عمر نجيب: معركة طرابلس ومخاطر تحول الصراع في ليبيا إلى حرب شبه دولية تحالف الناتو منقسم بسبب مواقف برلين وباريس

عمر نجيب

  عندما بدأ الجيش الليبي يوم 2 أبريل 2019 بقيادة المشير خليفة حفتر حملته العسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس اختلفت تقديرات الخبراء والمراقبين السياسيين والعسكريين حول مسار تلك الحملة، فمنهم من ذهب إلى القول أن سيطرة الجيش على طرابلس لن تستغرق سوى أيام قليلة في حين قال آخرون أن المواجهة العسكرية ستكون طويلة ومحفوفة بالمخاطر والمفاجآت لمجموع أطرافها، وذلك بسبب تقلب التحالفات الداخلية للمليشيات المتعاونة سواء مع الجيش الليبي أو مع أنصار حكومة فائز السراج خاصة تلك التابعة بشكل أو بآخر إلى حزب العدالة والبناء الذراع السياسي لجماعة الإخوان في ليبيا، وكذلك بسبب التدخلات الخارجية. وتؤكد وكالات أنباء دولية ومنها رويترز وفرانس برس أنه يوجد في طرابلس حوالي 35 فصيل مسلح من ضمنها داعش والقاعدة.

 مع انتصاف شهر أبريل 2019 وبعد احراز الجيش الليبي تقدما على عدة محاور في إتجاه وسط العاصمة طرابلس، أكد مراقبون أن المواجهة تحولت مرحليا إلى عمليات كر وفر وفي نفس الوقت واصل الجيش الليبي جلب مزيد من الامدادات إلى خطوطه الأمامية وتأمين خطوط مواصلاته الطويلة من الشرق، في حين قامت المليشيات المناهضة للجيش الليبي بإستقدام قوات إضافية من خارج العاصمة خاصة من مدينة مصراتة الواقعة إلى الشرق ومن صفوف مجموعات أنصار الشريعة الموزعة في عدد من المناطق الليبية. قيادة الجيش الليبي اتهمت تركيا وقطر بجلب مئات من المقاتلين من ساحة القتال السورية لتعزيز مليشيات ما يسمى الإسلام السياسي. في وسط هذه المتاهة تم الكشف عن وجود مزيد من القوات الأجنبية خاصة تلك التابعة لحلف الناتو في ليبيا ومساهمتها في إسناد حكومة السراج. وعلى الجانب الآخر اتهمت قيادات من حزب العدالة والبناء مصر والامارات العربية وروسيا بدعم الجيش الليبي الذي يقوده المشير حفتر.

برنار هنري ليفي المفكر الفرنسي المناصر للحركة الصهيونية والذي يوصف بعراب الثورات العربية طالب الغرب بدعم حكومة الوفاق في ليبيا لمواجهة الجيش الليبي. في حين نسقت واشنطن مع الأجهزة التركية عمليات دعم القوى التي تعمل على منع تقدم الجيش الليبي، وكثف البيت الأبيض ضغوطه على القاهرة لوقف دعم حفتر وحكومة عبد الله الثني.

دعم موسكو والقاهرة

 ذكرت مصادر إعلامية في لندن: استثمر قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي لمنع أي تدخل غربي في ليبيا تحت مسمى المشروع السياسي الأممي والمعارضة الفرنسية لبيان أوروبي مناهض لعملية الجيش في طرابلس، بالتحرك الخارجي لدعم معركة استعادة طرابلس، فيما تراهن قواته على استنزاف الميليشيات على أطراف العاصمة الليبية.

وبينما تحدثت أنباء عن زيارة حفتر الى موسكو، ظهر قائد الجيش الليبي في القاهرة حيث استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يوم الأحد 14 أبريل، بحضور عباس كامل رئيس المخابرات المصرية وأحد أهم المشرفين على الملف الليبي والإقليمي.

ويسعى حفتر للحصول على الدعم المصري في معركة طرابلس بوصف القاهرة الساحة الخلفية لتحرك قواته باتجاه العاصمة.

وقال بسام راضي، الناطق الرسمي بإسم الرئاسة المصرية، إن الرئيس السيسي بحث خلال اللقاء مع حفتر في قصر الاتحادية بالقاهرة، مستجدات وتطورات الأوضاع في ليبيا.

وركز اللقاء على تقييم المستقبل السياسي لعملية طرابلس العسكرية، حيث تريد مصر، التي تدعم الجيش الليبي، الاستفادة من الأجواء الراغبة في عودة الاستقرار إلى طرابلس وتوفير حل متكامل، ووقف تمدد  الميليشيات والعناصر المتطرفة.

وأكد الباحث الليبي في جامعة عمر المختار فوزي الحداد أن الملف الليبي محوري بالنسبة للقاهرة، ولقاء السيسي وحفتر جاء في سياق محاولات التفاهم على الخطوات اللازمة لتخفيف الضغط المتوقع على الجيش الليبي لإيقاف المعارك، وتوفير مساندة أفريقية بحكم رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي في الدورة الحالية.

وكانت أنباء قد تحدثت عن توقف المشير خليفة حفتر في القاهرة قادما من موسكو، حيث التقى بعدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين الروس، وبحث معهم تطورات معركة طرابلس، على ضوء تحركات عسكرية لتركيا وإيطاليا، في مدينة مصراتة.

وكانت روسيا قد منعت بداية شهر أبريل صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي يدعو قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لوقف عملياتها في طرابلس.

ولم يؤكد المسؤولون الليبيون والروس خبر زيارة حفتر إلى موسكو. إلا أن مصادر سياسية ليبية أكدت لـصحيفة ”العرب” زيارة المشير حفتر الى موسكو قبل توقفه في القاهرة.

وقالت المصادر في تصريح لـ “العرب” أن قائد الجيش الليبي يدرك ان تركيا وقطر لن تقفا مكتوفة حيال معركة استعادة طرابلس سواء بدعم الميليشيات في طرابلس ومصراتة أو مطالبة دولا أوروبية بالتدخل المباشر، الأمر الذي دفع حفتر التوجه الى موسكو والقاهرة بحثا عن الدعم.

ولم يستبعد الناشط السياسي الليبي، كمال المرعاش، أن يكون المشير حفتر قد طلب في موسكو تمكينه من منظومات جوية هجومية لمواجهة التهديدات التي تنطلق من القاعدة الجوية في مصراتة، ومن القاهرة مراقبة الأجواء والمياه الإقليمية الليبية.

وجاءت زيارة المشير حفتر إلى القاهرة، بينما لا يزال تقدم قوات الجيش الليبي إلى وسط طرابلس متعطلا، في رهان عسكري على استنزاف الميليشيات المدافعة عن المدينة عبر فتح جبهات متعددة على طول المحور الجنوبي وبدعم مصري.

وفرضت جملة من التحركات لتركيا وبعض الدول الأوروبية في أجواء ومياه ليبيا، على الجيش الليبي، تغيير نسق عملياته الميدانية لتحرير العاصمة طرابلس، باتجاه تكثيف الضغط على الميليشيات المسلحة، باستخدام الصواريخ وسلاح الجو الذي قصف عددا من الأهداف في محيط طرابلس.

وربط كمال المرعاش في تصريح لـ”العرب”، اللقاء الذي جمع السيسي وحفتر، بالتطورات الميدانية على مستوى المعركة الدائرة حاليا في محيط العاصمة طرابلس.

وألمحت مصادر سياسية مصرية إلى أن القاهرة لن تتردد في دعم الجيش الليبي في معركة استعادة طرابلس من الميليشيات، إذ سبق للجيش المصري القيام بعمليات استهدفت مراكزهم في أماكن مختلفة في ليبيا.

ولم تستبعد تكرار ذلك في أي منطقة داخل ليبيا إذا اقتضت الأمور، طالما هناك تهديد للأمن القومي المصري.

وقال المرعاش في اتصال هاتفي مع “العرب” من العاصمة الفرنسية، باريس، إن توقيت زيارة المشير خليفة حفتر للقاهرة، يكتسي أهمية بالغة لسببين اثنين، أولهما أنه يأتي بعد زيارة حفتر لموسكو، واجتماعه بكبار المسؤولين الروس، بينما الثاني له علاقة بزيارة الرئيس السيسي لواشنطن، وإجتماعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وكشف في هذا السياق، أن القيادة العامة للجيش الليبي، “رصدت تحليق طيران أجنبي في أجواء ليبيا، ينطلق من مطار الكلية الجوية  بمدينة مصراتة، التي يتواجد فيها نحو 1800 ضابط وعسكري إيطالي”.

وأكد أن إيطاليا “زودت الميليشيات التي تسيطر على الكلية الجوية بمصراتة، برادارات حديثة، وأنظمة دفاع جوي متطورة حالت دون تمكن سلاح الجو الليبي من استهدافها”.

وأضاف أنه تم أيضا رصد وصول بعض العسكريين الأجانب إلى مصراتة، وذلك في الوقت الذي كثفت فيه تركيا من تدخلها في الشأن الليبي، من خلال تقديمها المزيد من الدعم اللوجستي للميليشيات، شمل الأفراد والسلاح والذخائر.

وكان العميد أحمد المسماري، الناطق الرسمي بإسم القيادة العامة للجيش الليبي، قد أكد يوم السبت 13 أبريل، تورط تركيا في دعم الميليشيات المُسلحة، حيث أشار إلى أن “هناك رحلات جوية من تركيا تنقل مقاتلي النصرة السابقين ممن قاتلوا في سوريا باتجاه ليبيا”.

وأوضح أن تركيا “ترسل أيضا أسلحة بشكل مباشر إلى مصراتة وطرابلس عبر مالطا”، لافتا إلى أن عدد المسلحين الأجانب في طرابلس “ارتفع بشكل ملحوظ، إلى جانب التأكد من أن أجانب يقودون طائرات حكومة الوفاق في غاراتها على المواقع الليبية”.

وقبل ذلك، اعتبر المسماري، أن مطار الكلية الجوية في مصراتة “تحول إلى قاعدة إيطالية كاملة”، محذرا في نفس الوقت ايطاليا من عواقب تدخلها في الشأن الليبي.

بداية عمليات التجنيد

 في بداية الحرب شبه الدولية في سوريا سنة 2011 ذكرت تقارير استخبارية سورية، بأن عددا من المقاتلين الذين اكتسبوا خبرة خلال المعارك ضد قوات الزعيم الليبي الراحل “معمر القذافي”، نقلوا بإشراف القيادي الليبي “عبد الحكيم بلحاج” المقرب من تركيا للقتال في سوريا، وتحدثت تقارير أن بلحاج الذي بات يملك شركة طيران باسم ” الأجنحة للطيران” ذاته زار سوريا أكثر من مرة خلال العامين 2011 – 2012.

ونجح بلحاج خلال تولى حكومة الإخوان للحكم في ليبيا برئاسة عمر الحاسي، في الحصول على التراخيص اللازمة من مصلحة الطيران المدني لتشغيل الشركة، والتي يبدو أنها تولت عمليات نقل المقاتلين بين سوريا وليبيا. ولا تشير المعطيات وتاريخ بلحاج الذي كان معتقلا بأنه صاحب رأس مال يكفي لإنشاء مشروع كهذا، ويمكن الاستنتاج أن بلحاج ليس المالك الحقيقي للشركة، أو أن جهة ما قدمت له الأموال بهدف انشاء خطوط جوية.

وفي الأول من نوفمبر2017 تحدثت تقارير عن وصول مقاتلين من العراق و سوريا إلى ليبيا وقد تجمع المقاتلون الوافدين حينها في الكفرة جنوب البلاد. وأشرف حينها أمير”فيلق الأمة” في سوريا الليبي المهدي الحاراتي بالتعاون مع بلحاج على تنظيم انتقاء المقاتلين ممن يمكن الاعتماد عليهم في القتال داخل ليبيا. وذات العام أعلنت الإدارة العامة لمكافحة الإرهاب التابعة لقيادة الجيش الليبي أنها ألقت القبض على 16 مقاتلا من جبهة النصرة في كمين، أثناء تسللهم إلى ليبيا عبر صحراء الكفرة جنوب البلاد. كانوا يحملون الجنسية السورية والسودانية وكانوا قد شاركوا في القتل في سوريا.

وتبدو أن خطوط نقل المقاتلين لم تقتصر على الحاجة العسكرية في جبهات القتال، إنما كانت تأخذ طابعا تدريبا لاكتساب الخبرات القتالية سواء في المدن والجبال كما طبيعة المعارك في سوريا أو القتال في الصحراء كما الأمر في ليبيا. وتم فيما يبدو اعتماد مطار معيتيقة فى طرابلس وميناء مصراتة البحري والجوي كمعابر لدخول المقاتلين والسلاح.

وفى يونيو 2017 نشرت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية وثائق مسربة، تكشف عن تدريب أعداد كبيرة من شباب دول شمال أفريقيا ومن أوروبيين ينحدرون من أصول مغاربية قبل تسفيرهم للقتال في سوريا والعراق. وقال حينها المتحدث الرسمي باسم تلك القوات ان سفارة خليجية في طرابلس كانت تشرف مباشرة على عمليات الاستقطاب والتجنيد والتدريب والتسفير.

وكانت ليبيا قد تقدمت خلال عام 2017 بشكوى إلى الأمم المتحدة ضد تركيا بسبب شحنات سلاح تنتهك حظر توريد الأسلحة الاممي إلى ليبيا، بعد أن تم ضبط شحنات سلاح في ميناء “الخمس” قادمة من تركيا.

“داعش” يهاجم قوات حفتر

 ويسجل المراقبون أنه يوم 11 أبريل أعلن تنظيم “داعش” مسؤوليته عن قتل 6 عناصر من قوات “الجيش الوطني الليبي” بالقرب من مدينة سبها جنوب غربي ليبيا. وأفادت وكالة “رويترز” بأن تنظيم “داعش” نشر هذه المعلومات عبر وسائل الدعاية التابعة له.

من جانبه، أكد المتحدث باسم “الجيش الوطني الليبي” أحمد المسماري وقوع الهجوم، لكنه نفى سقوط قتلى في صفوف قوات الجيش الليبي.

يذكر أن قوات الجيش الوطني الليبي أحكمت السيطرة على مدينة سبها في يناير 2019 بعد أن أطلق حفتر عملية عسكرية واسعة النطاق ضد جماعات مسلحة في جنوب وغرب ليبيا.

 يوم الأحد 14 أبريل أكد اللواء أحمد المسماري، أن معركة طرابلس تسير على 7 محاور، متوقعا فتح محور ثامن في المعركة خلال الأيام المقبلة.

وقال المسماري، في مؤتمر صحفي: “قوات الجيش تتقدم بشكل ممتاز في محور صلاح الدين.. نفذنا ضربات جوية ناجحة استهدفت مخازن الأسلحة.. العمليات الجوية تقدم الدعم للقوات البرية في عمليات طرابلس”.

وأضاف: “فقدنا اليوم إحدى طائراتنا الحربية خلال معركة طرابلس بعد أن فقد الطيار السيطرة عليها بسبب عطل فني.. وقائد الطائرة العقيد طيار جمال بن عامر بصحة جيدة”.

وتابع الناطق باسم الجيش الوطني الليبي: “توجد دول بعينها تدعم المليشيات في ليبيا، ووردتنا معلومات عن نقل قوة مرتزقة إلى طرابلس قوامها 350 عنصرا”.. “هنالك علاقة بين الإرهابيين في ليبيا والهجمات التي وقعت في باريس وبرلين وغيرها من المدن الأوروبية.. رصدنا أجانب في أماكن معينة ونتحقق من الأمر”.

وأشار المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، إلى رصد طائرات دون طيار تتجسس على القوات العسكرية التابعة للمشير خليفة حفتر على مدار الساعة، وقال: “القوات المسلحة العربية الليبية تقاتل من أجل العالم ومن أجل الإنسانية ومن أجل السلام في المنطقة”.

موسكو وواشنطن

 يرى عدد كبير من المراقبين والسياسيين خاصة في باريس وبرلين أنه بعد نجاح الجيش الليبي التابع لحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن البرلمان الليبي المنتخب في يونيو 2014، في فرض سيطرته على شرق ليبيا وجنوبها وأغلب مناطق انتاج النفط خلال السنوات الماضية، ستشكل سيطرته على طرابلس نهاية لمشاريع كل القوى التي راهنت على تحويل ليبيا إلى قاعدة لنشر الفوضى الخلاقة في الشمال الأفريقي ودول الساحل ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي وضعه المحافظون الجدد، وتبعا لذلك تتزايد مخاطر تورط كل من روسيا والولايات المتحدة  المباشر كما جرى ويجري في بلاد الشام.

 وتقول مصادر روسية أن قرار حفتر شن هجوم على طرابلس يدل على أن تسوية الأزمة الليبية وفقا لمخططات الأمم المتحدة قد وصلت إلى طريق مسدود. وقد أعلن المشير حملته على طرابلس لتحرير العاصمة من الإرهابيين والمتطرفين. والمقصود التشكيلات العسكرية والسياسية السابقة للإخوان، وكذلك هياكل العصابات المسلحة. وبعضها يندرج في هياكل حكومة الوحدة الوطنية، المخصخصة في الواقع.

وفي الواقع، تشكل هذه المجموعات تهديدا للعملية السياسية، التي قد تنطلق يوما ما. فكل منها قد يعلن التمرد إذا لم يعجبها شيء ما. من الناحية النظرية، ثمة ضرورة لمساعدة حفتر في الحد من عدد هذه المجموعات على الأقل، لكن معظم القوى الغربية لا تريد مساعدته. يرى البعض أنه نسخة من القذافي، والبعض الآخر يفضل السراج الذي يرى كثير من الناس أنه لين ومطيع لإرادة الغرب.

أخطار معركة طويلة

 كتب كيريل سيمونوف، في صحيفة “آر بي كا”، الروسية يوم 12 أبريل: هجوم الجيش الوطني الليبي جاء مفاجئا للمراقبين. رهان حفتر، مرتفع للغاية. ففي حالة عدم نجاح العملية أو فشلها، يمكن أن يخسر الكثير، بما في ذلك دعم الحلفاء الحاليين.

 في الوقت نفسه، فإن موقف المجتمع الدولي هو الذي شجع انطلاق مرحلة جديدة من التصعيد في ليبيا. يمكن افتراض أن المشير منح الضوء الأخضر من مسانديه لغزو طرابلس، لكنه قيد بإطار زمني. فكلما امتدت العملية، قلت حظوظ بقائه ضمن شرعية قانونية دولية ما.

من المرجح أن يتحدد موقف روسيا تبعا لسير العملية العسكرية. فعلى ما يبدو، في حال فشل حملة حفتر العسكرية الحالية، سيتراجع دعم روسيا له، وتنشط الاتصالات مع حكومة السراج، كما جرى غير مرة في السنوات الأخيرة. وهناك مقدمات لمثل هذه النتيجة، فلم تنجح السيطرة على طرابلس بضربة خاطفة.

إلى ذلك، فليس هناك ما يسوغ الرهان على دعم سكان غرب ليبيا، الذين بدوا متعبين من الفوضى وينتظرون إرساء النظام من حفتر. فبدلا من ذلك، بدأت تعبئة جماهيرية، لا مثيل لها منذ العام 2011.

فإذا ما انضمت فصائل أخرى موالية لحكومة الوفاق الوطني، من تلك المتحفظة حتى الآن على المشاركة في القتال، فإن موقف حفتر سيصبح حرجا ليس فقط في طرابلس، إنما في ليبيا ككل.

من ناحية أخرى، يمكن لهذه المجموعات أن تنضم إلى حفتر، فتبقى لدى الجيش الوطني الليبي قدرات تحرك واسعة… عندها سيكون قادرا على إعادة تجميع صفوفه وتوجيهها إلى مصراته، بدلا من طرابلس، الأمر الذي لن يتسبب في مثل هذا الرد الدولي القوي ويجبر السراج على مواصلة المفاوضات. لا يستبعد أن تمارَس ضغوط خارجية على طرفي النزاع لإجبارهما على وقف القتال، لكن فرص استئناف الحوار وعقد مؤتمر سلام تتلاشى كل يوم.

يد قوية لجمع حطام ليبيا

يوم الجمعة 5 أبريل كتب داريا رينوتشنوفا، في صحيفة “فزغلياد” الروسية، ليبيا في حاجة إلى يد قوية مثل يد حفتر تعيد لم أشلائها، فهل يسيطر على العاصمة؟

وجاء في المقال: أمر المشير خليفة حفتر قواته بشن هجوم على طرابلس “لتحرير المدينة من الإرهابيين”. وبالمقابل، أمر رئيس الحكومة المعترف بها غربيا، فايز سراج، جميع الوحدات الموالية لحكومته بالدفاع عن العاصمة. خلال عطلة نهاية الأسبوع، بدأ قتال شوارع في ضواحي طرابلس.

  المستعرب ألكسندر إغناتينكو، رئيس معهد الدين والسياسة أشار إلى أن خليفة حفتر، سوف يتمكن من السيطرة على طرابلس، وقال: يتشكل انطباع بأن العملية العسكرية معدة بشكل جيد، فقدت حشدت لها القوات والوسائل اللازمة، كما أنها مهيأة بشكل جيد سياسيا، فلها مسوغات سياسية حقيقية، وأهمها الحرب ضد الإرهابيين”.

وأضاف: “إلى الآن، هناك معلومات متضاربة تأتي من منطقة المعركة. فعلى وجه الخصوص، ظهرت معلومات تفيد باستقالة أحد نواب رئيس الوزراء فايز السراج. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن مجموعة السراج بدأت تنهار من الرأس.. وبعض الفصائل المسلحة، التي كانت قبل بدء العملية ضد حفتر، تنتقل الآن إلى جانبه. إذا لم أكن مخطئا، هم مقاتلون من مدينة مصراتة”.

ولكن إغناتينكو، لفت إلى أن المعلومات الواردة أعلاه لم يتم تأكيدها بعد من جهات مستقلة.

إلى ذلك، فالسيطرة على طرابلس لا تعني نهاية الحرب. ففي الوقت الحالي، يبقى السؤال ما إذا كان المشير سينجح في توحيد البلاد لاحقا، كما قال إغناتينكو، وأضاف: ” حل الأزمة الليبية، بلا شك، يسير عبر طريق توحيد كل الحطام بيد واحدة قوية. ليس بالضرورة إعادة إنشاء دولة موحدة. قد تكون فدرالية، وحتى كونفدرالية. المشير حفتر هو تلك اليد القوية التي تظهر قدراتها هذه الأيام. لكن في العام 2011، تم تفتيت ليبيا إلى درجة أنها ستكون معجزة إذا نجح حفتر في إعادة توحيدها”.

يوم الاثنين 8 أبريل أكدت وكالة فرانس برس أن علي القطراني نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية قد استقالته من المجلس بسبب انفراد فايز السراج رئيس المجلس بالقرارات، معلنا دعمه للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر. وقال القطراني، في بيان، إن سلوك السراج الذي تحركه المليشيات لن يقود ليبيا إلا إلى مزيد من المعاناة والانشقاق.

ووصف القطراني المجلس الرئاسي بـ”ضعف الإرادة وتدني مستوى الأداء”، محملا إياه المسؤولية عن حالة الانهيار في كافة قطاعات الدولة وتفاقم معاناة المواطن.

وثمن القطراني تقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس، لتخليصها من سيطرة التنظيمات الإرهابية والمليشيات الإجرامية المسلحة، مؤكدا أن السراج خرق الاتفاق السياسي الليبي بانفراده بممارسة اختصاصات المجلس بتحريض من هذه المليشيات.

موازين القوى في طرابلس

يوم 12 أبريل 2019 جاء في تقرير لوكالة أنباء الأناضول:

مازال اللواء السابع، المتمركز بمدينة ترهونة الليبية الواقعة على مسافة 90 كلم جنوب شرق العاصمة طرابلس، يثير التساؤل حول موقفه من الهجوم الذي أطلقه الجيش الليبي للسيطرة على طرابلس، وما إذا كان يقف فعلا على الحياد أم أنه يشارك في القتال ضمن اللواء التاسع الذي يحقق اختراقات مفاجئة في الضواحي الجنوبية للعاصمة.

فبعد اليوم الأول من هجوم قوات حفتر على طرابلس، في 2 أبريل، أعلن اللواء التاسع ترهونة اللواء 22 سابقا، مشاركته في الهجوم، ورغم صدور بيان منسوب للواء السابع يتبرأ فيه من اللواء التاسع، ويصف عناصره بأنهم “مجموعة من الفارين من المدينة ولا تربطهم أي علاقة إدارية أو عسكرية” به، إلا أن عميد بلدية ترهونة “عياد البي”، أعلن أن قوات اللواء السابع تخوض أشد المعارك بالعاصمة ضد قوات حكومة الوفاق، المعترف بها غربيا.

كما ذكرت عدة مواقع إخبارية داعمة لحفتر، أن اللواء التاسع، تشكل بعد دمج قوات اللواء22، مع عناصر اللواء السابع.

وإذا نظرنا إلى سير المعارك التي يقودها اللواء التاسع، حاليا في طرابلس، نجد أنه يتحرك على نفس المحور الذي تقدم منه اللواء السابع في 2018؛ مطار طرابلس الدولي، ثم قصر بن غشير، وعين زارة، وصلاح الدين.

وفي الوقت الذي فشلت قوات حفتر، التي ينتمي أغلب عناصرها من المنطقة الشرقية، في التقدم عبر محوري صبراتة الزاوية، وغريان المطار القديم، حقق المحور الذي يقوده اللواء التاسع اختراقات خطيرة في عمق طرابلس، ووصل إلى منطقة عين زارة وحتى محور صلاح الدين، الذي لا يبعد كثيرا عن مداخل وسط العاصمة، مما يوضح الفرق بين أداء القوات التي لديها معرفة بأرض المعركة وقوات أخرى تقاتل لأول مرة في منطقة لا تعرف مداخلها ولا متاهات شوارعها.

وأسلوب قتال اللواء التاسع، الذي يشبه أداء اللواء السابع، في 2018، يعطي الانطباع بأنهما يضمان نفس المقاتلين، ونفس الأسلحة، وذات تكتيكات القتال.

وبرز اللواء السابع ترهونة، فجأة في صيف سنة 2018، عندما قاد هجوما على العاصمة، بدعم من قوات اللواء22 ترهونة، التابع لحفتر، بهدف “طرد المليشيات ودواعش المال العام من العاصمة” على حد قوله، ورغم إعلانه تبعيته للمجلس الرئاسي، إلا أن الأخير تبرأ منه وأشار إلى أنه سبق وأن قام بحله.

وفي فترة قصيرة تمكن اللواء السابع، في أغسطس 2018، من السيطرة على مطار طرابلس الدولي القديم وهزم “كتيبة ثوار طرابلس” القوية، ثم زحف نحو منطقة قصر بن غشير، الواقعة شرق المطار، وتوغل في منطقة عين زارة، واستولى على معسكر اليرموك وهو من أكبر المعسكرات في طرابلس في محور صلاح الدين، بل وصل إلى “حي أبو سليم” الشعبي، المكتظ بالسكان، على مشارف وسط طرابلس وخاض هناك حرب شوارع، ولم يتم وقف زحفه نحو وسط العاصمة إلا بعد تحالف كتائب طرابلس، وتدخل وسطاء محليين لإنهاء القتال.

وإذا تأكد فعلا أن اللواء التاسع، هو نفسه اللواء السابع، إلى جانب اللواء22، فهذا يعني أن حكومة الوفاق، تخوض معركة طرابلس على جبهتين، فقوات حفتر من جانب، وقوات اللواء السابع من جانب آخر، وهذا ما يجعل موقفها صعبا.

ففي معارك 2014- 2016، فشلت قوات حفتر، في الوصول إلى العاصمة سواء من الغرب أو من الجنوب، رغم تحقيقها بعض التقدم في منطقة ورشفانة على بعد 45 كلم جنوب طرابلس، لكن في هذه الفترة كان اللواء السابع “الكانيات” يقاتل ضمن تحالف “فجر ليبيا”، المعادي لحفتر.

واللواء السابع، الملقب سابقا بالكانيات، نسبة إلى إخوة من عائلة الكاني، ذات التوجه السلفي، ضم إليه فيما بعد قوات النخبة في اللواء 32 معزز، وكتيبة محمد المقريف، التين كانتا تتبعان نظام القذافي، لذلك تضخم عدده حتى وصل إلى نحو 5 آلاف عنصر، قبل أن يعلن دعمه لحكومة الوفاق، التي قامت بحله في مايو 2018.

ويبدو أن اللواء السابع ترهونة، الذي لم يتمكن من فرض نفسه في معادلة السلطة بحكومة الوفاق، يسعى لتعويض ذلك من خلال التحالف مع حفتر، ضد حلفائه السابقين.

كسب ميليشيات الغرب

 في تقرير لوكالة فرانس برس نشر يوم الاثنين 15 أبريل، قال محللون ان نجاح العملية العسكرية التي يشنها المشير خليفة حفتر في ليبيا، يعتمد أكثر على قدرته على كسب ولاء الميليشيات المحلية منه على القدرات العسكرية لقواته.

وبحسب كريم بيطار من معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية فأن “الأحداث في ليبيا تتأثر بشكل كبير منذ ثلاث أو أربع سنوات بالأزمة في الخليج وبشكل خاص بالحرب بالوكالة بين قطر والإمارات”.

وبعد 11 يوما من التقدم، فإن قوات حفتر رجل شرق ليبيا القوي ما زالت على أبواب طرابلس، بينما وصل عدد القتلى إلى 147 منذ بدء القتال في الرابع من ابريل، بحسب منظمة الصحة العالمية. وهو ما يعني على ما يبدو أنها تواجه مقاومة.

وفي الأيام الأولى من الهجوم، نشرت وسائل اعلام تابعة لقوات حفتر صورا لطوابير طويلة من السيارات العسكرية المتجهة صوب طرابلس في استعراض للقدرات العسكرية.

وذكرت صحيفة “وال ستريت جورنال” الجمعة أن السعودية التي زارها حفتر قبل أيام من انطلاق العملية العسكرية، وعدته بتقديم عشرات ملايين الدولارات.

وقال مركز صوفان للشؤون الامنية في تقرير له مؤخرا أن “كراهية حفتر لتنظيم الإخوان المسلمين، والذي ما زال يحتفط ببعض النفوذ في طرابلس وضمن اجزاء من الحكومة الرسمية، جعله يحظى بشعبية لدى السعودية والإمارات”.

وبحسب المركز فإن الرياض وأبو ظبي “تعتبران الإخوان المسلمين تهديدا كبيرا لسلطتهما وتدعمان بقوة الرجال الأقوياء مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مصر وحفتر في ليبيا، تحديدا بسبب موقفهم المناهض” للإسلاميين.

وكان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الاماراتية، قد زار مصر اواخر مارس 2019 والتقى مع الرئيس المصري قبل أن يشن حفتر عمليته في ليبيا.

وزار حفتر القاهرة الأحد.

وتبدو هذه العملية العسكرية كنتيجة اخرى للخلاف بين قطر وحليفتها تركيا الداعمتين للإسلاميين في غرب ليبيا، في مواجهة دول عربية تقاتلهم.

ويتهم “الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر باستمرار تركيا وقطر بتزويد خصومه بالأسلحة.

وفي لعبة السياسة الليبية المعقدة، قد لا يتمكن “الجيش الوطني الليبي” لوحده من السيطرة بطريقة حاسمة على غرب البلاد وبسط سلطته في منطقة طرابلس.

ويشار الى ان الميليشيات والجماعات المسلحة في الغرب الليبي ليست متجانسة ولا تدعم بذات الطريقة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها غربيا ومقرها طرابلس.

ويؤكد مركز صوفان أن تعقيد المشهد السياسي الليبي ناجم عن كون “العصابات والمجرمين والجهاديين يغيرون توجهاتهم في خليط معقد من التحالفات العابرة”.

ويؤكد ماتيو غودير، الخبير في شؤون الدول العربية لوكالة فرانس برس “لا يمكن للمشير حفتر أن ينجح في العملية إلا إذا تمكن من قلب التحالفات والحصول على دعم عدد من القبائل غرب البلاد لأن هذه المنطقة خاضعة لسيطرة قوات محلية”.

ويرى غودير أنه يتوجب على حفتر أن “يستوحي من النظام الذي وضعه الزعيم السابق معمر القذافي للسيطرة على الأراضي لفترة مستدامة وإلا ليس لديه أي فرصة لإعادة توحيد البلاد تحت مظلة حكومة واحدة”.

وذكر اندرياس كريغ، الباحث في مجال الدفاع في كينغز كولدج في لندن، “أعتقد أن حفتر يواجه صعوبات كبرى على الأرض غرب ليبيا”.

وأضاف أنه “متورط في حرب فظيعة بين ميليشياته الجيش الوطني الليبي، والميليشيات التي تحاول الدفاع عن حكومة الوفاق الوطني”.

وأعتبر كريغ أن “خطاه الرئيسي كان التقليل من شأن كتائب مصراتة القوية 200 كلم شرق طرابلس واستعدادها للقتال ليس بالضرورة لصالح حكومة الوفاق ولكن ضد حفتر”.

وبحسب كريغ فإن كتائب مصراتة لا تشعر “بأنها لم تقدم التضحيات عام 2011 حين استهدفت مدينتهم من قوات موالية لنظام القذافي، لتخضع لقائد عسكري آخر هو حفتر”.

ومن جهته، يرى كريم بيطار أن رهان حفتر “ينطوي على مخاطر، لكنه يحظى علنا أو ضمنا بترحيب الكثير من الدول العربية والغربية”.

ولكنه يشير أنه “من الصعب أن يصبح السيسي الليبي لأن هذا البلد يفتقد إلى جيش ومؤسسات مركزية متينة بقوة نظيرتها في مصر” معتبرا بالتالي أن سلطة حفتر “ستبقى هشة”.

حكم الميليشيات

 تشير مصادر رصد في العاصمة الالمانية برلين إلى أن موقف سكان طرابلس قد يشكل عاملا حاسما في مصير المعركة، خاصة وأن هؤلاء يطالبون منذ سنوات بسلطة قارة ومسؤولة.

 بداية شهر ديسمبر 2018 نشرت المحللة فرانشيسكا مانوكتشي تقريرا في صحيفة الغارديان البريطانية جاء فيه:

يشبه البعض حال الميليشيات بالعاصمة الليبية طرابلس بعد سقوط القذافي، بشيكاغو في زمن رجل العصابات الشهير آل كابوني، ولكنه تشبيه خاطئ، فالواقع أن الوضع في طرابلس يبدو أسوأ بكثير.

كابوني لم تكن لديه الفرصة لاستخدام المدفعية الثقيلة مطلقا، مثلما تفعل الميليشيات في طرابلس.

كاتبة التقرير فرانشيسكا مانوكتشي تقول، إن القيادة في الضاحية الجنوبية لطرابلس تجبرك على خوض تجربة مرعبة عبر المرور بالدمار الذي خلفته المعركة الأخيرة بين الميليشيات في أطلال الحرب الأهلية بليبيا.

ثمة منازل مهدمة وشوارع تكسوها الأنقاض، خلفتها نيران الدبابات والصواريخ في أثناء القتال الذي دار في سبتمبر 2018.

والأسوأ أن محاولة مقابلة المعارضين لحكومة السراج لم تعد مسألة سهلة هذه الأيام.

إذ تقول فرانشيسكا: “فهذا يعني أن أهرب من الحارس المكلف حراستي في أحد فنادق طرابلس، وأخرج من الفندق إلى الشارع ومنه إلى سيارة تنتظر متخفية عند أول الشارع.

ومن هناك، ستبدأ رحلة قيادة طويلة ملتوية في الشوارع الخلفية من المدينة، يلجأ فيها السائق إلى الطرق المختصرة والانعطافات المفاجئة ليضلل من يتتبعه.

لا يوجد ديكتاتور واحد، بل عشرات، وعاد أيضا المنشقون إلى الظهور، وبعد عدة أيام من المكالمات السرية تمكنت من مقابلة أحد أبرزهم وهو المحامي حميد المهدي.

وعندما تحاول الوصول إلى القوات الحكومية تكتشف أنه لا فرق بينها وبين العصابات. قيادة السيارة في هذه المدينة تشبه أن تشق طريقك وسط ضباب سياسي، تحاول فيه معرفة من ينتمي إلى العصابات من بين هؤلاء الرعاع المسلحين ذوي الزي الموحد وسيارات النقل الصغيرة المعطلة، ومن يشكل جزءاً من قوات الأمن الرسمية التابعة للحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة.

بعد فترة ستدرك أن لا فرق بين الطرفين. ترتدي إحدى الوحدات ملابس زرقاء جديدة وأنيقة من وزارة الداخلية، ولكن هذا لا ينزع عنها صفة الميليشيا، نفس العنف والتهديد الذي كان موجودا من قبل.

الآن زادت التوترات بعد أن ألقى الخصوم بجثة أحد القادة العسكريين أمام أحد مستشفيات المدينة في آخر عمليات الثأر.

 منذ 3 سنوات أعلنت الأمم المتحدة، أن جحيم فوضى الميليشيات الذي اندلع في طرابلس بعد سقوط القذافي سوف ينتهي بتشكيل حكومة الوفاق الوطني التي جاءت إلى المدينة لتخلصها من العصابات. ولكن بدلا من القضاء على الميليشيات، أصبحت الحكومة مدينة لها بالفضل.

أصبح قادة الحرب في طرابلس مدرجين في قوائم رواتب الدولة، عن طريق اتباع الأسلوب البسيط وهو تهديد المصرفيين بالخطف أو بما هو أسوأ من ذلك على يد المسلحين.

وأدت ضغوط مشابهة إلى أن تسلم الحكومة كل ملفاتها الاستخباراتية وملفات المراقبة إلى ميليشيا متطرفة.

وهم يقاتلون حفتر.. في حين يقف المواطنون في طوابير أمام المصارف.

حتى في ظل تقاتل الميليشيات فيما بينها في العاصمة، فإنها تقاتل أيضا جيش المشير المؤمن بالقومية خليفة حفتر، الذي يحكم سيطرته في أقصى شرقي البلاد. وفي الوقت نفسه يعاني المواطنون نقص البنزين والكهرباء والمياه والأموال.

  المشكلة أن ليبيا بلد غني، به احتياطي نقد أجنبي يقدر بـ50 مليار جنيه إسترليني نحو 64 مليار دولار وإنتاج مزدهر للبترول.

ولكن، لا يسمح إلا لعدد محدود من البنوك، التي تسيطر عليها الميليشيات، بصرف الأموال نقدا. ويقف المواطنون في طوابير يصل طولها إلى مئات الأمتار للحصول عليها.

والحكومة المعترف بها غربيا لها وجهان، تشير الكاتبة إلى أنه لم ينتخب أحد هذه الحكومة التي عينتها لجنة برئاسة الأمم المتحدة.

واحد من الوجوه من أجل الدبلوماسيين الغربيين الزائرين، الذين يزورون المدينة من حين لآخر ليلتقطوا الصور مبتسمين مع رئيس الوزراء. والوجه الآخر من أجل الليبيين أنفسهم، وهذا الوجه ليس جميلاً، حسب وصفها.

 في طرابلس بعد سقوط القذافي، أصبحت فرانشيسكا مانوكتشي بحاجة إلى تصريحين للعمل: واحد من الحكومة والآخر من العصابة التي تسيطر على المنطقة التي تخطط لزيارتها أياً كانت.

يقول إسماعيل، الحارس الذي عينته الحكومة لمراقبتها: “لا تلتقطي الصور للطوابير الواقفة أمام البنوك. لا تجري حوارات مع الناس هناك”.

الأوامر التي تلقاها هي أن يتبعها في كل مكان، ويمسك بمجموعة من التصاريح والأذونات.

وتعلق قائلة: “في هذا مسحة من الفكاهة. فأنا أستطيع شراء القهوة من المقاهي المنتشرة هناك في كل مكان، ولكن لا يمكنني التحدث مع الزبائن فأنا ليس لدي أي تصريح بهذا”.

وهؤلاء الفتية الذين تجاوزوا مرحلة الطفولة هم الذين يتحكمون في المدينة.

تقول الكاتبة: “ولا أستطيع حتى الكلام مع الفتية الواقفين بالخارج الذين يشبهون قطاع الطرق، وبالكاد تجاوزوا مرحلة الطفولة.

ويرتدون ملابس بعلامات تجارية غالية، ويلعبون برشاشات آلية، ويتحلقون حول سيارتهم المرسيدس السوداء.

إنهم يعلمون أنهم هم القوة الحقيقية في المدينة، والجميع يعرف ذلك أيضا.

  عندما سألت إسماعيل بخيبة أمل عن ماهية التقارير التي يمكنني أن أصنعها دون السماح لي بالحديث مع أي أحد، رد قائلا: لا أعلم، ربما لا شيء.

يمكنك انتقاد أي أحد إلا الميليشيات والملتحين

وفي ظل هذا الوضع.. كيف ينظر الناس إلى محاولات حفتر السيطرة على الحكم؟

المستفيد الخفي من حالة طرابلس بعد سقوط القذافي هذه، هو  خليفة حفتر، الذي بنيت قواته من القوات المسلحة النظامية.

 يتهم حفتر الحكومة الجديدة بأنها تقع تحت سطوة الإخوان، وتعهد بالسير إلى طرابلس والقضاء على الميليشيات.

يدعمه الكثيرون على الرغم من مخاوفهم من أنه يريد حكما عسكريا.

  وقد كشف استطلاع رأي نادر، تجريه منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن جيش حفتر هو المؤسسة الليبية الأكثر شعبية، إذ يتفوق دعمها الذي بلغ نسبته 68 في المئة على دعم حكومة السراج الذي بلغ 15 في المئة.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here