عمر نجيب: هل تتحول المواجهة في ليبيا إلى حرب شبه دولية ؟ واشنطن منقسمة بين ركوب مغامرة التدخل أو الاعتماد على حلفائها

 

عمر نجيب

 شهدت ساحة الصراع العسكري والسياسي على الساحة الليبية تطورات متسارعة في الأسابيع الأخيرة من سنة 2019، تطورات دفعت العديد من الملاحظين إلى الاشارة إلى وجود تقارب كبير من معطيات الوضع هناك مع الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض بلاد الشام منذ منتصف شهر مارس 2011.

 في سوريا شكل تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وعدة دول غربية وخليجية لإسقاط حكومة دمشق، وكاد هذا التحالف أن يصل إلى هدفه في الربع الأخير من سنة 2015 رغم الصمود الأسطوري للجيش العربي السوري طوال أكثر من أربع سنوات. التدخل العسكري الروسي أساسا بالقوات الجوية إبتداء من 30 سبتمبر 2015 والدعم العسكري من جانب قوات حزب الله اللبناني والمستشارين الإيرانيين، مكن من تبديل الوضع وسمح للجيش العربي السوري باستعادة السيطرة على غالب اراضي البلاد ومواصلة استكمال المهمة في سنة 2019 وما بعدها.

 في ليبيا سعت واشنطن بعد أن مكنها التدخل العسكري لجزء من دول حلف الناتو من إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، إلى تحويل هذا البلد الشاسع الأطراف الذي تبلغ مساحته ما يقرب من 1.8 مليون كيلومتر مربع، ويعد رابع أكبر دولة مساحة في أفريقيا، ويحتل الرقم 17 كأكبر بلدان العالم مساحة، إلى منصة متقدمة لمشاريعها سواء في الشمال الأفريقي أو منطقتي الساحل ووسط أفريقيا.

 مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد في واشنطن والهادف إلى حماية إسرائيل وفرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة سياسيا وإقتصاديا، وإستكمال طوق الحصار على روسيا التي أخذت تستعيد قوتها، كان ينص على إعادة رسم حدود دول المنطقة على أسس عرقية وطائفية ودينية وقبلية إلى ما بين 54 و 56 دويلة. في ليبيا كان المخطط يقضي بتقسيمها إلى ثلاث دويلات، برقة وطرابلس وفزان، وجعلها منصة لتصدير ما يسمى بالفوضى الخلاقة إلى محيطها خاصة مصر ودول المغرب العربي ومنطقة الساحل.

 المخطط الأمريكي انتكس على غير ما انتظرته إدارة البيت الأبيض بهزيمة حلفائها على الساحة الليبية في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 يونيو 2014 والتي همشت ما يسمى بحركات الاسلام السياسي. ومنذ ذلك التاريخ وواشنطن تناور لتبديل الوضع وحققت بعض النجاح عندما فرضت ما يسمى بالاعتراف الدولي بحكومة فائز السراج رغم أن هذه الأخيرة لا تملك وجودا ماديا حقيقيا إلا إذا اعتبرنا خليط المليشيات والتنظيمات المسلحة التي برزت وتطاحنت خلال الفوضى التي أعقبت سقوط القذافي جهازا متماسكا.

 على الجانب الآخر من الصورة شكلت الحكومة الليبية المؤقتة المنبثقة عن مجلس النواب الليبي، جيشا تحت قيادة اللواء خليفة حفتر.

 قدرت الأجهزة الأمريكية ومعها بعض حلفائها أنه يمكن شل الجيش الليبي الجديد ومنعه من توسيع سيطرته على بقية الأراضي الليبية، عن طريق شغله بمعركة في قلب داره أي بمدينة بنغازي، وبواسطة المليشيات المسلحة الموصوفة أحيانا بالجهادية.

 في شهر أكتوبر 2014 نشبت معركة بين مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي بدعم من غرفة عمليات ثوار ليبيا ودرع ليبيا والجيش الليبي وبعض المؤيدين للجيش بالمدينة. المعركة كانت نتيجة مباشرة لخسارة قوات “ثوار بنغازي” وحلفائها هجومهم على مطار بنينا، مما سمح لقوات الجيش الوطني الليبي من تنظيم صفوفه والهجوم في عمق بنغازي. بحلول مايو 2016، سيطرت قوات الجيش على نحو 90 في المئة من المدينة، بما في ذلك ضاحية أنصار الشريعة الرئيسية في حي الليثي، وجامعة بنغازي ومصنع الاسمنت، وفي نهاية شهر يوليو إنتهت المواجهة بإنتصار الجيش الليبي وذلك رغم الدعم العسكري الكثيف الذي قدمته واشنطن وانصارها للتنظيمات المسلحة.

 مع نهاية سنة 2016 أخذ الجيش الليبي يوسع سيطرته تدريجيا غربا وجنوبا، فيما عملت واشنطن وأنقرة أساسا وعواصم أخرى على دعم خصومه بالسلاح والمشورة وعمليات التجسس والتدخل العسكري المباشر أحيانا.

 في الرابع من شهر أبريل 2019 بدأت قوات الجيش الليبي هجومها على آخر أهم معاقل خصومها أي العاصمة طرابلس في أقصى غرب البلاد والتي تجمعت فيها أغلب المليشيات الموصوفة بالجهادية تحت مسمى جيش حكومة الوفاق. المواجهات العسكرية كانت شرسة وصعبة في آن واحد خاصة وأنه موازاة مع كل تقدم أو تفوق للجيش الليبي، كانت واشنطن وأنقرة وغيرهما تقدم الدعم الكثيف لخصومه وتحت غطاء ذرائع مختلفة مثل التدخل المصرى والاماراتي والروسي. ولكن مع مرور الأيام تبين لأنصار حكومة السراج أنه لمنع حسم الجيش الليبي المعركة لصالحه يجب التدخل مباشرة، وهنا برز تكرار لصورة وسيناريو الحرب شبه الدولية على ساحة أرض بلاد الشام.

 تقول مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أته رغم إرسال تركيا علنا آلاف الأطنان من العتاد العسكري إلى ليبيا في انتهاك لقرار مجلس الأمن حول حظر ارسال الأسلحة، ورغم نقل أكثر من 3500 مسلح من اعضاء مليشيات جبهة النصرة وغيرها من سوريا إلى ليبيا لم يتحقق وقف تقدم الجيش الليبي. وتضيف أن مزيدا من الوحدات العسكرية التي وصفت بمناصرة للسراج أخذت تنضم إلى الجيش الليبي.

مواجهة مباشرة

يوم 7 ديسمبر 2019 ذكرت وكالة أنباء رويترز في خبر حصري لها أن القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا أفادت إن الجيش الأمريكي يعتقد أن الطائرة الأمريكية المسيرة التي فقدت قرب العاصمة الليبية طرابلس شهر نوفمبر 2019 أسقطتها في حقيقة الأمر الدفاعات الجوية الروسية وتطالب بعودة حطامها.

وقال الجنرال ستيفن تاونسند قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا إنه يعتقد أن من كان يدير الدفاعات الجوية في ذلك الوقت ”لم يكن يعلم أنها طائرة أمريكية مسيرة عندما أطلق النار عليها“.

وأضاف تاونسند في بيان لرويترز دون أن يخوض في تفاصيل ”لكنه يعلم الآن بالتأكيد ويرفض إعادتها. هو يقول إنه لا يعلم مكانها لكنني لا أصدق هذا“.

وذكر الكولونيل كريستوفر كارنز المتحدث باسم القيادة العسكرية في أفريقيا إن التقييم الأمريكي الذي لم يكشف عنه من قبل يخلص إلى أن من كان يدير الدفاعات الجوية عندما وردت أنباء إسقاط الطائرة المسيرة يوم 21 نوفمبر كانوا إما متعاقدين عسكريين روسا أو الجيش الوطني الليبي.

وأضاف كارنز أن الولايات المتحدة تعتقد أن من كان يدير الدفاعات الجوية أطلق النار على الطائرة الأمريكية بعدما ”ظن على سبيل الخطأ أنها طائرة مسيرة للمعارضة“.

وتنفي السلطات الروسية استخدام متعاقدين عسكريين في أي ساحة قتال خارجية وتقول إن أي مدنيين روسا ربما يقاتلون في الخارج هم متطوعون. وينفي الجيش الوطني الليبي تلقي أي دعم أجنبي.

وأفاد دبلوماسيون ومسؤولون بطرابلس إن حفتر، الذي يقول إنه يقاتل لتطهير طرابلس من الجماعات المسلحة ذات التوجهات الإسلامية، تلقى دعما من دولة الإمارات ومصر وكذلك من روس في الآونة الأخيرة.

وقال فردريك فهري وهو عضو كبير في مؤسسة كارنيغي الدولية للسلام إن مساهمات الروس فيما يتعلق بتعزيز القدرات في جميع المجالات ابتداء من القناصة إلى الأسلحة الموجهة بدقة يمكن لمسها في ساحة القتال مما يعزز معنويات قوات الجيش الليبي.

وذكر فهري الذي عاد من ليبيا في الآونة الأخيرة ”إنها تعطي حفتر تفوقا تكنولوجيا حقيقا“. وامتنع وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر عن التعليق بشكل مباشر على الطائرة المسيرة في مقابلة مع رويترز في بداية شهر ديسمبر ولكنه قال إنه يعتقد أن روسيا تحاول التأثير في مجريات الحرب الليبية لخلق وضع موات لموسكو.

وأبدى تاونسند قلقه العميق بشأن دور روسيا المتزايد في ليبيا بما في ذلك كيفية تأثيرها على ”السيادة الإقليمية ومهمة القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا لمكافحة الإرهاب“.

وقال محمد علي عبد الله مستشار الشؤون الأمريكية في حكومة الوفاق الوطني إن الطائرة المسيرة الأمريكية سقطت قرب معقل لمؤيدي الجيش الوطني الليبي في ترهونة التي تقع على بعد 65 كيلومترا جنوب شرقي طرابلس. وأضاف أن أكثر من 1400 من المسلحين الروس يعملون مع الجيش الوطني الليبي.

 واتهمت حكومة الوفاق الليبية، روسيا بتأجيج الصراع الدائر في البلاد، والسعي لإعادة السلطة إلى أنصار نظام معمر القذافي، ودعت واشنطن إلى لعب دور فعال لاستعادة الأمن والاستقرار في بلاد.

 روسيا من جانبها وعلى لسان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أكد خلال مشاركته في منتدى “الحوار المتوسطي” يوم الجمعة 6 ديسمبر في روسيا، أن الادعاءات حول وجود عسكريين متعاقدين من روسيا في ليبيا أو أي دول أخرى مجرد “شائعات”.

وأضاف لافروف إن الوضع في ليبيا يزداد تعقيدا بسبب كثرة اللاعبين. وشدد لافروف في مؤتمر صحفي مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو على ضرورة الأخذ بالاعتبار حساسية الوضع وقرارات مجلس الأمن في أي خطوات تتخذ في الشأن الليبي.. من جانبه أكد دي مايو أن الصراع الليبي ليس نتيجة خلافات داخلية فحسب بل تغذيه أطراف خارجية.

 وتقول مصادر رصد أوروبية وخاصة في باريس وبرلين أنه رغم الضجة المثارة حول الخلافات التركية الأمريكية، وهي في الواقع مشابهة للنزاع بين أعضاء في شركة أو منظمة واحدة حول تقاسم الغنائم ونسبة النفوذ، تنسق أنقرة مع واشنطن التحركات في ليبيا وقد تم عقد لقاءات متكررة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2019 بين مسؤولين عسكريين ومخابراتيين أتراك وأمريكيين بشأن المواجهة في ليبيا.

كما تم تشكيل خلية تنسيق إعلامية بين أجهزة أنقرة وواشنطن لتوجيه العملية الاعلامية الدعائية لصالح التوجهات الأمريكية التركية، وتم إعطاء دور للأجهزة الإسرائيلية التي قامت وتقوم بحملة لتشويه الحكومة الليبية المؤقتة وقواتها المسلحة على الصعيد العربي، وهذا ما تم بنشر أخبار عن نية حكومة بنغازي إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني وقد نفته حكومة عبد الله الثني بشدة.

اسلوب واشنطن

 يعتقد مراقبون غربيون أن تركيز واشنطن على الوجود الروسي في ليبيا هدفه تحذير الأوروبيين من تكرار ما جرى في سوريا، وأن موسكو التي باتت لاعبا رئيسيا في شرق المتوسط من خلال قواعد عسكرية وصلات قوية مع دول كمصر والامارات والسعودية باتت الآن تخطط للسيطرة على جنوب المتوسط وتطويق أوروبا من الجنوب وإنهاء الهيمنة الأمريكية والتغول الإسرائيلي.

ويشير المراقبون إلى أن واشنطن لا تريد أن تفوت في ملعب جديد ذي بعد استراتيجي لروسيا بعد سوريا، وهو ما يفسر التركيز الإعلامي على وجود مرتزقة روس ودفاعات قادرة على استهداف الطائرات الأمريكية، وربما الأوروبية، إذا نجح الروس في تثبيت وجودهم على الأرض.

وبات واضحا أن هناك خلافا جوهريا بين روسيا والولايات المتحدة ومن ورائها بعض دول في أوروبا، فالأولى تسعى لمواجهة الجماعات المصنفة إرهابية عبر دعم شركاء على الأرض يتولون هذه المهمة مثل الأسد في سوريا وحفتر في ليبيا، فيما يريد الأمريكيون استمرار حالة الغموض على الأرض وإدامة الصراع بين مختلف الأطراف.

وتعارض روسيا مؤتمر برلين الذي تستعد ألمانيا لعقده ويهدف إلى تثبيت الأمر الواقع، أي تمثيل الميليشيات، بما في ذلك المتهمة بالإرهاب، فيه تحت غطاء حكومة الوفاق. وتطالب موسكو بتوسيع دائرة المشاركين لتشمل التمثيلية للأطراف الليبية والإقليمية المؤثرة.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، إن “مؤتمر برلين فاجأني لعدم دعوة الأحزاب الليبية ودول الجوار وهو بالتالي فرصة ضائعة”. وأضاف أمام منتدى دولي لوزراء الخارجية بعنوان “ميد ديالوغز”، “آمل في أن نحرز تقدما في المستقبل مع مقاربة أكثر شمولية”.

وفي وقت سابق أعلن لافروف أن “أي طرف له صلة بليبيا وأيضا بالاتحاد الأفريقي الذي أُبقي بلا سبب بعيدا عن مؤتمر برلين يجب دعوته إليه”.

 محللون قدروا أن البيان الأمريكي عن الطائرة، يعكس ارتباكا في السياسة الأمريكية وصراعا بين عدة تيارات، أحدها يريد تدخلا عسكريا مباشرا لنصرة حكومة السراج، وآخر يعاكس ذلك ولا يرغب في السقوط في متاهات كالتي تتشكل على الساحة السورية. ويتساءل هؤلاء كيف أن الولايات المتحدة وهي قوة عالمية تنتظر أكثر من أسبوعين لتقول أنها اكتشفت أن الروس أسقطوا طائرتها. ويضيف هؤلاء أنه  وبتاريخ 20 نوفمبر 2019 أقرت إيطاليا، بتحطم طائرة مسيرة من نوع بريديتور، تتبع لسلاحها الجوي في ليبيا، وإذا كانت قد ذكرت أنها كانت في مهمة لدعم عملية “البحر الآمن”، فلم تفسر سبب وجودها في عمق الأراضي الليبية وبمنطقة المعارك حيث اصيبت بقذائف الجيش الليبي. يذكر أن خمس طائرات استطلاع تركية تم إسقاطها خلال فصل صيف 2019 في ليبيا. فيما أعلنت حكومة السراج اسقاط طائرة استطلاع تابعة للامارات.

وأظهر تقرير لموقع “رادار فلايت” حول الحركة الجوية قبالة الساحل الليبي وجودا متناوبا لطائرة الإنذار المبكر “بوينغ بيس إيغل” التابعة لسلاح الجو التركي انطلاقا من قاعدة قونيا الجوية. وحسب موقع شركة “بوينغ” الأمريكية المصنعة لهذا النوع من الطائرات، فإنها مزودة برادار يبلغ مداه 850 كيلومترا، وهي تجمع بشكل شبه يومي معلومات عن تطور ساحة المعارك.

الدور التركي

يشير ملاحظون في باريس وبرلين أن مجموعة من المخططين في واشنطن يحبذون الاعتماد على أنقرة لمواجهة الجيش الليبي وداعميه وهم لا يساندون تورطا أكبر للقوات الأمريكية في الشمال الأفريقي خاصة وأنهم يريدون تجنب مواجهة أوسع مع فرنسا التي تقدر أن البيت الأبيض يستغل الفوضى في ليبيا ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا لخلخلة المصالح والنفوذ الفرنسي والحلول مكانه.

  يوم الخميس 28 نوفمبر 2019 أعلنت الرئاسة التركية أن حكومة الوفاق الليبية وقعت اتفاقا عسكريا جديدا مع تركيا الداعمة الرئيسية لها.

وقالت الرئاسة التركية إن اتفاق “التعاون العسكري والأمني” تم توقيعه مساء الثلاثاء 26 نوفمبر 2019 خلال لقاء في إسطنبول بين الرئيس رجب طيب أردوغان وفايز السراج.

وجاء هذا الاتفاق على الرغم من دعوة أطلقتها الجامعة العربية للدول الأعضاء بوقف التعاون مع تركيا وخفض تمثيلها الدبلوماسي لدى أنقرة على خلفية الهجوم الذي تشنه في شمال سوريا.

ورفضت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا وقطر خصوصا ويبدو أن إيطاليا القوة المستعمرة السابقة تساندها، تلبية هذا الطلب.

وأكد أردوغان في يونيو 2019 أن تركيا تزود حكومة الوفاق الوطني بأسلحة معتبرا أن هذه المعدات العسكرية سمحت لطرابلس “بإعادة التوازن” الى الوضع في مواجهة قوات الجيش الليبي.

في 27 نوفمبر 2019، وقع الرئيس رجب طيب أردوغان، مذكرتي تفاهم مع فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لـ”حكومة الوفاق الوطني” الليبية.

وتتعلق المذكرتين، بالتعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس، وتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بهدف حماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي.

 يوم الخميس 5 ديسمبر 2019 صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وليبيا حول تحديد الصلاحيات البحرية بين البلدين، ستحقق هدفها طالما تمكنت الحكومة الشرعية في ليبيا من الصمود وبقيت متماسكة.

وأضاف “قبل كل شيء نحن وقعنا هذه الاتفاقية مع الحكومة الشرعية في ليبيا، وفي الوقت الراهن نوابنا في البرلمان يواصلون أعمالهم بهذا الخصوص، لتشريعها حتى تدخل حيز التنفيذ”.

وأشار أردوغان أن بعض الدول انزعجت من الاتفاق التركي الليبي، مبينا بالقول “اليونان، ومصر، والإدارة اليونانية في قبرص، ويحرضون الاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص”.

ولفت إلى أن الموضوع تم طرحه من قبل ألمانيا وفرنسا خلال القمة الرباعية في لندن حول سوريا، مبينا أنه أدلى بالتصريحات اللازمة في هذا الصدد.

وأردف “عندما أدليت بالتصريحات اللازمة في هذا الخصوص، أبدى الجانب الفرنسي انزعاجه حول الموضوع، بعدها قلت لماكرون لماذا تصرون على هذا الموضوع ؟ هل لديكم حقوق هنا ؟”.

وأضاف: “تركيا واليونان وبريطانيا هي الدول الضامنة في قبرص، إذن من أين تأخذ الحق بالتدخل؟ نحن لدينا حقوق كدولة ضامنة، وأبناء جلدتنا هناك، في جمهورية شمال قبرص التركية، ونحن نقف إلى جانبهم، وسنعمل حتى النهاية على حماية حقوقهم”.

وأشار إلى أن هناك جهات تحاول إطلاق الأكاذيب حول أن الاتفاقية لا تتلائم مع القوانين الدولية، مؤكدا أن الاتفاقية منسجمة بشكل كامل مع القانون البحري الدولي.

رفض اتفاق ترسيم الحدود البحرية

في بنغازي جدد وزير الخارجية في الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الهادي الحويج، رفض حكومته اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعه فايز السراج مع تركيا. وقال الحويج لقناة “روسيا اليوم” إن حكومة الوفاق الوطني “لا تملك الصلاحية في توقيع مذكرات التفاهم والاتفاقيات مثل هذه”، نظرا لأنه من الناحية الشكلية والقانونية لا يتمتع المجلس الرئاسي بالإجماع وهو ما يشترط ليكون مخولا في مثل هذه الحالات، بالإضافة إلى عدم حصوله على ثقة البرلمان كما ينص اتفاق “الصخيرات”.

كما أكد رفض الاتفاقية الموقعة مع تركيا لعدة أسباب منها زمن سريانها غير المحدد، بحيث “يستطيع من خلالها الجانب التركي استغلال الثروات في المياه الإقليمية إلى أجل غير مسمى”.

ووفقا له، فإن الاتفاقية أيضا تخلو من نص يوضح الآلية التي يجب اللجوء إليها عند الاختصام حول أحكامها، مؤكدا أن ما يثير القلق من هذه الاتفاقية هو “تسليم كامل ثروات الشعب الليبي في المناطق البحرية لدولة لا تربطها مع ليبيا علاقات الاحترام والصداقة، ولها طموحات استعمارية وتريد أن تستغل الثروات على حساب الشعب الليبي”.

وأكد الحويج أن حكومته ستستخدم كل السبل القانونية والسياسية وعلاقاتها مع مختلف دول العالم لوقف هذا الاتفاق.

الحسم العسكري

 على صعيد المواجهات المسلحة ينقسم المحللون بين من يتوقع حسما خلال أشهر قليلة إن لم يكن أسابيع لصالح الجيش الليبي بقيادة حفتر في حين يرى آخرون أن المواجهة ستطول ومرشحة لتورط مزيد من الأطراف الدولية فيها.

 يوم 5 ديسمبر 2019 وتحت عنوان الحرب الليبية قد تنتهي بانتصار حفتر، كتب رافيل موستافين في “نيزافيسيمايا غازيتا”، حول تداعيات توقيع مذكرتي تفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري بين طرابلس وأنقرة، وتحديد مناطق النفوذ البحري.

وجاء في المقال: “حصل الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على فرصة للانتصار في الحرب الدائرة، عقب تحول شيوخ قبائل مصراتة من دعم قوات حكومة “الوفاق” إلى دعم الجيش الوطني الليبي، إثر توقيع السراج اتفاقية التعاون الأمني والعسكري مع تركيا في اسطنبول.

أثارت هذه الاتفاقية غضب الخارج أيضا، بحسب العديد من التقارير الإعلامية العربية، حيث صرح وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ديندياس، ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، بعدم شرعية الاتفاقية العسكرية بين طرابلس وأنقرة. وتنص الاتفاقية على تدريب أطر عسكرية من حكومة الوفاق الوطني، وتطوير العلاقات بين العسكريين في البلدين. ووفقا لديندياس، فإنه من المحتمل جدا أن تواصل تركيا، بمساعدة هذه الاتفاقية انتهاك حظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2011. بالإضافة لذلك يرى الدبلوماسيان أن السراج قد تجاوز سلطته بتوقيع هذه الاتفاقية، بينما تتدخل تركيا في الشؤون الداخلية الليبية، الأمر الذي يتناقض مع الجهود العامة للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة الليبية.

وعلى الرغم من ذلك، فمن الأرجح أن تركيا لن تلق بالا إلى تلك الانتقادات الدبلوماسية، وليس سرا أن تركيا تنتهك الحظر على الأسلحة في ليبيا منذ فترة طويلة، وبشكل علني، وتزود أنصار السراج بسيارات مدرعة، وطائرات بدون طيار، وأنواع أخرى من المعدات العسكرية التركية، كما تشارك تركيا أيضا في التدريب وتنظيم العمليات العسكرية ضد قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. لكن أحدا لا يريد مواجهة تركيا بذلك، لعدم الرغبة في مواجهة اتهامات بمناصرة الطرف الآخر في الصراع. لكن ما يمكن أن يغير الوضع الليبي على الأرض، ويحول القائد الأعلى للجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، إلى النصر هو البيان الأخير الذي أدلى به شيوخ القبائل في مصراتة، الذين أعربوا عن سخطهم من تصرف السراج، الذي خان فعليا المصالح الوطنية للبلاد من أجل تركيا، بتوقيعه على هذه الاتفاقية، وفقا لهم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يهدد التحالف العسكري السياسي القائم بين القوات الموالية للسراج التي أنشئت في طرابلس، ومجموعات مصراتة.

وتتميز مجموعات مصراتة بأنها تضم الجنود الأكثر انضباطا، وتدريبا، كما أنهم يدافعون عن الحرية والاستقلال عن قبائل أخرى تضم مؤيدين لجماعة الأخوان المسلمين، ولا يقبلون عناصر الدولة الإسلامية والقاعدة، وكانت تضامنهم مع السراج بسبب كراهيتهم لحفتر، حيث لعب مقاتلو مصراتة الدور الأهم في دعم قوات الوفاق حينما بدأ حفتر هجومه على طرابلس أبريل 2019. وكانوا هم من أبدوا صلابة شديدة في الدفاع عن طرابلس، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت اليد الطولى في الدفاع لمجموعات مصراتة أم للأتراك بأسلحتهم ومستشاريهم.

لكن السخط الذي عبر عنه شيوخ القبائل لم يكن موجها ضد السراج وحده، ولكن أيضا إلى الشراكسة، الذين كانوا أيضا على استعداد للتعاون مع الأتراك، وهم حوالي 35 ألف من نسل الشركس “القوقاز” في ليبيا، ويعيشون هناك منذ القرن العاشر، ويشكلون كتلة كبيرة داخل مجموعات مصراتة، لذلك فمن غير المحتمل أن يتم اتخاذ قرار بشأن العلاقة مع السراج دون مراعاة العنصر الشركسي”.

مخاطر أزمة عالمية

 في منتصف شهر أبريل 2019 حذرت صحيفة دايلي تلغراف البريطانية في افتتاحيتها من مخاطر تحول الحرب في ليبيا إلى أزمة عالمية، نتيجة الهجوم الذي يشنه حفتر على العاصمة طرابلس.

وذكرت الصحيفة أن قوات الجيش الليبي تلقت دعما من فرنسا، قبل بدء الهجوم على طرابلس، وقالت إن حفتر قد يكون زار باريس قبيل بدء الزحف على العاصمة، وأجرى هناك سلسلة من الاجتماعات الأمنية السرية مع المسؤولين الأمنيين الفرنسيين، على الرغم من أن هذه الاجتماعات لم يعلن عنها رسميا، وفق الصحيفة.

وأضافت أن قوات حفتر تتلقى تدريبات على يد خبراء فرنسيين، الأمر الذي يثير قلق إيطاليا، التي تخشى من أن فرنسا تؤدي دورا مزدوجا في ليبيا، وتسعى للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني.

وتعتقد روما وفق الصحيفة أن عقد مؤتمر للسلام في ليبيا هو فرصة ذهبية لإعادة الاستقرار إلى هذا البلد، وأن تجدد القتال أدى إلى تأجيل عقد المؤتمر، ويعتقد أن توقيت الحملة العسكرية كان الهدف منه إلغاؤه.

وترى الصحيفة أن الدول الغربية ليست متفقة حول القضية. وتشير إلى موقف فرنسا يثير التساؤل، إذ أن باريس تؤيد في الظاهر حكومة الوفاق الوطني، ولكن المسؤولين في مجلس الأمن يشككون في أنها قادرة على توحيد البلاد، ويعتقدون أنها واجهة للإسلاميين المتطرفين والجماعات الإرهابية.

وتقول دايلي تلغراف إن العلاقات بين روما وباريس تدهورت إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية. أما روسيا فقد عطلت مقترحا بريطانيا في الأمم المتحدة لوقف القتال في ليبيا.

وترى الصحيفة التي تعكس إلى حد بعيد توجهات حكومة المحافظين في بريطانيا، أن الحرب في ليبيا لابد أن تتوقف من أجل استقرار البلاد ومن أجل صادراتها النفطية، وإلا فإن هذه الحرب ستؤدي حتما إلى أزمة جيوسياسية في العالم كله.

لماذا نجحت روسيا وفشلت أمريكا؟

 عودة بسيطة في الزمن تكشف عن تصورات بعض مخططي السياسة الأمريكية في ليبيا وهي تكشف جوانب العجز احيانا عن فهم عمق الصراعات في المنطقة العربية.

نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية نهاية سنة 2017 تحليلا كتبه كايلي أورتون وإنكولان بيغمان توقعت فيه فشل أمريكا في ليبيا وأوضح مقال على موقع المجلة أن روسيا تسعى إلى منع انزلاق ليبيا في الفوضى، وهو ما فشلت فيه واشنطن. وأشار المقال إلى أن ليبيا باتت بؤرة صراع ساخنة منذ عام 2011.

تتصارع الآن عدة قوى للسيطرة على الدولة المفككة، وقد انحازت القوى الدولية لمختلف أطراف الصراع. ويؤكد المقال أن المراقبين الغربيين يشعرون بالقلق من دعم روسيا لحفتر.

على ضوء التدخل الروسي في سوريا يقول معدا التحليل يبدو أن التاريخ يعيد نفسه. تحاول روسيا مجددا دعم حليف قوي لها داخل ليبيا وتدشين منطقة نفوذ لها في الشرق الأوسط. كما يبدو أيضا أن القلق الغربي له ما يبرره، إذ لطالما أكد حفتر مثلما فعل الأسد أنه يتصدى للإرهاب في ليبيا، حيث وجد تنظيم الدولة الإسلامية موطئ قدم راسخا له.

على عكس تحركاتها الفردية في سوريا، لا تشتمل استراتيجية روسيا في ليبيا فرض حفتر رئيسا لليبيا بالقوة، وإنما التعاون مع المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار في ليبيا بما يضمن مصالح موسكو.

استثمرت روسيا نفوذها في حفتر يضيف التقرير عبر استقباله في موسكو بترحاب شديد، ولقائه بأبرز المسئولين السياسيين والعسكريين الروس مثل وزير الخارجية ووزير الدفاع  كما زار حفتر حاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف، التي توقفت على ساحل ليبيا بعض الوقت.

وبطبيعة الحال، تتجاوز المساعدة الروسية لحفتر مجرد التقاط الصور وتبادل المديح. فقد قدم الكرملين: حوالي 3 مليارات دينار ليبي إلى مصرف ليبيا المركزي التابع لحفتر وأرسل فنيين روسا للمساعدة في تجديد وتطوير القدرات العسكرية للجيش الوطني الليبي، الذي يعتمد بشكل كامل تقريبا على الأسلحة السوفيتية.

تفرض الأمم المتحدة حظرا على تصدير السلاح إلى ليبيا، لذا لا يمكن لروسيا تسليح قوات حفتر بشكل مباشر، ولكن يمكنها إرسال أسلحة عبر مصر، وهي الجارة المؤيدة لحفتر ويقال إنها استضافت وحدة من القوات الخاصة الروسية. وعلاوة على ذلك ينوه التقرير فإن البعض في ليبيا مثل عبد الباسط البدري سفير ليبيا في المملكة العربية السعودية وحليف حفتر الذي زار موسكو يشجع علنا على نشر قوات روسية في ليبيا مثلما حدث بسوريا. وقال حفتر ردا على سؤال حول التعاون العسكري مع موسكو إنه “سيرحب بأي دور” روسي في ليبيا.

يرى معدا التقرير أن روسيا تأمل في تحقيق ثلاثة أهداف من دعمها لحفتر:

أولًا، تأمل موسكو أن ينمو نفوذ حفتر في ليبيا بما يكفي لإعطاء روسيا امتيازات اقتصادية، مما يعوض الخسائر المالية التي تكبدتها 150 مليون دولار من الأرباح من مشاريع البناء، و3 مليارات دولار من عقد السكك الحديدية الروسية وحوالي 3.5 مليارات دولار في أرباح من صفقات الطاقة وما لا يقل عن 4 مليارات دولار في مبيعات الأسلحة بسبب سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي.

ومع بلوغ حجم إنتاج النفط في ليبيا مستوى قياسي وسقوط منطقة الهلال النفطي في يد قوات حفتر، تعتبر الطاقة مجالا مربحا. وفي يوليو 2017 بدأت شركة روسنيفت النفطية الروسية العملاقة شراء النفط من شركة النفط الوطنية الليبية في إطار عقد مدته سنة واحدة ليكون بمنزلة خطوة مبدئية نحو “تجديد العقود المبرمة في عهد القذافي” وفقا لتصريح مسؤول روسي.

ثانيا، تأمل روسيا أن يساعدها حفتر على تعزيز موقعها العسكري على البحر الأبيض المتوسط، مما يسمح لموسكو باستعراض القوة بالقرب من سواحل أوروبا وتعزيز وصولها إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في عام 2008، عرض القذافي إقامة قواعد بحرية روسية في ليبيا. وعلى الرغم من أنه لم يحدث ذلك، ينوه التقرير، فقد أعاد المسؤولون الروس إحياء الفكرة، وتحدثوا مع حفتر حول إمكانية فتح قاعدة بالقرب من بنغازي.

استطاعت روسيا إيجاد موطئ قدم دائم في المنطقة بتدخلها في سوريا، لا سيما من خلال تأجير قاعدة بحرية في طرطوس لمدة 49 سنة. لكن الوجود في ليبيا يجعل مبادرات روسيا تجاه الحكومات الإقليمية تبدو أكثر واقعية بكثير، وسيحبط المحاولات الأوروبية لردع التدخل الروسي.

وأخيرا، تسعى روسيا إلى أن يكون لها دور في تسوية الأزمات الإقليمية. ولتحقيق هذه الغاية، ستكون مقامرة شديدة إذا اعتمدت روسيا حصرا على حفتر، الذي لا يزال لم يسيطر على كامل ليبيا. ولا يقتصر منافسوه فقط على حكومة الوفاق الوطني، بل أيضا المتمردين المتمركزين في مصراتة، ووجود حالة من عدم اليقين بشأن هيمنته العسكرية يهدد المصالح الروسية في ليبيا، لا سيما الترتيبات طويلة الأجل مثل عقود الإيجار. لكن الوضع مختلف في سوريا، يستدرك التقرير، إذ إن الأسد في السلطة منذ سنوات ويستفيد من تشرذم المعارضة وأعداد كبيرة من القوات البرية الإيرانية، بينما لا يمتلك حفتر هذه المزايا.

لذلك، لم تلقِ روسيا بكامل بيضها في سلة واحدة، فعلى الرغم من شراكتها مع حفتر، تواصل روسيا تأييدها رسميا لجهود صنع السلام في ليبيا عبر التحاور مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة غربيا. وفي حين أن الكرملين غالبا ما يفرط في تعامله مع المجتمع الدولي.

تعليقا على ذلك، قال ليف دينغوف  رئيس مجموعة العمل الروسية المعنية بليبيا التي تديرها وزارة الخارجية ومجلس النواب في مقابلة أجريت مؤخرا “إننا لا نريد أن نرتبط بأي من جانبي النزاع”. وأضاف أنه لا يمكن لأي من حفتر أو السراج أن يحكم ليبيا بمفرده.

ويشدد التقرير على أن من مصلحة روسيا وجود حكومة ائتلافية في ليبيا يكون حفتر قائدا لقواتها المسلحة بدلا من سيطرة الأخير على كامل البلاد. فالبديل الأول يعني تدبير مصالحة سياسية بين الأطراف المتحاربة في البلاد، وبالتالي تحقيق الاستقرار الكافي لتبرير تأمين الاستثمارات الاقتصادية والمنشآت العسكرية على المدى الطويل دون خوف من أنها يمكن أن تفقدها فجأة كما حدث بعد سقوط القذافي.

كيف ترى أمريكا الوجود الروسي في ليبيا؟

 لكن التقرير يرى أن التدخل الروسي المتزايد في ليبيا لا يحظى بشعبية عالمية. إذ تنظر الولايات المتحدة على وجه الخصوص بعين الشك إلى دور روسيا؛ فقد حذر قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا مؤخرا من أن موسكو “تحاول التأثير على القرار النهائي وعن تحديد الجهة المسؤولة عن الحكومة داخل ليبيا”.

استبعد الرئيس دونالد ترامب المشاركة في إعادة الإعمار أو الحفاظ على وجود عسكري في ليبيا، وهو موقف يحد من قدرة واشنطن على التأثير على ما يحدث هناك. وفي حين أن التواجد المحدود له امتيازاته وخاصة لمن يكرهون الالتزامات طويلة الأجل أو التنافس مع قوى أجنبية فهذا لن يوفر لواشنطن النفوذ اللازم لتشكيل النتائج السياسية المحلية. وفي غياب الولايات المتحدة، ستملأ حکومات أجنبية أخرى حتما هذا الفراغ وتسعى للتوسط للسلام.

أعربت روسيا عن اهتمامها بالصراع الليبي، وأبدت رغبتها في إيجاد حل يشارك فيه المجتمع الدولي، وقامت باستثمار مواردها المالية والعسكرية. ومن المرجح أن تجد بعض الدعم لجهودها لصنع السلام، بما أن سياستها تتفق مع سياسات مصر والإمارات العربية المتحدة. كما أن الاتحاد الأوروبي حريص أيضا على التوصل إلى اتفاق سلام، لأنه يحتاج إلى الحد من تدفق اللاجئين من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط.

يختتم المقال بالقول إن أكبر فائدة ستحققها روسيا من استثمارها في ليبيا ليست قاعدة ولا عقدا. بل القدرة على إثبات ما أخبرت به العالم ومواطنيها في السنوات الأخيرة، ما تفسده الولايات المتحدة، يمكن لروسيا إصلاحه.

لطالما أكد المسؤولون الروس على أن ليبيا سقطت في وحل الفوضى بعد تدخل الناتو عام 2011، الذي انتقده رئيس الوزراء آنذاك بوتين، باعتباره المثال الأوضح على عدم الاستقرار الذي تسببه التدخلات التي تقودها الولايات المتحدة. إذا كانت مغامرة بوتين الليبية تؤتي ثمارها، فإن روسيا قد أظهرت أنها يمكن أن تشكل نتائج سياسية دائمة في الخارج دون غزوات أرضية مكلفة أو حملات جوية مدمرة. ومثل هذا الانتصار النفسي قد يكون أثمن مكافأة على الإطلاق.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here