عمر نجيب: معركة أسعار النفط وجهود بناء نظام دولي متعدد الأقطاب هل تخسر واشنطن رهانها للهيمنة الاقتصادية والسياسية ؟

عمر نجيب

  يوم الجمعة 7 ديسمبر 2018 أفادت وكالات انباء دولية في برقيات من فيينا عاصمة النمسا أن منظمة أوبك وحلفاؤها بقيادة روسيا اتفقوا يومه الجمعة على تقليص إنتاج النفط أكثر مما توقعته السوق رغم ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض سعر الخام.

وقال مصدر عراقي بعد أن اختتمت أوبك محادثات استمرت يومين في فيينا إن المنظمة ستخفض الإنتاج بمقدار 800 الف برميل يوميا إبتداء من يناير 2019 في حين سيسهم الحلفاء غير الأعضاء فيها بتخفيضات قدرها 400 ألف برميل يوميا إضافية.

 مباشرة بعد ذلك قفزت أسعار النفط بنحو خمسة بالمئة لتتجاوز 63 دولارا للبرميل بحلول الساعة 1500 بتوقيت غرينتش إذ أن الخفض الإجمالي البالغ 1.2 مليون برميل يوميا تجاوز الحد الأدنى البالغ مليون برميل يوميا الذي توقعته السوق.

وكانت السعودية، أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول، قد واجهت مطالب وتهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما وصفته واشنطن بمساعدة الاقتصاد العالمي عن طريق الإحجام عن خفض الإمدادات.

وسيقدم خفض الإنتاج دعما لإيران أيضا عن طريق زيادة سعر النفط وسط محاولات واشنطن للضغط على اقتصاد ثالث أكبر منتج في أوبك.

وأبلغ وزير الطاقة الإماراتي سهيل بن محمد المزروعي مؤتمرا صحفيا ”لن نتناول المسائل الجيوسياسية أبدا في أوبك”.

وأشاد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك بقدرة نظيره السعودي خالد الفالح على ”إيجاد حل في أصعب وضع“ مشيرا إلى أن روسيا ستشارك في الخفض.

 وكان نوفاك، قد ذكر في وقت سابق أنه: “على الرغم من حقيقة أن الوضع اليوم أفضل بكثير من أي وقت مضى بالنسبة للمستهلكين والشركات المصنعة، نلاحظ أننا دخلنا عصر شكوك كبيرة جديدة، لأن سياسة العقوبات ونتائج الحروب التجارية لا يمكن التنبؤ بها، وهذا كله يخلق تهديدا لإمدادات سلسة للطاقة العالمية، مما يؤدي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي وتراجع الطلب على الطاقة”.

صلات بين الاسعار والحروب

 يقول د. خطار أبودياب أستاذ العلوم السياسية، في المركز الدولي للجيوبوليتيك في باريس: من يراقب التاريخ المعاصر لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي يتضح له وجود صلة بين تقلبات أسعار النفط واندلاع الحروب أو تفاقم النزاعات. ومن يتابع تطور سوق الطاقة منذ 2010 إلى اليوم يستنتج الخلفية الجيوسياسية للصراعات حول الطاقة وأسعارها، ومن البديهي أن الخط الانحداري لسعر الخام ستكون له تداعياته الاقتصادية والسياسية، وربما العسكرية لارتباطه ببلورة المشهد الإستراتيجي في الشرق الأوسط وانعكاسات ذلك على موازين القوى الدولية.

السؤال هو من يكسب ومن يخسر في هذا التجاذب المندرج في سياق اللعبة الكبرى الجديدة للقرن الحالي والممتدة من شرق المتوسط والخليج إلى البحر الأسود؟.

  اتفاق أوبك كان قد ظل على المحك ليومين – أولا بفعل المخاوف من أن روسيا ستخفض بأقل مما ينبغي، ثم بفعل بواعث القلق من أن إيران، التي تناقصت صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية، لن تحصل على استثناء وقد تعرقل الاتفاق.

لكن بعد محادثات استمرت لساعات، أعطت إيران الضوء الأخضر لأوبك وأشارت روسيا إلى استعدادها لخفض أكبر. وسرعان ما أقر اجتماع لأوبك والمنتجين غير الأعضاء الاتفاق.

وقال وزير من دول الاوبك إن الخفض سيستمر لستة أشهر من يناير 2019 وسيكون إنتاج أكتوبر 2018 هو خط الأساس له. وكان إنتاج أوبك وروسيا أقل في أكتوبر 2018 عن نوفمبر. لكن أوبك قد لا تكشف عن حصص الإنتاج لكل بلد على حدة حسبما ذكرت المصادر.

وذكر بوب مكنالي رئيس مجموعة رابيدان إنرجي التي يوجد مقرها الولايات المتحدة ”خفض أوبك، غير واضح التفاصيل ومن المرجح أن يسفر عن خفض أقل من الرقم الرئيس البالغ 1.2 مليون برميل يوميا.

”عناوين أخبار اليوم لن تبهج الرئيس ترامب، لكن مدى قوة رد فعله ستتوقف بالأساس على ما إذا كان قرار أوبك سيرفع أسعار الخام بقوة في الأيام والأسابيع المقبلة”.

وقال بوب مكنالي رئيس مجموعة رابيدان للطاقة ومقرها الولايات المتحدة، إن “أوبك” بين شقي الرحى بالنظر إلى ضغط ترامب من ناحية، والحاجة إلى إيرادات أعلى من ناحية أخرى. وأضاف مكنالي: “نعتقد أن أوبك ستسعى للوصول إلى خفض ضبابي للإنتاج… لن يوصف بأنه خفض لكنه سيعني عمليا الخفض، وسيكون من الصعب قياسه”.

صب الزيت على النار

 وصبت واشنطن الزيت على النار عندما التقى المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون إيران برايان هوك بالفالح في فيينا هذا بوم الأربعاء في تطور غير مسبوق قبيل اجتماع لأوبك.

ونفت السعودية أول الأمر حدوث مناقشات بين هوك والفالح لكنها أكدتها لاحقا. والواضح للمراقبين أن المبعوث الأمريكي مارس ضغوطا كبيرة على الرياض من أجل أن ترفض خفض الإنتاج.

وسئل وزير الطاقة السعودي خالد الفالح عما إذا كان القرار قد يلحق ضررا بعلاقات الرياض مع واشنطن، فقال للصحفيين إن المملكة مستعدة لضخ المزيد من الخام إذا حدث انقطاع كبير في الإمدادات.

وأضاف الفالح ”لن نحمل المستهلكين فوق طاقتهم“ مضيفا أنه بالنظر إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر دولة منتجة للنفط فإن شركاتها للطاقة ”تتنفس الصعداء“.

وامتنع الفالح عن الإجابة على سؤال عما إذا كان قرار أوبك ربما يدفع واشنطن إلى سحب دعمها للحكومة السعودية وسط دعوات من ساسة أمريكيين كثيرين لفرض عقوبات صارمة على المملكة في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول في أكتوبر 2018.

وقال الفالح إن إنتاج السعودية من النفط هبط إلى 10.7 مليون برميل يوميا في ديسمبر من 11.1 مليون برميل يوميا في نوفمبر 2018، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 10.2 مليون برميل يوميا في يناير 2019.

 مصدران مطلعان في أوبك ذكرا يوم السبت 8 ديسمبر إن من المتوقع أن تتراجع صادرات السعودية من النفط الخام شهر يناير 2019 نحو مليون برميل يوميا بالمقارنة مع مستويات نوفمبر 2018.

 وذكر أحد المصدرين إن من المتوقع أن تصدر السعودية نحو 7.3 مليون برميل يوميا في يناير بسبب تراجع الطلب الموسمي ومع التزام الرياض باتفاق عالمي لخفض الانتاج للحيلولة دون حدوث تزايد في المعروض النفطي.

وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السعودية على عدم خفض الإنتاج لكي تبقى الأسعار منخفضة. وقال إن زيادة إمدادات النفط هو مقابل تدفعه الرياض نظير الدعم الأمريكي للسعودية في مواجهة منافستها إيران.

وقال ترامب على موقع تويتر قبل اجتماع المنظمة ”نأمل أن تبقي أوبك على تدفقات النفط كما هي، ولا تكبحها. العالم لا يريد أن يرى ارتفاعا في أسعار النفط ولا يحتاج لذلك“.

وانتقد وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه المبعوث الأمريكي هوك بسبب الاجتماع، قائلا إنه ”تدخل فيما لا يعنيه“.

وأبلغ زنغنه الموقع الإخباري لوزارة النفط الإيرانية على الإنترنت “شانا” ”إذا كان هوك جاء إلى فيينا للتقدم بطلب لحصول الولايات المتحدة على عضوية أوبك، وهذا هو السبب الذي يجعله يجتمع مع أعضاء المنظمة، فسيتم النظر في هذا الطلب.

”وإن لم يكن الأمر كذلك، فإنه قد تصرف تصرفا ساذجا وغير مهني وتدخل فيما لا يعنيه. أوبك منظمة مستقلة وليست جزءا من وزارة الطاقة الأمريكية لتتلقى أوامر من واشنطن“.

 جاري روس المدير التنفيذي لبلاك غولد انفستورز ومراقب أوبك المخضرم أكد أن ”الضغط السياسي الأمريكي عامل مهيمن بوضوح خلال اجتماع أوبك هذا، مما قد يحد من نطاق الإجراءات السعودية لإعادة التوازن إلى السوق”.

وتراجعت أسعار الخام بمقدار الثلث تقريبا منذ أكتوبر مع قيام السعودية وروسيا والإمارات بزيادة الإنتاج لتعويض تراجع صادرات إيران المتوقع.

واجتمع نوفاك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرج يوم الخميس وعاد إلى العاصمة النمساوية يوم الجمعة 7 ديسمبر.

 وأفاد مصدر بوزارة الطاقة الروسية إن موسكو مستعدة للمساهمة بخفض قدره نحو 200 ألف برميل يوميا – وهو ما يزيد على الرقم المقترح بادئ الأمر والبالغ 150 ألف برميل يوميا. وذكر مصدر في أوبك لاحقا إن روسيا وافقت على خفض يبلغ 230 ألف برميل يوميا، من مستويات أكتوبر 2018، رغم أنها قالت إن التخفيضات ستكون تدريجية وستحدث على مدار بضعة أشهر.

وذكر وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن الرئيس فلاديمير بوتين ناقش خفضا لإنتاج النفط مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأضاف أن السعر الأمثل للنفط لموازنة السوق في المستقبل هو ما بين 55 و 65 دولارا للبرميل. وقال إنه سيجتمع مع شركات النفط الروسية هذا الشهر لمناقشة تخفيضات الإنتاج.

مسؤولية واشنطن

 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد اعتبر يوم الأربعاء 3 أكتوبر 2018، أن واشنطن هي المسؤولة عن تقلبات أسعار النفط، منتقدا استخدام الولايات المتحدة لأدوات جيوسياسية لتحديد أسعار الخام.

وقال في الجلسة العامة بمنتدى “أسبوع الطاقة الروسي” في موسكو: “هذه حقيقة، لقد تحدثنا للتو عن دور العوامل الجيوسياسية في زيادة الأسعار، وهم بالفعل  يستخدمونها في السوق، لكنه من الأفضل عدم التدخل في السوق بغرض الحصول على بعض المكاسب بواسطة استخدام الأدوات السياسية”.

ونصح بوتين بعدم التدخل في سوق النفط، حيث قال: “لا داعي لمحاولة ضبط الأسعار في السوق كما جرى في العهد السوفيتي لأن ذلك لن يجلب أي فائدة”، مشيرا إلى أن التقلبات التي شهدتها سوق النفط جاءت بسبب تصرفات الإدارة الأمريكية.

وأضاف أن روسيا ستواصل الحوار مع منتجي النفط العالميين من أجل المحافظة على استقرار أسواق النفط العالمية، مشيرا إلى أن سعر برميل النفط عند مستوى ما بين 65 و 70 دولارا يناسب الاقتصاد الروسي.

وعن قدرة روسيا على زيادة الإنتاج، ذكر بوتين إن روسيا لديها إمكانية لزيادة مستوى إنتاجها من الذهب الأسود، بواقع 200 إلى 300 ألف برميل يوميا.

 وتتنافس روسيا والسعودية والولايات المتحدة على صدارة منتجي الخام في السنوات الأخيرة. والولايات المتحدة لا تشارك في مبادرات تقييد الإنتاج نظرا لتشريعات مكافحة الاحتكار لديها وتشظي صناعتها النفطية.

ويوم الخميس 6 ديسمبر 2018، أظهرت أرقام للحكومة الأمريكية أن الولايات المتحدة أصبحت مصدرا صافيا للنفط الخام والمنتجات المكررة للمرة الأولى على الإطلاق مما يسلط الضوء على مدى زيادة الإنتاج التي غيرت في معادلة المعروض بالأسواق العالمية.

تاريخ الصدمات

 تقلبت أسعار النفط خلال العقود الخمس الأخيرة وفق التطورات الجيوسياسية، الصدمة البترولية الأولى حدثت إثر الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973 وحينها ارتفع سعر النفط أربع مرات ليصل إلى 16 دولارا للبرميل، ثم حلت الصدمة الثانية مع الثورة الإيرانية سنة 1979 ووصل السعر إلى حوالي 40 دولارا. بعدها قامت الحرب العراقية الإيرانية وهبط السعر إلى سبعة دولارات في 1986. وأعطى البعض تفسيرا لذلك يقول أن وراء الانخفاض اتفاق أمريكي سعودي لإنهاك الاتحاد السوفييتي السابق اقتصاديا ضمن آخر جولات الحرب الباردة. بيد أن توافق واشنطن والرياض لم يكن على طول الخط بالرغم من ديمومة اتفاق كوينسي، وكانت الولايات المتحدة مستفيدة دائما من تدوير فائض عائدات النفط في تمويل صفقات ضخمة لصادراتها التجارية والعسكرية نحو الدول العربية في الخليج خاصة بعد حرب الخليج الثانية في 1991 حيث بلغ مجمل استفادة واشنطن من رساميل الخليج 55 مليار دولار.

ما بين نزع التغطية الذهبية عن الدولار في 1971 وارتفاع سعر النفط حتى 2009 بقيت العلاقة متينة بين واشنطن والرياض في سوق الطاقة مع احترام اتفاق كوينسي المرتكز على التبادل بين الأمن والنفط. لكن منذ ارتفاع إنتاج النفط الصخري حيث كانت واشنطن في 2010 بصدد انتزاع الموقع الأول في إنتاج البترول من المملكة العربية السعودية، بدأ الحذر بين الجانبين.

الأمد المتوسط

 قبل ساعات من قرار أوبك بخفض الانتاج، ذكرت مؤسسة فيتش الدولية للتصنيفات الائتمانية يوم 5 ديسمبر إن قيود إمدادات أوبك وحلفائها من المنتجين المستقلين مهمة لأسعار النفط في الأمد المتوسط.

وترى المؤسسة أن قيود الإمدادات ستدعم أسعار النفط في الأمد المتوسط، في نطاق 60 إلى 65 دولارا للبرميل لخام برنت. وقالت إنها ما زالت تتوقع انخفاض الأسعار دون 60 دولارا للبرميل في الأمد الأطول.

وأضافت أن من المرجح أن تتلقى سوق النفط بصفة عامة إمدادات جيدة في 2019، مشيرة إلى أن أوبك وبعض منتجي النفط الآخرين من بينهم روسيا سيتمتعون ببعض الطاقة الإنتاجية الفائضة لامتصاص صدمات المعروض الفائضة المحتملة غير الكبيرة.

وذكرت إن العقوبات على إيران أظهرت أنها أقل حدة مما كان يعتقد في الأصل، مستبعدة أي تأثير جوهري لانسحاب قطر من أوبك لأن إنتاج البلاد من النفط يشكل أقل من اثنين بالمئة من إجمالي إنتاج أوبك.

 يشار أنه قبل اجتماع فيينا حذر محمد باركيندو، أمين عام منظمة أوبك، في تصريحات لـشبكة “سي إن إن” الاخبارية الأمريكية، الإدارة الأمريكية من بقاء أسعار النفط على انخفاضها، مشيرا إلى ما تكبدته صناعة النفط الأمريكية والوظائف من خسائر فادحة في فترة انهيار الأسعار بين عامي 2014 و2016 ، حيث أفلست أكثر من 100 شركة أمريكية وفقد الآلاف وظائفهم.

اهداف سياسية

 إذا كانت للحكومة الأمريكية في واشنطن أهداف سياسية وإقتصادية لتوفر نفط رخيص في الأسواق، فإن هناك شركات ومؤسسات مالية داخل الولايات المتحدة تستفيد وتنتفع من أسعار النفط العالية وقد يتضرر بعضها من تدني الأسعار.

 يقول الخبير الاقتصادي سيمون كونستابل والمحلل بمجلة فوربس، إن فهم عمل سوق النفط يشبه مشاهدة لعبة الشطرنج المتعددة الأبعاد، حيث تتفاعل العديد من القطع المتحركة أحيانا بطرق غير متوقعة.

تراجع أسعار النفط في الولايات المتحدة سيكون له آثار أكثر تنوعا، فلكثير من الناس، ستقدم الأسعار المنخفضة دفعة اقتصادية لطيفة، فانخفاض أسعار النفط يعني انخفاض أسعار البنزين، وهو ما يعني السماح للأسر باستخدام تلك الأموال للإنفاق على أمور أخرى، من ناحية أخرى، فإن الولايات المنتجة للنفط مثل تكساس ونورث داكوتا من المرجح أن تشهد انخفاضا في الإيرادات والنشاط الاقتصادي.

ويمكن لانخفاض الأسعار أيضا أن يحفز الناس على البدء في استخدام المزيد من النفط، مثال على ذلك: في السنوات الأخيرة، تسببت أسعار البنزين المرتفعة في شراء الأمريكيين لسيارات أصغر حجما وأكثر كفاءة، لكن إذا انخفضت أسعار البنزين، فإن سيارات الدفع الرباعي الكبيرة يمكنها أن تعود من جديد.

في صحيفة فاينانشال تايمز، كتب خبير الطاقة “”مايكل ليفي حول كيفية استفادة الولايات المتحدة ودول أخرى من انخفاض أسعار النفط في إجراء إصلاحات لازمة في سياسات الطاقة، مثل إنهاء دعم الوقود الحفري، من أجل الإعداد لذلك اليوم الذي سترتفع فيه الأسعار حتما مرة أخرى، لكن هذا في الغالب لن يحدث، فكثير من صناع السياسة سيستخدمون انخفاض أسعار النفط على اعتبار أنه أمر مستمر للأبد، وسيستخدمونه كذريعة لتقليص تدابير الكفاءة أو البحث في بدائل الطاقة.

 وتجدر الإشارة إلى أن أسعار مشتقات النفط في الولايات المتحدة منخفضة جدا بالمقارنة مع غالبية دول العالم لأن قيمة الضرائب المفروضة التي تحصلها الحكومة الفدرالية أو سلطات الولايات أقل، فمثلا بلغ معدل سعر غالون البنزين في غالبية أرجاء الولايات المتحدة سنة 2018 حوالي 2.74 دولار للغالون. ويعادل الغالون 4,546,09 سم مكعب من السوائل “أي نحو 4.5 لتر”.

 ووفقاً للرابطة الأمريكية للسيارات، بلغ متوسط السعر الوطني للبنزين الخالي من الرصاص 2.875 دولار للغالون يوم الجمعة 28 سبتمبر، وذلك بارتفاع قدره 1.4 في المئة عن شهر أغسطس و11.7 في المئة أعلى من عام 2017.

أرباح النفط الصخري

كتب المحلل الأمريكي جنيفر هيلر خلال شهر ديسمبر 2018:

 تزامن انحدار أسعار النفط الخام في الفترة الأخيرة التي سبقت إجتماع أوبك في فيينا، مع بدء منتجي النفط الصخري الأمريكيين في تحقيق عوائد جيدة بعد سنوات من الإنفاق الكثيف لتعزيز الإنتاج والحصة السوقية.

أبهج التحول المستثمرين الذين أضجرهم انتظار جني الثمار وهم يشاهدون طفرة خام غرب تكساس الصخري تجعل من الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم ومصدر رئيسي.

لكن تراجع أسعار النفط الخام الأمريكي بنسبة 29 بالمئة منذ 2018 بات يهدد هوامش الأرباح المتحسنة تلك، وإذا بقيت الأسعار دون 50 دولارا للبرميل فربما ينال ذلك من قيمة احتياطيات النفط الصخري، التي تستخدمها البنوك لتحديد قوة الاقتراض.

وقال ستيفن بروت الرئيس التنفيذي لمنتج النفط الصخري إليفيشن ريسورسز إن النشاط في أكبر حقل نفطي في الولايات المتحدة قد ينخفض من عشرة إلى عشرين بالمئة عام 2019 إذا بقيت الأسعار منخفضة. وأوقد تراجع الأسعار شرارة موجة بيع في أسهم شركات النفط الصخري وقد تكدر انتكاسة أخرى مزاج المستثمرين تجاه القطاع لسنوات.

وفي ظل هذه الدينامية، يعلق منتجو النفط الصخري الآمال على إنقاذ يأتيهم في شكل تخفيضات إنتاج من منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” وهو ما يضعهم على طرف نقيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يضغط على أوبك لإبقاء الصمامات مفتوحة.

ورغم أن ترامب داعم متباه بشكل عام لشركات الوقود الأحفوري، فقد سخر من احتمال خفض إنتاج أوبك باعتباره ”يسرق من بقية العالم“ عن طريق التضخيم المصطنع لأسعار بيع الوقود إلى المستهلكين.

وفي نوفمبر 2018، أشاد ترامب بالسعودية على تويتر لقيامها بزيادة الإنتاج مما ساعد على دفع أسعار النفط للهبوط بنحو 30 بالمئة، إلى ما يقرب من 50 دولارا، فيما وصفه الرئيس الأمريكي بأنه ”مثل خفض ضريبي كبير“.

ومثل تلك التغريدات ”مبعث إزعاج“ لقطاع نفط أمريكي يحاول تقوية وضع ربحيته. وذكر بروت إن ”اتكاء“ ترامب على السعودية، الدولة الأكثر نفوذا في أوبك، ”كان له أثر كبير“. وتابع ”بالنسبة  لي، هذا كثير من التدخل“.

وذكر فيل فلين المحلل لدى برايس فيوتشرز غروب في شيكاغو إن منتجي النفط  الصخري حققوا اختراقات كبيرة في الأعوام الأخيرة على صعيد تحقيق أرباح في ظل انخفاض أسعار النفط، لكنهم يقتربون من حد فاصل سيضطر البعض عنده إلى تقليص الاستثمار.

وتابع فلين ”في الحقيقة، يصاب كثيرون منهم بالرعب عند 50 دولارا، وكذلك مصرفيوهم.. يريدون من أوبك إجراء خفض ويريدون من ترامب التوقف عن التغريد عن النفط“.

وتشير تقديرات الحكومة الأمريكية إلى أن إنتاج النفط في الولايات المتحدة سيرتفع 17 بالمئة هذا العام إلى 10.9 مليون برميل يوميا في المتوسط، ثم يصل إلى 12.06 مليون برميل يوميا بحلول منتصف 2019. وبعد سنوات من زيادة الإنفاق الرأسمالي، تخطط شركات، مثل أناداركو بتروليوم، لتجميد أو خفض تلك الميزانيات، وتوزيع الأرباح على المستثمرين.

وقال بروس كامبل، رئيس المكتب الاستشاري كامبل لي آند روس لإدارة الاستثمار، إنه حتى لو تراجعت أوبك واستقرت الأسعار العالمية عند المستويات الحالية، فقد لا يكون ذلك كافيا لكي يستعيد النفط الصخري حظوته لدى المستثمرين. وتملك الشركة أسهما في رويال داتش شل نظرا لتوزيعات أرباحها وميزانيتها القوية، لكنها لم تعد ترى سببا يشجعها على الاستثمار في النفط الصخري.

وأضاف كامبل أن شركات النفط الصخري تستطيع خفض التكاليف أكثر، ”لكن الأمر يستغرق 12 إلى 18 شهرا للتمدد عبر النظام“ وجعل الأرباح ترتفع مجددا. وتابع أنه ما لم ترتفع أسعار الخام، فسيكون من الصعب على المستثمرين ”أن يجدوا مكانا يتحمسون له“.

متانة الصخر

 منذ اندلاع حرب الأسعار في 2014-2016 بين أوبك ومنتجي النفط الصخري، حين دفع الارتفاع الكبير في الإمدادات العالمية الأسعار للهبوط إلى نطاق العشرين دولارا للبرميل، تعلم مستخرجو النفط الصخري في تكساس اعتصار الأرباح عند انخفاض الأسعار لما يصل إلى 38 دولارا للبرميل، نزولا من حوالي 71 دولارا في 2014، حسبما قالته ريستاد إنرجي الاستشارية.

لكن أسعار التعادل في حقول النفط الأمريكية الأخرى تدور بين 43 و48 دولارا للبرميل، ليس بعيدا عن قاع نوفمبر 2018.

وأضافت ريستاد أن التكلفة التي يتحملها المنتجون في الشرق الأوسط تقدر بنحو 11 دولارا للبرميل في العراق، و17 دولارا في السعودية، وأقل من 21 دولارا في الكويت.

لكن هذه الدول تحتاج إلى أسعار نفط أعلى بكثير لتمويل الإنفاق الحكومي. وذكر مسؤول بصندوق النقد الدولي إن السعودية تحتاج إلى متوسط سعر للنفط عند 85-87 دولارا للبرميل لتغطية ميزانيتها الحكومية الحالية.

ومازالت الصناعة الأمريكية تتوسع في استخدام تقنيات حفر أكثر كفاءة، وتتوسع شركات النفط الكبرى بي.بي وشيفرون وإكسون موبيل في عمليات النفط الصخري وتشييد البنية التحتية لخطوط الأنابيب للحفاظ على زيادة الإنتاج.

وقال شون رينولدز مدير المحافظ لدى شركة الاستثمار فان إيك ”النفط الصخري نشاط يعتمد على الحجم الكبير“.

ويرى رينولدز أن القطاع بصدد الخروج من مرحلة التطوير المكلفة إلى ما قال إنه ”وضع الحصاد“، حيث يجني أرباحا من استثمارات سابقة.

لكن استمرار انخفاض الأسعار سيهدد الأرباح القوية التي تحققت في الفترة الأخيرة. وذكر رايان لانس الرئيس التنفيذي لكونوكو فيليبس خلال مؤتمر بالهاتف عن النتائج المالية شهر نوفمبر 2018 إن أرباح الشركة في أحدث ربع سنة ارتفعت لأربعة أمثالها عنها قبل عام، بدعم من تخفيضات التكلفة التي أدت إلى ”تحسن كبير في متانتنا في وجه انخفاض الأسعار“.

وقال آل ووكر الرئيس التنفيذي لأناداركو إن شركته تحولت إلى الربحية وتتوقع زيادة الإنتاج بين عشرة و14 بالمئة عام 2019، بافتراض ”النفط عند 50 دولارا“.

ويعول منتجون آخرون على تكرار ما حدث في 2016، حينما خفضت أوبك الإنتاج وارتفعت الأسعار تدريجيا.

وذكر بوب واتسون الرئيس التنفيذي لأبراكساس بتروليوم المنتجة للنفط الصخري في تكساس في مقابلة ”مررت بهذا من قبل“. وأبلغ موظفيه ألا يقلقوا بشأن السعر، قائلا ”سيعود من جديد. كل ما عليكم هو مواصلة العمل“.

وشأنها شأن شركات النفط الصخري الكبيرة الأخرى، استخدمت أبراكساس مشتقات مالية لضمان بيع بعض إنتاجها في المستقبل عند 56 دولارا للبرميل، في خطوة تتيح لها تفادى الهبوط الأخير ما لم يحدث تغير مستدام.

دروس حرب الأسعار

تتوقع وكالة الطاقة الدولية، التي تقدم المشورة لمستهلكي النفط الرئيسيين بشأن سياسة الطاقة، أن يرتفع إنتاج النفط من خارج أوبك 2.3 مليون برميل يوميا مع نهاية سنة 2018، بينما من المنتظر أن ينمو الطلب 1.3 مليون برميل يوميا عام 2019. وربما يؤدي ذلك مجددا إلى فائض في المعروض بالسوق، ويدفع الأسعار العالمية للهبوط.

وقال مقسط أشرف العضو المنتدب للطاقة لدى أكسنتشر ستراتيجي للاستشارات ”تدرك أوبك أنه في الهبوط الأخير، ولدى محاولة اقتناص نصيب في السوق، فإنهم لم يحصلوا على شيء. انتهوا بدرجة ما إلى فقد حصة سوقية“.

وذكر كار إنجام الخبير الاقتصادي المعني بالنفط والغاز في تكساس إن الدرس الأول من حرب الأسعار الأخيرة هو أن منتجي النفط الصخري يستطيعون زيادة الإنتاج حتى عند مستويات أسعار تضر بميزانيات أعضاء أوبك.

وأظهرت بيانات حكومية أن الشركات العاملة في الحوض البرمي، أكبر مكمن للنفط الصخري في الولايات المتحدة، ضخت 1.6 مليون برميل يوميا في يونيو 2014، حينما كانت الأسعار في ذروتها عند 107 دولارات للبرميل وارتفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يوميا بعد ذلك بعامين مع هبوط الأسعار إلى 26 دولارا.

وذكر إنجام ”تستطيع أوبك أن تنتظر ليوم القيامة، لكنهم لن يحصلوا على… تراجع في الإنتاج“ من الحقل البرمي.

لعبة اسعار الذهب الأسود

 معركة أسعار النفط أو ما يحب بعض الاقتصاديين تسميته بلعبة أسعار الذهب الأسود، استخدمت كثيرا من طرف الولايات المتحدة لتركيع خصومها عن طريق إلحاق أضرار كبيرة بإقتصادياتهم. خلال القرن الماضي ساهمت هذه الحرب في تكبيد الاتحاد السوفيتي خسائر كبيرة، وخلال القرن الحالي استخدمت للإضرار أساسا بروسيا وإفشال جهودها للعودة إلى الساحة الدولية كقوة منافسة لواشنطن وفرض نظام عالمي متعدد الأقطاب. خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أدى تدخل واشنطن لخفض أسعار النفط إلى إدخال روسيا في دوامة أزمة اقتصادية خاصة وأنها كانت تعتمد على صادرات النفط لتغطية أكثر من نصف مداخيلها من التجارة الدولية. الأمور تبدلت تدريجيا لخفض ثقل هذا السلاح.

 إذا كانت لمعركة الرئيس ترامب من أجل خفض أسعار النفط اسبابها الداخلية، فإن أهدافها الخارجية أكبر وأكثر أهمية وهي تدخل ضمن نظرية المؤامرة. حيث أن خفض أسعار النفط سيضر بإقتصاديات دول خصم لها وفي مقدمتهم روسيا التي تصدر يوميا سبعة ملايين برميل من النفط إلى الأسواق الدولية بالإضافة أنه سيجبر الدول النفطية التي تستورد سلعا مدنية أو سلاحا أمريكيا على أن تقدم أكثر ماديا لقاء مشترياتها، فمثلا إذا كانت تشتري حاليا سلعة “س” مقابل 100 برميل نفط فإنها وبعد تدني الأسعار ستقدم 130 أو 150 برميل.

 يوم الاثنين 29 ديسمبر 2014 اعترف الرئيس الأمريكي باراك اوباما في حديث لاذاعة “ان بي آر” ان انخفاض أسعار النفط بنسب هامة قرار سياسي جاء لفرض ضغوط على الاقتصاد الروسي وإضعافه، وليس له أي علاقة بمواجهة تصاعد الإنتاج من النفط الصخري.

وذكر اوباما “ان قسما من تحليلنا كان يقوم على أن الشيء الوحيد الذي يبقى اقتصاد الروس طافيا هو سعر النفط وان فرض عقوبات سيجعل الاقتصاد الروسي هشا وغير قادر على مواجهة الصعوبات الضخمة التي ستنتج عن تقلب اسعار النفط”.

الاقتصاد الروسي في ذلك التاريخ كان يعاني من ازمة حادة لأسباب عديدة من بينها انخفاض اسعار النفط لان هذا الانخفاض ادى الى خسارة تقدر بحوالي 100 مليار دولار وكانت مرشحة للتصاعد اذا ما استمرت اسعار النفط في التدهور، فالاقتصاد الروسي يعتمد بنسبة 50 بالمئة على العوائد النفطية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدث عن مؤامرة “امريكية” تهدف الى تخفيض اسعار النفط لاخضاع روسيا وايران، ولكنه وعد بالتصدي إلى هذه المؤامرة في مؤتمر صحافي عقده يوم الاثنين 29 ديسمبر2014 بحضور الف صحافي، وتوقع ان يخرج الاقتصاد الروسي من أزمته في غضون عامين، وهذا ما حدث فعلا وبأسرع مما توقع قائد الكرملين.

 بداية شهر أكتوبر 2018 صرح النائب الأول لرئيس الوزراء، وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، يوم الأحد 7 أكتوبر، بأن الاقتصاد الروسي أصبح أقل اعتمادا على العوامل الخارجية أي  النفط والعقوبات.

 وأضاف في مقابلة صحفية:  “لقد أصبحنا أقل اعتمادا على العوامل الخارجية، على الرغم من حقيقة أننا تلقينا ضربة مزدوجة، انخفاض أسعار النفط في الماضي والقيود الخارجية. ولكن، مع ذلك، أستطيع الآن أن أقول إن اقتصادنا أصبح أقل اعتمادا على أسعار النفط، وأقل تأثرا بالعقوبات. تعلمنا التعامل مع القيود المفروضة، بدأنا في تطوير اقتصادنا، والصناعة، والزراعة”. ووفقا له، أصبحت روسيا أكثر استقلالا من حيث الاعتماد على التقنيات الأجنبية المستوردة.

وأضاف سيلوانوف: “وستستمر هذه السياسة في المستقبل. وفي أهدافنا الإنمائية، سنساعد المجالات التي لديها القدرة على إنتاج منتجات للتصدير، ومن ناحية أخرى، مازلنا ندعم وسنساند الشركات التي لديها القدرة على تصنيع المنتجات التي كنا نستوردها من قبل”.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here