عمر نجيب: هل تنجح ليبيا في الخروج من متاهة مؤامرة الفوضى الخلاقة؟ تدفق الأسلحة والمرتزقة يصنع قاعدة لتمزيق كل الشمال الأفريقي

عمر نجيب

  يوم الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 ضبطت سلطات الجمارك الليبية ترسانة ضخمة من الأسلحة بعد أن افرغتها سفينة قادمة من تركيا في ميناء الخمس الليبي، وتبعد مدينة الخمس 120 كلم شرق العاصمة الليبية طرابلس، وتضم واحدا من أكبر الموانئ في البلاد .

وأوضح محمد الأخضر عضو المجلس البلدي لمدينة الخمس لوكالة فرانس برس يوم الخميس أن “الأجهزة الأمنية بالميناء أبلغتنا بضبط حاويتي أسلحة داخل الميناء قادمة من تركيا”.

واضاف “الحاويتان تحمل بيانات شحنة مواد بناء “سيراميك”، لكن تبين أنها تحتوي على أسلحة وذخائر”.

وتعد هذه الواقعة الثانية خلال أقل من عام، بعدما أعلنت اليونان في يناير 2018 ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا بحوالي 500 طن من المتفجرات.

 وفي ذلك الحين كشف مصدر ليبي مطلع على التحقيقات أن عملية نقل المتفجرات من تركيا إلى مصراتة عن طريق الباخرة التركية كانت بإشراف قيادات الجماعة الليبية المقاتلة وعلى رأسها عبد الحكيم بلحاج وبتنسيق مع صلاح بادى وقادة الكتائب المسلحة فى المدينة.

وكشف المصدر ذاته عن عقد المخابرات التركية اجتماعات مكثفة خلال الأسابيع السابقة لكشف الشحنة مع قادة الجماعة الليبية المقاتلة للسيطرة على العاصمة.

رحلة سفينة

 صحيفة المرصد الليبية قالت إنها اطلعت على وثيقة، “تتحفظ على نشرها حفاظا على سرية وسلامة المصادر”، تشير إلى أن “هذه السفينة التي أفرغت حمولة الأسلحة في ميناء الخمس يوم الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 مملوكة لشركة تركية وتحمل اسم “بي اف إيسبرانزا” وترفع علم دولة أنتيغوا وباربودا..”.

ووفق المصدر نفسه، “أبحرت السفينة يوم 25 نوفمبر من ميناء مرسين فى جنوبي تركيا ومنه إلى عدة موانئ تركية أخرى حتى وصلت إلى ميناء إمبرلي الواقع في الشطر الأوروبي من إسطنبول إلى الغرب من مطار أتاتورك الدولي”.

وتضمنت شحنة الأسلحة أكثر من مليوني “طلقة مسدس تركي من عيار 9 ملم”، ونحو 3 آلاف “مسدس من عيار 9 ملم و120 مسدس بيريتا و400 بندقية، فيما بلغ إجمالي عدد طلقات المسدسات 2.3 مليون طلقة، ليكون بذلك إجمالي الطلقات على متن حاويتين 4.8 مليون طلقة”.

وحسب الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة المرصد، فإن الشركتين اللتين استوردتا هذه الحاويات إلى ليبيا هما “السحب وناردين الحياة، ولا يعرف على وجه التحديد ملاكهما بسبب حجب إدارة السجل لمنظومة الشركات على الإنترنت”.

وأكدت المرصد أن “الحمولة التركية المنشأ مصنعة من قبل شركة “زوراكي” التركية للصناعات الحربية وشركة “ريتاري”  التركية للنظم الدفاعية”.

 يوم 20 ديسمبر ذكرت وكالة فرانس برس أن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي التابع لحكومة عبدالله الثني المنبثقة عن البرلمان الليبي المنتخب صيف سنة 2014 والتي يوجد مقرها في مدينة بنغازي شرق ليبيا طالب الأمم المتحدة بفتح “تحقيق فوري” بشأن تهريب أسلحة من تركيا إلى ليبيا.

وقالت هيئة القيادة العامة للجيش الليبي ان الشحنتين “مصدرهما تركيا” وتحويان “اكثر من 4.2 ملايين رصاصة كافية لقتل نحو ثمانين في المئة من الشعب الليبي”، اضافة الى “الاف المسدسات والبنادق”.

ويتهم حفتر قطر وتركيا والسودان بإرسال أسلحة إلى خصومه وخصوصا التنظيمات المحسوبة على ما يسمى تيار الإسلام السياسي، في حين يتهم هؤلاء الإمارات ومصر وروسيا بدعم حفتر عسكريا.

اتهامات الجيش الليبي لتركيا بإنها داعمة للكثير من التحركات المناهضة لاستقرار ليبيا تستمر يوميا، وكان أخرها تصريحات للمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الليبية العميد أحمد المسمارى، أكد فيها أن الدعم التركي للعصابات الإرهابية في ليبيا ليس بجديد، وأن تركيا تدعم العنف ليس في ليبيا فقط بل وكل دول المنطق، مشيرا إلى أن الدور التركي كبير جدا في دعم التطرف والعنف في سوريا والعراق.

 يوم 22 ديسمبر قالت الحكومة الليبية المدعومة من الغرب عبر الأمم المتحدة وما يسميه البعض المجتمع الدولي في بيان رسمي، إنها وحكومة تركيا اتفقتا على فتح تحقيق مشترك وعاجل بشأن شحنة الأسلحة التي وصلت من تركيا وضبطت.

وأصدرت الحكومة التي يوجد مقرها في القاعدة البحرية “أبوستة” قرب العاصمة البيان بعد مباحثات في طرابلس بين رئيس الوزراء فائز السراج ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي حل فجأة بليبيا، فيما قال محللون أنها محاولة للتخفيف من وقع كشف شحنة الأسلحة.

ونقل البيان عن جاويش أوغلو قوله إن أنقرة ترفض مثل هذه الأفعال ”التي لا تمثل سياسة الدولة التركية ولا نهجها“.

 والمعروف أن حكومة أنقرة تناهض حكومة عبدالله الثني وتناصر السراج وحلفائه من الحكومة التي سبقته برئاسة خليفة الغويل والتي يهيمن عليها تيار الاخوان والتي خسرت غالبيتها البرلمانية في انتخابات 25 يونيو 2014 ولكنها رفضت الاعتراف بهزيمة تيارها.

ليبيا وتصدير الفوضى

 سجلت عدة مصادر رصد أوروبية منذ منتصف شهر يناير 2018 وخاصة في كل من برلين وموسكو تصاعدا ملحوظا في حركة إنتقال لمئات من مسلحي منظمات توصف بالجهادية كانوا يقاتلون في كل من سوريا والعراق أو يقيمون في تركيا ودول مجاورة في إنتظار اوامر من جهات تمولهم وتجندهم إلى الأراضي الليبية عبر منافذ متعددة منها الرسمية وغيرها خاصة على الساحل المتوسطي أو عبر الحدود الجنوبية الطويلة خاصة من التشاد والنيجر. خبراء ومحللون أشاروا إلى أن هذا التطور كان متوقعا خاصة على ضوء الانتكاسات التي تكبدتها التنظيمات المسلحة الموصوفة بالجهادية أحيانا وبالإرهابية حينا آخر في كل سوريا والعراق ومحاولتها إستعادة قوتها ودورها، وكذلك بسبب سعي موجهي ومؤطري وممولي هذه التنظيمات لتعويض خسائرهم على ساحة بلاد الشام وبلاد الرافدين ونقل مشروعهم للفوضى الخلاقة إلى ساحات جديدة بهدف إستكمال جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد والقاضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية ودينية وقبلية ومناطقية.

 الفوضى الخلاقة هو مصطلح سياسي عقدي يقصد به تكون حالة سياسية بعد مرحلة فوضى متعمدة، الإحداث فيها يقوم بها جماعة أشخاص معينة بدون الكشف عن هويتهم وذلك بهدف تعديل الأمور لصالحهم، أو تكون حاله إنسانية مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة من أشخاص معروفة من أجل مساعدة الآخرين في الاعتماد على أنفسهم.

ولعل أبسط تعريف اصطلاحي لتعبير الفوضى الخلاقة هو أنها “حالة سياسية أو إنسانية، يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث، ولذلك فهي إحداث متعمد لفوضى بقصد الوصول إلى موقف أو واقع سياسي يرنو إليه الطرف الذي أحدث الفوضى”.

 في مطلع عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية “كونداليزا رايس ” في ذلك الوقت بحديث صحفي لجريدة واشنطن بوست الأمريكية، كشفت فيه عن نية الولايات المتحدة نشر ما وصفته بالديمقراطية في العالم العربي والبدء بتشكيل ما يعرف ب “الشرق الأوسط الجديد “، كل ذلك عبر نشر ” الفوضى الخلاقة ” في الشرق الأوسط عبر وسائل الإدارة الأمريكية .

على الرغم من وجود هذا المصطلح في أدبيات الماسونية القديمة حيث ورد ذكره في أكثر من مرجع وأشار إليه الباحث والكاتب الأمريكي دان براون إلا أنه لم يطف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش في تصريح وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس.

 يقول محلل عربي عن الفوضى الخلاقة، إنها أقرب إلى مفهوم “الإدارة بالأزمات” المتعارف عليه في هذا المضمار، أي افتعال الأزمة أولا، ثم العمل على إدارتها بالتدريج لبلوغ مصالح محددة سلفا. إنها تفكيك للمنظومة المعنية بطريقة تتيح الولوج إلى مكوناتها الأساسية وعناصرها الصلبة والرخوة، لتقويضها جزئيا أو كليا وإعادة تشكيلها مجددا بما يخدم تلك المصالح حالا أو في المدى المنظور.

صراع جناحين

 ما بين جهود تفتيت وتقسيم وتحويل ليبيا إلى دولة فاشلة ومنصة تصدير الفوضى إلى كل دول المغرب العربي ودول منطقة الساحل، ومحاولات إعادة الاستقرار إلى هذا البلد، تتبلور محاور صراع أمريكي روسي ممزوج ومطعم بتحالفات إقليمية ومحلية.

 يقدر عدد من المحللين أن أحد مفاتيح إنهاء الفوضى في ليبيا هي شحن الدعم الشعبي وراء شخص يستطيع أن إنهاء عمليات الاستقطاب المدعمة من قوى أجنبية للسكان وراء تنظيمات وجماعات مختلفة.

 يوم 12 ديسمبر 2018 أصدرت حركة مانديلا ليبيا بيانا بشأن منصب الرئيس في ليبيا.

وقالت الحركة إن 90 في المئة من المشاركين في التصويت على سؤالها “هل تؤيد المهندس سيف الاسلام القذافي رئيسا لإعادة بناء الدولة واستكمال مشاريع ليبيا الغد؟”، اختاروا تأييد سيف الإسلام القذافي رئيسا لإعادة بناء الدولة واستكمال المشاريع في ليبيا”، حسب الموقع الرسمي للحراك.

وشارك في الاستفتاء، بحسب البيان، 71065 شخصا، وصوت ما نسبته 91.64 في المئة لصالح سيف الإسلام، وصوت بـ”لا” ما نسبته 8.36 من المشاركين.

يذكر أن سيف الإسلام القذافي لم يظهر إلى العلن منذ أن أعلن عن إطلاق سراحه من سجنه في مدينة الزنتان، جنوب مدينة طرابلس في يونيو 2017، حيث كان معتقلا منذ تدخل قوات حلف الناتو للإطاحة بنظام والده الراحل معمر القذافي عام 2011 تحت غطاء دعم الثورة ضده.

مواجهة متجددة

 تفيد مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين وأخرى في باريس أنه بينما تتأرجح مخططات واشنطن ما بين تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات أو في فرض نظام فيدرالي فضفاض تحت قيادات جماعات الاخوان المتحالفة معها وتدعمها في ذلك أساسا أنقرة، ترغب موسكو وعدد من دول الجوار في تمكين سيف الاسلام والمشير حفتر ودعم استقرار ووحدة أراضي ليبيا في ظل حكومة مركزية قوية كما كان العهد قبل تدخل حلف الناتو.

 يوم 25 ديسمبر 2018 أكد رئيس مجموعة الاتصال الروسية لتسوية الأزمة الليبية، ليف دينغوف، وجود اتصالات بين روسيا وسيف الإسلام القذافي، ولفت دينغوف أن هذه الشخصية الليبية لديها اعتبارات ووزن سياسي في بلاده، ولذلك سيكون ضمن الأطراف المشاركة في العملية السياسية الليبية.

وقالت وزارة الخارجية الروسية، يوم الاثنين 24 ديسمبر، إنه من حق سيف الإسلام القذافي أن يكون جزءا من العملية السياسية في ليبيا. وأضافت أنه فيما يتعلق بدعم موسكو لنجل القذافي خلال الانتخابات في ليبيا: “لا يمكن حرمان أي شخص من حق المشاركة بها ونحن ندعم الجميع”.

كما أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أن موسكو ترى أنه لا يمكن حرمان أي شخص من حق المشاركة في الانتخابات الرئاسية في ليبيا، وسيف الإسلام القذافي يجب أن يكون جزءا من العملية السياسية الشاملة.

وعما إذا كان سيف الإسلام القذافي قد طلب دعم موسكو في الانتخابات قال بوغدانوف لوكالة “سبوتنيك”: “تاريخيا، هذا مجتمع قبلي، أي أن موقف القبائل المختلفة له أهمية كبيرة، لذلك أعتقد أن الدكتور سيف الإسلام وأولئك الذين يدعمونه هم قبائل معينة في أجزاء معينة من البلاد، وكل هذا يجب أن يكون جزءا من العملية السياسية الشاملة، بمشاركة الأحزاب السياسية الأخرى الموجودة في طبرق، وطرابلس، ومصراتة”.

 يوم 30 ديسمبر أكدت مصادر مقربة من سيف الإسلام القذافي، أنه سيظهر في ليبيا للعلن بداية سنة 2019، وربطت المصادر بين ظهوره وتحديد موعد الانتخابات الليبية، وأنه سيتقدم أوراق ترشحه للجنة بنفسه، كما أنه سيعقد سلسلة من المؤتمرات للتعريف ببرنامجه الانتخابي.

وأفادت هذه المصادر في تصريحات خاصة إلى “سبوتنيك” إن فريق سيف الإسلام يعمل بشكل كبير في الوقت الحاضر على مشروعه الانتخابي، وأنه يتضمن رؤية كاملة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ليبيا، كما أنه سيحدد الفترات المرحلية للمشروع لتحقيق خطواته على أرض الواقع.

وتابعت المصادر أن سيف الإسلام يجرى اتصالات مع عدة جهات في الداخل الليبي ومشايخ القبائل، وأنه يسعى إلى تسوية الأوضاع السياسية أولا وإنهاء الخلافات وتوحيد الدولة الليبية للبدء في العمل على المشروع الاقتصادي، كما أنه يتواصل مع عدد من الدول الداعمة للاستقرار في ليبيا من خلال فريقه، وأنه طرح رؤيته للخروج من الأزمات الراهنة في ليبيا، وكذلك فيما يتعلق بالملفات الدولية.

نهاية حقبة

 جاء في تحليل نشرته يوم 18 ديسمبر صحيفة رأي اليوم الصادرة في لندن:

عادَ اسم المهندس سيف الإسلام القذافي نَجل الزعيم الليبي الراحل يتردد بقوة كأحد أبرز المرشحين لخوضِ الانتخابات الرئاسية الليبية التي مِن المتوقع أن تجرِي في ربيع سنة 2019 تحت إشراف الأُمم المتحدة، ويبدو أنه يحظى بدعمٍ كَبير من قبل قوى دولية وعربية أبرزها روسيا الاتحادية.

وإذا صحت نتائج الاستفتاء الذي أجرته وأعلَنت نتائجه حركة “مانديلا ليبيا”، فإن هذا يعني أنه يملِك حظوظا لا بأس بِها للفَوز بسبب حنين جزء كبيرٍ مِن الليبيين إلى مرحلة الاستِقرار التي عاشتها البِلاد قبل فبراير عام 2011.

 خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا قال “إن سيف الإسلام “ليس نزيها” بِما يكفي من الناحية القانونية ليترشح للرئاسة”، وأضاف في حديث لوكالة “سبوتنيك” الروسية “أنه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وللقَضاء الليبي، ومِن أهم شروط تولي منصب رئيس الدولة أن يكون المرشح نَزيها، الأمر الذي يحول دون ترشيح نجل الرئيس الليبي السابِق له”.

خالد الغويل، محامي سيف الإسلام، أكد أن موكله سيسجل ترشيحه رسميا حين فتح قوائِم التسجيل للانتخابات الرئاسية، وقال “للشعب الليبي حق الاختِيار”، وأضاف “إن محكمة الجنايات الدولية تعمل خارج الشرعية الدولية”، معبرا عن استغرابِه مِن عدم ملاحقتها مرتكبي المجازر في حق الشعب الليبي، وتدمير مقدراته في الوقت الذي تلاحق فيه المهندس سيف الإسلام الذي حوكم أمام القَضاء الليبي وشملهُ عفو عام”.

لا شك أن هناك قطاعا عريضا في ليبيا يدعم تَرشح نجل الزعيم الليبي الراحل، بسبب حالة الفَوضى الدموية التي تعيش فيها ليبيا نتيجة سيطرة ميليشيات مسلحة منذ انهِيار الدولة، والإطاحةِ بالنظام فيها، بفَضلِ تدخل حِلف “الناتو” عام 2011، واغتِيال الرئيس القذافي بطريقةٍ بشعة ومهينة في أكتوبر مِن العامِ نفسه، ولعل الدعم الذي يحظى بِه المهندس القذافي الابن من روسيا وبعض الدول الأوروبية، يعود إلى هذه الحَقيقة.

مصدر قوة المهندس سيف الإسلام القذافي هو فشل النخبة السياسية التي حكمت ليبيا بعد إسقاط نظام والده، في إقامة البديل الناجح، والحفاظ على وِحدتها الترابية والديمغرافية، وبِناء دولة المؤسسات، ونزع أسلحة الميليشيات المسلحة التي عاثت في الأرضِ قَتلا وفَسادا.

الرئيس معمر القذافي لم تستهدفه الدول الغربية ويطيح بنظامه حلف “الناتو” لأنه كان دِيكتاتوريا، وإنما لأنه لَعب دورا لا يمكِن إنكاره في محاربة نفوذ الدول الاستعمارية في القارة الأفريقية، وأراد صك الدينار الأفريقي، وتوفير الغِطاء اللازم له مِن الذهب.

الرئيس الليبي الراحل ترك 360 مليار دولار مِن الودائع المالية والاحتياطات من الذهب قبل اغتياله، ومِن المؤلم أن معظم هذه الودائع جرى نهبها من قبل المحسوبين على حكام ليبيا الجدد، ووصول البِلاد إلى ما وصلت إليها مِن دمار وفوضى.

الشعب الليبي عانى كَثيرا طوال السنوات الثمانية الماضية، تهجيرا وإفقارا، ونهبا لثَروات بِلادِه الغنية، ويستحق أن يعيش كريما في بلد مستقر، ولا نعتقد أن هذا الحق الذي يجسد الحد الأدنى، كَثير عليه.

مغالطات وأكاذيب

 الآلة الدعائية الغربية الضخمة التي تحركها وتتحكم فيها الولايات المتحدة والنظام الصهيوني العالمي تشن حملة واسعة بهدف تقديم الصراع الدائر في ليبيا في الإطار الذي يخدم واشنطن وحلفاءها ومشروع الشرق الأوسط الجديد.

 جاء في تقرير نقل من يوم 20 ديسمبر 2018 واشنطن:

 بات “سيف الإسلام القذافي”، الأحدث فى سلسلة طويلة من الليبيين الذين يسعون للحصول على دعم موسكو، بينما يحاول الرئيس “فلاديمير بوتين” تعزيز دور روسيا فى البلد الغني بالنفط في شمال أفريقيا.

وفى ظل غياب الولايات المتحدة الأمريكية، انفتح الكرملين كي تكون موسكو صاحبة السلطة الرئيسية فى ليبيا، ومن المرجح أن تتشجع روسيا فى المضي قدما للحصول على أهدافها بليبيا، فى ظل خطط الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا.

وينظر إلى موسكو على أنها ذات علاقة كبيرة بـ “خليفة حفتر” الرجل العسكري القوي الذي يسيطر على معظم ليبيا الشرقية المنتجة للنفط لكنها تبني علاقاتها بهدوء مع كافة الفصائل المتناحرة، “وهذا يجعلها فى موقع تستفيد فيه بدرجة أكبر من القوى الخارجية الأخرى، التي تدعم جانبا واحدا”، وفقا لما نقلته وكالة بلومبرغ عن دبلوماسيين أوروبيين يدرسون استراتيجية الكرملين.

ورغم وجود عقبات رئيسية تواجه محاولة “سيف الإسلام” الوصول إلى السلطة، إلا أن روسيا ترى أن السيناريو الأفضل يتمثل في دعم شخص من النظام السابق، باعتبار أن ممثلي هذا النظام “يعرفون بعضهم البعض بشكل جيد، ولديهم عقود من التعامل والاحتكاك إبان حكم القذافي”، وفقا لمحللين ليبيين.

أما بالنسبة لـ”بوتين”، الذي استنكر الحملة العسكرية التي قادها الناتو للإطاحة بحكم “القذافي”، فكان الدعم الروسي للجيش السوري بمثابة إعادة لظهور بلاده كلاعب رئيسي فى ليبيا، إذ سيمثل نجاحه في دعم الرئيس بشار الاسد تعزيزا لثقل بلاده على حساب الولايات المتحدة بالمنطقة، كما يفتح الطريق لمليارات الدولارات عبر عقود إعادة الإعمار، وحصة من أكبر الموارد النفطية فى أفريقيا، إضافة إلى قاعدة بحرية محتملة على البحر المتوسط.

وعن تلك النتيجة، يقول مدير معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية “ألكسندر دينكين”، وهي مجموعة بحثية تدار من قبل الدولة الروسية، وتقدم الاستشارات للكرملين: “لقد بذل الغرب كل ما بوسعه لإغراق ليبيا فى الفوضي .. والآن كل أطراف النزاع لديهم ثقة بموسكو”.

وبحسب دبلوماسيين، فإن استراتيجية روسيا بشأن ليبيا تحولت، عام 2017، إلى جانب دعم الجنرال خليفة حفتر، إذ بذلت موسكو الكثير من الجهد فى التودد إلى منافسيه في حكومة طرابلس، المدعومة من قبل الأمم المتحدة.

ولم يصبح حفتر فقط زائرا متكررا لموسكو منذ 2016، لكن رئيس الوزراء فائز السراج وعددا من المسؤولين الحكوميين الليبيين، زاروا العاصمة الروسية بانتظام أيضا.

وإزاء ذلك يشير تقرير بلومبرغ إلى أن استراتيجية الكرملين تؤتي ثمارها، حيث تجري روسيا محادثات مع ليبيا بشأن استئناف تعاقد بقيمة 2.2 مليار يورو لبناء خط سكة خديد فائق السرعة من بنغازي إلى سرت، تم تعليق تنفيذه منذ مقتل “القذافي”.

وبينما تضمن هذه الاستراتيجية لشركات التصنيع الدفاعي الروسية تعويض خسارتها 4 مليارات دولار، هي قيمة صفقات الأسلحة في عهد “القذافي”، تحصل موسكو على مكسب آخر بشراء ليبيا لنحو مليون طن من القمح الروسي بقيمة 700 مليون دولار.

أما مصالح الطاقة الروسية فتمضي قدما هي الأخرى، إذ ذهب الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الليبية “مصطفى صنع الله” إلى موسكو في أكتوبر 2018 لإجراء محادثات مع شركتي: غازبروم وتاتنفت حول إعادة إطلاق مشاريع ليبية تعود إلى عهد “القذافي”.

وأبرمت موسكو تلك الصفقات حصرا مع شركة نفط الشمال التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، على الرغم من علاقاتها بحفتر، لأن الشركة الليبية لها الحق، وحدها، في توقيع اتفاقيات أجنبية.

ونقلت الوكالة الأمريكية عن “صنع الله” قوله: “إن الدعم الذي أبدته القيادة السياسية والتجارية الروسية لمؤسسة النفط الوطنية يدل على قوة توقعاتنا المستقبلية”.

ويعود نفوذ روسيا في ليبيا إلى عام 1969، عندما تولى “معمر القذافي” السلطة كضابط عسكري يبلغ من العمر 27 عامًا في انقلاب ضد النظام الملكي المدعوم من الغرب، وحينها قام الاتحاد السوفييتي بتسليح نظامه،، لكن بعد الإطاحة به تفككت ليبيا إلى فصائل متنافسة مع عجز الحكومة المركزية عن السيطرة حتى على العاصمة.

ونقلت بلومبرغ عن مصدر، قالت إنه على دراية بالسياسة الليبية، أن الممثلين الروس أجروا اتصالات مع “سيف الإسلام”، الذي ظهر مرة واحدة بعد إطلاق سراحه مباشرة، عبر مقطع فيديو تحدث فيه من مكان مجهول.

والتقى ممثل عن نجل “القذافي” نائب وزير الخارجية الروسي “ميخائيل بوغدانوف” في أوائل ديسمبر، وألقى خطاباً نيابة عنه، تتضمن تحية “بوتين” والحكومة الروسية، وتوضيح رؤيته السياسية لليبيا، طالبا الدعم السياسي.

ولم تكن زيارة مبعوث “سيف الإسلام” الأولى من نوعها، إذ يتطلع نجل “القذافي” إلى روسيا للحصول على مساعدة مالية، ووساطة مع مراكز القوى الليبية الأخرى، لدعم محاولته كي يصبح رئيسا، إذ قد يرشح نفسه بالانتخابات التي تريد الأمم المتحدة تنظيمها عام 2019، بحسب المصدر.

 حفتر أيضا لديه طموحاته الرئاسية الخاصة، لكن روسيا لم تقرر بعد دعم مرشح معين، وتبقي خياراتها مفتوحة، بحسب المصدر.

وذكرت خبيرة شؤون الشرق الأوسط في نادي فالدي، الذي يدعمه الكرملين، “ماريا المكاحلة” إن نجل “القذافي” ربما يحظى بدعم روسيا في حال وفاة “حفتر”، البالغ من العمر 75 عاما، أو اعتلال صحته.

كما شجعت روسيا “رمضان قديروف”، زعيم الشيشان ذات الأغلبية المسلمة، على إجراء اتصالات غير رسمية داخل ليبيا، منذ أن أكمل إطلاق سراح البحارة الروس المحتجزين هناك في عام 2015، وهو على اتصال بكل من طرابلس وقوات قبلية مهمة في أماكن أخرى من البلاد.

وفي الشرق الليبي، حيث سيطرة الجيش الليبي، يقدم العسكريون الروس خدمات التدريب وصيانة الأسلحة، في ظل مؤشرات على إرسال قوات روسية خاصة تشارك في العمليات هناك، وفقا لما نقلته بلومبرغ عن مسؤولين غربيين.

ولذا اعتبر الملياردير الروسي “كونستانتين مالوفيف”، ذو العلاقات الوثيقة بـ “بوتين”، أن بلاده  لديها ميزة رئيسية واحدة في ليبيا، تتمثل في “حفتر”.

لكن لازالت روسيا تواجه عقبات كبيرة في التعامل مع الفصائل الليبية المسلحة، غير القادرة على الاتفاق على كيفية تقاسم السلطة، في ظل مراهنة إيطاليا وقطر على حكومة طرابلس من جانب، والامارات العربية ومصر وفرنسا على “حفتر” من جانب آخر.

وأيا ما كان المنتصر في هذا النزاع، فإن روسيا تضمن مصالحها في ليبيا، عبر التحوط في رهاناتها والحفاظ على قنوات اتصالها مفتوحة مع جميع الأطراف، وفقا لما نقلته بلومبرغ عن خبير شؤون الطاقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا “ريكاردو فابياني”، الذي أكد أن كل الأطراف الليبية “لم يعد يمكنها تحمل استعداء روسيا”.

التدخل العسكري المؤجل

 جاء في تحليل بقلم شمس الدين النقاز، صحفي وباحث في الجماعات الاسلامية نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية في 17 أبريل 2016:

  خلال مقابلته التي أجراها مع قناة “فوكس نيوز” يوم الأحد 10 أبريل، اعترف الرئيس الأمريكي باراك أوباما وهو ما زال في السلطة بأن أسوأ خطأ ارتكبه “على الأرجح” كان عدم وضع خطة لمتابعة الوضع في ليبيا بعد التدخل العسكري في 2011 والذي أدى إلى سقوط نظام معمر القذافي، وهو ما أجبرنا على التساؤل حول جدية هذا الإعتراف الّذي يعني أحد أمرين: فإما صراحة أوباما وإما مواصلة الضحك على الشعب الأمريكي والشعوب العربية والمضي قدما في قيادة المؤامرات.

  قوى غربية تروج منذ مدة للتدخل العسكري في ليبيا لمحاربة الإرهاب، لكنها كانت تفتقد وفقا لما قدمته من مبررات إلى حد الآن، إلى وجود جهة حكومية شرعية يمكنها طلب الإستفادة من قرار دولي يجيز مساعدتها بالقوة المسلحة ضد أي خصم لها يعرقل مهامها للسيطرة على الحكم في ليبيا.

هذا الشرط الأساسي للتدخل العسكري في ليبيا تحقق على أرض الواقع، حيث تشكلت الحكومة التوافقية وسيطرت على جزء من العاصمة طرابلس، وهو ما يضعها أمام طريق مفتوح لطلب التدخل العسكري الغربي.

صعوبة استعادة الاستقرار

 قبل أشهر عديدة أكد الخبير الأمني الاستراتيجي، العميد خالد عكاشة، في حديث لـ “سبوتنيك”، أن المجتمع الغربي خاصة الدول الأعضاء في حلف الناتو ارتكبوا في حق ليبيا، جريمة كبرى وجريمة تاريخية لن يغفرها التاريخ، وتحت ادعاء مساعدة وحماية الشعب الليبي عام 2011، أرتكب المجتمع الغربي جريمة فادحة، ووجهة ضربة قاسمة إلى هيكل الدولة الليبية بطريقة تجعل من الصعب اليوم استعادة التوازن والاستقرار.

  طوال السنوات التي مضت على انطلاق الأزمة الليبية لم تتقدم دول الناتو خطوة واحدة نحو مساعدة ليبيا بل بالعكس يبدو الأمر أن هناك مؤامرة على أن تبقى ليبيا بؤرة وساحة لاستقبال مجموعات إرهابية تتحرك بحرية وتتمتع بدعم من الأسلحة والأفراد، وسمحت هذه الدول بان يكون هناك فرع لتنظيم “داعش” الذي تدعي الدول الغربية أنها تحاربه في سوريا والعراق.

لا يمكن ان نتجاهل تصريحات وزيرة الخارجية  الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس، في أبريل من العام 2005 حول ما قالت عنه “الفوضى الخلاقة” وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، حيث أكدت خلال حديث مع صحيفة “واشنطن بوست” أن الفوضى التي تنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية، هي فوضى خلاقة، ربما تنتج في النهاية، وضعاً أفضل من الذي تعيشه حاليا، واشارت إلى توجه الإدارة الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم العربي، وقعت شعوب المنطقة في فخ الديمقراطية الأمريكية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تلك الفوضى تعيشها المنطقة بداية من العراق إلى ليبيا مروراً بالصومال وسوريا واليمن فضلا عن موجات الإرهاب التي تضرب في كل من تونس ومصر وغيرهما.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here