عمر نجيب: هل تتخلى واشنطن عن وكلائها في الصراع الليبي وتتدخل مباشرة؟ مشروع الفوضى الخلاقة يهدد كل الشمال الأفريقي

عمر نجيب

  يوم الاثنين 5 نوفمبر 2018 اعتمد مجلس الأمن الدولي، قرارا، صاغته بريطانيا وتبنته الولايات المتحدة، بتمديد العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا حتى 20 فبراير 2020.

وحصل القرار الذي تم التصويت عليه في جلسة انعقدت بالمقر الدائم للأمم المتحدة في نيويورك على موافقة 13 دولة من إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم 15 دولة فيما امتنعت دولتان عن التصويت.

وأدان القرار الذي اعتبر الحالة في ليبيا بمثابة تهديد للسلم والأمن الدوليين، محاولات تصدير النفط غير المشروع من ليبيا، بما في ذلك من خلال المؤسسات التي لا تتصرف تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها السراج والمدعومة من طرف الدول الغربية.

 إدانة القرار لما سماه تصدير النفط بشكل غير مشروع استهدف الحكومة الليبية التي يوجد مقرها في بنغازي في شرق ليبيا والتي استعادت عبر الجيش الليبي أغلب الموانئ النفطية وذلك خلال شهري مايو ويونيو 2018 بعد أن كانت قد سقطت قبل ذلك في قبضة مجموعة من المليشيات.

 وكان الجيش الليبي قد أعلن يوم 26 يونيو 2018 إنه سلم السيطرة على الموانئ إلى شركة نفطية مملوكة للدولة مقرها في شرق البلاد، بعد عمليته العسكرية التي أدت إلى طرد ميليشيات مدعومة من جماعة الإخوان وتنظيمات متشددة.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط ومقرها طرابلس إنه ليس من حق الجيش الوطني الليبي أن يحدد من يسيطر على صادرات النفط، محذرة الشركات من “التعاقد مع مؤسسات موازية لشراء النفط”.

 غير أن العميد أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، قال في ظهور تلفزيوني إنه لن يسمح لأي ناقلة بأن ترسو في الموانئ الشرقية دون إذن من كيان للمؤسسة الوطنية للنفط مقره بنغازي.

وأضاف أن هذه الخطوة جاءت نتيجة لاستخدام إيرادات للنفط لتمويل ميليشيات إرهابية وأجنبية مثل “مرتزقة تشاديين”، وعدم اعتراف مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس “بتضحيات” قوات الجيش الوطني الليبي التي تحرس الموانئ وتحافظ على أمنها.

 الدول الغربية في مجلس الأمن تجاهلت كذلك الدعوات المتكررة سواء من طرف الحكومة الليبية المنبثقة عن البرلمان المنتخب سنة 2014 والتي يرأسها عبد الله الثني أو من جانب قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر ودول مختلفة منها مصر والامارات العربية وروسيا، لرفع الحظر على تزويد الجيش الليبي بالأسلحة ليتمكن من إعادة الاستقرار إلى البلاد وتصفية التنظيمات المسلحة الإرهابية ومنها داعش.

تصعيد

  مصادر رصد في برلين وباريس أشارت إلى أن الأزمة في ليبيا التي بدأت سنة 2011 بتدخل حلف الناتو لإسقاط نظام معمر القذافي تحت ذريعة دعم المعارضين له، تتجه نحو تصعيد أكبر ومواجهات أكثر حدة محليا وإقليميا ودوليا. هذا التصعيد يعود أساسا إلى قرار صدر في البيت الأبيض بدعم كبير من طرف الرئيس دونالد ترامب الذي يريد الهيمنة على مفاتيح تطور الأوضاع في ليبيا ومنع خسارة كل من روما ولندن لصراعهما من أجل أيجاد دولة فيدرالية أو تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات وهو مشروع أمريكي أصلا، وذلك في مواجهة تكتل يضم كلا من فرنسا وروسيا ومصر والامارات العربية، والذي وإن لم يكن يستند إلى توافق كامل، يتبنى فكرة تسوية للأزمة الليبية على أساس دولة موحدة تكون فيها الكفة راجحة للحكومة المنبثقة عن البرلمان المنتخب، والذي رفضت جماعة الإخوان الاعتراف به بعد خسارتها في إنتخابات 25 يونيو 2014.

واشنطن والوكلاء

   خلال الثلث الأخير من شهر أكتوبر 2018 ذكرت مؤسسة أبحاث أمريكية إن هناك مؤشرات قوية على عودة واشنطن إلى ليبيا مجددا بدلا من الإعتماد على حلفاء. وأفادت أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مترددة بسبب الخوف من نكسات محتملة كما حدث في العراق وسوريا. وكتبت مجلة “إنسايد أرابيا” الأمريكية، يوم الجمعة 21 أكتوبر، أن “هناك مؤشرات قوية على أن التنافس الفرنسي الإيطالي حول ليبيا، تسبب في تعقيد الأوضاع، وأن صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية أيدوا بشدة استئناف مشاركة وانخراط بلادهم المباشرة في ليبيا.

ونقل التقرير الأمريكي عن إليانا روس ليتينن، رئيسة اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قولها: “لقد تخطى الأمر تعيين سفير أمريكي جديد لدى ليبيا. نحتاج إلى إعادة فتح سفارتنا في طرابلس، لزيادة مشاركة الولايات المتحدة على الأرض”.

وذكر التقرير الأمريكي المطول أن هناك اهتماما أمريكيا للعمل في ليبيا، عن طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وقد تضمنت آخر التعيينات في هذه البعثة دبلوماسيين أمريكيين”، لافتًا إلى تعيين القائمة بأعمال السفير الأمريكي لدى ليبيا، ستيفاني وليامز، نائبة للمبعوث الأممي، الدكتور غسان سلامة، وتعيين الدبلوماسي الأمريكي، جيفري فيلتمان، مستشارًا خاصًا لسلامة.

 يشار إلى أن ليبيا تشكل لاعبا مهما في سوق النفط العالمية، لأن بإمكانها تعويض أي نقص في النفط بآخر أعلى في الجودة، بعيدا عن التوترات في الخليج العربي.

ونقلت المجلة الأمريكية على لسان، جاسون باك، رئيس مؤسسة “ليبيا أناليسيس” البحثية، ومقرها لندن، أن هناك مؤشرات أخرى على رغبة الولايات المتحدة في الضلوع بدور مباشر في ليبيا.

ورأى باك أنه ينبغي على إدارة ترامب إدراك أن الأمن القومي لبلاده، فضلا عن مصالحها الاقتصادية والنفطية، تفرض جميعها مشاركة الولايات المتحدة في لعب دور رئيسي على الساحة الليبية.

على النقيض من ذلك، اعترضت بسمة مومني، أستاذة الشؤون الدولية بجامعة واترلو الكندية، على الآراء السابقة، موضحة أنه بعد فشل الولايات المتحدة في العراق، تشعر الإدارة الأمريكية أنه من الأفضل البقاء بعيدا، وتجنب تكرار الخطأ نفسه في ليبيا.

وفي السياق نفسه، أوضح ديفيد باك، نائب سابق لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، أنه على واشنطن إدراك حاجتها إلى المشاركة في ليبيا، دون أن تصبح اللاعب الأكبر في البلد. وبأنه على جيران ليبيا القيام بذلك.

مساندة المليشيات

 بعيدا عن المواقف والتصريحات العلنية كثرت منذ منتصف سنة 2017 الأخبار التي تتحدث عن نقل مئات من عناصر التنظيمات المسلحة المنتمين إلى جنسيات مختلفة من ساحات القتال في كل من العراق وسوريا إلى ليبيا ومنطقة الساحل عبر الأراضي التركية، وكذلك تقديم الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأمريكية والبريطانية إمدادات عسكرية كبيرة لمليشيات من ضمنها داعش والجماعة الليبية المقاتلة وكتيبة أبو عبيدة الزاوي وجماعة “تحكيم الدين”، وهي جماعة محسوبة على تنظيم القاعدة و”مجلس شورى الشباب” و”اللواء السابع عشر من فبراير” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وجماعة الموقعون بالدم” وتنظيم “أنصار الشريعة”، الذي تأسس في شهر أبريل من عام 2012، ويضم هذا التنظيم أجانب من بلدان مجاورة وخاصة من تونس وهو مرتبط بتنظيم “أنصار الشريعة” في تونس من حيث “الأفكار الجهادية” والتنسيق الميداني والدعم المالي واللوجيستيكي.

 وتفيد مصادر رصد أن ليبيا وحسب مخطط المحافظين الجدد في واشنطن وفي نطاق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم دول المنطقة على أسس عرقية وطائفية ودينية إلى ما بين 54 و 56 دولة، يجب أن تكون ليبيا المنصة التي يتم منها تصدير ما يسمى بالفوضى الخلاقة إلى كل دول المغرب العربي ومصر.

سرقة أموال ليبية

 بتاريخ 31 أكتوبر 2018 كشف التلفزيون الحكومي البلجيكي عن بعض الأساليب التي أتبعت لتمويل التنظيمات المسلحة وذلك رغم الضغوطات التي تعرض لها، حيث ذكر إن الأصول المجمدة للحكومة الليبية بقيادة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في البنوك البلجيكية، جرى تحويلها للمليشيات التي تعمل في في ليبيا.

وأضاف التلفزيون البلجيكي الناطق بالفرنسية، وفقا لضابط استخباراتي لم يذكر اسمه، أن بلجيكا لم تلعب دورا محايدا في الحرب الليبية المستمرة منذ 7 أعوام، وأزمة الهجرة التي تشهدها المنطقة.

وأشار إلى أن المليشيات التي تعمل في مجال تهريب البشر في ليبيا، تسلمت منذ 2012 مبالغ مالية تتراوح بين 3 إلى 5 مليارات يورو، من فوائد وأرباح الأصول المجمدة لنظام القذافي في البنوك البلجيكية.

ولفت التلفزيون البلجيكي، أن تحويل هذه المبالغ جرى بموافقة وزير الخارجية البلجيكي ديدييه رايندرز، الذي كان يشغل منصب وزير المالية في تلك الفترة.

وكانت ليبيا من بين أكبر الدول المصدرة للنفط قبل عام 2011، وبقرار من الأمم المتحدة، جرى تجميد أكثر من 60 مليار دولار من أصول الصندوق السيادي الليبي في دول العالم.

وبموجب القرار الأممي، جرى تجميد 12.8 مليار يورو في بنك “إيروكليير” مقاصة السندات الأوروبية، و869 مليون يورو في بنك “كي بي سي”، و376 مليون يورو في بنك “أي إن جي”، و43 مليون يورو في بنك “بي إن بي باربياس لإورتيس” في بلجيكا عام 2011.

وبحسب مصادر في القضاء البلجيكي، فإن سلطات البلاد لم تتمكن من الوصول إلى هذه الأموال عندما حاولت وضع يدها عليها عام 2017.

وفي مارس 2018، أكدت المفوضية الأوروبية أنها لا تملك معلومات بشأن جزء من الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا واستعمالها لتمويل أنشطة تشكيلات مسلحة في البلاد.

مجموعات مسلحة أجنبية

 يوم 29 أكتوبر 2018 جاء في تقرير لوكالة فرانس برس: يشكل الجنوب الليبي الصحراوي في البلد المأزوم، قاعدة لمجموعات مسلحة متمردة متهمة بتغذية عدم الاستقرار في المنطقة.

ويقول علي أكري موليا، قائد الوحدة المكلفة بحماية المنشآت النفطية في أوباري في الجنوب الليبي، “كثرت أعمال الخطف والحرابة والسرقة” في الآونة الأخيرة.

وتغرق ليبيا في الفوضى منذ سقوط معمر القذافي في 2011. واستغلت مجموعات من المتمردين التشاديين والسودانيين، على غرار ما فعل أيضا تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق أخرى، الفوضى والانقسامات، لإقامة قواعد خلفية لها في الجنوب الليبي القريب من دولها، تنطلق منها لتنفيذ عمليات تهريب وأنشطة مختلفة.

وبحسب تقرير لخبراء في الأمم المتحدة نشر أخيرا، تسعى هذه المجموعات إلى “تعزيز وجودها في ليبيا لأهداف تخدم مصالحها”.

وتستفيد هذه المجموعات من حدود غير مضبوطة ومن دعم مجموعات وقبائل تعيش في المناطق الحدودية بين الدول الثلاث. ويقول خبراء إن جزءا من قبائل التبو التي تتوزع بين ليبيا وتشاد، متورطة في تهريب السلع والهجرة غير القانونية.

ويؤكد النائب في البرلمان الليبي عن منطقة الجنوب محمد امدور “حقيقة تواجد مسلحي المعارضة التشادية في مناطق عديدة من الكفرة مروراً بأم الأرانب وحوض مرزق بالجنوب على بعد أكثر من 400 كلم من الحدود التشادية. ويضيف لديهم تواجد على الأرض حيث يقيمون في منازل ولديهم سيارات، ولا يستطيع أحد الحديث معهم في ظل الفوضى التي تعيشها البلاد”.

ووجهت الى المتمردين التشاديين في الماضي اتهامات بالعمل كمرتزقة لدى الأطراف الليبية المتصارعة وداعميها الدوليين، كما أن القبائل والسلطات تتهمهم اليوم بتغذية أعمال العنف في الجنوب.

ونددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ب”تدهور الأوضاع الأمنية في الجنوب الليبي”، ودعت “السلطات الليبية إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة حيال حالة الانفلات الأمني التي تشهدها المنطقة”.

وقال العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم “الجيش الوطني الليبي”، لفرانس برس إن “غرفة عمليات حوض مرزق التي تشكلت بأمر القائد العام حفتر ستعمل على زيادة استتباب الأمن في الجنوب الليبي ضد العصابات الإجرامية والمعارضة التشادية التي باتت تعمل داخل الأراضي الليبية على الخطف والابتزاز وجني أموال طائلة قد تستخدم في أنشطة إرهابية مع عوائد التهريب والاتجار بالبشر عبر الهجرة غير الشرعية”.

وأشار إلى أن الزيارة التي قام بها أخيرا خليفة حفتر إلى تشاد ولقاءه مع الرئيس إدريس ديبي “جاءا في إطار توحيد الجهود في محاربة هذه الآفة والتنسيق المشترك لكي لا تكون ليبيا منطلقا لأي اعمال من شأنها تهديد دول جوار ليبيا أو تشكيل خطر على الليبيين”.

لكن الأمور لا تبدو بهذه البساطة على الأرض.

ويقول الخبير في الشؤون الليبية جلال حرشاوي من جامعة باريس 8 إن “الأراضي الجنوبية شاسعة، ولا تعد بنتيجة سياسية نوعية”، ما قد يدفع القوى الليبية الرئيسية الى العدول عن التدخل فيها.

ويشير حرشاوي الى أن نجامينا وباريس قلقتان أيضا من احتمال وجود متطرفين في المنطقة يمكن أن يهددوا أكثر منطقة الساحل. ويضيف أنه بالنسبة الى فرنسا وتشاد، “يفترض بحفتر أن يعيد الأمن الى هذه الأرض الشاسعة. وإذا كان اللواء حفتر قد كثف التصريحات المطمئنة، إلا أن الواقع لا يزال مثيرا للقلق خاصة على ضوء الحظر المفروض على تسليح الجيش الليبي”.

خلافات عميقة

 تعددت في سنة 2018 الاجتماعات الاقليمية أو الدولية المتعلقة بالصراع الدائر في ليبيا والذي أصبح العديد من المراقبين يميلون إلى وصفه بالحرب شبه الدولية.

ما بين الإثنين والاربعاء 12 و13 و 14 نوفمبر 2018 إنعقد في باليرمو بإيطاليا مؤتمر دولي للبحث عن حل للصراع.

 ووفق البيان الختامي للمؤتمر، شدد المجتمعون على أهمية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في ليبيا ربيع 2019، دون تحديد مواعيد دقيقة بخلاف مؤتمر باريس الذي بحث الملف نفسه.

وكانت الأطراف الليبية قد اتفقت في 29 مايو 2018، بالعاصمة الفرنسية، برعاية الأمم المتحدة والرئيس إيمانويل ماكرون، على إجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية، في 10 ديسمبر 2018، ووضع الأسس الدستورية بحلول 16 سبتمبر 2018، وهو ما لم يحدث.

 جاء في تقرير لوكالة فرانس برس بتاريخ 15 نوفمبر 2018 كشف مؤتمر باليرمو عن الخلافات العميقة وتضارب المصالح بين الاطراف الليبيين، وكذلك ايضا عن خلافات بين الدول المعنية بالملف الليبي، ما يعرقل التوصل الى حلول سريعة لإخراج هذا البلد من الفوضى التي يغرق فيها.

وقالت كلاوديا غازيني خبيرة الشؤون الليبية في “مجموعة الأزمات الدولية” إن “تصرف الوفود الليبية التي شاركت في مؤتمر باليرمو يكشف للأسف ان الخلافات بينهم لا تزال عميقة للغاية”.

وأوضحت أن بعض أطراف النزاع رفضوا الجلوس على الطاولة نفسها مع خصومهم، في حين أن الرجل القوي في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر زعيم “الجيش الوطني الليبي” رفض المشاركة في أعمال المؤتمر.

ويتشارك خالد صالح الكوافي الاستاذ في جامعة بنغازي مع غازيني في التحليل نفسه، ويعتبر أن مؤتمر باليرمو في جزيرة صقلية الايطالية “أظهر عمق الأزمة والإنقسام في ليبيا وهشاشة الوضع فيها”.

ورغم أنه قاطع مؤتمر باليرمو فإن المشير حفتر عاد وشارك في “اجتماع غير رسمي” مع ممثلين عن العديد من الدول المهتمة بالملف الليبي بينها مصر وروسيا والجزائر وتونس وفرنسا. كما شارك في هذا الاجتماع رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها غربيا فايز السراج.

وشهد مؤتمر باليرمو إنسحاب الموفد التركي لعدم دعوة تركيا للمشاركة في الإجتماع غير الرسمي يوم الثلاثاء 13 نوفمبر.

واعتبر اللواء احمد المسماري المتحدث باسم “الجيش الوطني الليبي” في مؤتمر صحافي الاربعاء ان “تركيا وقطر حضرتا الى باليرمو لحماية مصالح المجموعات الارهابية التي تقدم لها الدعم في ليبيا”.

وأضاف الكوافي “لقد استطاع المشير حفتر أن يكون نجم الملتقى برفضه لقاء الفرقاء وجلبه قادة دول لم يكونوا ضمن قائمة المدعوين، وكذلك استبعاده لدول مؤثرة من اللقاء كتركيا وقطر”.

واعتبرت غازيني في السياق نفسه أن “استراتيجيات التفرقة هذه تكشف أن الطريق نحو تقارب فعلي بين الأطراف لا تزال طويلة”، معتبرة أن ليبيا “بحاجة لوحدة فعلية من قبل المجتمع الدولي”.

من جهته، قال خالد المنتصر استاذ العلاقات الدولية في جامعة طرابلس “لن ينجح أي مؤتمر تمارس فيه الأطراف الدولية ضغوطا على الليبيين، وكلا منها يرسم حلا ومخرجاً للأزمة يطابق مصالحها فقط”.

واعتبر أن على الليبيين “أن يتفقوا على النقاط التي يجب أن يناقشوها، وهو للأسف أمر غير متاح لأنهم غير جاهزين بعد لقبول بعضهم البعض وتقبل الاختلاف”.

أما المحلل الليبي عماد بادي فاعتبر ان مؤتمر باليرمو انما يندرج في سياق حرب النفوذ بين روما وباريس بشأن الملف الليبي.

وأضاف “إن مؤتمر باليرمو لم يركز على تحسين العلاقات بين القطبين السياسيين الأساسيين، بل على سعي ايطاليا للرد على المبادرة الفرنسية”.

وبعد قمة حول ليبيا في باريس في مايو 2018، أخذت روما على باريس سعيها للتفرد بالملف الليبي.

كما أعربت إخلاص المزوغي الباحثة في الشؤون الأفرو أوروبية عن أسفها للخلافات بين الدول الاوروبية حول ليبيا وقالت “هناك إنقسام أوروبي حاد في رؤى الحل يؤثر سلباً على الوضع الراهن، والذي يتوقع أن يستمر لسنوات قادمة”.

واذا كان مؤتمر باليرمو قد اعتبر “فاشلا” برأي العديد من المحللين، فإن بعضهم شدد على أهمية اللقاءين اللذين نظمتهما الأمم المتحدة قبل افتتاح المؤتمر وشارك فيهما مسؤولون عن حكومة الوفاق الوطني وعن البرلمان الذي يتخذ من شرق البلاد مقرا.

وقد خصص الإجتماعان للشؤون الإقتصادية والأمنية وهما موضوعان لهما تأثير كبير على الحياة اليومية لليبيين الذين يعانون كثيرا من الأزمة الحالية.

وقد أشاد موفد الامم المتحدة الى ليبيا غسان سلامة بدعم المشاركين في مؤتمر باليرمو للاجراءات التي اتخذتها حكومة الوفاق الوطني بعد المعارك الدامية في سبتمبر 2018 بين مجموعات متخاصمة قرب طرابلس. والهدف من هذه الإجراءات الحد من الفساد وحل مشكلة السيولة وتراجع قيمة الدينار.

كما أوضح سلامة أنه تلقى “دعما” من جميع المشاركين للمؤتمر الوطني الذي ينوي عقده في ليبيا في مطلع العام 2019 قبل الدخول في الانتخابات المقررة الربيع المقبل.

ومع ذلك، قالت غازيني إنه “في الوقت الحاضر، لا يزال العديد من الليبيين غير متأكدين من شكل وأهداف هذا المؤتمر”.

من جهته، اشار فريدريك ويري، الخبير في معهد كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن “بعض مؤشرات الدعم لجدول زمني جديد للأمم المتحدة مشجعة بعض الشيء”.

لكنه قال إنه “لا تزال هناك تحديات كبيرة وخصوصا توحيد القوى الأمنية والمؤسسات الاقتصادية”.

 وسط هذه المتاهة التي تتخبط فيها ليبيا يبدو أن حكومات القاهرة وموسكو والامارات وإلى حد ما باريس تتجه لمنع واشنطن من استخدام مجموعات سياسية محسوبة على ما يسمى الإسلام السياسي والتنظيمات المتشددة والمسلحة للتحكم في مسار ليبيا، وذلك عبر تعزيز الجيش الليبي والحكومة المنبثقة عن البرلمان المنتخب، مع إمكانية إعطاء فايز السراج وبعض أنصاره دورا مما يزيح من يد واشنطن ولندن وروما ما يسمى بورقة الشرعية الدولية.

نتواصل مع سيف الإسلام القذافي

 يوم 13 نوفمبر 2018 أكد رئيس مجموعة الاتصال الروسية لتسوية الأزمة الليبية، ليف دينغوف، وجود اتصالات بين روسيا وسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

ولفت دينغوف أن هذه الشخصية الليبية أي سيف الإسلام لديها اعتبارات ووزن سياسي في بلاده، ولذلك سيكون ضمن الأطراف المشاركة في العملية السياسية الليبية.

وقال دينغوف في مقابلة خاصة لوكالة “سبوتنيك”، على هامش أعمال مؤتمر باليرمو :“سيف الإسلام اليوم يتصل بنا بانتظام كمشارك في عملية التسوية الليبية”. وتابع: “سيف الإسلام إيجابي للغاية، ويمكننا القول إنه سيكون أحد الأطراف المشاركين في العملية السياسية، لسبب بسيط هو أن هناك مجموعة معينة من الناس تدعم كل ما يتعلق بالقذافي وعائلته”.

لكن المسؤول الروسي ذكر بالعقوبات المفروضة على سيف الإسلام من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

ولفت دينغوف إلى أن “سيف الإسلام متفائل جدا، ولديه فريق يدعمه، ولكن يجب ألا ننسى أن هناك عقوبات ضده وحتى يتم رفع هذه العقوبات، لا أعتقد أن مشاركته ستكون مشروعة، لأن الانتخابات ستجري تحت رعاية الأمم المتحدة”.

وتابع: “أعتقد أنه في أي حال سيحتاج إلى تسمية مرشح يمثله ويمثل مصالح القبائل، بما في ذلك قبيلة القذاذفة”.

وأكد دينغوف أن روسيا لن تدعم أي شخص لا يدعمه الشعب الليبي مطلقا، مؤكدا: “روسيا هي الدولة التي يجب أن تكون جهة خارجية رئيسية من ناحية التأثير على مستقبل الليبيين، اليوم، الليبيون أنفسهم، وخاصة في طرابلس، لديهم نقص في الدور الروسي”.

رد على الخديعة

 جاء في تحليل نشر في لندن بعد التصريحات الروسية عن دور نجل القذافي جاء فيه: عَودَة الروس إلى ليبيا تَطور على وَجهٍ كَبيرٍ مِن الأهمية، ليسَ لأن روسيا دَولة عظمَى، وإنما أيضا لأن رئيسها فلاديمير بوتين لا يمكِن أن يَنسَى الخَديعة الكبرَى التي منِي بِها مِن الأمريكان وحلفائِهم الفِرنسيين والبِريطانيين، وتَمثلت في استصدارِ قَرارٍ عَن مجلس الأمن الدولي بإعطاءِ الضوءِ الأخضَر لتَدخل حِلف الناتو لإسقاطِ نِظام معمر القذافي بِذَريعَة حِمايَة المَدنيين.

الرئيس بوتين يتَحرك بطَريقةٍ ذكيةٍ جِدا في المِلَف الليبي، ويتَطلع للثأر مِن الأمريكيين والأُوروبيين الذين أهانوه وبِلاده، وأطاحوا بنِظام كانَ حَليفًا قَويا لروسيا، وكانَ قراره بمَنحِها امتيازات تِجارية ونِفطية بعَشَراتِ المِليارات مِن الدولارات، أحَد أبرَز أسباب هَذهِ الإطاحَة.

في مَدينَة باليرمو مؤتَمَران، الأول رَسمي عَلنِي ويشَكل واجِهةً غَير فاعِلَة، والمشارِكون فيه “شهود زور” ومَصيره الفَشَل حَتما مِثل نظيره الذي انعقَد في فرنسا في مايو الماضي، أما الثاني غير الرسمي الذي استبعدَ الإسلاميين المتَشددين، وضَم دوَل الجِوار الليبي وممَثلهم المشير حفتر، فهوَ المؤتَمر الحَقيقي وقَراراتِه الأكثَر فاعِليةً لأنها ستَأتي بتَوافُقِ الأطرافِ الرئيسية.

السراج قد يبقي في منصبه

 في نطاق العمل على إبعاد فايز السراج عن الإنغماس في الدور الذي تريده له واشنطن ولندن وأنقرة تجرى تحركات دولية ومحلية.

 جاء في تقرير نشر يوم 20 نوفمبر 2018: اتفق مجلس النواب الليبي في طبرق “شرق” مع المجلس الأعلى للدولة في طرابلس “غرب” على تغيير المجلس الرئاسي، الذي يقود حكومة الوفاق الوطني، لكن لم يحسم بعد بمصير فائز السراج، على رأس السلطة التنفيذية المعترف بها غربيا.

ففي 13 سبتمبر 2018، أعلن مجلس النواب، خلال جلسة طارئة واستثنائية، إقرار تغيير المجلس الرئاسي، وفصله عن الحكومة، في حين صوت المجلس الأعلى للدولة “نيابي استشاري”.بدوره في 15 أكتوبر بالموافقة المشروطة على مقترح آلية تغيير المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، والذي تقدم به مجلس النواب.

وينص المقترح على اختيار مجلس رئاسي جديد يتكون من رئيس ونائبين، وأن يقوم أعضاء مجلسي النواب والدولة، عن كل منطقة جغرافية من المناطق الثلاث “شرق غرب جنوب” بعقد مجمع انتخابي، وانتخاب مرشح واحد لعضوية المجلس الرئاسي، وتضمينه بعد أسبوع من اختيار الأسماء للإعلان الدستوري “دستور مؤقت يحكم البلاد منذ 2011”.

كما ينص المقترح أيضا على أن يكون رئيس الوزراء، منفصلا عن المجلس الرئاسي، وليس كما هو موجود حاليا حيث يشغل فائز السراج، منصب رئيس المجلس الرئاسي، ورئيس حكومة الوفاق الوطني معا.

كل ذلك جرى قبل أن يعلن رئيسا لجنتي الحوار عن مجلس النواب، عبد السلام نصية، ولجنة تعديل الاتفاق السياسي بالمجلس الأعلى للدولة بشير الهوش، خلال بيان مشترك، في 31 أكتوبر، توافق المجلسين حول إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، حيث سيكون المجلس الرئاسي الجديد مكون من رئيس ونائبين، ورئيس وزراء منفصل يشكل حكومة وحدة وطنية.

خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على معظم الشرق الليبي، قال عقب لقائه السراج، بمدينة باليرمو الإيطالية، بوساطة رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، إنه “يرحب ببقاء رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، في منصبه حتى موعد إجراء الانتخابات”، حسبما نقل عنه مصدر دبلوماسي إيطالي.

وعلى هامش مؤتمر دولي حول ليبيا، عقد في 13 نوفمبر الجاري، أشار حفتر، أنه “لا داعي لتغيير الحصان أثناء عبور النهر”.

حرب اعلامية

  في نطاق الحرب غير المعلنة التي تدور رحاها على الأرض الليبية شنت وسائل إعلام غربية حملة على موسكو قائلة أن الحرب في ليبيا ستكون نسخة من الحرب الدائرة على أرض الشام.

 وذكرت صحيفة “ذا صن” البريطانية يوم 9 أكتوبر 2018 أن مسؤولي الأمن البريطانيين أخبروا رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد تحويل ليبيا التي مزقتها الحرب إلى “سوريا جديدة”. وأضافت أن روسيا تقوم بنقل القوات والصواريخ إلى ليبيا، في محاولة منها لخنق أوروبا. وذكرت الصحيفة أن عددا من الضباط العسكريين من وحدة المخابرات “جي آر يو”، بالإضافة إلى عناصر من القوات الخاصة “سبيتسناز”، يعملون الآن في شرق ليبيا مضيفة أن هناك قاعدتين عسكريتين في طبرق وبنغازي”، وذلك تحت غطاء شركة التعهدات الأمنية “واغنر”، التي أقامت نقاطا عسكرية لها في ليبيا.

 في موسكو دحض ليف دينغوف، رئيس مجموعة الاتصال الروسية بشأن ليبيا، ما نشرته صحيفة صن، وأكد أن سياسة بلاده تهدف لاستعادة العلاقات الاقتصادية مع هذا البلد.

وقال دينغوف لوكالة نوفوستي اليوم: “الوقائع التي نشرتها صحيفة صن البريطانية ليست صحيحة على الإطلاق. في الوقت الراهن، أقرت قيادة بلادنا سياسة الدولة الروسية فيما يتعلق بليبيا، وهي تنحصر بمهام محددة تتعلق باستعادة الروابط الاقتصادية بين روسيا وليبيا؛ وكلفت قيادة البلاد لجنتنا بالتفاعل والتفاهم والتواصل مع جميع أطراف النزاع الليبي”.

كما أشار الدبلوماسي الروسي إلى أن بلاده تتفاعل مع اللاعبين الدوليين الرئيسيين المهتمين بحل النزاع، وهم إيطاليا وفرنسا ودول المنطقة، وهذا ما تؤكده زيارات ممثلي طرابلس وطبرق ومناطق ليبيا الأخرى إلى روسيا، بالإضافة إلى ذلك، يتم تنظيم زيارات متبادلة.

وذكر دينغوف: “هذه ليست المرة الأولى التي نتعامل فيها مع موقف يحاول فيه الآخرون عرض حقيقة تواصل روسيا مع أحد الأطراف الفاعلة في ليبيا كسياسة لدعم جانب واحد. المعلومات التي تتحدث عن دعم روسيا أحد أطراف النزاع لا تتوافق مع الواقع”.

وذكرت السفارة الروسية في لندن سابقا أن تقرير صحيفة “صن” لا علاقة له بالواقع. وأكدت البعثة الدبلوماسية أنها تنظر إلى هذا التقرير على أنه محاولة بائسة جديدة لتضييع المسؤولية “عن تدمير البلد وتدمير حياة ملايين الليبيين وتحميلها لروسيا، التي لا علاقة لها بالهجوم العسكري الذي شنه الناتو في عام 2011 على هذا البلد، في انتهاك صارخ لعدد من قرارات مجلس الأمن الدولي”.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here