عمر نجيب: الولايات المتحدة والموازين المتقلبة لأصحاب القرار في البيت الابيض مخاطر مغامرة السير على حافة الهاوية

عمر نجيب

 يوم الخميس 22 مارس 2018 أعلن البيت الأبيض الأمريكي قرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب بتعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي الأمريكي خلفا للجنرال هربرت ريموند ماكماستر، الذي أشاد ترامب “بالعمل الاستثنائي” الذي قام به وأكد أنه سيبقى “صديقه” دائما. هذا الثناء جزء مما يسمى النفاق السياسي.

  يشار إلى أن ماكماستر كان قد وصف في الدوائر المقربة من ترامب بأنه “عدواني”، وأفادت الأنباء أن الرئيس قاطعه ذات مرة قائلا:” انظروا إليه إنه يبدو جادا للغاية”.

كما أفادت الأنباء بأن ترامب وصف إحاطات ماكماستر بأنها “فظة ومتعالية”. وتردد أن الرجلين لم يكونا على وفاق.

كما كان ترامب قد انتقد مستشاره للأمن القومي في فبراير 2018، عندما قال ماكماستر في منتدى بألمانيا إن التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 أمر لا يقبل الجدل.

وغرد ترامب على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي تويتر قائلا:” لقد نسى الجنرال ماكماستر أن نتائج الانتخابات لم تتأثر أو تتغير بأي تدخل”.

وكان مكماستر قد تولى منصب مستشار الأمن القومي في وقت مبكر من رئاسة ترامب، وحل محل مايكل فلين الذي لاحقته فضيحة. وذكر البيت الأبيض إن ترامب وماكماستر “اتفقا فيما بينهما” على تركه المنصب.

حكومة حرب

جاء تعيين بولتون البالغ من العمر 69 سنة والذي يوصف بأنه من الصقور المحافظين، مع اقتراب لقاء قمة متوقع بحلول نهاية مايو 2018 بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون، ومع اقتراب موعد حاسم لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني، الذي كان بولتون، السفير السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، من أشد منتقديه. ويعد بولتون من الصقور وهو يؤيد استخدام القوة العسكرية مع كوريا الشمالية وإيران. ويتوقع بعض المراقبين أن يدعم سياسة خارجية صدامية خاصة مع روسيا.

 الإعلان عن تعيين بولتون جاء بعد ما يزيد بقليل على أسبوع من إقالة ريكس تيلرسون من منصب وزير الخارجية واختيار مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو ليحل محله. وقدر محللون أن هذا التغيير يشير إلى أن ترامب يستعين بمستشارين يرجح أنهم أشخاصا قريبون منه أيديولوجيا وعقائديا ومتفقون مع بعض آرائه.

وخلافاً لوزيري الدفاع والخارجية ومسؤولين كبار آخرين، لا يحتاج مستشار الأمن القومي لتصويت في مجلس الشيوخ قبل أن يتولى مهامه. وأثار تعيين بولتون، ثالث شخصية تشغل هذا المنصب في عهد ترامب، ردود فعل متضاربة، فقد قال الجمهوري لي زيلدين العضو في الكونغرس والوفي لترامب، إن بولتون “رجل يتمتع بمؤهلات استثنائية” لشغل هذا المنصب. أما آرون ديفيد ميلر الدبلوماسي المحنك الذي عمل في إدارات جمهورية وديموقراطية، فقد رأى أنه “مع تعيين جون بولتون، سيكون فريق ترامب للسياسة الخارجية الأكثر تشددا وأيديولوجية والأقل براغماتية في الذاكرة الحديثة، في وقت تتطلب فيه التحديات على الساحة الدولية الحزم ولكن أيضا مرونة وبراغماتية”، حسب تعبيره.

وقالت لورين دي جونغ شولمان، التي عملت مساعدة لمستشارة باراك أوباما للأمن القومي، سوزان رايس: “يقول ترامب إنه يريد فريقا متناسقا مع أفكاره، فكيف إذا اصطف واحد من عتاة المحافظين الجدد وأكثرهم قسوة مع رجل شجب توسعنا الدولي أثناء حملته الانتخابية ؟”.

وانتقد السناتور إد ماركي اختيار ترامب لمستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، قائلا إن ترامب يشكل “حكومة حرب” مع جون بولتون ومايك بومبيو.

ولعب بولتون المعروف بدفاعه الشديد عن دولة الاحتلال الاسرائيلي دورا رئيسيا في تضليل الشعب الأمريكي في حرب الخليج العربي، وقال ماركي “لا يمكن أن ندع هذا المحب للحروب يخدعنا لخوض صراع رهيب آخر”.

وأشار كثيرون إلى دور بولتون في إدارة بوش التي أشعلت حرب العراق. وأعرب البعض عن القلق من تأثيره على سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران وكوريا الشمالية ودول أخرى كثيرة خاصة أن الرجل لا يحترم حتى المؤسسات الدولية ففي خطاب له عام 1994، قال بولتون إنه “لا وجود لشيء اسمه الأمم المتحدة، بل هناك مجتمع دولي قد تقوده أحيانا القوة الحقيقية الوحيدة المتبقية في العالم وهي الولايات المتحدة، عندما يتوافق ذلك مع مصالحنا”.

وأشاد بولتون بالهجمات العسكرية الإسرائيلية على المفاعل الذري العراقي في عام 1981، ومفاعل منشأة الكبر في الصحراء القريبة من دير الزور في سوريا في عام 2007، وقال إن العقوبات لن تعيق بناء بنية تحتية واسعة وعميقة للأسلحة في إيران، وإن هناك حاجة لعمل عسكري ضدها. وحث بولتون على ضرب كوريا الشمالية قائلا إن المعلومات الاستخبارية حولها تشوبها ثغرات، ولذلك يجب ضربها قبل أن تصبح خطرا كبيرا.

 ومن الأكاذيب التي روج لها أثناء الحرب ضد العراق أن الرئيس العراقي صدام حسين أخفى أسلحة دمار شامل ومنشآت إنتاجها في العراق، وعندما تبين عدم وجود أسلحة دمار، قال بولتون إنه لا يشعر بالندم على أقواله.

نصير إسرائيل

  فيما يتعلق بملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سبق أن صرح بولتون بأن حل الدولتين قد مات، وفي انسجام كبير مع توجهات ترامب ذكر بولتون مرارا إنه لا يرى مانعا في نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وذلك حتى قبل القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإعلان نية نقل السفارة الأمريكية إليها. وهذا ما سيعني المضي في سياسة ترامب المتعلقة بهذا الصراع كما يقول إدموند غريب، الاكاديمي والخبير في الشؤون الأمريكية.

 يشار إلى أن أحد المواضيع القليلة التي يختلف فيها ترامب مع بولتون على الأقل على الصعيد العلني هي حرب العراق فالأخير يعتبر أحد مهندسيها والمدافعين عنها بشدة لدرجة أنه قال وقتها بأن العراقيين سيرحبون بالجنود الأمريكان معتبرا أن العملية العسكرية الأمريكية لن تطول هناك وسرعان ما سيتمكن العراقيون من التحرر من صدام حسين وبناء ديمقراطية. ولم يتراجع بولتون عن موقفه، بينما انتقد ترامب أكثر من مرة التدخل الأمريكي في العراق خلال حملته الانتخابية.

وقد وصف بولتون التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية في عام 2016 بأنه “عمل من أعمال الحرب تجاه واشنطن لا يجب أن تتسامح إزاءه”.

وعندما التقى ترامب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو عام 2017 نفى بوتين ما تردد عن التدخل الروسي. فكتب بولتون حينها يقول “إنه يكذب بفضل تدريبات الاستخبارات الروسية “كي جي بي”.

ومؤخرا عندما تم تسميم العميل السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا، وهو الهجوم الذي ألقيت مسؤوليته على روسيا، قال بولتون إن الغرب لابد وأن يرد على روسيا بقوة.

ويقول إدموند غريب إن الاختلاف في هذه النقطة لا ينفي أن بولتون مقرب من ترامب ويتبنى أفكارا مشابهة لأفكاره، وذلك رغم أن ترامب على عكس بولتون صرح مرارا بأنه ضد التدخلات العسكرية الأمريكية ولا يريد حروبا، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بحسب غريب هو “كيف يمكن لبولتون صاحب المواقف الواضحة والمعروفة مسبقا أن يؤدي عملا جيدا في منصب يفترض أن يقدم من خلاله للرئيس الأمريكي كل الآراء والسياسات الممكنة المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي؟”.

  هكذا وخلال عام واحد في البيت الأبيض، استبدل الرئيس الأمريكي أو أقال 34 في المئة من طاقم إدارته.. للمقارنة فقط فإن النسبة كانت 9 في المئة في العام الأول لباراك أوباما في البيت الأبيض.. بالنسبة لكثيرين لا مشكلة في التغيير، لكن السؤال هو ما الذي سيأتي مع هذا التغيير؟.

 هناك من قال إن دونالد ترامب شكل حكومة حرب.

أخطر لحظة في تاريخها

 يوم الاحد 25 مارس 2018 اعتبر ريتشارد هاس، الدبلوماسي الأمريكي السابق، وأحد منظري السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أن بلاده تشهد حاليا “أخطر لحظة” في تاريخها الحديث.

وكتب هذا الدبلوماسي: “دونالد ترامب مصمم الآن على شن حروب على ثلاث جبهات في وقت واحد: سياسية، ضد المدعي العام الخاص بوب مولر، واقتصادية ضد الصين وشركاء تجاريين آخرين، وثالثة حقيقية ضد إيران أو كوريا الشمالية. هذه هي أخطر لحظة في التاريخ الأمريكي الحديث. وإلى حد كبير هذا كان بسبب إثارتنا بأنفسنا لهذه الحروب، وليس لإثارتها من جراء بعض الأحداث”.

وفي وقت سابق، قال هاس، في مقاله “أين تسير؟ إعادة هيكلة السياسة الخارجية الأمريكية”، الذي نشر في عدد يوليو 2017، من مجلة الشؤون الخارجية، إن واشنطن تحتاج الآن إلى استراتيجية مشتركة تفيد الولايات المتحدة وحلفائها. وشدد هاس على أن شعار “أمريكا أولاً” سيء لأن ما هو جيد، كل بلد سيبدأ في وضع نفسه أولا، ومن ثم لن يهتم بالمصالح الأمريكية، بل فقط بمصالحه الخاصة.

وأضاف الدبلوماسي: في العالم ككل، ينبغي على الولايات المتحدة استعادة دور المساهم المسؤول وعدم عزلها عن المشاكل. يجب على أمريكا ألا تتخلى عن برامج المساعدات الدولية أو الكفاح من أجل المناخ. إن عدم القدرة على التنبؤ في السياسة الخارجية جيد كتكتيك وليس كاستراتيجية. يمكن إصلاح النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن لا ينبغي أن يعاد تنظيمه بشكل كامل.. وأضاف الخبير أنه يجب ألا ننسى عدد الفوائد التي جلبها هذا النظام بالضبط للولايات المتحدة.

القدرة والعجز

 اذا كان البعض قد قدر أن الحكومة الأمريكية تحت قيادة ترامب قد قررت إتباع سياسة مواجهة ضد الخصوم بكل ما تحمله في طياتها من أخطار، فإن آخرين يرون عكس ذلك ويؤكدون أن الولايات المتحدة تحاول إيهام العالم أنها قادرة على العودة إلى مركز القوة المطلق الذي اعتمدته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 ولهذا اختار ترامب شخصيات تتبنى سياسة حافة الهاوية ولكنها غير قادرة على توفير عناصر القوة الكفيلة بتجسيد ذلك.

 واشنطن تكبدت في السنوات الاخيرة نكسات متوالية سواء في منطقة الشرق الأوسط أو جنوب آسيا وتصاعدت خلافاتها واحتكاكها مع العديد من حلفائها وخاصة في داخل الاتحاد الأوروبي، كما تعثرت جهودها للتخلص من خصومها في فنزويلا وكوبا أو فرض إرادتها على دول بأمريكا اللاتينية كالبرازيل والارجنتين والمكسيك. كذلك شاهد البيت الأبيض وبدون قدرة حقيقية على عكس الاحداث انفلات قدراته على منع دول اخرى من امتلاك السلاح النووي أو القدرات الصاروخية بعيدة المدى والعابرة للقارات.

 الأخطر الذي واجهته الولايات المتحدة هو عودة روسيا إلى الساحة الدولية بقوة دولة عظمى عسكريا وسياسيا مدعومة إقتصاديا من جانب والصين ودول أخرى بهدف فرض نظام عالمي متوازن. الولايات المتحدة فقدت كذلك تفوقها الاقتصادي فصناعاتها تشيخ وميزانها التجاري مختل بشكل لكارثي والدولار قابل للسقوط مع أي أزمة إقتصادية جديدة خاصة وأنه ورقة لا تملك تغطية إقتصادية حقيقية.

كتب الاعلامي الفلسطيني كمال خلف يوم 24 مارس 2014:

 “ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الترهيب دون قدرة، معتقدا بأنه باستقطاب قادة التطرف والعنصرية والعدوانية في إدارته”آخرهم جون بولتون” ، واستخدام لغة التهديد سوف يستطيع أن يخيف الخصوم ويمرر سياساته وخطط إدارته ويجعل عملية التفاوض لينة في ملفات مستعصية. لكن بتقديرنا كل هذا استراتيجية تقوم على بث الرعب وشحن الأجواء لجلب المكاسب من الخصوم الذين سيعمدون لدرء الكارثة المحتملة.

ترامب يفكر بعقلية التاجر، يرفع سقف مطالبه ورغباته إلى حدها الأقصى، ليحصل على أكبر المكاسب الممكنة، لكنه يتجنب الخسارة ولو جزئيا، هو يدفع الأوضاع إلى حافة الحرب، ويحاول إقناع خصمه أنه الرجل المتهور الذي يتخذ قرارات مصيرية بسرعة فائقة، ليتمكن من الحصول على أفضل شروط الصفقة عبر الابتزاز.

أقدم الرئيس على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، رغم اعتراض العالم وهي مجازفة مدروسة بعناية، ثم أوقف دعم ”الأونروا” ليذهب بعدها لطرح صفقة القرن لفرض الشروط الأمريكية الإسرائيلية على الفلسطينيين، وطرح معادلة “”خذوا شيئا قبل أن تفقدوا كل شيء“.

أقال وزير خارجيته وعلق على ذلك مباشرة، بأنه لا ينسجم معه في رغبته في الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، هي رسالة مباشرة الى ايران قبل ذهاب الأوروبيين لطرح مبادرة إنقاذ الاتفاق عبر تعديله وإضافة برنامج الصواريخ البالستية الايرانية إليه. هو بلا شك سينسحب من الاتفاق في نهاية المطاف، لأن ايران أظهرت قدرا من الصلابة في مسألة تجمع القيادة الايرانية على عدم الاقتراب منها. ولكن الانسحاب من الاتفاق بحد ذاته هو تكتيك ترامب لدفع الأمور مع إيران إلى حافة الهاوية. ودفع جميع الشركاء للتفكير في انقاذ الاتفاق عبر الضغط على ايران لتعديله، ولكن الرئيس ترامب لن يخوض أي حرب ضد إيران.

ولن يبادر كذلك بحرب ضد إيران لصالح إسرائيل، لأن إسرائيل تعلم كما ترامب انها ستتكبد خسائر لن تستطيع تحملها.

قبل أيام كان الحديث الأمريكي منصبا على العدوان على سوريا، جعله ترامب في حكم المؤكد، ما دفع الروس الى التحذير علنا من عواقبه وحتى الاستعداد له. لكنه لم يحصل ولم تعلن الإدارة تراجعها عنه أو المضي فيه.

إذا هو مجرد اختبار الصراخ وانتظار هروب الخصم للحاق به. لذلك على خصوم واشنطن أن يبادروا برمي الحجارة للاختبار المضاد”.

مستقبل القوة الأمريكية

 تناول بحث وضعته وحدة الدراسات المستقبلية التابعة لمكتبة الإسكندرية، الجدل الدائر في الولايات المتحدة حاليا حول مستقبلها كقوة عظمى، وموقعها في البنية المستقبلية للنظام الدولي، في ظل تحولات القوة العالمية وأبرزها صعود القوى الآسيوية وعلى رأسها الصين.

ويتقاسم هذا الجدل تياران، يذهب أحدهما إلى حتمية أفول القوة الأمريكية، فيما يذهب التيار الآخر إلى استمرار الولايات المتحدة في قيادتها للعالم في المستقبل، وتعرض الدراسة وجهة نظر كل تيار من خلال ترجمة مقالين لكل من عالم السياسة “ستيفن والت” الذى يمثل التيار الأول، والمؤرخ الأمريكى “روبرت كاغان” الذى يمثل التيار الآخر.

  كتب ستيفن والت في جريدة “ناشيونال إنترست” في أكتوبر 2011 مقالا تحت عنوان “نهاية العصر الأمريكي” ذهب فيه إلى أن العصر الذي قامت فيه الولايات المتحدة بترتيب العالم أمنيا وسياسا واقتصاديا قد ولى، ذلك العصر الذى بدأ فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونجحت فيه الولايات المتحدة أن تصبغ العالم بنظامها من خلال مؤسسات اقتصادية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ورغم أن الولايات المتحدة لاقت منافسة من غريمها الاتحاد السوفييتي في إطار الحرب الباردة، إلا أنها نجحت في فرض نموذجها على العالم وإنهاء الحرب الباردة لصالحها، كما نجحت في بناء منظومات أمنية ودفاعية في مناطق نفوذها التي تحدت بها النفوذ السوفييتي المناوئ لها، كما في شرق آسيا وجنوب شرقها وفي المنطقة العربية.

ووفقا للكاتب، جاء انهيار الاتحاد السوفيتي كتتويج للعصر الأمريكي، ووقفت واشنطن وحدها على قمة النظام الدولي، وكان فرصة نادرة لها لتشكيل العالم بعد زوال خصمها، غير أن الحديث عن الانهيار كان قد بدأ يلوح في الأفق، وهو ما تنبأ به المؤرخ “بول كينيدي” في كتابه عن “صعود وسقوط القوى العظمى في العالم” وغيره من علماء الساسة في أواخر الثمانينيات.

ثم شهد العقدان التاليان تحولات في القوى العالمية بصعود بعض القوى الذي جاء خصما من رصيد الولايات المتحدة وهيمنها على العالم، فكان الصعود الاقتصادي للصين أبرز هذه التحديات مع تزايد القوة الاقتصادية للهند والبرازيل وتركيا، كما أخذت روسيا في التعافي من عثرتها الكبيرة، وتحاول هذه القوى وغيرها أن تبني مناطق نفوذ في محيطها الإقليمي، أي أن تقوم بترجمة قوتها الاقتصادية الصاعدة إلى نفوذ استراتيجي بما يخصم من النفوذ الأمريكي، ورغم أن بعض هذه القوى كما يؤكد “والت” حليف وصديق للولايات المتحدة إلا أنها سوف تتحدى نفوذها للدفاع عن مصالحها.

ويضيف أنه رغم محاولة إدارة واشنطن استعادة الهيمنة على العالم من خلال ما سمي الحرب على الإرهاب، إلا أن حربي العراق وأفغانستان لم تؤديا إلا إلى تأكيد عجز القوة الأمريكية عن أن تكون إيجابية، مع الأخذ في الاعتبار الأزمة التي أصابت الاقتصاد الأمريكي منذ 2008 وأثرها السلبي على القوة الأمريكية.

ويقول “والت” إن عصر الانحطاط الأمريكي قد حل قبل آوانه، لأن قادة الولايات المتحدة قد اقترفوا العديد من الأخطاء الفادحة، وليس بالضرورة أن تؤدي هذه الأخطاء إلى مزيد من التآكل، إذا أفلح الأمريكيون في التعلم من دروسها.

ومن هنا يبدأ في طرح سبل محافظة الولايات المتحدة على موقفها العالمي الحالي الذي لازال متصدرا وقائدا للعالم، فيقول إن عليها أن تحدد أولوياتها في العالم، وأن تستخدم أدوات النفوذ المثلى، وأن توازن بين القوة السياسية والعسكرية في مواضعها المناسبة، ويقترح أن تعيد واشنطن بناء وجودها في العالم على استراتيجية “الموازنة الخارجية” التي توزع عبء قيادة العالم بينها وبين حلفائها بهدف الإبقاء على الهيمنة النافعة في نصف العالم الغربي والإبقاء على ميزان القوة بين الدول الكبرى في الأوراسيا وفي الخليج العربي حيث النفط.

في مقابل وجهة النظر هذه كتب المؤرخ الأمريكي “روبرت كاغان” المحسوب على تيار المحافظين الجدد، مقالا بعنوان “لم تفقد قوتها بعد: خرافة الانحطاط الأمريكي” نشر بجريدة “نيو ريباليك”، قام فيه بنقد الاتجاه الذي يتحدث عن حتمية الانهيار الأمريكي وتفنيده تاريخيا، حيث أكد أنه أسير لرؤية زمنية مؤقتة متأثرة بظروف الأزمة الاقتصادية الأخيرة، كما أنه يركز في تحليله لتحولات القوة على مشاهد زمنية قصيرة في الوقت الذي تنتج فيه هذه التحولات عن تراكمات تحدث عبر عقود من التغير في مجموع عوامل القوة للدولة.

ويؤكد “كاغان” أن عناصر القوة الأمريكية لم تشهد تحولا هائلا في العقود الأخيرة، فلازال الاقتصادي الأمريكي هو الأول عالميا ولم يؤثر صعود القوى الاقتصادية الأخرى على هذا المركز بل على مركز كل من اليابان وأوروبا، كما أنه لا توجد قوة عسكرية في العالم تضاهي القوة الأمريكية، ويضيف أن صعود القوى الأخرى على أي مستوى ليس بالضرورة تهديدا للهيمنة الأمريكية، فصعود اليابان وألمانيا في أول عقدين من الحرب الباردة رغم أنه خصم من نصيب الولايات المتحدة في الناتج العالمي إلى النصف، إلا أنه كان إضافة إلى الحلف الذي تقوده في مواجهة السوفييت، ومن الملاحظ أن القوى الصاعدة فيما عدا الصين كالهند وتركيا والبرازيل هي حليفة للولايات المتحدة، وربما يخدم صعود الهند الحد من القوة الصينية في جنوب آسيا.

كما يرى “كاجان” أن التحدي الصيني رغم أهميته إلا أنه لا يقارن بالتحدي السوفييتي أيام الحرب الباردة، ومن ثم يمكن التعامل معه، مشيرا إلى أنه رغم كل الأزمات التي مرت بها الولايات المتحدة إلا أنها كانت قادرة على اجتيازها بنجاح، فهناك العديد من عوامل القوة التي تتمتع بها أمريكا من نظام سياسي قوي قائم على الحرية والانفتاح، ويجزم “كاغان” من تحليله أن لواء قيادة العالم لازال معقودا لواشنطن ولازال قرار الانحطاط أو الاستمرار في القيادة بيد الأمريكيين.

قوة عسكرية متآكلة

  الحديث عن احتفاظ الولايات المتحدة بالتفوق العسكري على بقية دول العالم اصبح من قبل التمنيات التي تعود لسنوات طويلة خلت حسب عدد من الخبراء والباحثين في المجال العسكري.

مرت سنوات على تلك الطروحات. تضررت صورة الجيش الامريكي في مواقع عدة، بينما كانت قوى عسكرية أخرى تشق طريقها لمنافسته. مع ذلك، احتفظ ذاك الجيش ببعض من هيبة كانت مزيجا من قوة باقية ونوستالجيا ماضية.

 ما كشفه الباحث المتخصص ماكس بوت مؤخرا يسهم في مزيد من الكسر لتلك الهيبة. “الجيش الأمريكي لم يعد يملك مالا كافيا ليقوم بعمله”، هذا كان عنوان ما نشره في “فورين بوليسي”.

حسب بوت، ثمة الكثير من الإشارات المقلقة التي تشي بأن الميزانية الدفاعية قاصرة عن ملاقاة التزامات الولايات المتحدة في العالم، وأن الجهوزية العسكرية أمام مشكلة حقيقية تؤثر بشكل خطير على الجيش الأمريكي.

وهو ما كان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس قد عبر عنه في يونيو 2017 قائلاً إنه كان “في حالة ذهول” مما رآه من جهوزية الجيش للقتال. ما الذي يمكن أن يتسبب بصدمة لمقاتل مثل ماتيس؟.

ينقل بوت عن المحلل العسكري الأمريكي “دان غور” الجواب: “ليس لدى الجيش الأمريكي اليوم سوى ثلاث فرق قتالية مجهزة من أصل 50 فرقة مدربة لخوض المعارك… وبسبب نقص التمويل وحاجة الآليات للصيانة لا يوجد سوى نصف المقاتلين والمجندين من المارينز والبحرية جاهزين للقتال”.

وبخصوص السلاح الجوي، يشير غور إلى وجود نقص بحوالي 1000 طيار، علما أن هذا السلاح قد تقلص في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

والحال نفسه ينسحب على البحرية الأمريكية. لقد تراجع عدد السفن التابعة لسلاح البحر من 594 عام 1987 إلى 278 اليوم. بينما بقي العمل على نفس الوتيرة، يقع على عاتق البحارة العمل أكثر من 100 ساعة في الأسبوع، حسب سيث كروبسي من “معهد هادسون”.

وهذا الواقع قد أدى، وفقا لتقرير بوت، إلى وقوع حوادث مأساوية بين البحارة، وقد قتل أكثر من 62 بحاراً خلال السنوات الست الماضية.

قوى صاعدة

 جيوش روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية تزداد قوة، بينما تتراجع قدرات الجيش الأمريكي… الجيش الأمريكي يظهر أكثر من أي وقت مضى كـ”فقاعة”، تنسب إليه قوة أكثر من تلك التي يدعيها بناء على ما سبق، لم يأت مؤشر “هيريتاغ” للتصنيفات العسكرية على نحو مفاجئ. وفق هذا المؤشر، يتراوح تصنيف الجيش الأمريكي بين “الهامشي” و”الضعيف”.

وتثير هذه الحقائق القلق في ظل تزايد قوة الجيوش الأخرى كجيوش روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، وتطور ترساناتهم العسكرية. يعطي بوت مثالاً عن تطوير الصين وروسيا لغواصة بحرية تعمل على الديزل لا يمكن للجيش الأمريكي، بقدراته الحالية، رصدها.

تبدل ميزان القوى العسكرية ذاك يهدد أيضا، والكلام لبوت، مفهوم “باكس أمريكانا” الذي تكرس بعد الحرب العالمية الثانية، ويترك الولايات المتحدة وحلفاءها عرضة للعدوان.

ما موقف الكونغرس والإدارة الأمريكية من كل ما تقدم؟

يشير تقرير “فورين بوليسي” إلى أن هذه المشكلة معترف بها على نطاق واسع من الكونغرس ومن الإدارة، لكنه يستبعد القيام بشيء لمعالجتها.

خلال حملته الانتخابية، وعد دونالد ترامب بصرف ميزانية أكبر للدفاع وزيادة العديد من 450 ألف إلى 540 ألف، في البحرية وسلاح الجو… ولكن ميزانية الدفاع التي أقرت في مايو 2017 لم تف بأي من تلك الالتزامات وحتى الميزانية التي تلتها للسنة المالية 2018 لم تأت بحلول جذرية.

اقترح ترامب زيادة 45 مليار دولار أو 10 في المئة إلى ميزانية الدفاع، مع استثناء تكاليف الحرب. قال الرئيس إن ذلك “واحد من أكبر المبالغ التي تصرف لزيادة ميزانية الدفاع في التاريخ الأمريكي”.

لكن التقرير يكشف أن ذلك هو في المرتبة الـ16 كأكبر زيادة منذ العام 1977. والأهم أنها بعيدة كل البعد عن مواجهة التحديات القائمة.

موافقة الكونغرس على الـ700 مليار دولار لميزانية الدفاع في زيادة 97 مليار دولار عن طلب ترامب لا تحل المشكلة. حسب بوت، تمرير مشروع القانون هذا ليس سوى خطوة رمزية، فالمال الذي يحصل عليه البنتاغون مصدره الاعتمادات الإضافية التي لا تكون عادة سخية نظراً لتعدد الأولويات.

يضيف بوت بأن ترامب، المنشغل بمسائل كثيرة أخرى، لا يظهر أن الميزانية الدفاعية أولوية بالنسبة له أو لمساعديه. وحتى ماتيس وزير الدفاع، المناصر لمبدأ الإنفاق العسكري، لم يجعله أولوية كما فعل كاسبار وينبيرغر في الثمانينات.

برأي الكاتب، فإن ماتيس منشغل بمنع ترامب من بدء حرب عالمية ثالثة أكثر من الدفاع عن المصاريف العسكرية.

وينقل عن النائب جون ماكين قوله إن المقامرة مستمرة، والخاسرون هم رجال ونساء في الزي الرسمي التزموا الدفاع عن الولايات المتحدة.

في المحصلة، يظهر الجيش الأمريكي أكثر من أي وقت مضى كـ”فقاعة”، تنسب إليه قوة أكثر من تلك التي يدعيها بينما يتخبط في مشاكله اللوجستية والمالية، على وقع تخبط داخلي بين الإدارة والكونغرس والأطراف الأخرى.

انحسار القوة الأمريكية

 عالم الاجتماع الامريكي ايمانويل فالرشتاين وضع دراسة عن انحسار القوة الامريكية:

 الدراسة تكشف عن استنتاج بسيط لا مفر منه وهو أن العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي أسهمت في ظهور الهيمنة الأمريكية هي ذاتها التي سوف تؤدي لا محالة إلى انحسار نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية.

يؤكد المؤلف على أن نجاح الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد أدى إلى خلق ظروف اضمحلال هيمنتها. وقد تجسدت هذه العملية في أربعة رموز هي الحرب في فيتنام وثورات 1968 وانهيار جدار برلين في عام 1989 ثم هجمات سبتمبر عام 2001. وينبني كل رمز تأسيسا على ما سبقه ليصل الأمر في ذروته إلى الوضع الذي تجد فيه الولايات المتحدة نفسها حاليا قوة عظمى وحيدة تفتقر للنفوذ الحقيقي، وقائدا عالميا لا يجد من يتبعه ولا يحترمها الا قلة، أمة تنزلق خطاها بشكل خطير وسط فوضى عالمية لا تستطيع السيطرة عليها.

 يشدد صاحب الدراسة على أهمية عدم نسيان العنصر الأيديولوجي، اذ تبدو الولايات المتحدة في الوقت الحالي ضعيفة اقتصادية نسبيا، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار التكلفة العسكرية الفادحة الناجمة عن استراتيجيات الصقور. واضافة إلى ذلك تظل واشنطن معزولة سياسيا، فلا احد باستثناء إسرائيل متفهم لموقف الصقور أو يعتبرها جديرة بالتشجيع، بينما تخشى دول أخرى مواجهة الولايات المتحدة مباشرة أو أنها ليست على استعداد لذلك، لكن إحجامها يضر الولايات المتحدة.

ومع ذلك فرد الفعل الامريكي لا يتعدى لي الذراع في عجرفة. وللعجرفة أوجهها السلبية. واستنفاد أوراق اللعب يعنى انه لن توجد اوراق لاستخدامها في المرات القادمة، ومما لا شك فيه ان الإذعان يولد النفور المتزايد. ولقد كسبت الولايات المتحدة على مدى مائتي عام مصداقية ايديولوجية لا بأس بها. إلا أنها تفقدها فائضها من الذهب في الستينات.

وتواجه الولايات المتحدة احتمالين في العشرة الأعوام القادمة، يمكنها أما ان تستمر في مسيرة الصقور مع توابعها السلبية التي ستطال الجميع وأولهم الولايات المتحدة نفسها، أو يمكنها ادراك ان سلبيات هذا المسار باهظة الثمن.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here