عمر نجيب: خطة أمريكية بديلة لجر أوروبا الى مشروع دولة كردية في شمال بلاد الشام.. هل تتكرر في سوريا تجربة هجمات بيروت لسنة 1983 ؟

عمر نجيب

 الولايات المتحدة تستنزف البدائل في محاولتها تخفيف التعثر في حرب بلاد الشام.

بهذه الجملة يمكن تلخيص تضارب وتناقض التحركات والتصريحات العلنية الأمريكية منذ منتصف سنة 2018 حول الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهر مارس 2011.

 مساء يوم الجمعة 22 فبراير 2019 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قراره الإبقاء على 400 جندي في سوريا، معتبرا أن ذلك لا يعني تغييرا على ما أعلنه في 19 ديسمبر 2018 عن قراره سحب قوات بلاده من سوريا والمقدر رسميا عديدها بحوالي 2200 جندي، لكن دون تحديد جدول زمني.

وأضاف ترامب، في تصريح للصحفيين، إنه قرر الإبقاء على 400 جندي في سوريا مقسمين بين المنطقة الآمنة التي يجري التفاوض حولها في شمال شرق سوريا وبين القاعدة الأمريكية في “التنف” قرب الحدود مع العراق والأردن.

 في نفس اليوم صرح الجنرال جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة إنه يثق في أن حلفاء بلاده سيتحملون مسؤولياتهم في سوريا بعد أن أعلنت واشنطن إنها ستبقي على مئات من الجنود هناك.

وأضاف دانفورد ”لا تغيير في الحملة الرئيسية في سوريا لكن جرى تعديل الموارد بسبب تغير التهديد“.

وتم إعلان القرار الجديد هذا بعد أن تحدث ترامب هاتفيا إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وذكر بيان للبيت الأبيض إنه فيما يتعلق بسوريا اتفق الزعيمان على ”مواصلة التنسيق بشأن إقامة منطقة آمنة محتملة“.

وسبق أن أعلن البيت الأبيض، يوم الخميس 21 فبراير، أنه سيتم إبقاء قوة أمريكية صغيرة “لحفظ السلام” قوامها 200 جندي تقريبا لفترة من الوقت في سوريا عقب الانسحاب منها.

ويقدر مسؤولون أمريكيون أن عملية الانسحاب من سوريا قد تتواصل حتى مارس أو أبريل 2019.

 مباشرة بعد الاعلان عن قرار إبقاء 200 جندي حسب مصادر أمريكية و 400 جندي حسب مصادر أخرى، أصدر السناتور الأمريكي لينزي جراهام بيانا أشاد فيه بقرار ترامب الاحتفاظ بقوة أمريكية صغيرة في سوريا ضمن قوة دولية لتحقيق الاستقرار قائلا إن الرئيس أخذ بالنصيحة العسكرية السليمة التي ستساعد في تفادي المشاكل التي واجهتها الولايات المتحدة بالعراق.

واضاف أن قرار ترامب يهدف إلى الدفع باتجاه نشر ما يصل إلى ألف جندي أوروبي في ذلك البلد. وأمضى السناتور ليندسي غراهام الأسابيع الأخيرة يدعو ترامب علنا لتعديل خطة الانسحاب.

وفي حديث لشبكة فوكس نيوز، قال إن الجنود المئتين المتبقين سيحفزون الحلفاء الأوروبيين على نشر عدد أكبر” من القوات. وأضاف غراهام إن الجنود “ال200 سيجتذبون ربما ألف أوروبي”.

ليندسي غراهام قال إن “آلاف الأوروبيين قتلوا على أيدي مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية جاؤوا من سوريا إلى أوروبا. الآن يقع العبء على أوروبا. 80 بالمئة من العملية يجب أن تكون أوروبية، و20 بالمئة ربما نحن”.

 تصريحات غراهام عن مقتل “آلاف” الأوروبيين بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية مبالغ فيها. فحسب مجموعات رصد مختلفة، قتل أقل بكثير من ألف شخص في هجمات نفذها متطرفون من مختلف الأصول في أوروبا منذ 2014.

لكن تصريحات كتلك تتوافق مع واحد من المواضيع المحببة لترامب، رأيه القائل بأن حلفاءه الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي لا يقدمون إسهامات كافية في حماية الأمن الدولي.

وذكر غرهام إنه يتحدث إلى ترامب “باستمرار” بشأن الانسحاب وأقنعه بضرورة إقامة منطقة عازلة لحماية القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة من هجوم تركي محتمل. وأكد غراهام أنه قال لترامب “لا تريد إنهاء حرب وبدء أخرى”.

وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان زار أوروبا منتصف فبراير في محاولة لاقناع دول حليفة للولايات المتحدة بالابقاء على قوات لها في سوريا بعد انسحاب الولايات المتحدة. لكنه لم يفلح في إقناع هذه الدول بالسبب الذي قد يدفعها للمخاطرة بجنودها بعد انسحاب القوات الأمريكية. ويشير محللون إلى أن الأوروبيين لا يريدون تكرار ما حدث لفوات مشاة البحرية الأمريكية وقوات المظليين الفرنسيين الذين تعرضوا لهجمة دامية في بيروت يوم 23 من أكتوبر عام 1983 مخلفة أكثر من 312 قتيلا من الجنود.

وتلقى الأوروبيون المجتمعون في ميونيخ فكرة إقامة هذه المنطقة الأمنية بفتور بعدما فاجأهم قرار ترامب الانسحاب من سوريا بصورة منفردة. وقال مصدر فرنسي لوكالة فرانس برس “من غير الوارد إطلاقا نشر فرنسيين على الأرض بدون الأمريكيين”.

وتردد أن غراهام قال لشاناهان إن إبلاغ حلفاء بأن الولايات المتحدة تعتزم الانسحاب بشكل كامل بحلول 30 ابريل كان فكرة “غبية”. ويوم الجمعة 22 فبراير استقبل شاناهان في البنتاغون وزير الدفاع التركي خلوصي آكار الذي حرص على التأكيد أن أنقرة ليس لديها شيء ضد السكان الأكراد في سوريا. ولكنه أضاف إن “ما نقاتله هو المنظمات الإرهابية”، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية.

مواقف متقلبة

 يوم السبت 23 فبراير صرح الرئيس رجب طيب أردوغان، إنه قد يجري زيارة إلى الولايات المتحدة، بعد 31 مارس 2019، أو قد يزور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركيا. وأشار أردوغان أنه تلقى دعوة من الرئيس الأمريكي لزيارة الولايات المتحدة. وأضاف أنه رد عليه بالقول إنه ينتظره في تركيا أيضا.

وتابع: “أستطيع القول إنني أجريت مباحثات هاتفية إيجابية مع ترامب يوم الخميس حول الملف السوري”.

وأكد الرئيس التركي على وجود علاقات جيدة مع نظيره الأمريكي بشأن سوريا، مشيرا أن “هذا يسهل علينا حل الكثير من المشاكل”.

وشدد في السياق ذاته أن “أي منطقة آمنة ستقام على حدودنا لا بد أن تكون تحت سيطرتنا”.

و إلى جانب الملف السوري، أشار الرئيس التركي أنه بحث مع نظيره الأمريكي في الاتصال الهاتفي، العلاقات الثنائية وعلى رأسها تحقيق هدف بلوغ حجم التجارة البينية 75 مليار دولار.

وأضاف :” قال لي ترامب إن عدم إتمام صفقة منظومة باتريوت بين تركيا وأمريكا، ليست بسببكم بل بسبب السيد أوباما، لو أنه نجح في تمريرها من خلال الكونغرس لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم”.

وحول العلاقات مع روسيا أكد أردوغان على أن العلاقات بين البلدين تمضي بشكل إيجابي، مبينا أن الجدية التي يبديها الرؤساء على صعيد العلاقات الدولية، تمثل قيمة مضافة للعلاقات الثنائية.

وذكر الرئيس التركي أن الولايات المتحدة الأمريكي تبدي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع تركيا، قائلا: سيعينون شخصا ذو أهمية كسفير في أنقرة، ربما بعد أسبوع أو أسبوعين سيبدأ عمله”.

وأكد الرئيس التركي أن بلاده لن تقبل بنقل موقع المنطقة الآمنة المزمعة في سوريا إلى مكان آخر، إن كان خارج المفهوم الإستراتيجي لتركيا.

وأوضح أن اتفاقية أضنة مع دمشق  تتيح لتركيا تنفيذ عمليات في سوريا ضد الإرهاب، مضيفا “لا يمكننا منح الأسد شرعية لا يستحقها، وإذا تم التمعن في محتوى الاتفاقية، فإننا نمتلك حق مطاردة الإرهابيين حتى النهاية”.

وتطرق أردوغان إلى الأسلحة التي نقلتها الولايات المتحدة إلى سوريا. وفي سياق منفصل، أكد الرئيس التركي أن الاتحاد الأوروبي أصبح عبئا على أوروبا.

 تصريحات اردوغان جاءت متناقضة مع ما كان قد اعلنه يوم 19 فبراير حين اتهم الولايات المتحدة بالكيل بمكيالين، إذ تقوم بإرسال شاحنات السلاح للمقاتلين الأكراد بيما تمتنع عن تزويد بلاده بالأسلحة. وقال أردوغان، “ترسلون 23 ألف شاحنة أسلحة للإرهابيين بالمجان، وتمتنعون عن تزويد تركيا بالأسلحة، رغم أننا ندفع ثمنها، فهل هذا تصرف يليق بحليف في الناتو”.

وأضاف: “نحن ننتظر تطهير منبج في أقرب وقت ممكن وفاء للوعود التي قطعت لنا” مشيرا إلى أن بلاده لن تتغاضى عن تأسيس “تنظيم إرهابي” على حدودها، وتوعد بتدمير “ممر الإرهابيين على الحدود الجنوبية لتركيا”.

وأكد، في خطاب ألقاه، أمام حشد من أنصاره في ولاية بوردور جنوب غرب تركيا، أن من يقف إلى جانب تركيا، سيكون هو الرابح في هذه المنطقة، لافتا إلى أن “بلاده لن تكترث لأحد حينما يتعلق الأمر ببقائها ومستقبلها”.

وتابع، “إن لم نفعلها اليوم فحتما سنوجه ضربة قاصمة للإرهابيين في الأيام المقبلة، ومن يدعمون الإرهاب، هم في الحقيقة يهددون أمنهم، وكما أننا نريد أمن حلفائنا، فإننا لن نتهاون في القيام بما يجب للحفاظ على أمننا”.

وقال أردوغان مستنكرا، “من أجل أمنهم يقطع الأمريكيون آلاف الكيلومترات للقيام بعمليات في سوريا، بينما تركيا لديها حدود مع هذا البلد بطول 911 كيلو متر، وتتعرض للتهديد من هذا الجانب باستمرار، ويطلبون منا عدم تنفيذ عمليات عسكرية داخل سوريا، فهل هذا منطقي؟”.

 تناقض تصريحات الرئيس التركي خلال أقل من اسبوع لم تثير دهشة الكثير من المحللين الذي يرون أن الأمر اصبح عادة عنده ويدخل في نطاق تقلب تكتيكاته وجهوده لتغليط الرأي المحلي والدولي.

 موسكو هاجمت تراجع الرئيس الأمريكي عن السحب الكامل لقواته، وشدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على أن الولايات المتحدة غير قادرة على توفير الأمن في “المنطقة العازلة” المزمع اقامتها شمال شرقي سوريا.

وأضاف لافروف، إن “هدف الولايات المتحدة يكمن في تقسيم سوريا وإقامة دويلة على الضفة الشرقية لنهر الفرات”، أن “واشنطن تمنع حلفاءها من الاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية ببقية أنحاء سوريا أي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة”.

وتابع الوزير قائلا: “بعبارة أخرى، مهمة استعادة السيادة والسلامة الإقليمية لسوريا، التي وقع عليها المجتمع الدولي برمته بما في ذلك الولايات المتحدة، كانت في الواقع بالنسبة للولايات المتحدة مجرد مناورة لحرف الأنظار”.

ولفت لافروف إلى أن “هدف واشنطن أصبح أكثر وضوحا، وهو تقسيم سوريا وإقامة دويلة على الضفة الشرقية”.

واشنطن وذهب داعش

 في الوقت الذي استمر فيه مسلسل التصريحات المتناقضة في واشنطن وأنقرة تم الكشف عن عمليات تعاون وتبادل للأدوار بين القوات الأمريكية والتنظيمات الموصوفة بالارهابية في سوريا والعراق وفي مقدمتها داعش والنصرة. بعد صدور تأكيدات من مصادر مختلفة سواء في تركيا أو طهران أو افغانستان عن نقل المروحيات الأمريكية قادة ومسلحين من تنظيم داعش إلى أفغانستان لفتح جبهة ضد حركة طالبان والى ليبيا ودول الساحل لتعزيز الحركات المسلحة هناك، كشفت مصادر كردية وتركية يوم 24 فبراير 2019 عن قيام القوات الأمريكية في سوريا بنقل كميات كبيرة من الذهب الذي كان بحوزة تنظيم داعش وتم جمعه خلال السنوات الماضية سواء بإنتزاعه من نساء المنطقة أو الاستيلاء عليه من البنوك السورية في مناطق سيطرة التنظيم.

وكانت مصادر أهلية من عدة مناطق بريف دير الزور الشرقي قد أكدت، قبل أيام، أنها ضبطت بالعين المجردة آخر فصول التعاون بين واشنطن عبر قواتها في سوريا وبين عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث قامت حوامات قوات أمريكية بنقل صناديق كبيرة مليئة بغنائم ووثائق التنظيم من منطقة الدشيشة بريف الحسكة الجنوبي.

كما كشف مصدر مقرب من الوحدات الكردية حسب موقع “باسنيوز” الكردي بالنسخة العربية، أن كميات من قوالب الذهب التي كانت بحوزة تنظيم “الدولة الإسلامية” في جيبه الأخير بمنطقة الباغوز في ريف دير الزور باتت بيد الأمريكان.

البغدادي في الانبار

 بموازاة مع ذلك ويوم الأحد 24 فبراير نقلت وسائل إعلام عن مصادر استخباراتية عراقية وأمريكية، أن زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، وصل إلى محافظة الأنبار العراقية في محاولة إحياء قدرات التنظيم القتالية.

وأفادت صحيفة “البيان” الإماراتية، نقلا عن مصدر مقرب من القوات الأمريكية المنتشرة في العراق، بأن البغدادي، بعد خسارة التنظيم آخر معاقله في دير الزور السورية، يحاول إعادة ترتيب صفوف مسلحي التنظيم مستخدما صحراء الأنبار غربي العراق معسكرا جديدا لـ”الدولة الاسلامية”.

وبحسب المصدر، فإن البغدادي وصل مع معاونيه، قبل أيام، إلى صحراء الأنبار عن طريق الأنفاق التي تربط مناطق سورية بمدينة القائم العراقية، وهي أنفاق ينتقل عبرها مسلحو التنظيم بالسيارات أو الدراجات النارية بين حدود سوريا والعراق، بعيدا عن رؤية الطيران.

فيما نقلت صحيفة “بغداد اليوم” الإلكترونية، عن الخبير الاستراتيجي العراقي، هشام الهاشمي، تصريحات أكد فيها صحة ما ورد من أنباء عن دخول البغدادي إلى العراق، موضحا أن زعيم “الدولة الاسلامية” موجود “بإحدى منطقتين وهما جزيرة راوة أو غرب الثرثار”.

 يذكر أن مصادر سورية كانت قد أفادت بداية شهر فبراير أن الأجهزة الأمريكية قررت إعطاء دور جديد لداعش.

 جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم السبت 23 فبراير:

قرار الرئيس ترامب الإبقاء على عدة مئات من قواته في سوريا يلبي جزئيا طموحات جناحين أمريكيين متبايني الرؤى، أولهما يريد “نصرا وانسحابا” وإن لم يكن كاملا، والآخر يعول على “حفظ” المكاسب الجيوسياسية من احتلال الشرق السوري. ولهذا حرص “البيت الأبيض” على عدم اعتباره “انقلابا” في خطط الرئيس، بل انتقالا إلى مرحلة جديدة من المهمة، تحت عنوان “حفظ السلام والاستقرار”. ولم يمض يوم على إعلان النوايا بإبقاء نحو 200 عسكري أمريكي في مهمة “حفظ سلام”، حتى خرجت تسريبات عن “مسؤول كبير” في إدارة دونالد ترامب، تقول إن الولايات المتحدة سوف تبقي 400 من عسكرييها في مناطق شرق الفرات والتنف. المسؤول نفسه لفت إلى أن العسكريين الباقين مستقبلا سيعملون ضمن قوة مشتركة تضم بين 800 و1500 عسكري من حلفاء الولايات المتحدة، وبخاصة الأوروبيين، في إطار التزام لإنشاء “منطقة آمنة” ومراقبة الأمن فيها. وأوضح أن واشنطن تجري محادثات مع حلفائها لتحديد طبيعة وحجم القوات التي سيلتزمون نشرها في تلك المنطقة.

التعويل الأمريكي على اجتذاب أعضاء “التحالف” للمشاركة في “قوة حفظ سلام” تتولى إنشاء “منطقة آمنة”ومراقبتها، حضر بوضوح في تصريحات مسؤولي وزارة الدفاع، من دون الحديث عن مستقبل مناطق سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” خارج تلك المنطقة.

عودة التصعيد

 بمعزل عن احتمالات تنفيذه من عدمه، يطرح التوجه الأمريكي الأخير تساؤلات جديدة حول مصير شرق الفرات، ومن خلفه سوريا. فبقاء “قوة مشتركة” تحت لواء “التحالف” يكرّس انفصال مناطق نفوذ “قوات سوريا الديموقراطية” عن سلطة دمشق، التي أكدت مرارا سعيها لاستعادة كل الأراضي السورية، بالمفاوضات أو النار. وفي ضوء التحديات الأمنية التي خلفها وجود “داعش” السابق على طول وادي الفرات، ومعارضة كل من تركيا، ودمشق وحلفائها، لأي “حل” يديم سلطة “قسد” وحدات حماية الشعب الكردية من وجهة النظر التركية، لن تكون مهمة “حفظ السلام” الأمريكية الأوروبية نزهة بلا كلفة، بل على العكس، ستكون تلك القوات هدفا مشتركا لأطراف عدة تملك القدرة والدافع، وهو ما قد يفتح المجال لتكرار أحداث تحاكي “تفجير منبج” الذي قتل عسكريين ومتعاقدين أمريكيين شهر يناير 2019. ويضاف إلى ذلك، احتمالات عودة التصعيد إلى محيط منطقة التنف، حيث يخطط الأمريكيون لإبقاء نحو 200 عسكري لتأمين قطع طريق دمشق بغداد، والضغط على دمشق وحلفائها عسكريا واقتصاديا.

كانت التنف في الأصل قاعدة أمريكية لتدريب المسلحين المناهضين لحكومة دمشق. لكن مع توالي انتصارات الجيش العربي السوري بصورة مطردة، أصبحت التنف حسب التصريحات الأمريكية دعامة حاسمة ضد نفوذ حزب الله اللبناني وإيران. وأنشأ الأمريكيون في عام 2017 “منطقة محظورة” تمتد لنحو 54.7 كم حول القاعدة، وهو ما يسمح للقوات الأمريكية بادعاء الدفاع عن النفس عند ضرب القوات السورية أو أي قوات أخرى تتحرك عبر هذه المنطقة.

وفي انتظار بيان موقف أنقرة، التي كانت قد بدأت نقاش مرحلة “ما بعد الانسحاب” مع كل من واشنطن وموسكو وطهران، كان لافتا أن تصريحات مسؤولي الولايات المتحدة تحدثت عن مشاركة قواتها مع الأوروبيين ضمن “المنطقة الآمنة”، من دون التطرق إلى مصير المناطق التي تديرها “قوات سوريا الديموقراطية”، لا سيما مناطق هامة مثل الرقة والطبقة. وبينما رحب مسؤولو “الإدارة الذاتية” بالقرار الأمريكي، ركزت تصريحاتهم يوم الجمعة 22 فبراير على نقطتين رئيستين: الأولى أن القرار قد يشجع دولا أوروبية على “الاحتفاظ بقوات” في سوريا، والثانية أنه سيكون “وسيلة ضغط على دمشق لإجراء حوار جاد”. ولا تشير المواقف الحكومية السورية السابقة إلى استعداد لقبول أي صيغة “حكم لا مركزي” خارج إطار القوانين النافذة، خصوصا أن دمشق وحلفاءها التزموا “التشكيك” بنوايا الانسحاب الأمريكي منذ إعلانه، فيما لا تبدو مشاركة ممثلي “مجلس سوريا الديموقراطية” في مسار “الحل السياسي” وفق صيغة “أستانا سوتشي” متاحة حتى الآن بوجود “الضامن” التركي، وهيمنته على قرار الجناح المناهض لدمشق.

دولة كردية

 قبل هذا التقرير يحوالي 48 ساغة ذكرت مصادر في بيروت: يحاول معارضو قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا تقديم “حل وسط” قائم على عملية إعادة تموضع، مع تحويل المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” إلى إقليم كردي شبيه بما هو قائم في شمال العراق. لكن فرص نجاح تلك المحاولة ضئيلة جدا، بالنظر إلى اختلاف أولويات الرئيس الأمريكي، ورفض اللاعبين الإقليميين والدوليين المعنيين بالأزمة السورية أي سيناريو من هذا القبيل.

اتهامات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، للولايات المتحدة بالسعي إلى تقسيم سوريا، والتي جاءت بعد إشادات من عدة مسؤولين روس، في مقدمهم الرئيس فلاديمير بوتين، بقرار الانسحاب الأمريكي إن تم تنفيذه من هذا البلد في الأسابيع الماضية، بددت الآمال بقرب التوصل إلى تفاهمات دولية وإقليمية حول مرحلة ما بعد الانسحاب. مصادر غربية مطلعة زارت الولايات المتحدة أكدت، أن العقبة الرئيسة التي تعيق التوصل إلى مثل هذه التفاهمات هي الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية، بين تيار بات غالبية فيها، بقيادة جون بولتون ومايك بومبيو، ومعهما الفريق المكلف بإدارة الملف السوري بقيادة الثنائي جيمس جيفري وجويل رايبرن، من جهة، وصاحب القرار النهائي، وهو دونالد ترامب، وأقلية مقتنعة بوجهة نظره، من جهة أخرى.

الرئيس ترامب هو من سيحسم الوجهة الفعلية التي ستعتمدها الولايات المتحدة، لكنه يواجه، في ما يخص الملف السوري، تقاطعا واسعا بين الجناح الغالب في إدارته، وبين التيار الرئيس في الدولة العميقة، ومنه الـبنتاغون وأجهزة الاستخبارات المختلفة، يعارض قراره بالانسحاب، ويحاول أن يفرض عليه تعديلات تسمح بالحفاظ على الوجود والنفوذ الأمريكيين في شرق الفرات، حتى بعد سحب جنود الجيش، ولتحقيق هذه الغاية قامت هذه الأطراف بتقديم وعود للأكراد السوريين باستعدادها لدعم إنشاء إقليم كردستان سوري، على غرار ذلك الذي نشأ بفضل الدعم الأمريكي في شمال العراق عام 1991، بعد الحرب التي شنت على هذا البلد.

وترجح المصادر المطلعة أن سلسلة من التطورات السياسية والميدانية هي التي تفسر حدة تصريحات لافروف. سبق هذه التصريحات تحذير شديد اللهجة وجهه الجنرال بول لاكاميرا، قائد قوات التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة، لـ”قوات سوريا الديموقراطية” من مغبة أي تعاون مع الجيش السوري أو الروسي. حيث قال لاكاميرا: “سنستمر في تدريبهم وتسليحهم أي قسد طالما ظلوا حلفاءنا. ستنتهي علاقتنا معهم إذا عادوا للتعاون مع النظام، الذي ليست لدينا علاقة معه، أو مع الروس. عندما يحصل ذلك، لن نكون شركاء لهم من بعدها”.

تقسيم سوريا خط أحمر

 تشير مصادر في العاصمة الالمانية برلين إلى أن هذا التحذير العلني، الذي تلى تحذيرات أخرى غير علنية للأكراد من القوات الأمريكية، يشكل تغييرا في الموقف الذي ساد في الفترة السابقة، أيام المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للتحالف الدولي، الذي لم يمانع إمكانية وجود أشكال مختلفة من التعاون بين “قسد” والجيش السوري، ولا حتى تفاوض الأكراد مع الدولة السورية حول شروط التسوية النهائية بينهما. الجديد اليوم هو رفض أي تفاوض أو حتى أي تفاهم موضعي ومؤقت بين الأكراد والدولة السورية. يضاف إلى هذا الأمر، بحسب المصادر، تغاضي القوات الأمريكية عن دخول شحنات سلاح كبيرة من كردستان العراق إلى “قسد” في الأسابيع الماضية، مما استفز عدة قوى بينها الدولة السورية وتركيا.

أكثر ما لفت المصادر، خلال تواصلها في الولايات المتحدة، هو البون الشاسع بين توجهات الرئيس ومؤيدي وجهة نظره، وبين ائتلاف عريض يضم أطرافا من داخل الإدارة وخارجها. هذه الأطراف قدمت رؤيا مفادها أن سحب الجنود لا يفترض بالضرورة أن يعني انسحابا أمريكيا يشكل خطرا على مصالح واشنطن وحلفائها. هي ترى أن المطلوب هو مجرد إعادة تموضع يستبدل فيها خبراء عسكريون ومجموعات من الاستخبارات الأمريكية وشركات الأمن الخاص بالجنود، على أن يتم تعزيز هذا التموضع بقيام الولايات المتحدة بفرض منطقة حظر جوي وبري، تمنع دخول أي قوات إلى المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، وبشكل خاص قوات الجيش السوري وحلفائه. وقد وعدت تلك الأطراف، الأكراد، بأنها ستمهد، من خلال هذه السياسة، لقيام إقليم كردي مماثل لذلك الذي في العراق. يهدف هذا العرض، بطبيعة الحال، إلى تعزيز موقف التيار المشكك في وسط الأكراد في جدوى التفاوض مع الدولة السورية برعاية روسية، للتوصل إلى حل سياسي بينهما يتيح استعادة سوريا لكامل سيادتها على أراضيها.

الطرف الكردي يقف اليوم على مفترق طرق، بعد اهتزاز ثقته بواشنطن نتيجة إعلان ترامب للمرة الثانية قراره الانسحاب. ثمة تيار معتبر بين الأكراد أصبح مقتنعا بعدم جدوى الرهان على الوعود الأمريكية لضمان مستقبلهم. يرى هذا التيار أن الموقف الأمريكي من الاستفتاء على استقلال إقليم “كردستان” العراق، والذي دفعت إليه قوى حليفة تاريخيا للولايات المتحدة، درس ينبغي الاعتبار منه جيدا. يضاف إلى هذه الحقيقة معطى آخر، وهو أن الظروف الدولية والإقليمية التي سمحت لواشنطن برعاية قيام إقليم “كردستان” العراق لم تعد قائمة بتاتا حاليا. يومها، انفردت الولايات المتحدة بالعراق والمنطقة في ظل حالة ضعف استثنائية لجميع اللاعبين الإقليميين والدوليين، وعجز كامل من قبلهم عن التأثير في مجرى الأحداث.

أبرز اللاعبين الموجودين الآن على الأرض السورية، روسيا وتركيا وإيران والدولة السورية، سيعارضون هذا المشروع، وسيعملون على إفشاله إن جرت مساعٍ جدية لوضعه موضع التنفيذ، وهو ما تستبعده المصادر أيضا، نظرا إلى الانقسام الأمريكي حوله. “ترامب يريد الانسحاب من سوريا، والحد من التورط في الشرق الأوسط للتفرغ لأولويات أخرى. الكتلة المعارضة للانسحاب تقدم له تصورها حول إعادة التموضع، كحل وسط بين ما يريده وبين المتمسكين ببقاء القوات. حل يحافظ على المصالح الأمريكية ومصالح الحلفاء، وينسجم مع استراتيجية احتواء إيران، ويحفظ ماء وجه واشنطن تجاه حلفائها الأكراد بكلفة محدودة. سيكون من الصعب جدا إقناعه بذلك لأن أثمان إعادة التموضع ستكون مرتفعة إذا امتدت العملية زمنيا، وترتبت عليها مواجهات محتملة مع القوى المعارضة. نحن أمام محاولات قصيرة الأمد وغير مضمونة النتائج للحفاظ على موطئ قدم أمريكي”.

معركة ادلب

 بينما يزداد توحل ساسة أنقرة وواشنطن في مستنقع الصراع في بلاد الشام وخاصة مسألة وضعية شرق الفرات، تتحرك دمشق بدعم من موسكو لإنهاء وجود الفصائل المسلحة في منطقة ادلب خاصة بعد عدم وفاء حكومة اردوغان بالتزاماتها هناك.

  فقد أفادت أخبار واردة من بيروت يوم 21 فبراير أن تحضيرات كبيرة تجري لشن هجوم عسكري سوري على كافة جبهات الشمال، وعلم أن الوحدات العسكرية السورية المرابطة على تخوم إدلب والأرياف الشمالية، تلقت أوامر بفتح النار على الجبهات بشكل منتظم، والاستعداد لحملة عسكرية تهدف الى التقدم نحو مناطق سيطرة الجماعات المسلحة، وتبدو حسب المعطيات المتوفرة أن المنطقة مقبلة على تسخين كبير، وأن مرحلة الأولى هي تمهيد بالنار، على مناطق جيش العزة واللطامنة، وكفر زينا لفتح الجبهات للقتال، والبدء بمعركة الشمال الكبرى.

ويعتقد أن المعركة لن تفتح أبوابها على مصاريعها دفعة واحدة، وإنما سيعمد الجيش السوري، إلى سياسية المراحل، وتفاضل الجبهات بين جبهات ريف حماه وجبهة إدلب وتلك المتاخمة لريف اللاذقية.

وسجل بالفعل قصف عنيف من قبل وحدات الجيش السوري على مناطق معرة النعمان وقلعة المضيق في ريف حماه، والاربعين ومناطق أخرى، استهدف مقرات المجموعات المسلحة وتحصيناتها، كما سجل حركة نزوح للسكان، من مدينتي خان شيخون ومعرة النعمان.

مصدر عسكري في جيش العزة قال إن “حملة القصف خطوة في طريق قوات النظام السوري وحلفائها إطلاق عملية عسكرية بهدف إحراز تقدم جنوب إدلب”، مشيرا إلى أن “جميع فصائل المعارضة المسلحة رفعت جاهزيتها لصد الهجوم المحتمل”.

وصعدت الفصائل المسلحة عبر وسائل إعلامها والإعلام الحليف لها من الخطاب الإنساني، والاشارة إلى معاناة السكان جراء التصعيد العسكري، وتبدو تلك أحدى الأوراق الفاعلة بيد الفصائل العسكرية و أنصارها التي يمكن لها أن تدفع الغرب إلى الضغط لوقف الحملة العسكرية السورية كما جرى عام 2018، إذ تخشى الدول الأوربية من موجات نزوح باتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا.

الافت هو سكون نقاط المراقبة التركية العسكرية المنتشرة في تلك المناطق، أمام هذه التطورات، ولايبدو أن تركيا أخذت قرارا بعد تجاه ارتفاع مؤشرات المواجهة العسكرية، ومن غير المرجح أن تشتبك تلك المواقع العسكرية التركية مع الجيش السوري أو ترد على مصادر نيرانه، طالما أن القوات السورية مدعمة بالسلاح الجوي الروسي .

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد حذر، مساء الثلاثاء 19 فبراير، من تداعيات أي عمل عسكري في منطقة إدلب شمال سوريا.

وقال أردوغان: إن بلاده لن تكون قادرة على تحمل عبء اللاجئين بمفردها في حال حدوث موجة نزوح جديدة، بحسب وكالة “الأناضول”.

فيما اكد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف في مؤتمر ميونيخ للأمن، أن بلاده وتركيا وإيران متفقون على مذكرة تفاهم لإنهاء وجود الفصائل المتطرفة في إدلب بشكل تدريجي، وأنه لا يمكن الصبر على المتطرفين إلى ما لا نهاية، وتؤكد هذه التصريحات أن الأطراف المعنية على علم ببدء المعركة في ادلب.

 وجدد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف موقف لافروف خلال حديث له في منتدى فالداي للشرق الاوسط الذي عقد في موسكو واكد بوغدانوف على “ضرورة القضاء على الإرهابيين في إدلب وفي كل المناطق السورية”. ما يعني أن روسيا تقف خلف قرار الجيش السوري في فتح ابواب المعركة في ادلب .

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. عمر نجيب يلخص المشهد السياسي لموضوع ما باسلوب جاد ويربط المشهد السياسي المتشعب على شكل مقالة ليسهل على القاريء الالمام بالحدث الذي يكون عادة له تفاصيل في اروقة مختلفة ونادرا ما يبدي رايه سوى في اظهار البديهيات الواقعة وهذا هو صلب العمل الصحفي .. كل الشكر والتقدير لمجهوده ونتمنى الاستمرار

  2. عذرا … دائما تتحف القراء بكم هائل من التقارير والتحليلات والأخبار في مقالاتك الطويلة .. ثم نتلفت يمينا وشمالا ونتابع الأخبار في الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة فلا نجد أثرا لما أوردت… لذا نأمل حين تنشر خبرا أو تقريرا أن تحيل القاريء إلى مصدره وان توثق المعلومة بالمرجع، وهذا من أساسيات العمل الصحفي ، ويترك لك الخيار واسعا أن تحلل كيفما تشاء .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here