عمر نجيب: هل تقود معركة إدلب إلى مواجهة عسكرية روسية تركية؟.. واشنطن تكثف سياسة الانابة في الحروب لخفض الخسائر

عمر نجيب

 منعطف آخر دخلته المناورات التركية الأمريكية الهادفة لمنع الجيش العربي السوري من استكمال مرحلة جديدة في مساره لإستعادة سلطة الدولة على جزء آخر من الأراضي التي خضعت لسنوات لسيطرة التنظيمات المسلحة التي تحاول منذ منتصف شهر مارس 2011 في نطاق حرب شبه دولية اسقاط سوريا وتحويلها إلى دويلات، وذلك ضمن المشروع الأوسع الذي وضعه المحافظون الجدد والذي تطلق عليه تسمية الشرق الأوسط الجديد، والهادف إلى تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دويلة على أسس طائفية وعرقية ودينية.

 المشروع الصهيوأمريكي الذي في حال نجاحه سيضمن أمن وإستقرار إسرائيل لأمد طويل وسيمكن الولايات المتحدة في نطاق الصراع الدائر حول نظام عالمي جديد من استكمال طوق الحصار على روسيا من جناحها الجنوبي الغربي وعرقلة جهودها لتعديل النظام الدولي ذي القطب الواحد، ووقف مشروع الصين، حزام واحد، طريق واحد، أو ما يعرف بمبادرة الحزام والطريق، وهي خطة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية وهو ما تعتبره واشنطن تهديدا لها إقتصاديا وعسكريا.

 بعد سقوط العراق تحت الاحتلال سنة 2003 ونجاح واشنطن في عرقلة استمرار المقاومة العراقية العسكرية بعد سنوات من المواجهة، اتجهت لإستكمال تنفيذ المشروع، وعبر مزيج من التدخلات العسكرية ونشر ما سمي الفوضى الخلاقة، نجحت إدارة البيت الأبيض في تقريب سوريا وليبيا واليمن من حالة الدول الفاشلة، أو صوملتها، أي تقريبها من وضع الصومال الذي يعاني من الإنهيار التام والصراعات الداخلية والخارجية منذ الإطاحة بنظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991.

 مواصلة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد عرقلت بالتحولات التي حدثت في مصر، وتعثر العمليات المسلحة التي تبنتها القاعدة وداعش وغيرهما في سيناء والصحراء المصرية الغربية، ثم بالصمود السوري الذي انتقل بدمشق من حالة خطر السقوط إلى مقربة من النصر الكامل إبتداء من 30 سبتمبر 2015، حيث أصبحت قواتها تسيطر مع بداية سنة 2020 على حوالي 75 في المئة من مجموع مساحة البلا

تقلص عدد الخصوم

 دول وأطراف عديدة شاركت في الحرب ضد سوريا منذ البداية استجابة لأوامر البيت الأبيض وذلك أما علنيا أو من خلف الستار وصرفت مئات مليارات الدولارات وجندت أكثر من 182 الف مسلح من حوالي 80 دولة حسب إعتراف الأمم المتحدة. مع تحول مسار الحرب في بلاد الشام تراجع عدد المتدخلين من خصوم دمشق، بل أن بعضهم أخذ يميل إلى دعم المنتصر. تركيا على عكس آخرين واصلت العمل بكل الطرق على إسقاط دمشق، أولا لأنها حليفة لواشنطن وجزء من استراتيجتها متوافق مع أهداف حلف الناتو الذي دمر ليبيا، وثانيا وبما أنها تخوض الحرب بالوكالة نيابة عن أمريكا فكانت تريد نصيبها من الغنيمة.

 مشكلة أنقرة وكما اثبت التاريخ بشأن تجارب القوى أحيانا الحليفة والمتوسعة على أراضي الغير “اسبانيا وبريطانيا وفرنسا والبرتغال”، في مختلف مختلف بقاع الأرض، ارادت أكثر مما خصص لها المشروع الأمريكي. لهذا السبب كان التوتر أحيانا يطفو إلى السطح بين أنقرة وواشنطن ولكنه ما يلبث أن يهدأ بعد تفاهمات. اختارت أنقرة تحت قيادة رجب أردوغان مواصلة لعب دور وكيل واشنطن في الحرب على بلاد الشام وغيرها، ولم تنجح موسكو سوى بشكل نسبي في تعديل مواقف أنقرة، ولكنها ظلت تتطلع إلى فرضية تبديل توجهات الحالم بإحياء العثمانية.

 في منطقة إدلب التي تجمع فيها ما تبقى من قوات ما يسمى غربيا بالمعارضة السورية بعد تراجعها من أغلب مناطق سيطرتها السابقة وبينهم زهاء 18 الف أجنبي، بقي ضوء ما يعتبرونه المنار الذي يغري أنقرة وواشنطن بإمكانية إعادة تحويل مسار الحرب حتى وإن كان ذلك بعد حين، ولهذا وصلت الأحداث مرة أخرى مع بداية شهر فبراير 2020 إلى منعطف يقدر غربيا أنه قد يقود إلى مواجهة عسكرية سورية روسية مع تركيا بسبب معارضتها تقدم الجيش السوري الذي فاجأ الكثيرين بإجباره خصومه على الانسحاب بسرعة رغم ما حصلوا عليه من اسلحة وعتاد ودعم عسكري تركي أمريكي.

 خلال شهر أكتوبر 2019 ذكرت مصادر غربية في تصريحات لعدة مصادر إعلامية أنه من المستبعد أن يقوم الجيش السوري بأي عمل جدي في منطقة إدلب أو شرق الفرات لأنه مستنزف في حرب طويلة ولا يملك ما يكفي من الجنود ليقوم بعمل عسكري كبير خاصة وأنه منشغل بتأمين الأراضي التي استعاد السيطرة عليها، وأضافت هذه المصادر أن نقص الوقود لدى الجيش السوري بسبب الحصار الأمريكي والعقوبات يمنعه من تحريك قوات كبيرة وخاصة المدرعات والدبابات.

 على هذا الأساس يجب التحفظ في التعامل مع التحليلات الغربية الجديدة.

التقدم التدريجي

  جاء في تحليل نشرته وكالة أنباء رويترز يوم 8 فبراير 2020:

“يقول محللون ودبلوماسيون إن من المرجح أن تنتهج روسيا أسلوبا تدريجيا لمساعدة الحكومة السورية على استعادة آخر معقل يسيطر عليه مقاتلو المعارضة في إدلب مع إدراكها أن أي مواجهة مع تركيا يمكن أن تغرق موسكو في مستنقع عسكري.

واستعادت قوات الحكومة السورية بمساعدة هجمات جوية روسية مكثفة عشرات البلدات في محافظة إدلب خلال الأسبوعين المنصرمين في أكبر تقدم لها منذ سنوات. ولكن من غير المرجح أن تتدخل روسيا بقوتها العسكرية لتحقيق تقدم كامل في مدينة إدلب ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

وباتت هيئة تحرير الشام والفصائل تسيطر على 52 في المئة فقط من محافظة إدلب وأجزاء من المحافظات الثلاث المحاذية لها، حلب وحماة واللاذقية.

ومثل هذا التقدم سيساعد الرئيس بشار الأسد على أن يستعيد بشكل كامل سيطرته على سوريا، ولكن ذلك سيتضمن أيضا مجازفة بحدوث مواجهة كبيرة مع تركيا التي تدعم قوات المعارضة في الحرب.

وقال مصدر رفيع في المخابرات الغربية لرويترز إنه بدلا من ذلك يبدو أن روسيا تعتزم ”استقطاع“ أجزاء من الأراضي التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة بشكل تدريجي.

وهددت تركيا بالقيام بعمل عسكري إذا لم تتراجع قوات الجيش السوري بحلول نهاية الشهر وعززت المواقع التركية في المنطقة وأنشأت مواقع جديدة لإبطاء هذا التقدم. وتستضيف تركيا بالفعل 3.6 مليون لاجئ سوري.

وقال مسؤول تركي لرويترز إن ”النظام اقترب جدا من مدينة إدلب. ”قواعد الاشتباك في سوريا تغيرت، بدأت مرحلة جديدة الآن“.

ويمكن الآن لأكثر من مليون شخص يعيشون في المدينة، معظمهم سوريون نزحوا بسبب الحرب، سماع أصوات إطلاق النار. وقال إبراهيم سمعان الحاج الذي يعمل بدالا في المدينة ”الناس في كل مكان رعب و تشريد والخلق في الطرقات نايمة وحتى في السيارات ما في مكان تبرك فيه“.

معركة لا بد منها

 ناقش مسؤولون من تركيا وروسيا الهجوم يوم السبت 8 فبراير مع تصاعد التوتر بعد مقتل ثمانية جنود أتراك في قصف سوري لأحد المواقع مما دفع القوات التركية للرد. ويبدو أنه ليس من أولويات موسكو الدخول في معركة مكلفة من أجل مدينة إدلب.

وقال المنشق العسكري السوري العميد ركن أحمد رحال ”اليوم ما يهم روسيا هو فتح الطرق الدولية لأن هذه الطرق لها أهمية سيادية.“ الغوص في مستنقع إدلب المدينة مكلف جدا عسكريا وإنسانيا وهناك مليون مواطن بداخلها“. وقال قادة عسكريون معارضون ومصادر مخابرات غربية إن موسكو هي من سيقرر ما إذا كان سيتم دخول مدينة إدلب في مرحلة ما وموعد ذلك وهي خطوة تتضمن مجازفة.

وتقف الآن القوات البرية السورية قادمة من حلب على مشارف مدينة إدلب بعد السيطرة على مدينتي معرة النعمان وسراقب قرب طريق إم4-إم5 الاستراتيجي حلب المؤدي إلى حماة واللاذقية على البحر المتوسط.

 المعركة من أجل إدلب مرحلة حاسمة في حرب أدت إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى من المقاتلين والمدنيين وشردت ملايين داخل بلادهم أو خارجها وقسمت مواقف دول الشرق الأوسط بشكل أوسع منذ اندلاعها في 2011.

 وكان مصير المنطقة نقطة تركيز اتفاقيات روسيا وتركيا والتي ضمت إيران منذ 2017 والتي استهدفت تجنيب سكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة ويلات الحرب.

وقال مسؤولون أتراك إن التقدم الجديد يعرض للخطر التفاهمات التي تم التوصل إليها بموجب اتفاق أبرم 2018 وجعل تركيا، التي وسعت نفوذها في سوريا، تضمن السيطرة على الطرق الرئيسية التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة وتناول المسألة الشائكة المتعلقة بمصير المتشددين. وتتهم موسكو أنقرة بالتقاعس عن الوفاء بالتزاماتها.

وقال مصدر حضر اجتماع عقد في الآونة الأخيرة مع 40 من قادة مقاتلي المعارضة الذين تدعمهم تركيا إن المخابرات التركية أبلغت مقاتلي المعارضة خلال الاجتماع أن المحادثات مع موسكو أخفقت وعليهم التأهب للأسوأ مضيفا أن مدينة إدلب ”خطر أحمر“.

ولم تتعرض المدينة إلى حد كبير لقصف جوي خلال أحدث حملة عمرها شهران والتي أدت إلى نزوح نحو 600 ألف شخص من مناطق تقع إلى الجنوب والشرق.

خيارات محدودة

 من جانبها نشرت وكالة فرانس برس كذلك يوم السبت 8 فبراير تحليلا جاء فيه:

 لا تملك دمشق في الوقت الراهن العديد أو الموارد اللازمة لاستعادة محافظة إدلب كاملة، وفق محللين. في الانتظار، يجد آخر المقاتلين والمدنيين المعارضين في المنطقة أنفسهم أمام خيارات محدودة أحلاها مر.

منذ ديسمبر 2019، نجحت قوات الجيش السوري بدعم جوي روسي بالتقدم في مناطق في إدلب وجوارها التي كانت تحت سيطرة هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقا” وحلفائها وتؤوي أكثر من ثلاثة ملايين شخص

ويقول مدير قسم الشرق الأوسط في معهد دراسات الحرب نيكولاس هيراس لوكالة فرانس برس “لا يملك الرئيس بشار الأسد الموارد اللازمة للسيطرة على كامل إدلب في هجوم واحد”، مشيرا الى أن دمشق “تحتاج دعما روسيا من مستشارين وقوات جوية ودعم مدفعي” لكن “من غير المرجح” أن تحظى به “في هذه المرحلة من الحملة”.

والمحافظة ومحيطها مشمولان باتفاق أبرمته روسيا، أبرز حلفاء دمشق، وتركيا الداعمة للفصائل المعارضة في سوتشي في سبتمبر 2018، ونص على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مواقع سيطرة قوات الجيش السوري والفصائل. ونص الاتفاق على فتح طريقين دوليين، تسيطر الفصائل على أجزاء منهما، يمران عبر إدلب ويربطان محافظات عدة ببعضها قبل نهاية عام 2019. وتراجع التوتر لبعض الوقت بعد توقيع الاتفاق، لكن أي انسحاب لمقاتلي هيئة تحرير الشام لم يحصل، بل شنت الفصائل هجمات على القوات السورية ومطار قاعدة حميميم الجوية حيث تنطلق الطائرات الروسية وتقع جنوب شرق مدينة اللاذقية. وهكذا استأنفت دمشق هجماتها على مراحل، وتمكنت من قضم مناطق واسعة.

ويرى هيراس أن تصعيد قوات دمشق في إدلب يتم بموجب “ضوء أخضر” روسي “لممارسة ضغوط كبيرة على تركيا وإجبارها على تحمل المسؤولية في نزع سلاح هيئة تحرير الشام وحلفائها مقابل تعهد روسي بوقف الأعمال العدائية”.

وتستعد دمشق في الوقت الراهن لاستعادة طريق “أم 5” الاستراتيجي الذي يربط محافظة حلب بدمشق، ويتفرع منه طريق ثان يربط محافظة اللاذقية بإدلب. وقد سيطرت الجمعة على جزء كبير منه.

ويعرب هيراس عن اعتقاده أن “كلفة المعارك” للسيطرة على المناطق الواقعة شمال هذا الطريق، وبينها مدينة إدلب، مركز المحافظة، وصولا إلى الحدود التركية، هي “أعلى مما يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الأسد تحمله في هذه المرحلة مع تمركز هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها بأعداد كافية فيها”، ما يمكنها من الصمود.

تجميد مؤقت

وبدت تركيا حازمة في تحذيرات وجهتها إلى دمشق بعد تعرض مواقعها في إدلب يوم الإثنين 3 فبراير لقصف سوري أوقع ثمانية قتلى أتراك بينهم سبعة عسكريين. وأمهل الرئيس رجب طيب إردوغان دمشق حتى نهاية شهر فبراير لسحب قواتها من محيط نقاط المراقبة التركية في مورك والصرمان في جنوب المحافظة. وباتت هذه النقاط ضمن مناطق سيطرة الجيش مع تقدم قوات هذا الأخير خلال الأشهر الماضية.

وتواصل أنقرة إرسال تعزيزات عسكرية الى محيط مدينة إدلب. وشاركت، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تأمين الإسناد المدفعي للفصائل الجهادية والمعارضة في اشتباكاتها مع قوات الجيش السوري في اليومين الأخيرين.

ويرى الباحث المتابع للشأن السوري سامويل راماني أن مواصلة قوات النظام تقدمها “تعتمد على ما إذا كان الجيش السوري سيواجه مقاومة شديدة من القوات التركية” أم لا. ويضيف “إذا كان الأمر كذلك، فقد يرغب الأسد في تجميد النزاع مؤقتا ثم إعادة تصعيده بمجرد تجاوز الأزمة الراهنة في العلاقة السورية التركية”.

ولطالما كرر الأسد الذي تسيطر قواته على أكثر من سبعين في المئة من مساحة البلاد، عزمه استعادة إدلب. وقال في شهر أكتوبر 2019 إن “معركة إدلب هي الأساس لحسم الفوضى والإرهاب في كل مناطق سوريا”.

ويؤكد رئيس تحرير صحيفة “الوطن” السورية المقربة من السلطات وضاح عبد ربه لفرانس برس أن “إبقاء أي منطقة تحت الاحتلال الإرهابي أو التركي أو الأمريكي غير وارد”، موضحا أن “القرار متخذ” في هذا الشأن.

لكنه لا يستبعد في الوقت ذاته أن يحصل ذلك “على مراحل، ووفقا لاتفاقات دولية كاتفاق سوتشي”. ويقول “بعد تنفيذ الاتفاق وفتح الطريقين الدوليين، لا بد من التقدم وتحرير كامل المحافظة، شاءت تركيا أم أبت”.

مصير معلق

 تكتسب منطقة إدلب أهميتها من كونها المعقل الأخير لمعارضي الأسد.

وفي انتظار المضي في “تحرير” إدلب، يقول عبد ربه إنه سيتم “فتح المجال لمن يريد أن يستسلم أو أن يجري تسوية حقنا للدماء”. أما المقاتلون الأجانب “فلا خيار أمامهم سوى الاستسلام والمحاكمة أمام القضاء السوري أو الهرب والعودة من حيث أتوا، أي تركيا”.

وتخشى تركيا التي تستضيف حاليا أكثر من ثلاثة ملايين لاجىء سوري، تدفق موجات جديدة من النازحين إلى أراضيها، فتغلق حاليا حدودها بإحكام.

ويقول راماني “قد تكون إقامة منطقة عازلة جديدة في إدلب الخيار الأكثر ترجيحا، لكن من غير الواضح ما إذا كانت تركيا ستمضي في ذلك حتى النهاية”.

ويرى أن استمرار دعم أنقرة للمقاتلين سيمكنهم من الصمود، وتخليها عنهم يعني أن “مستقبلهم سيكون أكثر غموضا”.

ويخلص الى القول “قد ينضم بعض السوريين إلى تركيا كمقاتلين أجانب لكن معظمهم، إما سيكونون تحت رحمة قوات الجيش السوري، أو سيواجهون الحياة كنازحين أو لاجئين”.

تنسيق إسرائيلي

 يشير عدد من الملاحظين إلى تزامن وقوع غارات جوية إسرائيلية مع أعلان الرئيس أردوغان يوم 3 فبراير عن أن طائرات تركية قصفت 54 هدفا للقوات السورية في إدلب وقتلت 76 جنديا سوريا انتقاما لمقتل جنودها، ولكنهم يضيفون أن وزارة الدفاع الروسية أكدت من جانبها أنه لم يسجل أي خرق للمجال الجوي السوري الذي تراقبه الرادارات الروسية بشكل مستمر من جانب الطائرات التركية، فيما لم تعلن دمشق عن خسائر في صفوف قواتها، بل اتسع نطاق التقدم السوري.

 أمر آخر أشار إليه المراقبون أنه وفي الوقت الذي كانت قوات الجيش السوري تستعيد السيطرة على مدينة سراقب وأعلنت فيه أنقرة عن هجومها، قتل 23 مقاتلا سوريا ومن حزب الله اللبناني في غارات إسرائيلية على أهداف جنوب العاصمة دمشق، تقول تل أبيب إنها تعود للقوات الإيرانية في سوريا.

واتهم المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، ايجور كوناشينكوف، الجيش الإسرائيلي “باستخدام طائرة ركاب كدرع للوقاية من الصواريخ السورية عندما نفذ الغارات”، ووصف هذا التصرف “بالاستهزاء التام بحياة مئات المدنيين الأبرياء”.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية في بيان لها إن الطائرة كانت في مرمى أهداف سلاح الجو السوري لدى اقترابها من مطار دمشق، لكن مراقبي حركة الملاحة الجوية حولوا الطائرة لتهبط بسلام في قاعدة حميميم العسكرية شمال غرب سوريا، ولم تسم شركة الطيران المعنية.

ولم يصدر أي رد إسرائيلي على البيان الروسي، كما لم تعلن تل أبيب مسؤوليتها عن تنفيذ الغارة الجوية. لكنها كثيرا ما استهدفت مواقع تدعي أنها ترتبط بالجيش الإيراني في سوريا.

وكانت قوات الدفاع الجوي السورية قد أسقطت طائرة روسية، وقتلت 15 عسكريا روسيا، عن طريق الخطأ في سبتمبر 2018، أثناء الرد على ضربات إسرائيلية احتمت فيها الطائرات الإسرائيلية بصدى الطائرة الروسية على شبكات الرادار.

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين تحدثت عن تصاعد في التنسيق وتبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات التركية والإسرائيلية فيما يخص التطورات العسكرية على الساحة السورية خاصة نظم عمل أجهزة الدفاع الجوية السورية والروسية.

واشنطن تقدم الدعم

 في كتب السياسة والتاريخ ستدخل في أبواب المناورات وأساليب التغليط المواقف الأمريكية، حين تدافع عن غزو أجنبي لدولة ذات سيادة ولا تعتبر التنظيمات الارهابية مسؤولة عن معاناة وتهجير المدنيين.

  يوم الاثنين 3 فبراير أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، إنها تدعم حق أنقرة المشروع في الرد على اعتداء النظام السوري للقوات التركية في محافظة إدلب.

جاء ذلك على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس، في معرض إجابتها على أسئلة مراسل الأناضول. وأعربت مورتاغوس عن تعازيها لاستشهاد الجنود الأتراك في هجوم النظام السوري. وتابعت قائلة: “نقف إلى جانب تركيا الحليفة في الناتو، ونعزي حكومتها في ضحايا الهجوم، وندعم حقها المشروع في الدفاع عن النفس، ونواصل التشاور مع الحكومة التركية”. وذكرت أوتاغوس: “ندين الهجمات الوحشية التي يقوم بها النظام السوري وروسيا وإيران وحزب الله على إدلب”.

يوم الخميس 6 فبراير كشف الممثل الأمريكي الخاص للشأن السوري، جيمس جيفري، أن الولايات المتحدة تبحث سلسلة خيارات لمواجهة التطوارت في محافظة إدلب، معربا، في الوقت نفسه، عن قلق بلاده على حليفتها تركيا. وعبر جيفري، وهو أيضا المبعوث الخاص إلى ما يسمى التحالف الدولي، عن قلق واشنطن الشديد حيال ما يجري في إدلب، مشيرا إلى وجود خشية كبيرة من وقوع أزمة نزوح تطال الملايين من السوريين.

وأكد، في حديث مع مجموعة من الصحفيين في وزراة الخارجية الأمريكية، أنه سيتوجه إلى المنطقة بشكل عاجل لرؤية ما يمكن فعله لوقف النزاع في المحافظة، التي تعد المعقل الأخير للجماعات المعارضة.

وأوضح جيفري أن الإدارة الأمريكية تنظر في خيارات عدة لمواجهة الوضع في إدلب، من بينها فرض عقوبات إضافية. وقال “إن القرار التنفيذي الصادر في أكتوبر 2019 يعطي سلطة واسعة لملاحقة الأشخاص الذين لا يدعمون العملية السياسية وتحديدا لا يدعمون وقف إطلاق النار. وننظر في ما يمكننا أن نفعله في هذا الشأن”.

ويعود القلق الأمريكي، حسب جيفري، إلى “انخراط تركيا الحليف في الناتو في الصراع، حيث تم قتل تسعة أتراك وجرح عدد آخر خلال الأيام الماضية حين وقع تبادل لإطلاق النار بين الجيشين التركي والسوري”.

وكشف جيفري أن الولايات المتحدة تسأل الأتراك عن أي مساعدة يحتاجونها، وقال “إن لدى الأتراك جيشا قادرا وكفوءا. وهم الآن يعززون مواقعهم ولا نرى أي مؤشر على أن الأتراك سينسحبون من نقاط المراقبة في إدلب”.

ولاحظ جيفري ما سماه “عدوانية روسية متصاعدة في إدلب وفي الأمم المتحدة عبر عدم التجديد للمعابر الإنسانية التي تصل إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري.”.

كما أشار إلى “الاحتكاكات على الأرض بين الجنود الروس والأمريكيين في شمال شرق سوريا، وعدم مساعدة روسيا في إحياء اجتماعات اللجنة الدستورية المجمدة منذ جلستها الافتتاحية في أكتوبر 2019”. وذكر المسؤول الأمريكي إن “هذا النزاع خطير ويجب أن يتوقف وعلى روسيا تغيير سياستها”.

وذهب جيفري إلى القول إن “الولايات المتحدة لا تطالب بتغيير النظام في سوريا ولا تطالب الروس بالمغادرة، ولكن نطالب بما دعا إليه المجتمع الدولي والأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي”.

وعاد للحديث عن روسيا، وقال “يبدو أن روسيا تشعر أنه لا يمكنها دفع النظام السوري إلى عمل الأشياء الضرورية لتلبية تطلعات وحاجات المجتمع الدولي ولذلك يدفع الروس نحو انتصار عسكري”.

محاولة إنقاذ الإرهابيين

في رد على التصريحات الأمريكية، جدد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، يوم السبت، موقف موسكو من التطورات في محافظة إدلب السورية، متهما منتقدي موسكو بمحاولة حماية الإرهابيين هناك.

وخلال جلسة طارئة جديدة عقدها مجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في سوريا، أشار الدبلوماسي الروسي إلى أن ثمة سمة مشتركة لكل الجلسات من هذا النوع وهي أنها تعقد “وبالصدفة الغريبة، كلما وجد الإرهابيون في سوريا أنفسهم مهددين وتقوم الحكومة السورية باستعادة سيطرتها على أراضيها”.

وذكر أن الحديث يدور عن أراض سيادية لسوريا وعن مسلحين تعد محاربتهم “حقا وواجبا على عاتق حكومة أي دولة”.

وردا على اتهامات غربية موجهة إلى روسيا بسبب أداء طيرانها الحربي في إدلب، أكد نيبينزيا تمسك موسكو بقواعد القانون الدولي الإنساني، مشددا على أن جميع المواقع المستهدفة يتم تحديدها بدقة عالية.

كما ذكر الدبلوماسي بأن الإرهابيين يعمدون إلى تحويل منشآت مدنية، بما فيها مدارس ومستشفيات، إلى مواقع قتالية، وذلك في انتهاك سافر لاتفاقيات جنيف.

وأشار نيبينزيا إلى نتائج عمليات التحالف الدولي المدمرة في الرقة السورية والموصل العراقية، حيث قضى عشرات الآلاف جراء عمليات القصف الجوي، ناهيك عن عمليات التحالف الغربي في أفغانستان والصومال وغيرهما من الدول.

وأكد أنه ما دام المسؤولون عن حوادث قتل المدنيين جراء هذه العمليات لا يواجهون أي محاسبة، “فإن أي نقد بحق روسيا ليس سوى مهزلة لا تستند إلى أي أساس غير تسريبات مريبة إلى شبكات التواصل الاجتماعي وتقارير مراقبين مجهولين على الأرض”.

وختم الدبلوماسي بالقول إن “مطلقي هذه الحملة القذرة والوقحة” ضد روسيا “قد نسوا سعيهم إلى وقف تقدم القوات الحكومية السورية في إدلب بأي ثمن.. إن القانون الدولي الإنساني أنشأته البشرية كوسيلة لإحلال السلام، وليس كأداة حرب ونشر دعايات حربية”.

وأوضح نيبينزيا أن عناصر تنظيم “هيئة تحرير الشام”، المصنف إرهابيا على المستوى الدولي، كثفوا هجماتهم من إدلب منذ نهاية 2019 على القوات السورية والروسية، بما في ذلك قاعدة حميميم، وتم تسجيل أكثر من 400 عملية في ديسمبر 2019 وأكثر من 1000 هجوم في يناير 2020، وأكد أن هذه الحوادث أودت بحياة مئات المدنيين.

وأكد نيبينزيا في هذا السياق أنه يجب إعادة حقول النفط التي تم انتزاعها من سوريا لشعب هذا البلد بدلا عن سرقة ثرواته، في إشارة إلى موقف الولايات المتحدة التي تسيطر على هذه المواقع الاستراتيجية للاقتصاد السوري.

تراجع لغة التهديد

 بعد أقل من 48 ساعة على تهديد أردوغان بمواجهة الجيش السوري أعلنت وزارة الخارجية التركية يوم السبت 8 فبراير، أن المباحثات مع الوفد الروسي حول الوضع في محافظة إدلب، التي جرت في أنقرة ناقشت خطوات تعزيز العملية السياسية في سوريا.

وقال متحدث باسم الخارجية التركية: “جرت في أنقرة مباحثات استغرقت 3 ساعات، بين وفد تركي برئاسة نائب وزير الخارجية سيدات أونال، ووفد روسي رأسه نائب وزير الخارجية سيرغي فيشينين، إلى جانب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف”. وأضاف أن الوفدين ضما ممثلين عن وزارتي الخارجية للبلدين وعسكريين واستخباراتيين.

وتابع قائلا إن “الطرفين بحثا الوضع في إدلب، فضلا عن الخطوات اللازمة لدفع العملية السياسية إلى الأمام”. وختم المسؤول التركي بالقول، إن المجتمعين اتفقوا على مواصلة المباحثات في الأسبوع القادم.

 والأربعاء 5 فبراير أمهل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجيش السوري حتى نهاية فبراير، للانسحاب خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، مهددا بشن عملية عسكرية هناك، كما أعلن أن تركيا لا ترغب بالدخول في نزاع مع روسيا “في المرحلة الحالية”.

ويمتلك الجيش التركي في إدلب 12 نقطة مراقبة عسكرية أقيمت في إطار اتفاق منطقة خفض التصعيد ومنذ 8 فبراير أصبحت أربعة نقاط محاصرة من جانب الجيش السوري.

 الحكومة السورية من جانبها تؤكد أن الجيش السوري في نهاية المطاف أنجز اتفاق سوتشي بالقوة العسكرية بعد أن ظل الاتفاق دون تنفيذ بسبب عجز أو عدم رغبة أنقرة في الدخول في صدام مباشر مع جبهة النصرة وأخواتها وتنفيذ ما تعهدت به للروس بإبعاد هذه الفصائل وفتح الطرق الدولية.

اللعب على التناقضات

 يوم 5 فبراير 2020 جاء في تحليل كتبه أندريه أونتيكوف ونشرته صحيفة إزفستيا الروسية:

 تجري مقارنة تطور الوضع في إدلب السورية مؤخرا بحادثة إسقاط تركيا الطائرة الروسية في نوفمبر 2015. فالآن، بعد أن تكبدت القوات التركية خسائر بشرية نتيجة إطلاق القوات الحكومية السورية النار عليها، بات تفاعل موسكو وأنقرة في سوريا موضع شك، بل وجميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها في وقت سابق لحل النزاع في هذا البلد.

الصراع بين موسكو وأنقرة يفرح واشنطن. فعلاقات الأخيرة مع الأتراك في الآونة الأخيرة ليست وردية.

ومع أن واشنطن مشغولة الآن بضخ النفط السوري ومحاولة منع إيران من تعزيز نفوذها في المنطقة، إنما يستبعد أن تبقى على الهامش إذا زادت درجة التوتر بين موسكو وأنقرة. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، في تعليقه على حادثة إدلب، دعمه “لتركيا، حليف أمريكا في الناتو وردها المبرر في إطار الدفاع عن النفس”.

لا شك في أن الولايات المتحدة ستحاول إبعاد الأتراك عن موسكو والحفاظ في الوقت نفسه على شراكة مع الأكراد. بمعنى آخر، اللعب على التناقضات المتبادلة بين مختلف البلدان. هذا كله، يلائم مجموعة الوصفات التي يستخدمها الأمريكيون في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط وخارجه.

تكمن المشكلة أيضا في أن تركيا نفسها، كما لاحظ العديد من الخبراء، تعاني من وطأة التعاون الوثيق مع روسيا، فقد اعتادت على المناورة بين موسكو وواشنطن وبروكسل. وربما تفضل أنقرة استعادة التوازن المألوف. لكن، بالطبع، ليس على حسابها الخاص.

حتى الآن، تشير تصريحات المسؤولين الأتراك إلى أنهم لن يكسروا الوضع القائم. ويبقى السؤال إلى متى سيستمر هذا الوضع وما إذا كان الأتراك مستعدين لتقديم تنازلات جدية في الاتصالات مع روسيا. فالأخيرة، لن تتحمل بقاء إدلب معقلا للإرهاب إلى ما لا نهاية.

ارتباك وحيرة

 تقلب تصريحات ساسة أنقرة تكشف كذلك عن ارتباك حسب البعض فيوم 5 فبراير تناولت صحيفة “الفايننشال تايمز” البريطانية موضوع الخلاف بين بوتين وأردوغان وقالت:

  “لو أراد أردوغان التعبير عن غضبه من روسيا بسبب مقتل 8 جنود من قوات بلاده في سوريا فإن زيارته لأوكرانيا تفي بالغرض.

فقد ردد الرئيس التركي أثناء التحية الشرفية التي أقيمت له في القصر الرئاسي في كييف شعار “المجد لأوكرانيا” وهو شعار قومي مرتبط بمناوئة روسيا وكفاح أوكرانيا من أجل الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

وكانت كلماته المختارة أمام جيش يقاتل الانفصاليين المدعومين من روسيا، تصريحا لا مواربة فيه عن خلافه مع بوتين، بعدما تعرضت العلاقة البراغماتية بين أنقرة وموسكو إلى هزة قوية.

وقدرت الصحيفة أن الهجوم في سوريا فضلا عن التوتر بشأن ما يجري في ليبيا وأسعار الغاز دليل على أن العلاقات بين البلدين ليست مثالية على الرغم من قلق أعضاء حلف الناتو من التقارب بين أنقرة وموسكو.

وتقول الصحيفة في تقريرها إنه على الرغم من العدد الهائل من المكالمات بين أردوغان وبوتين واللقاءات بينهما لا تزال الكثير من مواقف روسيا تثير غضب تركيا.

فقد تشددت موسكو في رفع الحظر عن استيراد الطماطم التركية الذي فرضته بعد إسقاط الطائرة في 2015. كما أزعج موقع سبوتنيك الروسي المسؤولين الأتراك عندما فتح صفحاته لمنتقدي أردوغان.

وترى الصحيفة أن روسيا تبدو أكثر قوة من تركيا في تعاملها مع الملف السوري، ولكن أنقرة لها وزنها ايضا، إذ يمكنها استغلال نفوذها بين بقايا المعارضين للنظام في دمشق.

 جنى جبور، الخبيرة في السياسة الخارجية التركية في معهد العلوم السياسية بباريس، ذكرت من جانبها إن “أنقرة وموسكو مضطرتان إلى التعاون والحفاظ على علاقات جيدة، لأّن الدولتين مترابطتين اقتصاديا”.

واعتبرت جبور أن “الدولتين ستعرفان كيفية التفريق بين توترات ‘موضعية’ وبين الحفاظ على تعاونهما في مجالات رئيسة، خاصة الطاقة والدفاع”، مشيرة إلى أن انقرة وموسكو “تفضلان السياسة الواقعية والبراغماتية على صعيد إدارة علاقاتهما”.

ويذكر هذا المشهد بتعقيدات العلاقة بين تركيا وروسيا اللتان قامتا على أنقاض امبراطوريتين لطالما كانتا متنافستين واتصفت علاقاتهما تقليديا بالريبة المتبادلة.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here