عمر نجيب: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي… حساب المكاسب والخسائر القيادة تستقر لبرلين وباريس بدون منازع

عمر نجيب

 مع انتصاف سنة 2019 دخلت بريطانيا أزمة سياسية جديدة تهدد إقتصادها وإستقرارها السياسي وحتى وحدتها الترابية وذلك بسبب الصراع الدائر داخليا وخارجيا منذ سنوات بشأن بقائها أو إنسحابها من الإتحاد الأوروبي.

 ما يعقد الأوضاع هو أن الخلاف حول حجم مكاسب وخسائر بريطانيا من البقاء أو المغادرة لم يحسم حتى على مستوى الناخب البريطاني.

في سنة 2016 عندما أجري الاستفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد، طرح أنصار الانسحاب مجموعة من المبررات الاقتصادية أساسا، فذكروا مثلا أن حجم مساهمة بريطانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي تبلغ 80 مليار جنيه استرليني، مقابل 24 مليار حجم مدفوعات الاتحاد لبريطانيا، وبذلك فهي تدفع أكثر ما تحصل لذلك لا فائدة من بقائها داخل الاتحاد، كما ركزوا على سياسة الهجرة وأنها تحرم البريطانيين من الوظائف التي يقتنصها المهاجرون.

 أنصار البقاء داخل الاتحاد ذكروا من جانبهم أن خصومهم روجوا معلومات مغلوطة وكذبوا على الناخبين وأنه يجب إعادة استفتاء الشعب البريطاني على القضية مرة ثانية.

 موقف لندن النهائي الذي قد لا يتم الحسم فيه إلا بعد أشهر لن تقتصر آثاره على القارة الأوروبية بل ستكون له تبعات دولية إقتصادية وسياسية وعسكرية وكذلك على الصراع الدائر منذ بداية القرن الحادي والعشرين حول إقامة نظام عالمي جديد لا يقوم على أساس أحادية الأقطاب.

سقوط تيريزا ماي

 يوم 24 مايو 2019 أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، عزمها التخلي عن زعامة حزب المحافظين يوم 7 يونيو. وقالت ماي في كلمة ألقتها أمام مقر الحكومة في داونينغ ستريت: “لقد بذلت ما بوسعي” لتنفيذ نتيجة استفتاء 2016 للخروج من الاتحاد الأوروبي. “في عام 2016، أعطينا البريطانيين حق الاختيار. وعكس كل التوقعات، صوت الشعب على مغادرة الاتحاد الأوروبي. أشعر باليقين اليوم كما كنت منذ ثلاث سنوات أنه في ظل الديمقراطية، إذا أعطيت الناس الخيار، فمن واجبكم تنفيذ ما يقررونه”.

وأضافت أنها تشعر “بأسف عميق” لأنها لم تتمكن من تنفيذ قرار الاستفتاء، لكن اختيار رئيس جديد للوزراء سيكون “في مصلحة البلاد”.

وذكرت ماي إنها ستستمر في منصب رئيسة الوزراء بينما تجري عملية اختيار زعيم جديد لحزب المحافظين.

وستستقيل يوم 7 يونيو من زعامة الحزب، ليبدأ التنافس على المنصب في الأسبوع التالي.

 وبعيد إعلان استقالة ماي، سارع الاتحاد الأوروبي إلى القول إن الاستقالة لا تغير شيئا في موقف الدول 27 الأعضاء بشأن الاتفاق المبرم حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأكدت المتحدثة باسم رئيس المفوضية الأوروبية مينا أندريفا “سنحترم رئيس الوزراء الجديد، لكن ذلك لا يغير شيئا في الموقف الذي اعتمده المجلس الأوروبي حول اتفاق خروج” بريطانيا من الاتحاد في أجل تم تحديده في 31 أكتوبر 2019.

استفتاء جديد

 يوم 26 مايو 2019 صرح زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربين إن هناك ضرورة لمطالبة الرأي العام البريطاني مرة أخرى بإصدار حكمه بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إما من خلال انتخابات عامة أو استفتاء ثان.

وقال كوربين ”مع تفكك المحافظين وعدم قدرتهم على الحكم ومع وصول البرلمان إلى طريق مسدود، سيتعين إعادة هذه القضية إلى الشعب، سواء من خلال انتخابات عامة أو استفتاء عام“.

وأضاف ”خلال الأيام المقبلة، سنجري محادثات في حزبنا وحركتنا ونفكر مليا في هذه النتائج على جانبي الخروج من الاتحاد الأوروبي“.

يذكر أنه في 23 يونيو 2016 وافق 17.4 مليون بريطاني أي 51.9 في المئة من المشاركين في الاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وعقب ذلك استقال رئيس الحكومة المحافظ المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي ديفيد كاميرون في 24 يونيو، وفي 13 يوليو خلفته تريزا ماي في منصب رئاسة الحكومة.

المعارضة الفرنسية

 جاء في تقرير لموقع المنصة وتحليل أجراه الباحث د. إبراهيم حمامي:

  • لا نبالغ إن قلنا ان الاتحاد الأوروبي سيكون بوضع أفضل بكثير مع خروج بريطانيا، وهذه النظرة تخالف الكثير من التوقعات المتشائمة بانهيار الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا.

  • لذلك اسباب تاريخية وأخرى موضوعية:

  • عودة للخلف 51 سنة مضت ويزيد حين رفض الرئيس الفرنسي شارل ديغول انضمام بريطانيا للسوق الأوروبية المشتركة، وفي تفاصيل ذلك: في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1967، وداخل قصر الإليزيه، قال الرئيس الفرنسي شارل ديغول أمام نحو ألف شخص من الدبلوماسيين وكبار رجال الدولة الفرنسية: “إن بريطانيا تملك “كراهية متجذرة” للكيانات الأوروبية. وحذر من أن فرض بريطانيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة سوف يؤدي إلى تحطيمها”.

  • بريطانيا رفضت دائماً أن تكون عضواً على قدم المساواة مع باقي الدول وقاومت تاريخياً أي تجمع أوروبي حقيقي حيث أنها لم تكن عضوًا في التجارب الأولى للوحدة الأوروبية، مثل تجربة إنشاء تجمع للفحم والصلب عام 1952. كما لم توقع على اتفاقية روما عام 1957 والتي ضمت ست دول من أوروبا الغربية، وأسست لكيان اقتصادي لا يتم فيه فرض الجمارك على التجارة بين الدول الست.

  • وبالعودة لقصة انضمام بريطانيا ورفض الرئيس الفرنسي ديغول ذلك لشكوكه بنوايا بريطانيا، عام 1961 تقدمت بريطانيا بطلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي سبقت إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، وبعد ذلك بعامين رفض ديغول الموافقة على دخول بريطانيا.

  • حاولت بريطانيا مرة أخرى وأعلن ديغول رفضه لانضمام بريطانيا في عام 1967 بالرغم من موافقة الدول الأخرى العضوة في السوق.

  • لم تستطع بريطانيا الانضمام للاتحاد إلا بعد أن ترك ديغول الحكم عام 1969، لتصبح عام 1973 دولة كاملة العضوية في السوق الأوروبية المشتركة، وجرى الاستفتاء الأول على عضوية بريطانيا في عام 1975.

  • تبدو مشكلة بريطانيا أنها تريد أن تكون جزءا من أوروبا، دون أن تكون عضوا حقيقيًا فيها. فعندما اختار أعضاء الاتحاد الأوروبي الاشتراك في نظام موحد لتأشيرات الدخول، الشنغن، رفض البريطانيون الانضمام. وعندما تبنوا اليورو كعملةٍ موحدة لهم، اختار البريطانيون الاحتفاظ بالجنيه الاسترليني، والحفاظ على سلطة بنك انجلترا المركزي في تحديد أسعار الفائدة، وعدم الخضوع لقرارات البنك المركزي الأوروبي في تحديد سعر الفائدة في منطقة اليورو.

  • رئيسة وزراء بريطانيا خلال الثمانينيات، مارغريت ثاتشر، لخصت علاقة بريطانيا بأوروبا من خلال قول “لا” ثلاث مرات في جلسة لمجلس العموم عام 1990. كانت ثاتشر معارضة شرسة لمنح بروكسل، حيث مقر المفوضية الأوروبية، أي سلطات مركزية أو تشكيل ما يعرف باسم “الولايات المتحدة الأوروبية”.

  • في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدأ التململ يزداد في القاعدة الشعبية للمحافظين تجاه المهاجرين من دول أوروبا الشرقية التي انضمت للاتحاد عام 2004 و2007. لمواجهة هذا التململ والضغط الشعبي، قام رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون بالتعهد بإجراء استفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، في حال تم انتخاب المحافظين للحكم عام 2015.

موقف المعطل

  • حصل كاميرون خلال مفاوضات تحسين ظروف بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي على ما لم تحصل عليه أي دولة أخرى، الصفقة التي حصل عليها كاميرون شملت نقاطًا عدة، أهمها أن لا يحصل المهاجرون الأوروبيون إلى بريطانيا على مساعدات حكومية إلا بعد أن يحصلوا على وظائف في الأراضي البريطانية، ويساهموا في النظام الضريبي للبلاد. كما تشمل الصفقة عدم مسؤولية بريطانيا على إنقاذ الاقتصاديات التي تتعثر في منطقة اليورو.

  • وهو ما حذا برئيس المفوضية الأوروبية جان كلود غونكر ليقول أن كاميرون “حصل على أقصى ما يستطيع ونحن قدمنا أقصى ما نستطيع، وبالتالي لن يكون هناك المزيد من التفاوض ولن تكون هناك صفقة جديدة غير تلك التي اتفقنا عليها في فبراير.. الخروج سوف يعني الخروج”.

  • كل ذلك لم يكن سبباً كافيا لإقناع معسكر الخروج للبقاء في الاتحاد الأوروبي وخاضوا حملة اتسمت بتأجيج النزعة القومية مع دعم من الصحف اليمينية التي غذت الكراهية لكل ما هو أجنبي لدرجة أن أحد الأسباب الرئيسية التي ركزوا عليها لتأجيج المشاعر ما وصفوه بخطر انضمام تركيا المسلمة للاتحاد الأوروبي، وبلغ الأمر ببعضهم لرفع شعار أن يوم 23 يونيو هو يوم “استقلال بريطانيا” الحقيقي.

صحيح أن ما حدث شكل “رجة” اقتصادية وسياسية وتحدً هو الأكبر للاتحاد الأوروبي، لكن لماذا يعتبر ذلك أفضل للاتحاد الأوروبي على المدى البعيد؟ في هذا الشأن كتبت الباحثة أماني السنوار وأوضحت التالي:

  • “يبدو أن منظومة التكامل الأوروبية لا تريد الالتفات كثيرا إلى الخلف نحو معطِّلها التقليدي وهو يدير ظهره مقررا الرحيل، وهو الذي طالما لم يرغب في مشاطرة أقرانه الأوروبيين نظرتهم نحو فلسفة الاتحاد.

  • فعلى مدار العقود الأربعة الماضية، نظرت بريطانيا إلى أوروبا كسوق تجارية موحدة، أكثر من كونها مشروع تكامل يمتد نحو السياسي والثقافي والأمني، إذ كانت المملكة المتحدة في طليعة الدول التي قاومت نقل المزيد من الصلاحيات الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد.

  • وقد دافعت بشراسة من أجل نقض فكرة التصويت بالإجماع مرسخة مبدأ الأغلبية الذي فتح باب المناورة، كما دعمت موجات توسع الاتحاد معولة على إنهاء فكرة تحوله يوما ما إلى فدرالية أوروبية، وقاومت حتى المصادقة على معاهدة “ماستريخت” التي كانت الجسر الذي نقل أوروبا من التكامل الاقتصادي نحو أبعاد أوسع من التعاون بمعانيه المختلفة.

  • هذا السلوك البريطاني الذي يوصَف بالمعطّل داخل مؤسسات الاتحاد يشكل التحرر الأوروبي منه على المدى المتوسط والبعيد رافعة نحو مزيد من التكامل الأوروبي لا سيما على صعيد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وهو مسار تدعمه كل من ألمانيا وفرنسا صاحبتي أقوى اقتصادين في الاتحاد، وأقوى كتلتين تصويتيتين في البرلمان، وأكثر دبلوماسية مسموعة الكلمة بين بقية الدول الأعضاء.

سياسة خارجية متناسقة

  • إذ إن أهمية تطوير سياسة خارجية وأمنية مشتركة ليست ترَفا بالنسبة لأوروبا، لا سيما أن الأزمات الأخيرة كمشكلة أوكرانيا، والأزمة السورية، وصعود تنظيم الدولة، كشفت أنواعًا من القصور السياسي والأمني في التأثير السريع أو الفعال بأزمات وصل أثرها إلى قلب القارة وهدد أمنها واقتصادها في العمق، مما أعاد التأكيد على عجز التكامل الاقتصادي وحده عن صيانة رفاهية وأمن أوروبا.

  • وفي السياق المتوسط والبعيد كذلك لا يبدو الانسحاب البريطاني مهددا حتميا لفكرة التكامل، إذ من غير المرجح أن يقود تقدم اليمين في فرنسا، إلى تنكر للمشروع الأوروبي، بل سيتركز أثره على تحقيق مكاسب وطنية، دون أن يمتد لضرب الاتحاد من العمق الفرنسي، وهي الدولة التي تنافس على المقعد الأول في ريادته، وتمتلك موروثا ونظرة تاريخية عريقة له على خلاف الحال في بريطانيا.

  • أما فرضية انسحاب بقية أعضاء الاتحاد كأحجار الدومينو فلا تبدو مرجحة أيضا في ظل الفاتورة الباهظة للانسحاب، التي لا تقوى عليها العديد من الدول، لا سيما دول الشرق التي ما زالت بالمجمل تتلقى مساعدات مجدولة من الاتحاد الأوروبي، إذ لن تسعف هذه الدول إرادُتها السياسية أو الشعبية مشفوعة باستفتاء من أجل الصمود في مفاوضات الانسحاب الصارمة مع الكتلة الأوروبية.

  • إن نجح الاتحاد في تقليص مرحلة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، والعبور سريعًا نحو مرحلة ما بعد بريطانيا، فسيتحرر من كثير من العصي في الدواليب، وسيحظى بفرص أوفر للوصول إلى سياسات خارجية وأمنية أكثر تكاملا واتساقا.

  • سيوفر الأوروبيون مليارات الدولارات المبددة بسبب تشتت أو عدم اتساق سياساتهم الخارجية، وسيمكنهم تحويلها نحو قنوات الرفاهية والرعاية الاجتماعية التي يتهم الاتحاد دومًا بإهمالها، وبذلك ستكون أوروبا قد قطعت شوطًا هاما في حل لغز السياسة الخارجية والأمنية الذي استعصى لسنوات، مما سيساهم في ترسيخ الاتحاد الأوروبي كلاعب دولي مؤثر وفعال، عبر تثبيت رأس سياسي ذكي ومتسق للجسد الاقتصادي الأضخم في العالم

هذا بالنسبة للاتحاد الأوروبي ووضعيته بعد الخروج البريطاني…

في المقابل فإن وضع المواطن البريطاني الذي صوت للخروج من الاتحاد الأوروبي ستتأثر سلباً وبشكل مباشر…

الحديث هنا ليس عن الشركات الكبرى الاحتكارية…

ولا عن المؤسسة الحاكمة أو دعايتها “التخويفية” التي نفرت الكثيرين وتسببت في كسب معسكر الخروج الكثير من الأصوات…

بل جيب المواطن مباشرة…

لابد هنا من التوضيح أن أية خسائر للشركات الكبرى أو للحكومة سيتم تعويضها من خلال اجراءات تقشف وزيادة ضرائب تفرض على المواطن، أي أن الخاسر هو المواطن.

خسائر

الشركات الكبرى عادة لا تتأثر وإن تأثرت فإنها تعوض خسائرها من جيوب المواطنين…

ولتوضيح الصورة أكثر لابد من لغة الأرقام ومن مصادر لا علاقة لها بالحكومة التي لا تتمتع بالمصداقية، على الأقل في هذا الموضوع…

  • سنة 2016 وبعد ساعات من اعلان نتيجة الاستفتاء خسرت البورصة البريطانية 250 مليار جنيه استرليني وهي أكبر خسارة في تاريخها بالمطلق، منها 100 مليار من صناديق التقاعد والمعاشات لكبار السن، وخسرت بورصات العالم بدورها 2 تريليون دولار.

  • أوضح المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا وهي مؤسسة متخصصة بدراسة النواحي الاجتماعية والاقتصادية أن العجز المتوقع في موازنة صنودق الرعاية سيكون بين 28- 44 مليار جنيه استرليني وهو ما سينعكس مباشرة على العائلات التي تعتمد على مساعدات الدولة نقصاً في مدخولها بمتوسط 2771 جنيه استرليني.

  • المعهد نفسه توقع انخفاض أجور المستهلكين الحقيقية بما يتراوح بين 2.2 و7 في المئة بحلول سنة 2030 مقارنة بمستوياتها في حالة بقاء بريطانيا في الاتحاد.

  • وزارة المالية تحدثت وبوضوح عن زيادة متوقعة على ضريبة الدخل بين 2 و5 سنت لكل جنيه من رواتب الموظفين لتصل ضريبة الدخل إلى 45 في المئة من الراتب على الشريحة الأكبر راتباً.

  • معاشات المتقاعدين التي كانت تخضع لآلية تسمى “تريبل لوك” اي أنها تزيد سنوياً بحسب التضخم أو زيادة الرواتب أو بنسبة 2.5 في المئة لضمان معاش كريم للمتقاعدين ستفقد بشكل كامل، وهو ما يعرض معاشات المتقاعدين للتآكل مع زيادة نسبة التضخم.

  • خسارة ما يقدر ب 1.3 مليون وظيفة تعتمد بشكل مباشر على التجارة مع الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن 220 مليار جنيه استرليني هي عوائد تلك التجارة لصالح الخزينة البريطانية سنوياً، سيتم تعويض خسارتها من خلال اجراءات التقشف وتقليص الخدمات وزيادة الضرائب.

  • غالبية المواطنين في بريطانيا يتملكون بيوتهم من خلال القروض العقارية التي تتأثر بسعر الفائدة الرسمي، هذه الفائدة التي وصلت لأدنى مستوياتها لسنوات “نصف بالمائة” ستزيد بحسب تقارير بنك انكلترا إلى أكثر من الضعف في المستقبل القريب جداً لتعويض هبوط سعر الجنيه الاسترليني وتأثر الاقتصاد سلباً، وهو ما سينعكس على جيب المواطن بشكل زيادة في القسط الشهري للقرض العقاري.

  • كذلك ستتأثر إيجارات المنازل خاصة في المدن الكبرى والتي كانت تعتمد على الأوربيين بشكل كبير.

  • أما الاستثمارات الأجنبية فبحسب توقعات المؤسسات المالية فإنها ستنخفض بشكل كبير، حيث ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن فقدان الامتيازات بالتنقل وجوازات السفر سيدفع الشركات والمصارف لنقل مقارها خارج بريطانيا.

  • يساهم القطاع المالي بنسبة تتراوح بين 8 و12 في المئة من اجمالي الناتج المحلي لبريطانيا، ويمكن ان يمارس الخروج من الاتحاد الأوروبي تأثيرا خطيرا لأن مصارف كثيرة تستخدم فروعها في لندن للتعامل مع بلدان الاتحاد الاوروبي كلها. وسيتعين على هذه المؤسسات في حال خروج بريطانيا ان تنقل نشاطها بأكمله أو جزء منه الى بلدان أخرى في الاتحاد. وحذرت مصارف كبرى مثل غولدمان ساكس وجي. بي. مرورغان من مثل هذا السيناريو.

  • وسيتمكن البنك المركزي الاوروبي من الحد من تجارة بريطانيا باليورو رغم انها ليست عضوا في منطقة العملة الأوروبية الموحدة. ويعتقد خبراء ماليون أن مخاطر أخرى ستظهر بالارتباط مع الخروج منها ان المصارف وشركات التأمين وصناديق التحوط ستجد صعوبة في تشغيل أطر من القارة الأوروبية إذا توقفت حرية الأوروبيين في التنقل بين دول الاتحاد.

  • الشركات المحلية أيضاً أعلنت أنها ستعاني مشاكل مادية وربما تحتاج لإعادة هيكلة إدارية ومنها شركة الخطوط البريطانية وشركة “جي بي مورغان” والتي توظف 16 ألف موظف، وشركة “فورد” 14 ألف موظف، وشركة “إيرباص” التي تنتج أجنحة طائراتها في مقاطعة ويلز وتوظف 15 ألف موظف، بينما أعلن نيك الويل من مكتب محاماة كلايد وشركاه أن مصير 360 ألف موظف يعملون في القطاع المصرفي بات مهدداً.

  • بل أن الصحف اليمينية التي قادت حملة الخروج من أوروبا بدأت بدورها في الصراخ بعد ظهور نتائج الاستفتاء بأيام قليلة، صحيفة التلغراف الصادرة يوم الجمعة 24 يونيو 2016 نقلت عن د. آدم مارشال مدير الغرفة التجارية البريطانية بالوكالة المدير التنفيذي لمنظمة المصنعين البريطانية تيري سكولار مطالبهما لرئيس الوزراء البريطاني المستقيل ديفيد كاميرون “بتوضيح فوري للخطوات الواجب اتخاذها” لطمأنة وتثبيت السوق الذي يتعرض لضربات اقتصادية، إضافة لمسؤولي الشركات الصغرى ومديري مؤسسات ونقابات.

  • استطلاع رأي سبق الاستفتاء أجرته مؤسسة المانية هي “ذي بيرتلسمان فاونديشن” أظهر أن ثلث الشركات البريطانية والأوروبية وفي حال التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي ستنتقل لأوروبا أو تعيد هيكلة موظفيها في بريطانيا “الاستطلاع شمل 700 شركة ونشرت نتيجته صحيفة الغارديان في 14 فبراير 2016”.

  • رئيس اتحاد الشركات اليابانية “سادايوكي ساكبيرا” حذر من أن 1000 شركة يابانية مسجلة وتعمل في بريطانيا منها هيتاشي ونيسان ستعيد حساباتها.

  • صحيفة “يو أس تودي” أوضحت ومن خلال سؤال الشركات الأمريكية العالمة في بريطانيا أنها ستدرس مغادرة بريطانيا لصالح السوق الأوروبية التي تشمل 500 مليون مواطن.

  • ضعف الجنيه الاسترليني سيعني زيادة في أسعار المواد المستوردة من الخارج للمواطن وزيادة تكلفة سفره للخارج وكذلك اسعار المحروقات التي بدورها ستزيد سعر كل شيء.

  • سيفقد المواطن البريطاني حق العلاج المجاني في دول الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع به حتى الآن ما سبق ليس سوى قمة جبل الجليد وغيض من فيض ولا يعتمد على المصادر الحكومية كما يحلو للبعض من رافضي فكرة التأثير السلبي المباشر على المواطن القول في كل مناسبة…

إضافة للخسائر المادية المباشرة للمواطن هناك التزامات حقوقية وقانونية لا يستهان بها سعت حكومة لندن للتنصل منها خلال السنوات الماضية وفشلت، لكنها الآن ستكون في حل منها مما ينعكس سلباً على حقوق المواطنين ومنها على سبيل المثال:

  • حقوق العمال وتحديد سقف العمل الأسبوعي أوروبياً ب 48 ساعة.

  • حقوق الانسان المرتبطة بقوانين المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان “هذه تحديداً حاولت تيريزا ماي مراراً وتكراراً الغاءها” والتي كانت تقيد الداخلية في اجراءاتها التي تعتدي على حقوق المتهمين أو الموقوفين.

  • القوانين والمعايير الأوروبية الخاصة بالبيئة والسلامة علاوة على ما سبق فإن المهدد بالتفكك ليس الاتحاد الأوروبي بقدر ما هو المملكة المتحدة نفسها بعد الاعلان رسمياً من قبل الوزيرة الاسكتلندية الأولى عن نيتها مناقشة تنظيم استفتاء ثانً لاستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، وهو أيضا ما أعربت عنه قوى في ايرلندا الشمالية.

الخروج على أساس اتفاق

 المفارقة أن اجراءات الخروج على أساس اتفاق قد تستمر ما بين 7- 10 سنوات تخضع خلالها بريطانيا لقوانين ومعايير الاتحاد الأوروبي دون ان يكون لها الحق في التصويت أو اتخاذ القرار…

اي أن آمال المصوتين بالخروج ب”التخلص” من المهاجرين لن تكون فورية، ان حدثت اصلاً.

سياسيا يمكن ان يكون الخروح اسوأ عاقبة لأن على البريطانيين ان يلتزموا بالعديد من انظمة بروكسل لأسباب اقتصادية، مثلهم مثل النرويج وسويسرا، دون ان تكون لهم كلمة في وضع هذه القواعد والأنظمة. ويعني هذا تراجع أهمية بريطانيا دولياً.

فمن اسباب كون بريطانيا شريكاً مهماً للامريكيين ان لها صوتاً في الاتحاد الاوروبي، وحين يغيب هذا الصوت سيتوجه الرئيس الامريكي الى التحدث مع نظرائه في باريس وبرلين. –

مقابل كل ذلك يعجز مؤيدو الخروج من الساسة عن تحديد الفوائد التي ستجنيها بريطانيا من خروجها من الاتحاد الأوروبي باستثناء شعارات الاستقلال واستعادة القرار والسيطرة على الحدود، وهي أمور حصلوا عليها بالأساس من الاتحاد الأوروبي الذي استثنى بريطانيا من أغلب اجراءاته…

ويعجز أيضاً المؤيدون من المواطنين العاديين عن تحديد أسباب تصويتهم لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أو الفائدة التي ستجني البلاد بصورة عامة أو هم بشكل مباشر، اللهم إلا الشعارات أيضاً بمستقبل أفضل وتوفر فرص العمل التي يستحوذ عليها الأوربيون الشرقيون، وهو ما دفع أحد النشطاء على صفحات تويتر للقول أن المهاجر الذي يحمل شهادة عليا لا “يسرق” وظيفة من يحمل مادتين دراستين من الثانوية.

 يذكر إن من أيد علناً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي طرفان هما دوتالد ترامب وساسة اسرائيل، وهنا نشير إلى ما ذكرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية بتاريخ 24 يونيو 2016: أن تل أبيب ستكون أكبر المستفدين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، حيث أن خروج لندن سيؤدى بطبيعة الحال إلى إضعاف الاتحاد فى مواجهة إسرائيل.

وأضافت الصحيفة العبرية أن الاتحاد الأوروبى لن يتمكن من ممارسة ضغوطا على إسرائيل فيما يتعلق بالتوسعات الاستيطانية بالضفة الغربية والقدس، كما أن الضغوط الأوروبية على تل أبيب لتطبيق المبادرة الفرنسية سيزول بعد خروج بريطانيا لكونها قوى عظمى فى الاتحاد ولها تأثير كبير على قرارات الاتحاد.

وأوضحت الصحيفة أنه على الرغم من العلاقات القوية بين إسرائيل وبريطانيا إلا أنها كانت أولى الدول التى دعت إلى مقاطعة إسرائيل من خلال وضع علامات على منتجات المستوطنات، وحذى على حذوها دول الاتحاد، وهذا يعنى تراجع دول الاتحاد فيما يتعلق بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية.

وأشارت الصحيفة إلى أن خروج بريطانيا سيؤدى إلى ظهور قوى جديدة مثل المانيا التى تعد من أكبر الدول الأوربية التى تدعم إسرائيل عسكريا من خلال الغواصات النووية التى تم تسليمها إلى تل ابيب والبالغ عددها حتى الآن 4 غواصات.

أوروبا بلا شك أفضل بدون بريطانيا وبريطانيا اسوأ سياسياً واقتصادياً على المدى القريب والمتوسط إن لم يكن على المدى البعيد.

مستقبل جبل طارق

 خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي رسميا لن يمر بسلاسة ويسر، إذ إن هناك العديد من القنابل الموقوتة التي ستصبح مرشحة للانفجار عقب تفعيل خطوات البريكست.

 إحدى هذه القنابل تتعلق بمستقبل ما يقرب من 30 ألف مواطن من سكان منطقة جبل طارق، ممن يعانون من أزمة هوية، ما بين مطرقة الانتماء إلى إسبانيا جغرافيا، وسندان الميل لبريطانيا سياسيا وثقافيا.

العديد من التساؤلات باتت تفرض نفسها جراء الصراع بين لندن ومدريد على هذه المنطقة، إلا أن السؤال الأكثر حضورا على أذهان وألسنة سكان تلك البقعة المتوغلة في مياه البحر الأبيض المتوسط، هو إلى أي الفريقين يكون الانتماء.. إسبانيا أم بريطانيا؟.

تعد منطقة “جبل طارق” إحدى المناطق التابعة للتاج البريطاني منذ عام 1713، حين استولى عليها البريطانيون ضمن معاهدة “أوتريخت” التي أنهت حرب الخلافة الإسبانية “1701-1713″، والموقعة بين ممثلي فرنسا وإسبانيا من جهة، وممثلي بريطانيا والنمسا من جهة أخرى.

تقع هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 7 كم مربع على سهل مجاور لقبة صخرية داخل مياه البحر الأبيض المتوسط في أقصى جنوب شرق جزيرة إيبريا الإسبانية، كما أنها تعد المنفذ الأقرب نحو القارة الإفريقية.

 منطقة جبل طارق ظلت مستعمرة بريطانية من عام 1713 وحتى 1981، حين قررت لندن تبديل الوضع القانوني لهذه المنطقة وتحويلها من مستعمرة إلى منطقة حكم ذاتي.

بعد تغير شكل إدارة الحكم في جبل طارق من مستعمرة إلى منطقة حكم ذاتي طالبت مدريد بإعادتها إلى سيادتها مرة أخرى، إلا أن هذا الطلب اصطدم بمضمون اتفاقية “أوتريخت” والذي نص على اشتراط إعادة المنطقة لإسبانيا بتنازل بريطانيا عنها، وهو ما رفضته الأخيرة.

جدير بالذكر أنه في عام 711 ميلاديًا وتحديدًا في الـ30 من أبريل نجح المسلمون بقيادة طارق بن زياد في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي في فتح هذه المنطقة بعد أن عبروا البحر قادمين من المغرب، وقد أطلق عليها فيما بعد منطقة “جبل طارق”.

ستبقى بريطانية ولكن

 موقف سكان منطقة جبل طارق أعلنه رئيس الحكومة فابيان بيكاردو في تصريح له نقله موقع “دويتشه فيله” بقوله إن أراضيه ستبقى بريطانية على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

رئيس الحكومة ندد في مقال له نشرته “ديلي إكسبريس” بأي محاولة من جانب إسبانيا لنزع منطقة جبل طارق من انتمائها البريطاني، محذرا من إقدام مدريد على مثل هذه الخطوة، قائلاً: “إسبانيا تحاول التلاعب بالمجلس الأوروبي لمصالحها السياسية الضيقة”.

يذكر أن سكان جبل طارق في التصويت الأخير بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صوتوا ضد هذه الخطوة، مبررين ذلك بأنهم كانوا على دراية بأن هذا الخروج سيشجع الإسبان على إعادة طلب استعادة تلك المنطقة، لذا كانوا من أحرص الفئات على بقاء بريطانيا تحت المظلة الأوروبية، ويبدو أن قلق بيكاردو كان في محله، فماذا فعلت أوروبا لدعم إسبانيا في هذا الملف؟.

انحاز الاتحاد الأوروبي بدروه إلى موقف إسبانيا على حساب بريطانيا في قضية السيادة على جبل طارق، حيث قدم مقترحًا لإعطاء إسبانيا الكلمة في تقرير مصير تلك المنطقة فور إنهاء إجراءات خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد.

وفي السياق نفسه قدمت المؤسسة الأوروبية مشروع قرار يسمح بمنح إسبانيا حق الاعتراض على أي علاقات تجارية مستقبلية بين جبل طارق وأي دولة أخرى، وهو ما يضع مدريد في موقف القوي فيما يتعلق بهذه المنطقة الحيوية.

هذا الدعم الأوروبي لإسبانيا أثار حفيظة دوائر صنع القرار في لندن، وهو ما دفعهم للرد دفاعًا عما يعتبرونه حقهم التاريخي في فرض السيطرة والسيادة على المنطقة.. فماذا كان الرد؟.

قبيل إنهاء إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي، أصدر مجلس الوزراء البريطاني بيانًا قال فيه إن بريطانيا لن تدخل في أي ترتيبات قد تجعل بموجبها سكان جبل طارق تحت سيادة دولة أخرى ضد رغباتهم المعرب عنها بحرية وديمقراطية، في إشارة إلى استفتاء عام 2002 عندما صوت غالبية سكان “الصخرة” بنسبة 99 في المئة ضد أي سيادة إسبانية عليهم.

وهكذا ليس أمام سكان جبل طارق سوى انتظار ما ستسفر عنه التطورات المستقبلية سياسيا واقتصاديا لتحديد مستقبلهم.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here