عمر نجيب: هل تكون معركة إدلب نهاية الحرب شبه الدولية على أرض بلاد الشام؟ ارتباك مناورات واشنطن وأنقرة يعقد معضلة المقاتلين الأجانب

عمر نجيب

 يظهر أن توقعات وحسابات عدد من العسكريين والسياسيين عن أن سنة 2020 ستشهد النهاية الفعلية للحرب شبه الدولية الدائرة على أرض بلاد الشام منذ منتصف شهر مارس 2011 في طريقها للتحقق، ذلك لأن التطورات السياسية والعسكرية خاصة التي شهدتها الأشهر الستة الأخيرة من سنة 2019 تقود في هذا الاتجاه.

 هناك طبعا محاولات وجهود لمنع حدوث ذلك تبذلها بعض القوى التي راهنت منذ البداية على إسقاط دمشق وتمزيق بلاد الشام في نطاق تطبيق مخطط الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد والقاضي بتقسيم دول المنطقة على أسس طائفية ودينية وعرقية ومناطقية إلى ما بين 54 و 56 دولة وذلك لحماية إسرائيل واستكمال طوق الحصار على روسيا من جناحها الجنوبي الغربي، وافشال مشروع حزام واحد طريق واحد، الهادف إلى ربط الصين بالعالم، وهو أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، والذي تعتبره الولايات المتحدة تهديدا لهيمنتها العالمية.

 خلال الثلث الأخير من شهر أغسطس سنة 2019 ذكر تقرير بمجلة ناشيونال إنترست الأمريكية إن مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين تمثل حقبة جديدة من المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين، وأن تمويل الصين لمشاريع التنمية والبنية التحتية في الدول المعنية يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وإستراتيجية لبكين على حساب الولايات المتحدة.

و”طرق الحرير الجديدة” المعروف رسميا بمبادرة “الحزام والطريق” مشروع صيني عملاق تشارك فيه 123 دولة، أطلقه الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، بهدف إنشاء حزام بري من سكك الحديد والطرق عبر آسيا الوسطى وروسيا، وطريق بحري يسمح للصين بالوصول إلى إفريقيا وأوروبا عبر بحر الصين والمحيط الهندي، بكلفة إجمالية تفوق في مراحله الأولى تريليون دولار.

 احتلال الولايات المتحدة للعراق والفوضى والنزاعات العسكرية والسياسية التي شهدتها وتشهدها منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي تدخل كلها في في إطار الصراع الدولي الواسع بين واشنطن من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، لإستبدال أو المحافظة على النظام الدولي الذي برز بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي نهاية بداية تسعينيات القرن الماضي وقاد إلى وضعية القطب الواحد أي التفوق الأمريكي.

خريطة الصراع

 على الساحة السورية يتم رسم جزء من خريطة الصراع.

 يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2019 قال المحلل الإسرائيلي “إيهود يعاري”، معلق الشؤون العربية في القناة “12” الإسرائيلية إن تل أبيب، حققت “فشلا استراتيجيا” في الحرب التي تشهدها سوريا منذ أعوام، لافتا إلى أن شعورا “بالأسف” يخالج القيادة الإسرائيلية التي كان بإمكانها في السابق الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وكتب يعاري:” لمرة التي لا أعرف عددها، أعود وأقول إن إسرائيل حققت فشلا استراتيجيا في الحرب بسوريا”.

وتابع:” كان ذلك ممكنا، دون أن يتطلب الأمر إرسال الجيش الإسرائيلي إلى دمشق”، دون مزيد من التوضيح.

وأشار يعاري إلى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورجاله يرون التطورات السلبية للغرب على الساحة السورية دون أن يفعلوا الكثير، صحيح أن الأمريكان باقون شرق نهر الفرات والحديث عن التخلي عن الأكراد مبالغ فيه جدا، لكن في نهاية الأمر يترك ترامب إسرائيل وحدها- سواء لكبح إيران، أو تعلم كيفية التأقلم مع الطيران الروسي على الجانب الآخر من الحدود”.

يعاري حذر في تحليله من تطور معركة جيب ادلب لصالح الجيش العربي السوري رغم الحماية التركية للفصائل المسلحة هناك.

 جاء في تحليل لصحيفة نيويورك تايمز الامريكية: “في حالة تحقيق انتصار في إدلب، يتعزز موقف رئيس البلاد بشار الأسد وحليفتيه روسيا وإيران فيما يبدو نصرا مؤكدا في حرب استمرت 8 سنوات، لكن من المؤكد تقريبا أن تكلفته ستكون فادحة فيما يتعلق بالحياة والممتلكات.

 وتضيف الصحيفة “كانت إدلب الملاذ للنازحين من كل معركة، والملجأ الأخير لأعداء النظام. يعيش هناك أكثر من 4 ملايين نسمة، أكثر من نصفهم نازحون من مناطق أخرى، فيما يبقى مئات الآلاف عالقين على الحدود مع تركيا بالقرب من بلدة أطمة.

ومن وقتها يعتبر الكثير من المحليين، أن هجوم الأسد على إدلب، مدعوماً بالقوة الجوية الروسية، محسوم ومسألة وقت فحسب. ذلك أن الأسد مصمم على استعادة السيطرة على جميع سوريا، ليحرز الانتصار بعد سنوات من الحرب. وتشعر حليفته موسكو بالقلق من إيجاد المقاتلين الأجانب القادمين من البلدان المجاورة لها في آسيا الوسطى، موطئ قدم لهم في إدلب.

وروسيا تستعد للمشاركة، رغبة منها في التخلص من أعدائها الذين يوجهون ضربات بين الحين والآخر لقاعدة حميميم الجوية جنوب شرق مدينة اللاذقية.

وتركيا تحاول منع الحرب على إدلب لتملك اوراق مساومة وقد دفعت بقوات من جيشها في المنطقة.

كان من المتوقع بحسب الروس أن تستأصل تركيا الجماعات المسلحة المتطرفة من إدلب في مقابل أن تقوم موسكو بإبعاد الجيش السوري عن المحافظة. لكن بدلا من ذلك، هيمنت هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة، على إدلب بشكل تدريجي، وطردت، بشكل حاسم، منافسيها الأكثر اعتدالا وأكدت سيطرتها الإدارية.

الهدف النهائي لقوات الجيش العربي السوري هو دفع الجيش التركي وقوات المعارضة بعيدا عن قرب طريقين رئيسيين، هما أم 4 وام 5، الذين يربطان حلب بكل من اللاذقية وحماة، والسيطرة على المنطقة الواقعة بين حلب وحماة واللاذقية. وتعهد الرئيس الأسد مرارا باستعادة “كل شبر من سوريا” بما فيها إدلب.

 في الربع الأخير من سنة 2019 قدرت تقارير أمريكية أن خطر المواجهة بين روسيا وتركيا يتفاقم كلما بادرت موسكو وطهران ودمشق باتخاذ إجراءات صارمة تجاه إدلب السورية، وبقي البيت الأبيض على أمله في أن تواصل أنقرة دورها في حرب الإنابة في بلاد الشام، رغم الخلافات حول تقاسم النفوذ،

وفي ذلك التوقيت ذكر الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيمينوف أنه يعتقد أن تركيا قد اتخذت جميع التدابير لمنع هجوم محتمل من طرف قوات دمشق وحلفائها. وتعد جميع الإجراءات التي اتخذتها تركيا متوقعة، لا سيما في ظل التهديدات التي تحوم حول مراكز المراقبة التركية الموجودة على طول محيط منطقة خفض التصعيد، وذلك للتصدي لأي هجوم مرتقب من قبل القوات الحكومية السورية.

وأضاف سيمينوف: وفي محاولة لتجنب المخاطر المحتملة التي قد تطال جنودها، قامت تركيا بتعزيز وحداتها في محافظة إدلب، الأمر الذي سيخلق عقبات إضافية في وجه الهجوم.

 هذا التصور لم يتحقق لأن أنقرة اختارت حتى نهاية شهر يناير 2020 التراجع لإدراكها أنها ستصطدم مباشرة مع روسيا وستتورط في حرب استنزاف لا ضمانات بأن واشنطن ستنجدها فيها عسكريا، زيادة على انشغالها بالوضع في ليبيا وحرصها على الا يتكبد انصارها هناك من جماعات الاسلام السياسي هزيمة مدوية. وهكذا وبدلا من لغة التهديد التي سادت سابقا والانذار بالتدخل العسكري اختارت توجيه نداء إلى الكرملين ليحد من تدفق مئات آلاف اللاجئين نحو حدودها.

وتفيد مصادر رصد أوروبية وإسرائيلية أنه عندما بدا أن الهجوم الروسي السوري “المحدود” نهاية سنة 2019، قد أخذ في التوسع، جاء الرد التركي بتوفير كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة لشركائها في جبهة التحرير الوطنية. كما أعادت تركيا نشر المئات من مقاتلي الجيش الوطني السوري من عفرين إلى الخطوط الأمامية في شمال حماة، ولكن ذلك لم يعق تقدم الجيش السوري.

مئات الأمتار

 يوم الأحد 26 يناير 2020 جاء في تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية “حققت قوات النظام تقدما جديدا في شمال غرب سوريا وباتت تبعد مئات الأمتار فقط عن مدينة معرة النعمان الاستراتيجية، ثاني أكبر مدن محافظة إدلب، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأفاد المرصد السوري الذي ينتمي إلى خصوم الأسد أن قوات دمشق سيطرت خلال الساعات الـ24 الماضية على سبع بلدات رئيسية في محيط مدينة معرة النعمان، الواقعة على الطريق الدولي.

وقد وصلت بذلك، وفق المرصد، إلى “مشارف المدينة وباتت تبعد عنها مئات الأمتار فقط، كما قطعت ناريا جزءا من الطريق الدولي”.

والمدينة مركز حضري استراتيجي على بعد نحو 33 كيلومترا إلى الجنوب من مدينة إدلب.

وكتبت صحيفة الوطن المقربة من الحكومة السورية، في عددها ليوم الأحد 26 يناير أن الجيش بات “قاب قوسين من معرة النعمان” التي “غدت أبوابها مشرعة” لدخوله وللتقدم إلى أجزاء من الطريق الدولي.

وتكرر دمشق نيتها استعادة كامل منطقة إدلب ومحيطها رغم اتفاقات هدنة عدة تم التوصل إليها على مر السنوات الماضية في المحافظة الواقعة بمعظمها تحت سيطرة هيئة تحرير الشام جبهة النصرة سابقا وتنشط فيها فصائل أخرى أقل نفوذا.

وبالتوازي مع التقدم باتجاه معرة النعمان، تخوض قوات الجيش السوري اشتباكات عنيفة في مواجهة هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى غرب مدينة حلب.

ولا تزال الاشتباكات مستمرة على الجبهتين يرافقها قصف جوي روسي وسوري، وقد أسفرت عن سقوط عشرات القتلى من الطرفين.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن مصدر عسكري تأكيده أن أعمال الجيش في إدلب وغرب حلب “ستشمل عمليات ميدانية كاسحة لا تتوقف قبل اجتثاث ما تبقى من الإرهاب المسلح بكل مسمياته وأشكاله”.

وتشهد المنطقة تصعيدا ميدانيا جديدا بعد أن شنت الفصائل المسلحة المتمركزة في المنطقة بقيادة تنظيم “هيئة تحرير الشام” المكون بالدرجة الأولى من عناصر “جبهة النصرة”، في ديسمبر 2019، هجمات واسعة عدة على مواقع للقوات الحكومية التي أطلقت، بعد صد تلك الاعتداءات، عمليات مضادة تمكنت من خلالها في الأيام الماضية من تحرير مئات الكيلومترات المربعة.

ودفع التصعيد منذ ديسمبر 2019 بنحو 350 ألف شخص إلى النزوح من جنوب إدلب باتجاه مناطق شمالا أكثر أمنا، وفق الأمم المتحدة. وباتت مدينة معرة النعمان شبه خالية من السكان.

ومنذ سيطرة الفصائل الجهادية والمقاتلة على كامل المحافظة في العام 2015، تصعد قوات دمشق بدعم روسي قصفها للمحافظة أو تشن هجمات برية تحقق فيها تقدما وتنتهي عادة بالتوصل الى اتفاقات هدنة ترعاها روسيا وتركيا.

وسيطرت قوات الجيش السوري خلال هجوم استمر أربعة أشهر وانتهى بهدنة في نهاية أغسطس على مناطق واسعة في ريف المحافظة الجنوبي، أبرزها بلدة خان شيخون الواقعة أيضاً على الطريق الدولي.

ثلاثة محاور

جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 25 يناير 2020:

تستعد منطقة إدلب، ومعها ريفا حلب الغربي والجنوبي، لجولة جديدة من المعارك يرتقب أن يبدأها الجيش السوري ضد الفصائل المسلحة، بعدما بات اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعقب عمليات وصل خلالها الجيش إلى مشارف معرة النعمان، شبه منته. هذا الواقع تدركه أنقرة جيدا، تماماً كما تدرك أن لا مفر من تجدد العمليات، في ظل استشعار موسكو ودمشق تسويفا تركيا لا يجدان معه مبرراً للإبقاء على التهدئة.

كل المؤشرات التي تبعث بها التحركات العسكرية في ريفي إدلب وحلب تفيد بقرب انطلاق معركة كبرى في المنطقة، وعلى محاور عدة، ربما لم يكن بعضها ضمن محاور عمليات سابقة منذ سنوات. ويبدو أن الأجواء الإيجابية التي عكسها وقف إطلاق النار في المنطقة، المتفق عليه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، قبل أسبوعين، كان مبالغا في تصويرها، إذ لم تشكل الهدنة سوى فرصة قصيرة لإعادة التجهيز والتحشيد لاستئناف المعارك، وربما بوتيرة أعلى واتجاهات أشمل.

منذ أسبوع تقريبا، وحملات القصف الجوي والمدفعي والصاروخي لم تتوقف من جانب الجيش السوري، ضد أهداف واضحة ومحددة، وضمن محاور عمليات قريبة من خطوط التماس، وليست في العمق. كذلك، لم تتوقف المجموعات المسلحة عن قصف أحياء مدينة حلب من المحاور الغربية، ما أدى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وعلى الأرض، لم يقدم الجيش على أي عمليات هجومية حتى صباح يوم الجمعة، عندما استعاد السيطرة على بلدة السمكة جنوب شرق مدينة معرة النعمان، في ريف إدلب الجنوبي الشرقي. في المقابل، وعلى مدى ثلاثة أيام، شنت المجموعات المسلحة، بمشاركة “هيئة تحرير الشام” ومسلحي “الحزب الإسلامي التركستاني”، هجمات سريعة وخاطفة على عدة محاور، في ما بدا محاولة لإشعال حرب استنزاف بوجه الجيش السوري. هجمات المسلحين أدت إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجيش، الذي خسر أيضا عددا من مواقعه في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، قبل أن يستعيد بعضها في عمليات محدودة. كما بدا لافتا هجوم شنته الفصائل على مواقع الجيش في المحور الغربي لمدينة حلب، والذي لم يشهد أي عمليات هجومية جدية منذ تحرير مدينة حلب عام 2016، ما يشير إلى وجود قرار بالتصعيد. وكانت المحاور الحلبية الغربية شبه محيدة عن المعارك في منطقة إدلب طوال السنتين الماضيتين، بعدما شكلت مسرح عمليات واسعة وعنيفة لسنوات قبل ذلك.

وتثير تحركات الجيش مخاوف الفصائل التي تتوقع عملية عسكرية واسعة على عدة محاور في المنطقة. وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر عسكري سوري، أن “الجيش لم يتوقف عن العمل لاستعادة السيطرة على منطقة إدلب بالكامل، وهذا هدف علني لدى الدولة”، لكنه يشير إلى تغير محتمل في نوعية الهجوم ومحاوره، إذ “يعمل الجيش حاليا على توسيع محاور العمليات الهجومية وتنويعها، ويهدف من خلال ذلك إلى تشتيت حشود المسلحين وجهدهم الحربي”، مشددا على أن “ريفي حلب الغربي والجنوبي لن يكونا بمعزل عن العمليات المرتقبة”. ويلفت إلى احتمال فتح ثلاثة محاور للعمليات: “الأول: محور مدينة معرة النعمان، والثاني: محور مدينة سراقب، أما المحور الثالث فهو: الضواحي الغربية لمدينة حلب”.

في خضم ذلك، تحدّثت معلومات صحافية عن اجتماع عقد يوم الخميس 23 يناير بين فصائل “الجيش الوطنيط العاملة في محافظة إدلب، والقيادة التركية في أنقرة، تحت عنوان “مواجهة التطورات الميدانية المحتملة”. وحضر الاجتماع، من جانب المسلحين، وزير الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة” سليم إدريس، إضافة إلى قادة فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير”، التابعة لـ”الجيش الوطني”. وفيما لم يتضح مستوى حضور الجانب التركي، أفادت مصادر مطلعة بأن “الاجتماع حضره الضباط الأتراك المعنيون في منطقة إدلب، وقيادة الجيش التركي، ومسؤولون سياسيون كبار”. كما تداولت تنسيقيات المسلحين أخبارا عن حضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس جهاز المخابرات التركي حاقان فيدان. وبحسب المعلومات، فإن الجانب التركي أبلغ قيادات فصائل “الجيش الوطني” بأن المباحثات مع روسيا “لم تحقق نتيجة”، وأن “الأخيرة ذاهبة نحو الحل العسكري”، وبالتالي “يجب على الفصائل أن تدافع عن نفسها بوجه هجوم الجيش السوري”. كما تعهدت أنقرة، بحسب المعلومات، “بدعم الفصائل عسكريا”. وتتفق هذه الأجواء مع تصريحات أطلقها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مستهل لقائه المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، يوم الجمعة 24 يناير، حيث اعتبر أن “الوضع يتحسن على أرض الواقع، فالمنطقة التي يسيطر عليها الإرهابيون تتقلص”، مشيرا إلى استمرار “العمل للتغلب على فلول الجماعات الإرهابية في كل من منطقة إدلب وشمال شرق البلاد”، مشددا على وجوب “القضاء على بؤرة الإرهاب في إدلب”.

المصير المجهول

 تفيد مصادر رصد في العاصمة الالمانية برلين أنه مع ترجيح سيطرة الجيش السوري على إدلب تتركز الأنظار في الوقت الراهن على هؤلاء المقاتلين الأجانب في المنطقة، وما سيكون مصيرهم، وقد بات هناك شبه إجماع في دمشق وموسكو على أن أفضل سبيل لمواجهة خطر هؤلاء المقاتلين المتحدرين من مختلف أصقاع الأرض مواجهتهم في ساحة المعركة والقضاء عليهم في سوريا، كما يقول موقع “بي بي سي” العربي.

انضمت الغالبية العظمى من الجهاديين إلى صفوف فرع القاعدة في سوريا، أي جبهة النصرة، وبعض التنظيمات السلفية مثل حركة أحرار الشام، لكن وجودهم بات في الوقت الراهن حكرا على هيئة تحرير الشام بعد “اختفاء” تنظيم الدولة الإسلامية.

قد لا يجد المقاتلون العرب في صفوف هيئة تحرير الشام الكثير من الصعوبات في الاندماج في البيئة السورية بعد هذه السنوات في سوريا وزواج كثيرين منهم من سوريات، لكن هناك جماعات من شبه المستحيل أن يتمكن أفرادها من ذلك، مثل الإيغور والشيشان والأوزبك.

جاء المقاتلون الأيغور من إقليم شينجيانغ الصيني بدعم أموال خليجية وأمريكية، وأقاموا مجتمعا صغيرا خاصا بهم في قرى منطقة جسر الشغور في محافظة إدلب. وتشير التقديرات إلى أن عددهم يبلغ بضعة آلاف من المقاتلين الذين اكتسبوا خبرات قتالية جيدة في سوريا. وجلب العديد منهم عائلاتهم وأسسوا مجتمعا خاصا بهم في منطقة تواجدهم، ونادرا ما يختلطون بالمجتمع المحلي.

وتنظر الصين بعين القلق إلى وجود هؤلاء المقاتلين في سوريا وهي حريصة جدا على منع عودتهم إلى الصين بعد اكتسابهم خبرات قتالية عالية، قد تشكل مصدر خطر أمني كبير لبكين.

هناك أيضا مقاتلون من الأوزبك في صفوف مجموعات صغيرة قريبة من هيئة تحرير الشام، اكتسبوا مهاراتهم القتالية خلال قتالهم إلى جانب حركة طالبان أو تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان، قبل أن يتوجهوا إلى سوريا كامتداد لتنظيم القاعدة آنذاك.

وهناك كتيبة التوحيد والجهاد التي أسسها القيرغيزي سراج الدين مختاروف، 28 عاما، والمعروف باسم أبو صلاح الأوزبكي. والكتيبة انضمت لجبهة النصرة عام 2015. وتقاتل الكتيبة في مناطق متفرقة من اللاذقية وإدلب وحماة ومعظم مقاتليها من الأوزبك والطاجيك وأفراد من إقليم تركستان غربي الصين.

أما كتيبة الإمام البخاري التي تسلط أشرطتها الدعائية الضوء على الجنود أطفال في صفوفها، فهي تضم عناصر من الأوزبك، وهي واحدة من المجموعات التي قدم عناصرها من آسيا الوسطى.

هناك أيضا مقاتلون من الشيشان، خاضوا معارك دامية ضد الجيش الروسي على مدار عقدين من الزمن، وبدأ وصولهم إلى سوريا منتصف 2012، وأسسوا كتيبة المجاهدين بقيادة عمر الشيشاني، المقاتل المعروف ذو الأصول الجورجية، والذي صعد نجمه عقب ذلك في صفوف مقاتلي الدولة الإسلامية، بعد انفصاله عن الكتيبة في 2013.

وقدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2017 عدد المقاتلين الروس في سوريا بنحو 4 آلاف مقاتل إلى جانب خمسة آلاف مقاتل من دول الإتحاد السوفييتي السابق.

 المقاتلون المنحدرون من أصول أوروبية يواجهون كذلك مصيرا غامضا خاصة أن دولهم الأصلية في غالبيتها ترفض عودتهم وتتفاوت التقديرات بشأن تعدادهم بين ألف وألفين. هناك كذلك هؤلاء الذين أتو من دول عربية وفي مقدمتهم التونسيون حوالي 3400 والمغاربة حوالي 1680.

 تركيا تخلصت من جزء من هؤلاء الاجانب عبر إرسالهم إلى ليبيا وتقدر أوساط أممية عدد هؤلاء بما بين الفين وثلاثة آلاف مقاتل.

تحركات أمريكية

 في الوقت الذي يحقق فيه الجيش السوري تقدما كبيرا في منطقة يقدر حسب مصادر غربية وشرقية أنها تحوي حوالي 45 الف مسلح ضمنهم آلاف الاجانب تتحرك الولايات المتحدة عسكريا ولكن بشكل يرى البعض أنه خجول ولا يعبر عن رغبة حقيقية من طرف البيت الأبيض للتدخل ولو بشكل يشجع أنقرة على التشدد في مواجهة دمشق وموسكو.

 يوم الأحد 26 يناير 2020 أجرى مدير القيادة المركزية الأمريكية زيارة لشمالي سوريا، وجاءت الزيارة بعد أن قامت القوات الأمريكية بتفعيل وتكثيف عمليات ما تصفه بمكافحة الإرهاب في سوريا، بعد توقف مؤقت بسبب اضطرار هذه القوات للدفاع عن نفسها من تهديدات محتملة بعد اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد.

وفي حديث نقلته صحيفة “واشنطن بوست”، قال الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية، التي تشمل مسؤولياتها الميدانية منطقة الشرق الأوسط: “عادت وتيرة عمليات مكافحة الإرهاب في سوريا، إلى وضعها السابق”.

وذكر الجنرال، أن القوات الأمريكية تجري في الفترة الراهنة، من 3 إلى 4 عمليات مشتركة مع القوات الكردية، كل أسبوع ضد مسلحي تنظيم “داعش” الإرهابي.

ولم يحدد الجنرال إلى متى ستبقى القوات الامريكية في سوريا، لكنه قال: “أنا بصراحة لا أعرف كم من الوقت سنبقى هنا، وليس لدي أي تعليمات سوى مواصلة العمل مع شركائنا هنا”.

وردا على أسئلة الصحفيين، أضاف الجنرال أن القوات المسلحة الأمريكية، ستكون مستعدة للتعامل مع مختلف المواقف في البلاد، وفقا لتطورها في المستقبل. وقال: “الآن نحن نعطي الأولوية لعملية القضاء الكامل على داعش”.

 خصوم التدخل الأمريكي يشيرون أن واشنطن تكذب فهي موجودة لمواجهة الجيش السوري وقد تعاونت مع التنظيمات الموصوفة بالارهابية وسلحتها كما اكدت تقارير كثيرة مدعمة بالصور والوثائق.

قبل ذلك بأربع وعشرين ساعة، أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” نقلا عن مصادر “موثوقة” أن القوات الأمريكية تعمل على توسيع قاعدة “تل بيدر” بريف القامشلي شمالي الحسكة، بغية نقل قوات إليها من قواعدها المجاورة.

وذكر “المرصد السوري” إنه رصد يوم الخميس 23 يناير 2020 تمركز قوات أمريكية على الطريق الدولي أم 4 عند مدخل قرية بور سعيد بالقرب من مفرق حطين الواصل بين عامودا ومدينة الحسكة، وذلك لمنع الدوريات الروسية من التجول والتحرك على الطريق، حسب المصدر.

وأضاف “المرصد” أن دورية روسية دخلت قرية عين ديوار وسلكت طريق معبر سيمالكا برفقة إحدى سيارات “قوات سوريا الديمقراطية”، في الوقت الذي قامت فيه مدرعات أمريكية بالوقوف عند مدخل بلدة جل آغا بانتظار مرور العسكريين الروس.

يتزامن ذلك مع استمرار القوات الروسية في توسيع انتشارها في شمال شرق سوريا، وسط ما وصفه “المرصد” بأنه تواصل “كبير ومتصاعد” للتوتر” بين القوات الأمريكية والروسية في تلك المنطقة.

وفي وقت سابق ادعى “المرصد” وقوع اشتباك بالأيدي بين عسكريين روس وأمريكيين شمال سوريا نهاية شهر ديسمبر 2019، غير أن وزارة الدفاع الروسية كذبت هذه المزاعم، لكنها أضافت أن حادث “اعتراض” القوات الأمريكية جنرالا روسيا قرب مدينة منبج السورية وقع منذ 14 شهرا، داعية الولايات المتحدة لعدم تأجيج الوضع بشكل مصطنع.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية، في بيان أصدرته يوم السبت 25 يناير: “الحادث الذي أشار إليه مسؤولون أمريكيون وقع منذ نحو 14 شهرا في منطقة مدينة منبج السورية التي خضعت لسيطرة ثلاثية، حيث تواجدت فيها قوات ما يسمى بالتحالف ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، والوحدات الكردية، والقوات الحكومية السورية”.

وأشار البيان إلى أنه “كان على جميع الأطراف الناشطة على الأرض في تلك الفترة أن تنسق دائما كل أعمالها لاستبعاد وقوع حالات نزاع”، مضيفا: “لهذا السبب يمثل الحادث الذي تحدث عنه المسؤولون الأمريكيون مثالا واضحا لفعالية القنوات القائمة للتنسيق بين عسكريي البلدين في سوريا”.

من جانبه، فند المتحدث باسم البنتاغون، جوناثان هوفمان يوم الجمعة 24 يناير 2020 تقارير حول إطلاق نار بين عسكريين روس وأمريكيين في سوريا، مؤكدا حرص العسكريين الأمريكيين على إبقاء الاتصال مع نظرائهم الروس تجنبا لوقوع اشتباكات بين الجانبين.

يذكر أن القوات الأمريكية وفي الفترة التي خفضت فيها وجودها في بعض مناطق شمال شرق سوريا للسماح للجيش التركي بالتقدم ضمن ما سمي عملية “نبع السلام” التي أطلقها في أكتوبر 2019، أبقت عل تواجدها في القواعد القريبة من الحقول النفطية، وعززت تواجدها فيها، وأرسلت مئات الشاحنات تحمل تعزيزات عسكرية ولوجستية إلى تلك القواعد.

وفي نوفمبر 2019، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، في بيان، إرسال مزيد من القوات والتعزيزات لحماية آبار النفط شرقي سوريا.

وفي تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول قواعد بلاده في سوريا، قال: “سنحمي النفط.. وسنقرر ما الذي سنفعل به في المستقبل”.

فيما اتهمت وزارة الدفاع الروسية، في بيان سابق، واشنطن بممارسة “اللصوصية” على مستوى عالمي، بعد إعلان نيتها حماية حقول النفط شرقي سوريا.

ونشرت الوزارة صورا عبر الأقمار الاصطناعية قالت إنها قوافل من الصهاريج تتجه إلى خارج سوريا، معتبرة أن هذه الصور تدل على أن عمليات استخراج النفط السوري تمت تحت حماية العسكريين الأمريكيين قبل وبعد هزيمة “داعش” شرقي الفرات.

أردوغان والأسد

يوم الاربعاء 22 يناير 2020 وتحت عنوان أردوغان وافق على المضي مع الأسد مخابراتيا، كتب إيغور سوبوتين، في “نيزافيسيمايا غازيتا”، حول التواصل القائم بين الاستخبارات التركية والسورية.

وجاء في المقال: لفت الرئيس رجب طيب أردوغان الانتباه إلى أهمية المحادثات بين المخابرات السورية والتركية التي عقدت في الـ 13 من يناير في موسكو.

حقيقة أن مثل هذه المحادثات الجادة بين رؤساء المخابرات جرت على هامش الاجتماع المخصص لليبيا تعطي مؤشرا غير مباشر على أن أنقرة يمكنها انتظار ظروف مواتية في الاتجاه “الليبي”. يمكن افتراض أن السلطات التركية تتوقع من موسكو ممارسة ضغوط على حفتر، في مقابل تسليم أراضي إدلب للقوات الحكومية السورية. على أية حال، يتفق المراقبون على مثل هذا السيناريو.

وفقا للخبراء، هناك دعوات في تركيا لإقامة علاقات مع سوريا. ففي الصدد، قال خبير المجلس الروسي للشؤون الخارجية، تيمور أحمدوف، المقيم في أنقرة، لـ”نيزافيسيمايا غازيتا”: “لطالما دعت أحزاب المعارضة في تركيا إلى الحوار مع دمشق. يجب أن يساعد التنسيق بين الجانبين في حل المشكلات التركية المرتبطة بالحرب في هذا البلد الجار، أي مشاكل اللاجئين والنزعة الانفصالية الكردية. ومؤخرا، أضيفت إلى ذلك الحاجة إلى مواجهة أنشطة الولايات المتحدة المزعزعة للاستقرار، من خلال التنسيق مع اللاعبين الإقليميين، العراق وسوريا وإيران..”.

ويؤكد أحمدوف أن سياسات أنقرة لا تتعين بموسكو وطهران فقط، فيقول: ” لقد بات واضحا أن الأسد باق في السلطة، ويجب القيام بشيء بخصوص اللاجئين السوريين. العقبة الرئيسية أمام الحوار المفتوح، كما يبدو لي، هي أردوغان، الذي استثمر الكثير من الموارد السياسية المحلية في حملته ضد الأسد. سيكون من الصعب عليه العودة إلى التواصل مع الأسد دون ضرر ملحوظ في سمعته”.

إلا أن ذلك، كما يرى ضيف الصحيفة، لا يمنع أنقرة من إقامة اتصالات مع دمشق في مجال الأمن. وأشار أحمدوف إلى أن هذا الحوار مستمر منذ عدة سنوات. ويتضح ذلك، على سبيل المثال، من خلال عملية القبض على الإرهابي يوسف نازيك، المتورط في هجوم العام 2013 في مقاطعة هطاي التركية، وسلمه الجانب السوري إلى تركيا.

“حري بواشنطن الاعتراف بالهزيمة على يد القوات السورية، وحري بها أيضا الاعتراف بالانكسار أمام الحرب التي شنت على سوريا سياسيا واقتصاديا”، هذا الاقتباس لـ “روبرت كلايم” أحد أهم منظري السياسية الأمريكية، وقد أدلى به أمام جمع من طلاب الأبحاث السياسية في جامعة ستانفورد الأمريكية.

إدلب اشتقت اسمها من هدد، إله العاصفة والرعد والحرب في الديانة الكنعانية القديمة.

صورته الأكثر شهرة يحمل فيها البلطة وأدوات التدمير. ومعركة إدلب الراهنة قد تكون نهاية العاصفة السورية التي اندلعت قبل سبع سنوات، أو بداية لموجة جديدة من العواصف العسكرية والسياسية لسنوات مقبلة.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. “قد لا يجد المقاتلون العرب في صفوف هيئة تحرير الشام الكثير من الصعوبات في الاندماج في البيئة السورية بعد هذه السنوات في سوريا وزواج كثيرين منهم من سوريات، لكن هناك جماعات من شبه المستحيل أن يتمكن أفرادها من ذلك، مثل الإيغور والشيشان والأوزبك”.
    إندماج. عن أية اندماج نتحدث؟! و الله لو مصري أو أردني أو تونسي أو سعودي أو من أية جنسية عربية أخرى لا يحلم بالبقاء في سوريا و ليذهب هو وزوجته السورية إلى نار جهنم.
    أخوتنا العرب و غير العرب في مآقي عيوننا و لما يزورونا نضعهم في صدر الدار و ننام على عتبته. أما من جاء مع تنظيم القاعدة فلديه خيارين العودة من حيث أتى أو القتال حتى الموت و لا يحلم بالاندماج إلا من أعلن تبرؤه من هذا الفكر المتطرف و أظن هذا صعب فقد أثبتت التجربة أن هذا طريق لا رجعة فيه فمتى ولغ الإنسان في دماء المسلمين باسم التكفير و التطرف فلا مآل له سوى جهنم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here