عمر نجيب: هل يتعثر مخطط الفوضى الخلاقة في ليبيا كما يجري في بلاد الشام ؟ تحالف أمريكي ايطالي في مواجهة متاهات الخيارات الفرنسية الالمانية

عمر نجيب

  يتفق غالبية المحللين في الغرب وخارجه وجزء كبير من الخبراء والقادة العسكريين بما في ذلك هؤلاء الذين يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية وحتى في إسرائيل على أن واشنطن وحلفاءها الذين خاضوا ويخوضون الحرب متعددة الأطراف الدائرة منذ منتصف شهر مارس 2011 على أرض بلاد الشام قد خسروا حتى المرحلة الحالية على الأقل رهانهم، وأن دمشق قد انتصرت وإن كان عليها بذل مزيد من الجهود لإستكمال هذا النصر.

  على بعد حوالي 1800 كيلومتر من سواحل بلاد الشام والى الغرب منها وفي شمال أفريقيا على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط يتعرض مشروع غربي مماثل وتحت مبدأ ومعادلة الفوضى الخلاقة لخطر تلقي ضربة قاسية تكرر وإن كان بشكل مختلف تجربة الخسارة الأمريكية الإسرائيلية في بلاد الشام.

  مشروع المحافظين الجدد للشرق الأوسط الكبير الذي يقضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية وقبلية وطائفية ودينية ومناطقية، من أجل ضمان هيمنة الولايات المتحدة على مقدرات وثروات المنطقة وحماية إسرائيل، عرف مزيجا من الفشل والنجاح. فيما يخص ليبيا كان يقضي بتحويل هذا القطر الشاسع الأطراف إلى منصة لتصدير الفوضى والارهاب الى دول الجوار في كل الشمال الأفريقي ومنطقة الساحل وذلك عن طريق تسليم السلطة فيه إلى الجماعات التي تحالفت مع الغرب خلال كل مراحل ما سمي بالربيع العربي.

سيناريوهات

 كانت هناك عدة سيناريوهات لتنفيذ المشروع أحدها كان تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات تحت غطاء فيدرالية أو بدونها واللعب بهذه الأجسام المصطنعة لخدمة المشروع الأمريكي الأكبر. كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية الصادرة خلال الأسبوع الأخير من شهر أغسطس 2017، عن أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وضعت خطة لتقسيم ليبيا إلى 3 دول صغيرة. وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن مراسليها، جوليا برغر، وستيفاني كيرشغاسنر، حصلا على تلك الخطة، التي عرضها مسؤول كبير في البيت الأبيض وقدمها لدبلوماسي أوروبي ليحصل عبره على ردة فعل الإتحاد الأوروبي. وتعتمد خطة التقسيم الأمريكية لـ”ليبيا” على خريطة الولايات العثمانية القديمة، التي كانت تحكم البلاد، والتي تنص على وجود دويلة “برقة” في الشرق، و”طرابلس″ في الغرب، و”فزان” في الجنوب.

 استخدمت واشنطن وسائل عديدة لمنع عودة الاستقرار إلى ليبيا وذلك بعد أن خسرت جماعة الاخوان الإنتخابات التشريعية لسنة 2014. شكلت معركة بنغازي التي استمرت حوالي ثلاث سنوات وانتهت في 6 يوليو 2017 بهزيمة التنظيمات المسلحة، ودارت بين نواة الجيش الليبي الجديد ومسلحي مجلس شورى ثوار بنغازي وهو مسمى ظهر في 20 يونيو 2014 لائتلاف مجموعة ميليشيات في المدينة ضم تنظيم أنصار الشريعة وميليشيا درع ليبيا 1 اضافة لميليشيا شهداء 17 فبراير وراف الله السحاتي، والعديد من المجموعات ضمن هذه الميليشيا متعاون مع معقل الإخوان في مصراتة، إحدى أهم منعطفات تعثر المخطط الأمريكي.

 الانتصار شكل نقطة تحول سمحت لنواة الجيش الليبي الجديد بمواصلة جهود توحيد البلاد وتخليصها من الإرهاب وإمراء الحرب، ولكن واشنطن وأنصارها واصلوا حملاتهم على كل المستويات لمنع إخراج ليبيا من خانة الدول الفاشلة، متجاهلين أن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر يخضع وينبثق عن الحكومة الشرعية الليبية برئاسة عبدالله الثني الممثلة بالأغلبية البرلمانية المنتخبة في سنة 2014 تحت إشراف دولي وحقوقي معترف بنزاهته.

توسع السيطرة

يوم 28 فبراير 2019 أعلن الجيش الوطني الليبي أن قواته تمكنت من السيطرة على مدينة غات ومنطقة العوينات الغربية، على الشريط الحدودي مع الجزائر.

وأوضح الجيش في إيجاز صحفي أن وحداته دخلت المنطقة الحدودية سلميا وسط ترحيب كبير من أهاليها. كما أفات تقارير إعلامية بأن الجيش فرض سيطرته على الحدود الليبية مع تشاد والنيجر.

ويأتي هذا التحرك بعد سيطرة قوات الجيش على منطقتي فنقل وتراغن شرق مدينة مرزق، ولم يتبق الآن أمام القوات المسلحة الليبية سوى بلدة أم الأرانب لتصبح المنطقة الجنوبية بالكامل تحت سيطرتها، وبعدها يتوقع المراقبون أن تكون العاصمة الليبية طرابلس وبعض المدن شرقها هدفا للجيش لتعود البلاد موحدة وبعيدة عن فوضى الجماعات المسلحة.

ويشن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر عملية عسكرية واسعة لتجفيف منابع الإرهاب، لا سيما عند الحدود الجنوبية للبلاد.

مخاوف

 يوم السبت 9 مارس 2019 جاء في تحليل لوكالة أنباء رويترز كتبه أولف ليسينغ: رسخت قوات من شرق ليبيا قاعدة لها في وسط البلاد وألمحت إلى أن العاصمة قد تكون هدفها التالي بعد أن اجتاحت الجنوب وسيطرت على ما تبقى من حقول النفط خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن الأمم المتحدة، التي أدهشها التقدم في الجنوب، تسعى جاهدة للتوسط بين قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر وحكومة طرابلس بقيادة رئيس الوزراء فائز السراج.

ويخشى الدبلوماسيون الغربيون أن تكون هذه آخر محاولة للأمم المتحدة لتوحيد الإدارتين المتنافستين.

ويأخذ حفتر، اللواء السابق البالغ من العمر 75 عاما، بزمام الأمور على نحو متزايد بدعم من الإمارات ومصر اللتين تريان فيه حصنا ضد ما يسمى تنظيمات الاسلام السياسي والشخص المناسب لإعادة النظام.

ولم يقل حفتر ما إذا كان يريد الزحف نحو طرابلس، وهو أمر من شأنه تصعيد التوترات بشدة. لكن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده ألمح كثيرا إلى أنه قد يقدم على الخطوة ما لم يتم الاعتراف بحفتر قائدا عسكريا عاما لليبيا، وهو ما يسعى إليه منذ بدأ جمع هذه القوات في عام 2014.

وقال الموقع الإلكتروني للجيش الوطني الليبي ”بعض المصادر العسكرية قالت إن الجيش سيتحرك باتجاه طرابلس بعد تأمين الجنوب وإعلان تطهيره.

”كذلك أكدت مصادر أنه يوجد تنسيق مع بعض وحدات في طرابلس وضواحيها لدخول الجيش إلى طرابلس“.

ونفى المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي صحة أمر منسوب لحفتر للقوات بالتحرك. واطلعت رويترز على هذا الأمر الذي نشره أنصاره.

لكن العاصمة تعج بشائعات التقدم وتحدث سكان عن رؤية شبان يتجولون بسياراتهم فيما تصدح أغان تشيد بحفتر من أجهزة المذياع فيها.

وتقول مصادر من الجيش الوطني الليبي إن عدة وحدات من قوات الجيش عادت هذا الشهر إلى بنغازي، مركز حكومة عبد الله الثني، بينما ذهبت بعض الوحدات الأخرى إلى الجفرة، وهي مدينة في الصحراء تمتد أراضيها شرقا وغربا.

ومن هناك، يمكن لها العودة لديارها أو التحرك نحو الشمال الغربي باتجاه طرابلس، فيما يصفه دبلوماسيون بأنه تهديد ضمني، إذا فشلت المحادثات بشأن تقاسم السلطة والانتخابات.

ويستفيد حفتر من الإنهاك الذي أصاب الليبيين الذين يتوقون للحصول على الكهرباء والوقود وأوراق النقد الشحيحة في بلد كان يتمتع يوما ببعض من أعلى مستويات المعيشة في المنطقة والعالم.

فبالنسبة للكثيرين، خاصة في الشرق، يعد حفتر الشخص الوحيد القادر على إنهاء قتال جماعات كثيرة تتغير أسماؤها باستمرار.

أما أعداؤه في المدن الغربية وجماعة الاخوان الذين يعادون النظام القديم، فيعتبرونه القذافي الجديد.

النفط

 سيطر حفتر على حقلي الشرارة والفيل شهر فبراير 2019، ليكمل بذلك حملة حققت له سيطرة فعلية على إنتاج الخام في البلاد الذي يصل إلى نحو مليون برميل يوميا.

ولا يمتلك حفتر إلى الآن وسائل للتربح من النفط لأن المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، التي تعمل مع السراج، هي من يدير الصادرات، لكن الموقف يتغير سريعا على الأرض.

وزار مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا غسان سلامة مدينة سبها الرئيسية في الجنوب قبل يوم واحد فقط من وصول نحو 80 عربة تابعة للجيش الوطني الليبي بعد أن قطعت الصحراء قادمة من الشرق، وعاد نفوذ حفتر المتزايد إلى دائرة الضوء من جديد بداية شهر مارس.

ووافقت المؤسسة الوطنية للنفط على إعادة فتح حقل الشرارة، الذي ظل مغلقا منذ سيطرة حراس ورجال قبائل عليه في ديسمبر 2018، وذلك بعد دعوة الإمارات لاجتماعين. وكان الاجتماع الأول مع السراج ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله للاتفاق على خطة أمنية، وكان الثاني بين رئيس وزراء طرابلس وحفتر.

وأشارت بعض المجتمعات في غرب ليبيا إلى دعمها للجيش الوطني الليبي، إلا أن قدرة حفتر على استقطاب ما يكفي أبعد ما تكون عن الوضوح.

ويقول الجيش الوطني الليبي إن لديه 85 ألف مقاتل بينهم جنود يتلقون رواتبهم من الحكومة المركزية. وتقول مصادر في الجيش الوطني الليبي إن قوات الصاعقة، وهي قوة النخبة في صفوفه، تضم نحو 3500 مقاتل، بينما يقود أبناء حفتر أيضا قوات مجهزة جيدا.

ويقول دبلوماسيون إن الجيش الوطني الليبي في معظمه مظلة لجنود أقل تدريبا كانوا تابعين للجيش الليبي قبل سقوط ليبيا تحت ضربات حلف الناتو ورجال قبائل وسلفيين فضلا عن مقاتلين سودانيين وتشاديين. وينفي الجيش الوطني الليبي ذلك.

وبفضل دعم سري من الإمارات ومصر، أصبحت لحفتر الأفضلية تدريجيا منذ عام 2014 مما سمح له بوقف تعزيزات كانت ترسلها طرابلس جوا خلال حملته في الجنوب والضغط على المؤسسة الوطنية للنفط بإغلاق مهابط الطائرات بحقول النفط.

ولا يملك السراج قوات حقيقية، ويعتمد على جماعات مسلحة تسيطر على الكثير من المباني التي يعمل فيها وزراؤه ويقول سكان طرابلس إنها تطالب من حين لآخر بعقود عمل، وتنشر الفوضى في المدينة.

والشيء الوحيد الذي يملكه هو منصبه الرسمي وسلطته على أموال الدولة، لكن هناك قبولا متزايدا بحفتر بين قوى غربية، بينها المانيا وفرنسا.

ويوم الاثنين 4 مارس 2019، أشاد السراج على نحو غير متوقع بالتعاون مع حفتر، قائلا إنهما بحاجة للعمل معا، وذلك في كلمة ألقاها أمام رؤساء بلديات بغرب البلاد عقب ظهور أولى الشائعات عن اقتراب قوات الجيش الوطني الليبي من العاصمة.

وقد يتفق السراج وحفتر على حكومة انتقالية جديدة، وهو ما سيساعد القائد العسكري على ترسيخ سلطته دون غزو طرابلس.

لكن ليس واضحا ما إذا كان أنصار حفتر سيوافقون على خضوعه لسلطة مدنية مثلما اقترح وسطاء الغرب والأمم المتحدة.

وقال عضو مجلس النواب بالشرق حمد بنداق لرويترز ”لا تصلح الشراكة مع سراج في سلطة لأن الكلام ليس معه هو بل مع إناس خلفه والناس التي تقف وراءه لا تريد حفتر“.

الهجوم

يقول محللون إن أكبر عقبة أمام حفتر هي مدينة مصراتة الواقعة في الغرب والتي توجد بها قوات يمكن أن تضاهي، جزئيا على الأقل، قوات الجيش الوطني الليبي على الأرض.

وبعد أسابيع من بدء حفتر حملته على بنغازي عام 2014، زحفت قوات مصراتة إلى طرابلس وأطاحت بحكومة موالية لشريك لحفتر في معركة استمرت شهرا وأدت لانقسام ليبيا.

وأدلى سكان في مصراتة بتعليقات عدوانية خلال الأيام القليلة الماضية، لكن من غير الواضح ما إذا كانوا سيقاتلون.

ويجس حفتر والإمارات نبض قوات طرابلس، ويأمل دبلوماسيون في أن يوافق حفتر على التفاوض نظرا لحاجته للوصول لأموال المؤسسة الوطنية للنفط بعد استنزاف موارده خلال اجتياح الجنوب.

واستخدم الجيش الوطني الليبي القوة الكبيرة خلال معركة السيطرة على بنغازي التي استمرت ثلاث سنوات، لكنه استخدم أسلوبا مغايرا في الجنوب.

فقد نفذ ضربات جوية وخاض معركة للسيطرة على بلدة واحدة. لكنه اعتمد على قوة برية صغيرة لديها أقل من 200 سيارة، لتوفير وظائف ووقود وأوراق نقدية لبلدات شعرت في الأغلب بالسعادة لرؤية أحد يحل محل الدولة الغائبة.

وفي الشرارة، وصلت بضع عشرات فقط من سيارات الجيش الوطني الليبي للتفاوض مع الحراس. وتم التوصل سريعا إلى اتفاق احتفل به قائد وصل جوا ليظهر في مقطع فيديو مع قواته الجديدة.

 يوم الأحد 10 مارس 2019 أعلنت قوة حماية وتأمين سرت “حالة النفير والطوارئ” واستدعاء “كافة وحداتها الاحتياطية” في ظل تقدم قوات “الجيش الوطني الليبي” نحو المدينة.

وقالت القوة، في بيان أصدرته الأحد، إنها “تعلن حالة النفير والطوارئ وتستدعي كافة وحداتها العسكرية الاحتياطية على خلفية تقدم قوات تابعة لعملية الكرامة أي الجيش الليبي جنوب مدينة سرت”.

وأضافت القوة أنها “قامت بتسيير دوريات 90 كم جنوب وشرق المدينة”، مشددة على أنها “أنها ملتزمة بمواقعها المكلفة بتأمينها”.

واعتبرت مع ذلك أن “ما تقوم به قوات الكرامة من استفزاز للقوة لأكثر من مرة هو مرفوض تماما، واعدة: “لن نقف موقف المتفرج”.

وأكدت قوة حماية وتأمين سرت: أن “أي محاولة اعتداء على المدينة هو بمثابة إعلان حرب ستكون عواقبها كارثية ونحن مستعدون لها”.

وسبق أن أفاد مصدر عسكري تابع لصنف الدفاع الجوي بسرت لموقع “بوابة الوسط” الإخباري الليبي بوصول قوة مسلحة تابعة للقيادة العامة “للجيش الوطني” إلى منطقة الوادي الأحمر شرق سرت.

وأوضح المصدر أن مدينة سرت تشهد حالة استنفار، وخاصة بوابة أبو زاهية عند مدخل المدينة الشرقي التي تبعد 20 كيلومترا عن سرت، حيث يجري تفتيش السيارات العابرة من قبل العناصر الأمنية المتمركزة.

من جانبه، أكد مصدر عسكري في “القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية” التابعة لحفتر، لوكالة “سبوتنيك”، الأحد، أن مقاتليها سيطروا على بوابة بوهادي جنوب مدينة سرت الساحلية وسط البلاد والتي سبق أن حررتها القوات الموالية لحكومة السراج من قبضة “داعش” عام 2016.

وأشار المصدر إلى أن “المسلحين الذين كانوا يتمركزون في بوابة بوهادي انسحبوا من البوابة دون وقوع أي اشتباكات بينهم وبين قوات الجيش الليبي”.

الصراع يصل إلى النهاية

بتاريخ 23 فبراير 2019 وتحت عنوان “الصراع على النفط في ليبيا يصل إلى النهاية”، كتب سيرغي مانوكوف، في “إكسبرت أونلاين”.

 “ما زال الوضع في ليبيا منذ ما يقرب من ثمان سنوات في قلب اهتمام المجتمع الدولي. العلاقات بين الحكومة في طرابلس وسلطات الشرق، التي يدعمها حفتر، وصلت إلى درجة من التردي تنبئ باستمرار الصراع السياسي والعسكري في البلاد في الأفق المنظور. ومن أجل حرمان حكومة طرابلس من مصدر الدخل، سيطر الجيش على كل حقول النفط والغاز الرئيسية في ليبيا، مع ازدياد احتمال تقدم حفتر صوب الغرب والجنوب للقضاء على المعارضة والإرهابيين.

ويرى المحللون أن هجوم حفتر على الجنوب، بحجة طرد المرتزقة الأجانب والإرهابيين، سيكون مقدمة للهجوم على طرابلس. وهكذا، فاندلاع المعارك يضع حدا لفكرة إجراء انتخابات عامة يدفعون بها في الأمم المتحدة.

ومما يشير إلى تعقيدات الوضع الليبي وحدته، مساهمة الدول الأجنبية فيه. فقد عززت تركيا وقطر، على سبيل المثال، دعمهما للشرطة والمليشيات المختلفة، أما حفتر فيعزز مواقعه بفضل الدعم المفتوح من مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة. هناك شائعات قوية جدا حول مشاركة الجيش المصري في العمليات في ليبيا، على الرغم من عدم وجود أدلة موثقة على ذلك. علما بأن مصالح موسكو في ليبيا أقل وضوحا مقارنة بمصالح القاهرة.. فروسيا لا تزال تحتفظ بعلاقات جيدة، ليس فقط مع خليفة حفتر، إنما ومع حكومة السراج.

في هذه المرحلة، لا يحتاج المشير حفتر إلى مؤتمر حول المصالحة الليبية أو انتخابات عامة. استراتيجيته الحالية واضحة: التخلص تدريجيا من خصومه، واحدا تلو الآخر، وفي الوقت نفسه، السيطرة الكاملة على المصدر الرئيس للدخل في ليبيا، أي حقول النفط والغاز. ويمكن لعجز حكومة السراج، العسكري والمالي، أن يدفع حفتر لتوجيه ضربة حاسمة، علما بأن معظم البلدان العربية، باستثناء قطر، تدعمه أو مستعدة لدعمه.

مصر وروسيا، وفقا لـمجلة النفط والاسعار، ستكسب الكثير إذا ما أمسك بالحكم في ليبيا مرة أخرى رجل قوي. القاهرة لها مصلحة في الاستثمار والأمن، لا يضمنها إلا جار مستقر، ولموسكو مصلحة في استئناف الوصول إلى الموانئ الليبية، الأمر الذي سيعزز مواقع روسيا في البحر المتوسط.

سيف الاسلام وليس حفتر

 تشير مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين، وكذلك في روما وباريس وخاصة بعد تبادلهما الاتهامات بينهما حول الرغبة في السيطرة على ثروات ليبيا، إلى أن وسائل الاعلام المهيمن عليها من طرف أنصار سياسة البيت الأبيض تحاول تغليط الرأي العام حول الشخص الذي يملك أفضل الحظوظ لقيادة ليبيا بعد نهاية ثمان سنوات من الفوضى، والأمر يتعلق بسيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل.

 يوم 3 مارس 2019 ذكر موقع روسيا اليوم أن نشطاء وطلاب جامعيون في طبرق شرقي ليبيا، نظموا وقفة احتجاجية طالبوا فيها بضرورة تفويض سيف الإسلام القذافي زمام أمور البلاد.

وأصدر المتظاهرون بيانا من داخل الحرم الجامعي في المدينة، شددوا فيه على ضرورة رأب الصدع الحاصل في البلاد، ولم شمل الليبيين، واستشهدوا بالصلح الحاصل بين قبيلتي القذاذفة وأولاد سليمان وغيرهما من القبائل.

ورفع المحتجون صورا لسيف الإسلام القذافي كما هتفوا بشعارات تمجده.

  قلة من الملاحظين ينكرون أنه بعد أشهر قليلة من تدخل حلف الناتو عسكريا سنة 2011 لإسقاط النظام القائم بقيادة معمر القذافي، أصبحت غالبية الليبيين تريد العودة بعقارب الساعة إلى الوراء ولا تبالي بوعود الغرب حول نظام ديمقراطي على الشكل الغربي.

يذكر أن حركة “مانديلا ليبيا” نشرت يوم السبت 15 ديسمبر 2018 نتائج استطلاع للرأي أجرته خلال فترة دامت 10 أيام، بشأن منصب الرئيس في ليبيا.

وكشفت النتائج أن 90 في المئة من المشاركين اختاروا تأييد سيف الإسلام القذافي رئيسا لإعادة بناء الدولة واستكمال المشاريع في البلاد.

وكان السؤال الذي طرحه الحراك هو “هل تؤيد المهندس سيف الإسلام القذافي رئيسا لإعادة بناء الدولة واستكمال مشاريع ليبيا الغد؟”.

وبحسب النتائج التي نشرتها الحركة على موقعها الرسمي، فقد شارك في الاستطلاع 71065 شخصا، وصوت ما نسبته 91.64 في المئة لصالح سيف الإسلام، فيما صوت بـ”لا” ما نسبته 8.36 من المشاركين.

الندم

 يوم الثلاثاء 18 أكتوبر ذكرت صحيفة “لو فيف” البلجيكية، إن غالبية الليبيين أصبح لديهم الحنين للرئيس الراحل معمر القذافي وإلى الأوضاع التي كانت عليها البلاد خلال فترة حكمة، وأن الكثير أصبح في ندم على خروجه على النظام والحرب ضده، وذلك بعد مرور خمس سنوات من وفاته وغرق البلاد في الحروب والفوضى والمجازر.

وقالت فايزة آل ناس صيدلانية: “لقد كنا في حياة مدهشة وأفضل هنا في ليبيا خلال ولاية القذافي وقبل موته”، وأكدت نحن أصبحنا نشعر بالخزي والعار من ناحيتين أولا من ناحية وقوفنا ضده باعتباره ديكتاتورا ولابد رحيلة، وثانيا وهو الاكثر أسفا وألما وهو الكم الهائل من الشباب الذى راح ضحية المواجهات والتحريض على  استخدام القوة، والذى لم نكن نعرف عواقبه التي نعيشها اليوم.

وقال ليبي آخر أنه بعد سقوطه الذى جاء بعد 42 عاما من وجوده في السلطة، أصبحنا نعيش في حالة من الفوضى العارمة وانعدام تام للأمن والاستقرار، كما ذكر المواطن الليبي عددا من المشكلات التي لم تكن تحدث خلال فترة القذافي وبات يشتكى منها الليبيون بإجماع وهى انقطاع المياه وكذلك الكهرباء وزيادة الطوابير على البنوك التي أصبحت تفتقر إلى السيولة المالية، كما أصبحت هناك صراعات ومقاتلات بين القبائل الليبية والتي لم تكن تحدث أيام القذافي، لذلك فلا يوجد ليبي لم يندم على الإطاحة بالقذافي، الإرهابيون الذين يدعون إنهم ليبيون، وأن لديهم العزيمة في إكمال مسيرتهم، وأكمل أن المستفيد الوحيد هم الإرهابيون أمثال تنظيميي القاعدة وداعش.

ووفقا للصحيفة، قال المحلل السياسي محمد الجراح إن الليبيين فى حالة من الندم والخزى إزاء الوضع الراهن والذين كانوا هم طرفا فيه.

وأشارت الصحيفة البلجيكية إلى ما قاله ماتيا تولدو المتخصص في الشأن الليبي بالمجلس الأوروبي أن تخيل ليبيا في وضع مستقر يعتبر مستحيلا إلا بعد مرور سنوات طويلة، بسبب تمزق النسيج الوطني والفرقة التي أصبحت تسود قبائلها، إضافة إلى رغبة أطراف النزاع السيطرة على الشعب والتفنن في سفك الدماء.

تحالفات متقلبة

  التحالفات الإقليمية والدولية تجاه ما يدور من صراع في ليبيا تعرف الكثير من التقلبات، فرنسا ساركوزي التي كانت أكبر الداعمين بعد واشنطن لتدخل حلف الناتو في ليبيا سنة 2011 على أمل تحقيق مكاسب من ضمنها منع كشف دعم طرابلس المالي للرئيس ساركوزي خلال حملته الانتخابية، انتقلت إلى مهادنة حكومة عبد الله الثني وقائد الجيش حفتر بعد أن دخلت في صراع مع إيطاليا حول كيفية تقاسم المصالح وبعد أن انحازت روما للمشروع الأمريكي. الفرنسيون كشفوا كيف أن الأجهزة الأمريكية وعبر غرفتي عمليات في السفارتين الأمريكييتين في روما وتونس تنسقان الحراك في ليبيا وتدعمان تنظيمات مسلحة تعمل ضد المصالح الفرنسية ليس في ليبيا وحدها بل في كل منطقة الساحل وخاصة مالي والنيجر، كما يستخدم البيت الأبيض نفوذ إسرائيل في عدد من الدول الأفريقية ومنها تشاد لهدم المصالح والمخططات الفرنسية.

يشار إلى أنه بتاريخ 30 يوليو 2018 ذكرت صحيفة “لاستامبا” الإيطالية في تقرير لها، أن هناك تحالفا بين إيطاليا وواشنطن فيما يخص الأزمة الليبية، بهدف تقويض النفوذ الفرنسي الملحوظ في ليبيا.

وأضافت الصحيفة، إن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي تعهد خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدم سحب القوات الإيطالية العاملة في أفغانستان، مقابل الحصول على دعم واشنطن المباشر في ليبيا وعلى جبهة شمال إفريقيا. وأضافت: “كونتي سيشكو لترامب سعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توسيع النفوذ الاستراتيجي لبلاده على حساب إيطاليا في ليبيا”.

ومثلت القمة الأمريكية الإيطالية أول لقاء بين ترامب ورئيس حكومة يسيطر عليها الشعبويون بالكامل في أوروبا، مما يعطيها بعدا مهما وخصوصا للمسؤولين الأوروبيين الذين يتابعون هذا التحرك بتوجس.

وأشارت “لاستامبا” إلى أن البيت الأبيض سيدعم موقف إيطاليا بشأن تأجيل انتخابات ليبيا، وهو تاريخ حددته فرنسا خلال اجتماع باريس الذي جمع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج.

وأوضحت الصحيفة، أن كونتي يعتزم إضفاء الطابع الرسمي على دور إيطاليا في ليبيا من خلال دعم إدارة ترامب لمؤتمر روما حول ليبيا بحضور أطراف إقليمية ودولية.

وأكدت الصحيفة، أن روما تسعى لأن تظل صاحبت الدور المحوري في الملف الليبي، كما تسعى للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية في ليبيا، فضلا عن إدارتها لملف الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

 بتاريخ 28 يناير 2019 جاء في تحليل نشرته صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن: التلاسن الإيطالي الفرنسي، حول ليبيا، يفسر حالة الصراع الفرنسي الإيطالي، فقد كشف هذا الأمر عن حالة حرب بالوكالة بين الفرنسيين والإيطاليين، المستعمرين السابقين لليبيا، ولهذا لا يزال الصراع محتدما بينهما، فكلاهما يحاول اختزال ليبيا في بئر بترول، ويتصارعان عليه.

فإيطاليا تستورد 48 في المائة من استهلاكها من النفط من ليبيا، وأكثر من 40 في المائة من الغاز، هي وراء سيل الشتائم، التي أطلقها وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني إذ قال: “إن مانويل ماكرون، سيكون مخطئا فيما لو اعتقد أن ليبيا تخصه، فليبيا لها علاقة مميزة تاريخيا مع إيطاليا، ولن نتخلى عنها أبدا”. ومما قال أيضا: “العلاقة مع ماكرون ممتازة وتتسم بالصداقة، ولكن ماكرون يسعى للدفاع عن المصالح الفرنسية، بينما واجبي أن أحمي المصالح الإيطالية” لترد عليه ناتالي لوازو الوزيرة الفرنسية المكلفة الشؤون الأوروبية بالقول: “إن فرنسا لن تشارك في مسابقة الأكثر غباء”، بينما وصفها مكتب ماكرون بالتصريحات “السخيفة”.

هذا التلاسن يؤكد أن الصراع بينهما في ليبيا، هو صراع مصالح وحمايتها، وليست من بسبب اختلاف رؤى من أجل استقرار ليبيا، الاستقرار الذي ليس ضمن أجندة قادة البلدين، خاصة أن إيطاليا تتعاون مع الميليشيات وجماعة الإخوان، الراعي الرسمي للتنظيمات الإرهابية، وتريد أن يتسلم الإخوان السلطة، ولكون الانتخابات في الوقت الحالي، ليست في مصلحة جماعة الإخوان، ولهذا السبب تقوم إيطاليا بالتحرك الدولي والتأثير والضغط لتأخيرها، لذا لم توافق إيطاليا على ما تمخض عنه مؤتمر باريس بإجراء انتخابات في ليبيا، ليس فقط لمناكفة فرنسا كعادتها، ولكن لمعرفتها المسبقة بخسارة جماعة الإخوان، التي تقاطعت مصلحة إيطاليا معها، فسعت إلى تمكينها من حكم ليبيا.

في سباق التلاسن، فقد سبقتهم عام 2018، وزيرة الدفاع الإيطالية، إليزابيتا ترينتا، التي حذرت السلطات الفرنسية، بالقول لنظيرتها الفرنسية، فلورنس بارلي “لنكن واضحين، القيادة في ليبيا لنا”.

الحقيقة أن فرنسا وإيطاليا وبريطانيا ما زالت تنظر إلى ليبيا نظرة استعمارية، وليس كدولة مستقلة ذات سيادة، وهذا ما أكدته صحيفة “لاستامبا” الإيطالية من “أن الدور الفرنسي في ليبيا يهدد الأمن القومي الإيطالي نفسه”، ووصفته بأنه “تهميش لإيطاليا في المغرب العربي”.

بينما تحاول أن تنفرد فرنسا بالجنوب، الذي تعتبره إرثها التاريخي بليبيا، ولكن تحرك الجيش الليبي وسيطرته على عاصمة الجنوب الغربي سبها، واستعادة كبرى القواعد العسكرية قاعدة تمنهنت، سيجعل من أطماع فرنسا وغيرها في الجنوب مجرد سراب، يحسبه الظمآن ماء.

في طبرق الليبية أكد عضو البرلمان الليبي، صالح فحيمة، أن “إيطاليا تأمل في القسم الأكبر من “الكعكة” الليبية كونها المستعمر القديم، ونواياها لا تخفى على العالم فضلا عن الليبيين أنفسهم، لكن مسألة التفويض الأمريكي فهو بمثابة “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق”.

وأشار في تصريحات لـ”عربي21″، أن أقل ما يقوم به الطرفان هو المساهمة في رفع حظر التسليح المفروض على الجيش الليبي”.

وقال الكاتب والباحث السياسي الليبي، عزالدين عقيل، إن “إيطاليا في حاجة إلى استغلال ليبيا لإصلاح اقتصادها المتردي، وذلك عبر نهب النفط والغاز الليبي، وتم من قبل سرقة غاز ليبي عبر الحكومة الإيطالية وهذا مثبت، وكذلك سرقة الثروة السمكية”.

وأوضح في تصريحات لـ”عربي21″، أن “إيطاليا سعت وجمعت الدول الكبرى وضغطت في كل الاتجاه حتى تعود قضية ليبيا إلى الأمم المتحدة لمنع فرنسا من التفرد بليبيا، وكل ذلك يتم في إطار الاتفاقات السرية ما بين إيطاليا والرئاسي الليبي برعاية واشنطن”.

يذكر أنه بتاريخ 5 مارس 2016 تحدث السفير الأمريكي في إيطاليا جون فيليبس، عن عزم الحكومة الإيطالية إرسال خمسة آلاف جندي من جيشها إلى ليبيا، لتأمين العاصمة طرابلس. وأضاف فيليبس في تصريح لصحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية، إن “مساهمة القوات الأمريكية لم تتم مناقشتها بعد”، مؤكدا في الوقت ذاته على “المشاركة الاستخباراتية”.

وحتى يتم فهم آلية التعامل الإيطالي مع الوضع الغامض لقواتها في ليبيا تجدر الإشارة إلى إقرار نص تشريعي في عام 2016 يتيح إرسال قوات إيطالية خاصة الى مناطق نزاع بهدف القيام بمهام سرية لمكافحة الإرهاب تحت مظلة المخابرات الإيطالية وليس الجيش وهو ما يعنى أن الأمر لن يتطلب موافقة البرلمان، كما يتم إلزام البرلمان ـ في حال عرض أمر العملية على اللجنة المختصة بالإشراف على أعمال المخابرات ـ بعدم الإعلان عن هذا الأمر، وذلك على النقيض من العمليات العسكرية التابعة للجيش والتي تتطلب موافقة البرلمان. وبالتالي صرح وزير الخارجية الإيطالي في ذلك الحين باولو جنتيلوني لصحيفة “كوريرى ديلا سيرا” : “ليس لدينا مهمة عسكرية في ليبيا. لو كان الأمر كذلك لتم إبلاغ البرلمان”. ولكن عندما تم التساؤل عن علاقة تلك القوات بعمليات المخابرات الإيطالية، رد جنتيلونى على الفور : “لا أعلق على العمليات المصنفة أسرارا دفاعية”.

سياسة العدوان

 يوم 2 مارس 2019 صرح رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف أن الولايات المتحدة وحلفاؤها يعملون على تنفيذ أعمال عسكرية هجومية من أجل القضاء على الدول غير المرغوب فيها، وتغيير السلطات المنتخبة بشكل قانوني هناك، فقط لأنها لا تنال إعجابها، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، حددت الاتجاه العدواني لسياساتها الخارجية.

وأضاف: “وضعت هذه الدول، خططا عسكرية هجومية، مثل “الضربة العالمية الشاملة”، و”معارك متعددة المستويات”. وهي أيضا تستخدم تكنولوجيات “الثورات الملونة” و”القوة الناعمة”. وتهدف كل هذه الخطط والتكنولوجيات، إلى تصفية كيانات الدول في البلدان غير المرغوب فيها، والقضاء على سيادتها وتغيير السلطات المنتخبة شرعيا فيها”.

وذكر النائب الأول لوزير الدفاع الروسي، غيراسيموف: “وتم تطبيق هذه الخطط والتكنولوجيات، في العراق وليبيا وأوكرانيا. ويجري في الوقت الراهن، تطبيق تدابير مماثلة في فنزويلا”.

مثل نجاح الولايات المتحدة عبر حلف الناتو في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في ليبيا عام 2011 ضربة موجعة لـموسكو على الصعيد الجيوإستراتيجي، فالنظام الليبي له تاريخ طويل في التعاون مع الاتحاد السوفياتي وبقي محسوبا كحليف لروسيا رغم محاولة القذافي التوجه غربا.

وصل القذافي إلى السلطة عام 1969 بثورة على حكم الملك إدريس السنوسي في ذروة الحرب الباردة وحقبة الأحلاف السياسية والعسكرية محملا بتوجهات قومية واشتراكية ومناهضا للسياسات الأمريكية والغربية، وكان الاتجاه إلى المعسكر السوفياتي خيارا عسكريا وسياسيا في تلك الحقبة.

وجاءت زيارات العقيد الراحل إلى موسكو أعوام 1976و1981 و1985 تعبيرا عن عمق العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، حيث أبرمت صفقات عسكرية كبيرة، كما كانت المنتجات والشركات الروسية في قطاعات النفط والبنية التحتية تتمتع بالأفضلية في السوق الليبية.

وشهد التعاون الاقتصادي والتجاري الليبي السوفياتي تطورا كبيرا في الفترة بين 1970 و1990 وأقامت روسيا خلالها عددا من المشاريع في ليبيا، منها مركز للبحوث الذرية ومشاريع طاقة كهربائية وخطوط أنابيب غاز، كما جرى حفر مئات آبار النفط من قبل الشركات الروسية.

 وعلى الصعيد العسكري كانت ليبيا من أكبر أسواق السلاح السوفياتي والروسي، وعقدت صفقات عديدة تقدرها بعض التقارير بأكثر من 22 مليار دولار كان آخرها سنة 2010 في اتفاق بلغت قيمته نحو 1.8 مليار دولار.

وأتت التطورات السياسية والأزمة الاقتصادية بعيد تفكك الاتحاد السوفياتي في ديسمبر 1991 لتلقي بظلالها السلبية على علاقات البلدين، وساهم قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على ليبيا في عام 1992 في فتور العلاقات بين موسكو التي كان يحكمها بوريس يلتسين وطرابلس.

ويشير محللون روس إلى أن العقيد الراحل معمر القذافي لم ينس لروسيا يلتسين أنها أيدت ضمنيا الحظر الذي فرضه الغرب على ليبيا على خلفية ما عرف بـقضية لوكربي، ولم تبذل ما كان منتظرا منها كحليفة قوية له للتخفيف من أعبائه وتبعاته السياسية والاقتصادية.

 ومع مجيء الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 في أعقاب حقبة الرئيس بوريس يلتسين (يونيو 1991 إلى ديسمبر 1999) بذلت موسكو جهودا كبيرة لتطوير العلاقات مع ليبيا، لكن وتيرة التعاون ظلت بطيئة رغم تطورها النسبي.

فبعد رفع العقوبات الدولية على ليبيا نهائيا عام 2003 بدأت محاولات القذافي التوجه غربا ونسج علاقات أفضل مع فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، وبدأ دخول شركات النفط والغاز مثل “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية منافسا لغاز بروم الروسية العملاقة، كما بدأت الشركات الأمريكية تجد طريقها إلى ليبيا.

 الأمر انتهى بإنقلاب الغرب على القذافي قبل أن يستطيع الاستفادة التوازنات التي خلقتها عودة روسيا إلى ساحة الصراعات الدولية ورفضها نظام القطب الواحد الأمريكي. موسكو ومن أجل استعادة ما خسرته في المنطقة العربية بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي اختارت دعم القوى الليبية التي تتواجه مع الولايات المتحدة، أي حكومة عبدالله الثني وقيادة الجيش الوطني الليبي المشير حفتر وسيف الاسلام القذافي الذي نجح في استقطاب تأييد جزء كبير من الشعب الليبي.

طلب دعم موسكو

 بتاريخ 15 يناير 2019 أكد سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، أن حكومة روسيا تتفهم حقيقة الوضع في ليبيا، وتدعم الحل السياسي في البلاد بمشاركة كافة الأطراف الليبية.

وقال القذافي الابن في رسالة لرئيس اللجنة الروسية للتضامن مع الشعبين الليبي والسوري، سيرغي بابرون، إن “روسيا تدعم جهود السلام التي ترمي إلى إحلال الأمن والاستقرار في ليبيا من جديد”.

وكان خالد الزايدي محامي سيف الإسلام القذافي قد أكد في تصريحات سابقة لموقع روسيا اليوم، أن نجل الزعيم الليبي الراحل بعث إلى القيادة الروسية برسالة رسمية يطلب فيها دعم موسكو لحل الأزمة في ليبيا.

وقال الزايدي إن هناك ردا روسيا “جيدا” على رسالة سيف الإسلام القذافي، مؤكدا أن لموسكو مكانة مرموقة لدى الشعب الليبي كونها لم تتلوث مثل غيرها بدماء الليبيين ولم تشارك في أي قرار أو عدوان ضد ليبيا.

بتاريخ 14 فبراير 2019 كشف محمد الغدي منسق الفريق السياسي لـسيف الإسلام ما يرتجيه وأنصاره من موسكو، مشيرا إلى مطلب مساعدة الليبيين للخروج من أزمتهم، واستقرار البلد وتوحيد مؤسساته.

وشدد الغدي على أن “روسيا وبحكم عضويتها في مجلس الأمن وحياديتها تجاه الكيانات في المشهد الليبي، بالإمكان الاعتماد عليها والمساهمة الفاعلة لها في حل المشكلة الليبية وهذا ما لمسناه من خلال مواقفها المعلنة”.

وفي إجابة عن سؤال حول الموقف من القيادة العامة للجيش الليبي ومن مجلس النواب والحكومة المؤقتة في شرق ليبيا، ومن حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، قال الغدي أن “التشظي في المشهد الليبي والانقسام بين الكيانات القائمة من حكومات وبرلمانات ومؤسسات وعدم اتفاقهم يجعل من الصعب تحديد موقف من أي من تلك الكيانات، بل الحياد أفضل في ظل تغييب رأي الشعب الليبي صاحب الكلمة العليا”.

وحول إمكانية إعادة تشكيل الجيش الليبي السابق، وخاصة وحدات النخبة، لفت إلى أن “مؤسسة الجيش استهدفت من الناتو في 2011، وتم تدمير بنيتها التحتية، وتحتاج بالدرجة الأولى وكذلك المؤسسة الأمنية إلى إعادة بنائها بشكل علمي صحيح وتوحيدها للحفاظ على سيادة الدولة وأمنها”.

ورد الغدي على سؤال حول ترشح سيف الإسلام للانتخابات المقبلة بالقول: “بغض النظر عن ترشحه من عدمه فهذا قرار يخصه، رغم المطالبات المتعددة من الليبيين بضرورة قيادته للمراحل القادمة.

واشنطن تخسر

 في واشنطن أورد موقع بلومبيرغ بتاريخ 21 ديسمبر 2018 أن روسيا لديها فرصة التحالف مع رجل قوي آخر لحكم ليبيا، بعد أن أصبح سيف الإسلام القذافي شهر ديسمبر آخر شخص في صف طويل من الليبيين الساعين لدعم الرئيس فلاديمير بوتين الذي عزز دور بلاده في ليبيا.

وأوضح الموقع أنه مع غياب الولايات المتحدة حسب تقديره، وجد الكرملين فرصة ليكون صانع القرار الرئيسي في ليبيا التي تفتقر للقيادة منذ الإطاحة بالعقيد الراحل معمر القذافي في 2011، كما أن الانسحاب الأمريكي من سوريا سيشجع موسكو على استمرار نهجها في ليبيا.

ونسب بلومبيرغ إلى دبلوماسيين أوروبيين اثنين قولهما إن روسيا تبدو كأنها ترمي بثقلها مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لكنها في الحقيقة ظلت تبني بهدوء علاقات مع جميع القوى المتنافسة، وقد جعلها ذلك المستفيد الأكثر من أي قوة خارجية أخرى، إذ إن الدول الخارجية يدعم كل منها فصيلا داخليا واحدا.

 وبينما تقف في وجه مسعى سيف الإسلام إلى السلطة قضايا قانونية، يقول محمد الجرح المؤسس المشارك للمركز الليبي للتوقعات والاستشارات بطبرق إن الخيار الأفضل بالنسبة لروسيا هو أن تدعم شخصا ينتمي لنظام القذافي، نظرا إلى توفر المعرفة الجيدة المتبادلة والتعامل الطويل بينهما لعقود.

وبالنسبة لبوتين الذي أدان بشدة الحملة العسكرية لدول حلف الناتو التي أطاحت بنظام القذافي، فإن الحفاظ على روسيا لاعبا رئيسيا في ليبيا سيعزز وزن بلاده على حساب واشنطن، كما يفتح الباب لإبرام عقود لإعادة التعمير بمليارات الدولارات، والحصول على نصيب في ثروة ليبيا النفطية الكبيرة وربما قاعدة بحرية جديدة على البحر الأبيض المتوسط.

 وقال رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية الحكومي الروسي إليكساندر دينكين إن الغرب فعل كل ما يستطيع لتظل ليبيا في فوضى، لكن جميع الفرقاء في ليبيا الآن يثقون بموسكو.

ونقل الموقع عن دبلوماسيين قولهم إن روسيا أدخلت تغييرا على إستراتيجيتها عام 2017، فبالإضافة إلى دعمها لحفتر، سعت لدعم حكومة طرابلس ومراكز قوى أخرى، بما في ذلك منطقة مصراتة الغربية.

وظل حفتر من الزوار المنتظمين لموسكو منذ 2016، لكن رئيس الوزراء في طرابلس فايز السراج وكبار المسؤولين الليبيين الآخرين أصبحوا يزورون موسكو كثيرا أيضا.

ويبدو أن إستراتيجية روسيا تجاه ليبيا قد بدأت تأتي أكلها، إذ بدأت موسكو تتباحث مع ليبيا على تنفيذ مشروعات مليارية في مجالا السكة الحديدية والنفط وتزويد البلاد بالقمح.

ومن الواضح بحسب بلومبيرغ أن موسكو عززت وجودها وعلاقاتها في ليبيا كثيرا، في الوقت الذي تبدو فيه الولايات المتحدة في حالة انسحاب منها ومن غيرها من دول العالم، مضيفا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوقت الذي كان فيه يعمل على وضع إستراتيجية جديدة في أفريقيا، أرسل إلى مؤتمر حول ليبيا في روما شهر نوفمبر 2018 ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى بالإنابة، بينما أرسل بوتين رئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف إليه.

ومضى الموقع يقول إن شخصا في موسكو أكد له أن الاتصالات الروسية بسيف الإسلام بدأت فور الإفراج عنه، حيث تحدث معه ممثلون روس بالفيديو وهو في مكان لم يكشف عنه، ورفضت وزارة الخارجية الروسية التعليق على هذه المعلومات.

وأضاف أن ممثلين لسيف الإسلام التقوا ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي أوائل شهر ديسمبر 2018، وسلموه رسالة إلى بوتين تتضمن رؤيته السياسية لليبيا وفيها طلب للدعم السياسي الروسي.

ونسب الموقع إلى الشخص ذاته في موسكو قوله إن سيف الإسلام يبحث أيضا عن دعم مالي ووساطة روسية بينه وبين مراكز القوى الليبية الأخرى، لدعم تطلعه في أن يصبح رئيسا للبلاد.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here