عمر نجيب: دمشق وموسكو تحصدان ثمار خلافات صناع الحرب شبه الدولية في بلاد الشام أنقرة وواشنطن وإسرائيل في متاهة البحث عن مكاسب

عمر نجيب

  يواصل الجيش العربي السوري وبدعم من القوات الروسية وحزب الله اللبناني وإيران وأطراف أخرى منذ 30 سبتمبر 2015 وبشكل شبه ثابت، تحصيل نقاط إيجابية في الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهر مارس 2011، بينما يتزايد تعثر وتخبط المعسكر المعادي الذي تقوده الولايات المتحدة وتبرز فيه بشكل أساسي كل من تركيا وإسرائيل. وهو المعسكر الذي مول وسلح التنظيمات المسلحة التي تعززت بأكثر من 124 الف مسلح من أكثر من 80 دولة في محاولة لإسقاط سوريا وتقسيمها إلى دويلات على أسس عرقية ودينية وطائفية ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد من أجل الهيمنة على المنطقة وإستكمال طوق الحصار على روسيا من جناحها الجنوبي الغربي وحماية إسرائيل وضمان استقرارها لعقود قادمة.

 منذ سبتمبر 2015 حاولت وتحاول واشنطن وأنقرة وتل أبيب تعديل مسار الصراع المسلح لصالح أهدافهم، ولكن وفي كل مرة ورغم ظهور بوادر نجاح في البدايات كانت الأمور تنتهي بشكل سلبي لهم.

  بداية سنة 2019 توقعت مصادر دراسات سواء في ألمانيا أو روسيا أن تنتهي حرب بلاد الشام خلال ما بين 18 و24 شهرا بإنتصار التحالف المؤيد لدمشق، وأشارت إلى أنه لن يزعزع من هذه النتيجة المنتظرة سوى تدخل عسكري مباشر من طرف الولايات المتحدة أو من طرف حليفيها الرئيسيين كل على حدة أو بشكل مشترك، وهو أمر استبعده غالبية خبراء مصادر الرصد السابق ذكرها لأنه يحمل في طياته خطر مواجهة عسكرية كبيرة قد تصل إلى مواجهة نووية عالمية.

  مع نهاية سنة 2018 ركز التحالف الثلاثي الذي تقوده واشنطن ثقل تدخله في الصراع على ساحتي مواجهة رئيسيتين على أمل تحقيق انتصار ولو مرحلي، والساحتان هما إدلب ومنطقة شرق الفرات مع إمتدادات فرعية في الجنوب حيث القاعدة الأمريكية في التنف التي تقع على بعد 24 كم من الغرب من معبر التنف “الوليد” عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني.

 مع بداية الربع الأخير من سنة 2019 تركزت المواجهات في منطقة إدلب التي تجمعت فيها مختلف التنظيمات المسلحة المناهضة لدمشق تحت حماية غير رسمية من طرف واشنطن وأنقرة.

 تبلغ مساحة منطقة إدلب حوالي 6100 كم مربع. يحدها من الشمال لواء الإسكندرونة الذي تتحكم فيه أنقرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتركيا بطول 129 كم، ومن الشرق محافظة حلب بطول 159 كم، ومحافظة حماة من الجنوب بطول 158 كم، وغرباً محافظة اللاذقية بطول 29 كم. منطقة إدلب تحتل المرتبة الثامنة على مستوى سوريا من حيث المساحة، وكذلك تحتل المرتبة الخامسة من حيث عدد السكان البالغ عددهم حوالي 1,500,000 وفقاً لإحصائيات الأحوال المدنية، قبل أن يرتفع الرقم بسبب الحرب إلى حوالي ثلاثة ملايين ونصف. وتحتل إدلب موقعا متميزاً وهاماً على طريق الحرير قديماً وتعد معبراً للجيوش الغازية وطريقاً مهماً للقوافل التجارية القادمة من الأناضول وأوروبا إلى الشرق أو بالعكس عبر معبر باب الهوى الحدودي. وتعتبر محافظة ادلب من أغنى محافظات القطر العربي السوري وتعتبر صلة الوصل ما بين المنطقتين الساحلية والوسطى والمنطقتين الشمالية والشرقية حيث تكون جسراً بين مناطق الإنتاج الزراعي في الجزيرة السورية والمناطق الشرقية ومناطق التصدير في ميناء اللاذقية.

 مع منتصف سنة 2019 أصبحت غالبية منطقة إدلب تحت سيطرة تنظيم هيئة تحرير الشام كانت تعرف سابقا بجبهة النصرة وهي إمتداد للقاعدة، وقد تشكلت المجموعة في 28 يناير 2017 من خلال اندماج كل من جبهة فتح الشام وجبهة أنصار الدين ثم جيش السنة ولواء الحق وكذا حركة نور الدين الزنكي.

اتفاقيات ومناورات

 جرت محاولات كثيرة خاصة من طرف أنقرة وواشنطن لمنع الجيش السوري من استرجاع منطقة إدلب رغم أن التنظيمات العسكرية الرئيسية فيها مصنفة كإرهابية من طرف الأمم المتحدة. ونهاية شهر يوليو 2019 اتهم المندوب الروسي في مجلس الأمن فاسيلي نيبينزيا دول الغرب بالسعي للحفاظ على جيب إرهابي في إدلب، لاستخدامه مستقبلا ضد الحكومة السورية.

ونفى نيبينزيا استهداف موسكو المستشفيات والمدارس في سوريا، مفندا التقارير الأمريكية التركية الإسرائيلية بشأن ذلك.

 ويوم 10 أغسطس 2019 أعلن المركز الروسي للمصالحة في سوريا أن المسلحين يواصلون جهودهم لتوسيع الرقعة الخاضعة لسيطرتهم في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب.

وفي موجز صحفي، يوم السبت، قال رئيس المركز، الجنرال أليكسي باكين، إن “المجموعات الإرهابية.. تقوم بحشد كتائبها في الجزء الجنوبي من منطقة خفض التصعيد بإدلب”.

وأوضح أنه تم رصد قيام تنظيم “هيئة تحرير الشام” بنقل نحو 120 مسلحا وثلاث عربات مصفحة وأربع سيارات “بيك أب” مزودة برشاشات ثقيلة من بلدة حيش في ريف إدلب الجنوبي، إلى خط التماس مع القوات الحكومية السورية.

وتابع أن جماعة “أجناد القوقاز” المتطرفة نقلت نحو 200 مسلح و5 عربات مصفحة و10 سيارات “بيك أب” مزودة برشاشات، وسيارتي شحن ملغومتين إلى خط التماس.

كما أشار رئيس المكتب الذي يتخذ قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية مقرا له، إلى أن “الإرهابيين حشدوا، في منطقة قرية كندة، قرابة 150 مسلحا من عناصر الحزب الإسلامي التركستاني، و13 سيارات “بيك أب” المزودة بمدافع هاون وراجمات للصواريخ ورشاشات ثقيلة.

وذكر الجنرال باكين أيضا أن المسلحين نفذوا 24 عملية قصف في محافظات حلب واللاذقية وإدلب خلال الساعات الـ 24 الماضية.

 وكانت موسكو قد أعلنت يوم 2 أغسطس أنها تنتظر من أنقرة تنفيذا كاملا للاتفاقيات المتعلقة بسحب المقاتلين والأسلحة من إدلب خلال 24 ساعة، ردا على مبادرة الحكومة السورية بوقف إطلاق النار في تلك المنطقة. ولكن بعد الفشل في تحقيق ذلك عاد القتال وواصل الجيش السوري تقدمه حيث أفادت تقارير لمراكز رصد في برلين وباريس أن الجيش السوري نجح في بسط سلطته على ما يقارب 20 في المئة من إدلب.

 وذكرت وكالة أنباء رويترز يوم 8 أغسطس 2019:

 أفادت مصادر من الحكومة السورية ومن التنظيمات المسلحة إن القوات الحكومية انتزعت أراضي من مقاتلي المسلحين في شمال غرب البلاد يوم الخميس، لتعزز بذلك تقدما حققته منذ أعلن الجيش هذا الأسبوع انتهاء وقف وجيز لإطلاق النار.

وجاءت السيطرة على بلدة الصخر في شمال محافظة حماة بعد سيطرة القوات السورية على قريتين يوم الأربعاء. واستؤنفت عمليات الجيش المدعومة من روسيا يوم الاثنين بعد اتهام الحكومة لتركيا بعدم الوفاء بالتزاماتها بموجب الهدنة.

وذكر العقيد مصطفى بكور القيادي في جيش العزة إن قوات الحكومة تمكنت من تحقيق هذا التقدم في منطقة شمال حماة بسبب عمليات قصف جوية ومدفعية مكثفة وقال لرويترز عبر رسالة نصية ”الوضع صعب لكن استعادة المواقع التي خسرناها ليس مستحيلا وسنعمل على ذلك“.

وبذلت قوات الحكومة السورية المدعومة من روسيا جهدا كبيرا لتحقيق مكاسب مهمة خلال عمليات عسكرية على مدى أكثر من ثلاثة أشهر في شمال غرب البلاد الذي يعد آخر معقل كبير للجماعات المسلحة التي تدعم تركيا بعضا منها.

وقال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي تموله لندن وواشنطن ”النظام يتقدم بطريقة مدروسة“. وأضاف أن قوات الحكومة تقترب من بلدات اللطامنة وكفر زيتا والهبيط. ووصف المرصد تقدم قوات الحكومة السورية على مدى اليومين الماضيين بأنه الأكبر منذ يونيو.

 مصادر رصد ألمانية أشارت إلى أن التنظيمات المسلحة في إدلب ورغم توفرها على أكثر من 47 ألف مسلح، تعرف حالة إرتباك وتمزق، أولا بسبب شعور المسلحين أن الإنتصار على الجيش السوري أصبح شبه مستحيل كما أن عديدهم يتقلص بإستمرار، وثانيا بسبب الشكوك التي تراود المسلحين بشأن تنفيذ أنقرة وواشنطن وتل أبيب لوعودهم بالتدخل بشكل قوي لمساندة التنظيمات المناهضة لدمشق. وثالثا بفضل نجاح خبراء الجيشين السوري والروسي في تعطيل عمليات التجسس والتعطيل التي تقوم بها القوات التركية تجاه الغارات السورية الروسية على مواقع التنظيمات المسلحة.

  مصدر عسكري في برلين ذكر أن تركيا وبتنسيق مع واشنطن نقلت من منطقة إدلب خلال ألأشهر العشرة الماضية حوالي 4800 مسلح أغلبهم من منطقة المغرب العربي وخاصة من التونسيين والجزائريين، إلى ليبيا لمساندة التنظييمات المسلحة المحسوبة على حكومة فائز السراج والتي تحاول منع الجيش الوطني الليبي من السيطرة على العاصمة طرابلس.

ضغط على أنقرة وتل أبيب

 يشير عدد من الملاحظين الغربيين إلى أن موسكو تتبع، تكتيكات سياسية ذكية في التعامل والضغط على كل من أنقرة وإسرائيل لتقليص قدرتهما على التدخل في سوريا لمساندة الجماعات المسلحة. وتستفيد دمشق وموسكو من التجاذبات الأمريكية التركية بشأن منطقة شرق الفرات، بينما تمارس موسكو عملية إرهاق للكيان الصهيوني.

 مع بداية صيف سنة 2019 عادت تل أبيب إلى دعم تحركات الخلايا النائمة للتنظيمات المسلحة التي كانت تنشط قبل تقدم الجيش السوري في منطقتي درعا والجزء المحرر من الجولان, حسب مصادر في باريس وجهت موسكو تحذيرات متكررة, بداية شهر أغسطس سجل تراجع في التدخل الإسرائيلي.

 يوم 9 أغسطس نقلت وكالة أنباء رويترز عن مسؤولين صهاينة إن تقطُع إشارات نظام تحديد المواقع العالمي” جي.بي.إس” في المجال الجوي الإسرائيلي انتهى بعدما استمر لعدة أسابيع وامتنعوا عن التعليق على تقرير لراديو الجيش ذكر أن السبب هو حرب إلكترونية روسية يحتمل أن يكون مصدرها سوريا. والنظام أساسي في توجيه حركة الطيران سواء المدنية أو العسكرية.

وكان طيارون مدنيون قد لاحظوا اضطراب الإشارات في أوائل يونيو وأكدته هيئة المطارات الإسرائيلية التي قالت إن الأمر قيد التحقيق وإن هناك أدوات ملاحة بديلة وهو ما يعني عدم وجود خطر يهدد السلامة.

وقال متحدث باسم الهيئة إنه جرى حل المشكلة في الأسبوع الحالي لكنه امتنع عن ذكر تفاصيل بشأن موعد وكيفية حدوث ذلك.

وذكر راديو الجيش إن حربا إلكترونية روسية، قد يكون مصدرها سوريا المجاورة التي تدعم موسكو حكومتها ضد التنظيمات المسلحة، ربما تكون السبب.

ووجه سؤال لزئيف إلكين، الوزير في مجلس الوزراء الأمني المصغر في إسرائيل والذي شارك في اتصالات دبلوماسية مع روسيا، بشأن صحة تقرير إذاعة الجيش أثناء مقابلة يوم الجمعة.

وقال لمحطة 102 إف إم الإذاعية ”أفضل عدم الرد على هذا السؤال. كان هناك اضطراب في إشارات نظام جي.بي.إس وانتهى الآن. هذا هو المهم“.

 في تحليل نشر في موسكو يوم 6 أغسطس 2019 كتبته ماريانا بيلينكايا وكيريل كريفوشييف، في “كوميرسانت”، حول تهديد أردوغان بشن عملية عسكرية جديدة في سوريا، واحتمال غض نظر متبادل: إدلب مقابل شرقي الفرات.

 جاء في التحليل: ها هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهدد مرة أخرى بشن عملية عسكرية ضد التشكيلات الكردية على الضفة الشرقية لنهر الفرات في سوريا. إلا أنه سرعان ما توجه وفد من وزارة الدفاع الأمريكية إلى أنقرة، بهدف وقف العملية التركية…

وفي الصدد، قال الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية، أويتون أورهان، لـ” كوميرسانت”: “إذا شنت تركيا هجوما عسكريا في سوريا، فستضعف من قدرة ترامب على وقف العقوبات ضد تركيا، وسيزداد تأثير المعسكر المناهض لتركيا في الولايات المتحدة”. وهذه المخاوف يمكن أن تؤخر عملية تركيا العسكرية في شرق سوريا، ولكن ليس لفترة طويلة. فـ ” القضاء على هياكل حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب في سوريا، مسألة حيوية بالنسبة لتركيا، وهي على استعداد لدفع أي ثمن مقابل ذلك”.

ولم يستبعد أورهان أن تشن تركيا عملية محدودة في المنطقة الحدودية. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن ستقدم في هذه الحالة على مواجهة عسكرية مباشرة مع أنقرة لحماية الأكراد. فـ “واشنطن بوست”، ترى أن دونالد ترامب يفتقر إلى الموارد الداخلية لفعل ذلك، ولن يتمكن من الاتفاق مع الكونغرس.

في الوقت نفسه، لا تريد واشنطن أن تخسر التحالف مع الأكراد، خشية أن تدفعهم تهديدات أنقرة إلى تكثيف الحوار مع دمشق حول إعادة الأراضي على الضفة الشرقية لنهر الفرات إلى سيطرة السلطات السورية. فيما تصر موسكو على هذا الخيار، وهي مستعدة، على أساسه، لتوفير الحماية للأكراد.

إلا أن الأولوية، بالنسبة لروسيا الآن، هي الوضع في إدلب، حيث استؤنفت الأعمال القتالية، بعد ثلاثة أيام من إعلان دمشق وقف إطلاق النار. وإذا لم تعرقل أنقرة قيام دمشق وموسكو بعملية عسكرية في إدلب، فإن روسيا، حسب الخبراء الذين استطلعت “كوميرسانت” آراءهم، يمكن أن تغض الطرف عن الغزو التركي في شرق سوريا على الأقل مرحليا، خاصة وأنه سيساهم في زيادة خلافات أنقرة مع واشنطن ويسهل احتمال إنسحاب أنقرة من حلف الناتو.

القوات الخاصة الروسية

 بتاريخ 26 يوليو 2019 جاء في مقال للمحلل الروسي ليوبوف شفيدوفا، في “سفوبودنايا بريسا”، عن عملية إدلب القادمة، وتضارب الآراء حول ما يقال عن مشاركة قوات خاصة روسية فيها.

وجاء في المقال: ظهرت في وسائل الإعلام العربية، في الأيام القليلة الماضية، معلومات عن أن روسيا حشدت قوات برية هامة، شمال غرب سوريا. وتتفق معظم المصادر على أن الحديث يدور عن القوات الروسية الخاصة الرسمية. وهناك من يتحدث عن مرتزقة. وفي وقت لاحق، التقطت وكالة رويترز الخبر، فأكدت، استنادا إلى مصادرها في المعارضة السورية، أن الحديث يدور عن عسكريين في عداد الجيش النظامي.

ولكن الخبير العسكري الروسي أليكسي ليونكوف يرى أن الخبر مزيف، وحقيقة أن وسائل الإعلام الغربية والعربية الرئيسية تستقي الخبر من أحد قادة المقاتلين المتشددين.

وقال ليونكوف: الآن، روسيا لا تستخدم القوات البرية في سوريا. هذا ليس ضروريا. استخدمت قواتنا الخاصة في مرحلة معينة خلال معارك واسعة النطاق. في إدلب، الوضع مختلف تماما. إنها حرب ممطوطة لا تتصاعد إلى صراع كبير. وفي حال الهجوم الشامل، لدى دمشق وسائل أخرى كافية لتحرير المحافظة.

إذا نظرنا إلى الخريطة، سنلاحظ أن إدلب آخر معقل للإرهابيين. وهذا يعني أن دمشق لم تعد بحاجة إلى تشتيت قواتها على مختلف جهات الجمهورية. لا توجد مناطق ساخنة أخرى. وبالتالي، فمن الممكن أن تركز القوات الرئيسية في الشمال الغربي. أي، لا معنى لإرسال قوات خاصة روسية.

ينبغي النظر إلى ذلك الخبر، أولاً، كمحاولة للإيقاع بين روسيا وتركيا؛ وثانيا، يريد المقاتلون تصوير الجيش السوري كعاجز تماما. هذه بروبوغاندا صافية، ودعاية مضادة.

تمنيات

  نشرت صحيفة الغارديان البريطانية يوم 7 أغسطس تحليلا لثلاثة من صحفييها ومراسليها حول ما يشاع عن تفاهم أمريكي تركي جاء فيه: الاقتراح التركي الأمريكي بشأن إنشاء منطقة آمنة في الأجزاء التي يسيطر عليها الأكراد شرق الفرات ربما يكون محض تمني.

 ويلفت الكتاب النظر إلى عدم توفر تفاصيل محددة بشأن “الطريق الذي ربما يسلكه ” هذا المشروع، وإلى “تعقد الموقف” بسبب الأخبار الأخيرة التي تتحدث عن تجدد القتال حول المناطق التي لا يزال يسيطر عليها المسلحون في إدلب.

ويشير التحليل إلى مخاوف مماثلة من تدهور الموقف في إدلب مع إعلان دمشق رفضها القوي للمشروع الأمريكي التركي، وتحميلها الأكراد المسؤولية عن المشروع “العدواني” لأنهم عبروا عن ترحيب حذر به.

ويضيف تحليل “الغارديان” إن عدم وضوح المقترح التركي الأمريكي أدى إلى أن يدعي بعض المراقبين أن الولايات المتحدة تشتري الوقت في ظل علاقاتها المترنحة من أكراد المنطقة. وينقل الكتاب عن مسؤول أمريكي سابق قوله إن ما حدث “هو بشكل أساسي اتفاق على استمرار التباحث، وهذا أمر جيد”. ويضيف المسؤول “مع عدم وجود التزام من جانب ترامب تجاه سوريا، وتخفيض قواتنا الآن إلى الحد الأدنى، فإن ما يمكننا فعله لدعم منطقة آمنة هو حقا قليل”.

جدية الاتفاق

 كتب د. جواد الهنداوي، وهو سفير عراقي سابق يوم 10 أغسطس عن التفاهم التركي الأمريكي:

لا أعتقد بجدية الاتفاق الذي توصل اليه الطرفان، انه اتفاق ملائم لخروج أردوغان وترامب، كل مِن مآزقه، ولكن بعنوان عريض وقادر على إشباع نزواتهما وقدرتهما في التجاوز على سيادة الدول وعلى القانون الدولي وعلى ميثاق الأمم المتحدة .

التصريح بالاتفاق وإعلانه رسمياً وأعلامياً أجراء يعبر عن ما يجول في خواطرهما ودليل عن حاجة الزعيمين إلى هذا الاتفاق، لتسويقه أيضاً إلى رعاياهما: المعارضة التركية تعيب على الرئيس اردوغان فشله في سوريا وتخبطه في السياسة الخارجية، وأمريكا بنخبها وسياسييها، والعالم يعيب على الرئيس ترامب تورطه مع إيران، وفقدانه للمصداقية وثقة الحلفاء والأصدقاء، وتخاذله أمام الخصوم.

لا شئ غير ما ذكرانه يبرر استعجال تركيا وامريكا بالتصريح علناً عن اتفاق يستحق عنوان ” اتفاق بلطجة”، مشين وهين لدول تدعي بالديمقراطية وتدعي باحترام حقوق وسيادة الشعوب.

لا نعلم، ربما الهوس الأمريكي في تأسيس الديمقراطية في سوريا يتطلب منطقة آمنة في شمال سوريا؟

كل ما تقوم به تركيا وامريكا وغيرهم من الدول في سوريا لا علاقة له لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان، وإنما له علاقة فقط بمصلحة إسرائيل وبالمصلحة الايدولوجية للنظام التركي الذي يسعى لتصدير “الأخونة”، ما هو غريب ومدان ازاء هذا الاتفاق أمران:

الأمر الأول هو الصمت العربي والدولي والأممي.

كنا نتمنى أن تستنكر وتدين الدول العربية والجامعة العربية الاتفاق، بأعتباره انتهاكا لسيادة دولة، وانتهاك لميثاق الأمم المتحدة، عدم الاستنكار وعدم الإدانة هو الامتناع عن ممارسة الدولة لمسؤوليتها ازاء اجراء او اعتداء على السيادة، على القانون الدولي.

أُصبنا كمواطنين عرب بصداع من الأسطوانة المعزوفة أمريكياً وتركيا، والتي تشدوا ” بأمن واستقرار المنطقة”. هل يا ترى ما تعلنه امريكا وتركيا تجاه دولة سوريا هو لأمن واستقرار المنطقة ؟

الأمر الثاني، والذي يثير الاستهجان والاستغراب هو ليس فقط صمت الأمم المتحدة، وإنما البيان الذي صَدَرَ من المنظمة، يوم الخميس 8 أغسطس، ويحذر سوريا من ” اللعب بالنار ” حسب تعبير البيان، من استئناف سوريا لدورها وواجبها بتحرير إدلب والبدء بالعمليات العسكرية لمطاردة الجماعات المسلحة والإرهابيين.

كان أولى بالمنظمة أن تستنكر خروج هذه او تلك الدولة عن ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكها له بالاعتداء وبالإعلان عن نية اقتضام جزء من أراضي دولة مستقلة.

لا أعتقد بجدية الاتفاق، ولكن أن شاءت الأقدار بصحة إرادة الطرفين لتطبيق هذا الاتفاق، فالأمر، عند هذا الافتراضي، يعني تآمر أمريكي تركي ليس فقط على سوريا، بل على كل العرب.

عمل عسكري

جاء في تقرير كتبه من أنقرة أورهان جوسكون لوكالة رويترز يوم 7 أغسطس 2019:

 يلوح في الأفق شبح عمل عسكري تركي في ضوء خلافات عميقة بين تركيا والولايات المتحدة حول حجم ”منطقة آمنة“ مزمع إقامتها بشمال شرق سوريا وهيكل القيادة فيها ما لم يحقق الجانبان في محادثات تجري هذا الأسبوع انفراجة في الجمود القائم منذ أشهر.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة أرسلت تركيا قواتها مرتين إلى شمال سوريا وقال الرئيس رجب طيب أردوغان يوم الأحد 4 أغسطس إن عملية عسكرية ثالثة أصبحت وشيكة لاستهداف المنطقة الخاضعة لسيطرة الأكراد شرقي نهر الفرات.

وتعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية التي تلعب دورا رئيسيا في قوات سوريا الديمقراطية المسيطرة على مئات الأميال من المنطقة الحدودية في شمال شرق سوريا جماعة إرهابية تمثل خطرا أمنيا جسيما على تركيا وتقول إن عليها الابتعاد عن المناطق الحدودية.

أما واشنطن التي سلحت هؤلاء المقاتلين ودعمتهم في الحرب على سوريا فتريد حماية شركائها العسكريين وقاومت مطالب تركيا بالسيطرة الكاملة على شريط طويل من الأرض يمتد بعمق 32 كيلومترا في الأراضي السورية.

ويعقد فريقان عسكريان من البلدين اجتماعات في أنقرة في أحدث محاولة في المباحثات الجارية منذ شهور بهدف إقامة المنطقة الآمنة التي اتفقا عليها في الوقت الذي تعمل فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب على تقليل أعداد قواتها في سوريا.

وأبدى ثلاثة مسؤولين أتراك تحدثوا مع رويترز نفاد صبرهم لعدم توصل المباحثات إلى نتائج حتى الآن وحذروا من أن أنقرة مستعدة للتحرك من جانب واحد.

وذكر مسؤول تركي كبير ”منذ فترة من الوقت تنتشر القوات المسلحة التركية على الحدود السورية. كل الاستعدادات الضرورية للقيام بعملية اكتملت“.

وأضاف ”إذا اضطررنا لإنجاز هذه المهمة وحدنا فسنفعل ذلك. بالطبع حساسيات الدول التي نتعامل معها مهمة لكن عليها في النهاية أن تتفهمنا. كل يوم يمر يعد خسارة“.

خلافات

تعد معضلة المنطقة الآمنة واحدة من عدة خلافات بين أنقرة وواشنطن عضوي حلف شمال الأطلسي. إذ أن تركيا أغضبت الولايات المتحدة بشراء نظام دفاع صاروخي روسي كما أن البلدين منقسمان حول العقوبات التي تفرضها واشنطن على إيران وعلى رفض تسليم داعية مسلم تطالب أنقرة بتسليمه له.

وقد أوضح الجانبان شعورهما بالإحباط.

وقال جيمس جيفري مبعوث ترامب الخاص في سوريا بعد جولة سابقة من المباحثات حول المنطقة الآمنة الأسبوع الماضي إن تركيا تبنت موقفا ”متصلبا جدا“.

وأضاف ”الأتراك يريدون منطقة أعمق من المنطقة التي نعتقد أنها منطقية“.

وكانت واشنطن قد اقترحت منطقة على مرحلتين الأولى بعمق خمسة كيلومترات تمثل شريطا منزوع السلاح يدعمه شريط ثان بعمق تسعة كيلومترات يخلو من الأسلحة الثقيلة أي أنها تمتد لمسافة تقل عن نصف المسافة التي تطالب بها تركيا.

وسعت الولايات المتحدة، دون أي بادرة تذكر على النجاح، إلى تقديم مساهمات عسكرية من حلفاء أوروبيين لحفظ الأمن في المنطقة.

وقالت تركيا إنه لا بد أن تكون لها الكلمة الأخيرة في المنطقة الآمنة وهذه نقطة خلاف أخرى مع الولايات المتحدة.

وذكر آرون ستاين مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي ”عندما تقول أنقرة إنها تريد السيطرة على منطقة بعمق 32 كيلومترا فلا يمكن أن توافق الولايات المتحدة على ذلك“.

وأضاف أنه في ضوء تعثر المفاوضات فمن المرجح أن تتحرك تركيا من جانب واحد وأشار إلى عدة أهداف عسكرية محتملة من بينها مناطق حول مدينة منبج في الشمال السوري ومدينتي تل أبيض وكوباني الحدوديتين.

وتعمل قوات أمريكية بدرجات متفاوتة في هذه المناطق الثلاث الأمر الذي يعني أن القوات الأمريكية تخاطر بأن تجد نفسها وسط اشتباكات إذا ما تحركت تركيا.

وأفاد مسؤول أمني تركي إن الخلافات بين الجانبين على عمق المنطقة تتقلص لكنها لم تختف تماما.

وأضاف أن الولايات المتحدة ”وصلت إلى نقطة قريبة من اقتراحنا لكن لم يمكن التوصل إلى اتفاق كامل“ موضحا أن تركيا تصر على العمق الذي تقترحه بالكامل مثلما أقره ترامب نفسه في تغريدة في يناير.

وبينما يحرص المسؤولون الأتراك على عدم استعداء الرئيس الذي أبدى تعاطفا أكبر بكثير من الكونغرس الأمريكي مع شراء تركيا لنظم الدفاع الروسية فقد كرر أردوغان يوم الثلاثاء 6 أغسطس أن أنقرة ملتزمة بإبعاد المقاتلين الأكراد عن حدودها الجنوبية.

وذكر لدبلوماسين أتراك في أنقرة ”تركيا لا يمكن أن تشعر بالأمان ما لم يتم القضاء على هذا الكيان الذي ينتشر كالسرطان على امتداد حدودنا الجنوبية“.

وقال ”إذا لم نفعل اليوم ما هو ضروري، فسنفعل ذلك بدفع ثمن أكبر فيما بعد“ مشيرا إلى عملية جديدة في الأراضي السورية بعد عملية درع الفرات في 2016 وعملية غصن الزيتون في عام 2018 لإخراج مقاتلي وحدات حماية الشعب من منطقة عفرين في الشمال السوري.

وأضاف ”بإذن الله سننتقل بالعملية التي بدأناها بدرع الفرات إلى مستوى مختلف في القريب العاجل“.

تحذير من “حرب كبيرة”

يوم 7 أغسطس نقلت وكالة رويترز من بيروت عن مسؤول كردي كبير قوله إن هجوما تركيا على قوات تعمل تحت القيادة الكردية في شمال شرق سوريا سيشعل ”حربا كبيرة“ إذا فشلت جهود الولايات المتحدة في وقف خطط أنقرة.

وذكر بدران جيا كرد إنه في حالة وقوع هجوم سيكون على معظم القوات الانتشار على الحدود مع تركيا ولن تستطيع مطاردة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية أو حراسة آلاف السجناء من التنظيم.

وأضاف جيا كرد وسياسي كردي كبير آخر إن نتائج المحادثات الأمريكية التركية لا تزال غير واضحة.

وقال جيا كرد وهو مستشار للإدارة ذات القيادة الكردية التي تدير معظم شمال وشرق سوريا بعد ثماني سنوات من الحرب التي هدأت قليلا خلال عام 2018 ”نحن كإدارة ذاتية نرجح ونرغب الحل السياسي والحوار كخيار استراتيجي“.

وأضاف ”لكن إذا استنفذت تلك الجهود الإقليمية والدولية سنكون مع مواجهة عسكرية قوية وشاملة“.

وتعتبر أنقرة مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، التي تمثل رأس الحربة لقوات سوريا الديمقراطية، إرهابيين يشكلون خطرا على طول حدودها. وأرسلت بالفعل قوات داخل شمال سوريا مرتين خلال السنوات القليلة الماضية لاستهداف المقاتلين الأكراد.

وقال جيا كرد إن وقوع هجوم تركي سيؤدي إلى ”صراع كارثي“ يبذل المسؤولون في قوات سوريا الديمقراطية أقصى ما في وسعهم لمنع حدوثه من خلال المحادثات مع الدول الأجنبية لكن ”الصمت الأوروبي لا يخدم الاستقرار والحل السياسي والقضاء على الإرهاب، وكذلك الموقف الروسي غير جدي لعرقلة أي عدوان محتمل على مناطقنا“.

وأضاف ”ومن الجانب الأمريكي، هناك محاولات وجهود لعرقلة الهجوم التركي ولكن بحاجة إلى حزم وحسم ودعم دولي“.

وكرر مرة أخرى تحذيرات أطلقها قادة أكراد في الأشهر القليلة الماضية من أن وقوع هجوم سيتسبب في فوضى يمكن أن يستغلها المتشددون الإسلاميون للظهور مجددا.

وذكر وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إن أي عملية تركية في شمال سوريا ”لن تكون مقبولة“. وإن الولايات المتحدة لا تعتزم التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية لكنه لم يصل إلى تقديم ضمانات بأن الولايات المتحدة ستحميها في حال تنفيذ تركيا عملية عسكرية.

وذكر آلدار خليل، وهو سياسي كردي كبير، إنه لا يتوقع أن تتراجع واشنطن وحلفاؤها عن مساعدة قوات سوريا الديمقراطية في مكافحة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية من أجل تأمين المنطقة.

وأضاف ”هذه التهديدات هي خطيرة وجدية ولها تداعيات خطيرة على سوريا والمنطقة“.

وتابع قائلا ”نحن لا نريد حربا مع أي طرف لكن في حال تعرضنا لأي هجوم لن نكون متفرجين، وخيار الدفاع عن الذات هو خيارنا بكل تأكيد“.

سوريا ستنهض من تحت الرماد كطائر الفينيق وستنفض غبار الحرب عنها متحدية كل من يتآمر عليها.

مشكلتنا كعرب إننا نتعامل مع ظروفنا المأساوية باعتبارها احداث غير مسبوقة في البشرية، أو إنها مشكلة خاصة بنا وحدنا… ونعتقد ان العالم كله يعيش بمنتهى الترفيه والاستقلال والحرية من فراغ، وإنهم لم ولا ولن يشهدوا أحداثاً مأساوية كما نشهدها كل يوم…

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here