المثلث كانت إسرائيل ستبقى بممر واحد، وفي حال قطعه ستكون أوصالها قد تقطعت جغرافيا”. ويستدرك حاج يحيى بأن “هذه الحاجة لم تعد أساسية اليوم، كما أن إسرائيل فشلت في تهويد المثلث، ولذلك تفضل مكانه المستوطنات الجبلية في الضفة التي تسيطر على غالبية منابع المياه”. أما أمين عام “أبناء البلد” في عرعرة، لؤي خطيب، فيعتقد أن “التغيير لا يحتاج إلا إلى بعض المجانين، وهم يتكاثرون في إسرائيل وحليفتهم أمريكا”، مشيرا إلى أن “المثلث يشكل للحكومة الإسرائيلية هما، بقربه الجغرافي من طولكرم وجنين وقلقيلية، وهذه المناطق المحاذية للخط الأخضر قد لا تمثل خطرا حقيقيا في الوقت الراهن، لكن إسرائيل ترى فيها سوقا للعبيد “أيادي عمل رخيصة”. ويتابع: “سيكون المثلث في أحلام هؤلاء تتمة لما كان، لأن إسرائيل ستتخلص من 300 ألف فلسطيني ولا سيما في مدينة أم الفحم، لأنها طالما سعت إلى دولة نقية من عرقيات أخرى”. ويرى خطيب أنه “مع وجود قيادة القائمة المشتركة، ذات السقف النضالي والوطني المنخفض، والتفريط المستمر بالثوابت من جهة السلطة الفلسطينية، هناك فرصة تاريخية لإسرائيل لإنهاء القضية بأقل الأثمان”. ولذلك، يحذر من أنه بالتوازي مع ردود الفعل الباهتة، “ستمرر الحكومة الإسرائيلية في الأسبوعين المقبلين وثيقة صفقة القرن على الكنيست لتباشر بعد ذلك تنفيذها… هذا ليس حلما إنما واقع سيمدد الجدار ليبتلع ما تبقى من فلسطين”.

إزاء ذلك، يؤكد سكان المثلث، الذين قد يجردون من حقوقهم المدنية، أنهم لن يقبلوا بما تريد “صفقة القرن” فرضه عليهم، ولو تطلب منهم الأمر تضحيات يبدون استعدادهم لتقديمها. هذا ما تقوله قيادة “لجنة المتابعة” ومعها رؤساء السلطات المحلية والنواب العرب وأيضا أهالي المنطقة. رفض عبرت عنه إحدى مذيعات “القناة الـ12” الإسرائيلية بقولها لوزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إنهم “لن يوافقوا أبدا على ذلك”، ليجيبها: “أبدا لا تقولي أبدا”.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here