عمر نجيب: الولايات المتحدة تستنزف البدائل في محاولتها تخفيف التعثر في حرب بلاد الشام تركيا وإسرائيل في متاهة حقل ألغام الشرق الأوسط

عمر نجيب

  مع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 كثفت الولايات المتحدة الأمريكية وبشكل لم يسبق لها أن مارسته، من عملية وضع مجموعة خطط وتكتيكات متوازية من أجل الوصول إلى هدف معين وفي كثير من الأحيان تكون هذه المخططات متناقضة في أساليبها وأدواتها ومتضاربة في إسقاطاتها الجانبية. وهكذا أصبح من الأمور العادية أن تكون هناك خطة ألف وبعدها باء وجيم وربما دال.

 عندما شرعت الإدارة الأمريكية في تنفيذ مخطط المحافظين الجدد بشأن الشرق الأوسط الجديد والقاضي بتقسيم المنطقة الممتدة أساسا من العراق البوابة الشرقية للمنطقة العربية وحتى سواحل شمال أفريقيا على المحيط الأطلسي على أسس دينية وعرقية وطائفية ومناطقية، حتي تبرز مكانها ما بين 54 و 56 دولة متطاحنة، وضعت عدة مشاريع وسيناريوهات وكذلك بدائلها إذا ما تعثر بعضها.

 كتب محلل عربي: من ثوابت السياسة الخارجية للولايات المتحدة أنها كلما عمدت إلى إعمال مشروع جديد هنا أو هناك مهدت الأرضية لإنجاحه، بناء للمرجعية ثم تحديدا للفاعلين المحليين الموكلة إليهم مهمة تمويله أو تنفيذه أو احتضانه ولو إلى حين.

سياسة أمريكا الخارجية معطى ثابت وخيار قار، لا اختلاف كبيرا في طبيعته بين رئيس ورئيس. وإذا ما طرأ من المستجدات الدولية ما يستدعي تحولا ما أو تغيرا في التوجه، فبتوافق ضمني واسع ومرتب له بين الرئاسة والكونغرس والمركب الصناعي والعسكري القائم.

ولذلك، فإن الذي يتغير حقا بين الفينة والأخرى في السياسة الأميركية إنما هو أنماط تصريف مفاصل هذه السياسة، وكيفيات تجسيدها بهذه الرقعة من جغرافيا العالم أو تلك”.

  تجربة الولايات المتحدة الصعبة والمكلفة بعد احتلال العراق سنة 2003 والتي امتدت بكثافة لأكثر من ست سنوات فرضت على المخططين في البيت الأبيض والبنتاغون وأجهزة المخابرات المختلفة، إعادة النظر في أساليبهم وأدوات تنفيذ مخططاتهم.

 أستغرق الأمر عدة أشهر لإستبدال خطط التدخل العسكري المباشر ولتبدأ واشنطن وحلفاءها خاصة في لندن وباريس وأنقرة في نشر ما سمته النخبة اليمينية الأمريكية الفوضى الخلاقة لتدمير الدول العربية تباعا تحت ستار الثورات الملونة المدعومة في كل قطر من طرف مجموعات منبثقة عن حركة الإخوان.

 في مطلع عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية حينئذ “كونداليزا رايس” بحديث صحفي مع جريدة واشنطن بوست الأمريكية، كشفت فيه عن نية الولايات المتحدة نشر ما سمته “الديمقراطية” بالعالم العربي والبدأ بتشكيل مايعرف ب “الشرق الأوسط الجديد”، كل ذلك عبر نشر “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأمريكية وأدواتها ووكلائها. الهدف الأساسي كان حماية إسرائيل لعقود قادمة وإفساح المجال لإستنزاف ثروات المنطقة خاصة النفطية إضافة إلى استكمال طوق الحصار على روسيا من جناحها الجنوبي الغربي.

 فشل المخطط في مصر ودول أخرى وتعثر في سوريا ويلاحقه التهديد في ليبيا.

اللغز

 يوم الجمعة 15 فبراير 2019 قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان إن سياسة الولايات المتحدة بشأن شمال شرق سوريا ”لغز“ بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات لأن ذلك سيصب في صالح إيران التي تريد واشنطن تشديد السياسات تجاهها.

وذكر لو دريان ”ثمة شيء واحد لا أفهمه بشأن السياسة الأمريكية في هذه المنطقة… كيف يمكن للمرء أن يكون حازما ضد إيران وفي نفس الوقت يتخلى عن شمال شرق سوريا، عندما يعلم المرء أن ذلك سيخدم في نهاية المطاف الأنشطة الإيرانية في المنطقة؟“.

وأضاف ”هذا لغز بالنسبة لي“.

 السناتور الأمريكي لينزي غراهام رد خلال مؤتمر أمني في ميونيخ حضره كذلك وزير الخارجية الفرنسي بالقول إن الولايات المتحدة ستحتفظ بقدراتها في المنطقة. هذا التصريح تناقض مع آخر أدلى به قبل أيام وذكر فيه: إن “سحب القوة الأمريكية الصغيرة من سوريا خطأ كبير، مشابه لسياسات الرئيس السابق باراك أوباما”.

قبل حديث لو دريان عن اللغز بحوالي 26 يوما أكدت فرنسا، يوم الخميس 20 ديسمبر 2018، استمرار بقاء قواتها العسكرية في سوريا، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن باريس ستبقى ملتزمة عسكريا في سوريا، في حين قالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي: “يتعين هزيمة تنظيم الدولة عسكريا في آخر جيوبه بسوريا”.

 في الدوائر العليا الألمانية ذكر أن حديث لو دريان عن اللغز تعبير مبالغ فيه، فالوزير الفرنسي يعلم أن لواشنطن خطط موازية لإنقاذ مشروعها في سوريا ولكنها لم تشرك بعض حلفائها في كل تفاصيله وهذا هو أحد طرق فهم وتفسير لفظ اللغز. زيادة على ذلك كانت هناك مشاريع أمريكية تركية في بداية الحرب شبه الدولية في بلاد الشام لإقامة ما يسمى بالمنطقة الآمنة تحتمي فيها التنظيمات المسلحة التي تقاتل الجيش العربي السوري، ثم تبدل الأمر بعد التدخل العسكري الروسي المتدرج نحو المشاركة المباشرة، بمشروع أمريكي مع بعض الأطراف العربية ليرسلوا قواتهم إلى شمال سوريا تحت الحماية الجوية الأمريكية وإقامة حكومة ودولة بديلة هناك وبعبارة اخرى تقسيم سوريا، ولما تراجعت الأطراف العربية المتعاونة مع واشنطن في مشروع اسقاط دمشق عن فكرة المشاركة عسكريا، كثفت واشنطن مخطط استخدام الفصائل الكردية كبديل ولكن ذلك ولد خلافا مع أنقرة التي ساندت منذ سنة 2011 كل التنظيمات المسلحة بما في ذلك داعش والنصرة وسمحت بمرور أكثر من 110 الف من المتطوعين والمرتزقة الأجانب من عبور أراضيها إلى بلاد الشام.

 إسرائيل أحد أهم المستفيدين من مشروع الشرق الأوسط الكبير فشلت رغم كل الدعم الأمريكي والتهديد بالحرب الواسعة في منع تقدم الجيش السوري حتى خطوط وقف اطلاق النار مع تل أبيب واستعادة مناطق ريف دمشق ودرعا والجولان.

 بإختصار وحتى بداية سنة 2019 تعثرت أو فشلت كل بدائل تكتيكات واشنطن، في حين واصلت دمشق وموسكو وحزب الله وحلفاءهما تحقيق النجاحات واسترجاع الاراضي، وأخذ عدد متزايد من حلفاء واشنطن يتراجعون ويلجأون إلى دمشق.

تراجع الأكراد

يوم 7 فبراير أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنه لا ينبغي أن تكون هناك عمليات عسكرية تستهدف “قوات سوريا الديمقراطية” والوحدات الكردية المنضوية تحتها بعد انسحاب قواتنا من سوريا.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية روبرت بالادينو: “تحدثنا كثيرا عن ذلك مع شركائنا على مختلف المستويات، أي عن كيفية سحب قواتنا من شمال شرقي سوريا بشكل آمن وإحلال الاستقرار في المناطق المحررة”.

وتابع قائلا: “أعلنا بوضوح أن “قوات سوريا الديمقراطية” لا يمكن استهدافها بعمليات عسكرية. وهذا يشمل أيضا المكون الكردي لـ “قسد”.

 بعد عشرة أيام ويوم الأحد 17 فبراير 2019 صرح جنرال أمريكي كبير إن الولايات المتحدة ستضطر لوقف مساعداتها العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد في حال تحالف مقاتليها مع الرئيس السوري بشار الأسد أو روسيا.

وسلطت تصريحات اللفتنانت جنرال بول لاكاميرا، قائد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق وسوريا، الضوء على القرارات الصعبة التي تواجه قوات سوريا الديمقراطية مع استعداد واشنطن لسحب قواتها من سوريا.

وسعى قادة أكراد سوريون إلى إجراء محادثات مع حكومة الأسد بغية حماية منطقتهم التي تتمتع بحكم ذاتي بعد انسحاب القوات الأمريكية الداعمة لهم حاليا.

ويخشى الأكراد التعرض لهجوم من تركيا المجاورة التي هددت بسحق وحدات حماية الشعب الكردية. ولا تميز الحكومة التركية بين الوحدات وحزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا داخل تركيا.

لكن لاكاميرا حذر من أن القانون الأمريكي يمنع التعاون مع روسيا وقوات الجيش السوري أيضا.

وذكر القائد العسكري الأمريكي ”سنستمر في تدريبهم وتسليحهم إذا بقوا شركاء لنا“ مشيدا بانتصاراتهم الصعبة.

لكن عندما سئل عما إذا كان الدعم سيستمر إذا تحالفوا مع الأسد قال لاكاميرا ”لا“. وأضاف قائلا لمجموعة صغيرة من الصحفيين ”حينها ستنقطع هذه العلاقة، لأنهم سيعودون إلى النظام الذي لا نرتبط معه بعلاقة أو الروس…إذا حدث ذلك فلن نبقى شركاء معهم بعدها“.

 في نفس التوقيت الذي وجهت فيه الادارة الأمريكية تحذيراتها للأكراد المتعاونين معها صرح الرئيس بشار الأسد:

وصف الرئيس السوري بشار الأسد نظيره التركي رجب طيب أردوغان بـ “الموظف عند الأمريكيين، يستنجد بهم لإنشاء المنطقة الآمنة شمال سوريا” التي يسعى لها منذ بداية الأزمة في سوريا.

وقال الأسد في كلمة أمام المجالس المحلية يوم الأحد: “الأعداء فشلوا في الاعتماد على الإرهاب والعملاء فانتقلوا للمرحلة الثالثة وهي تفعيل الدور التركي في المناطق الشمالية”.

وأضاف الأسد: “أردوغان ليس سوى موظف عند الأمريكان.. والمنطقة الآمنة التي يعمل عليها التركي هي نفسها التي حاول إنشاءها منذ بداية الأزمة في سوريا”.

وأكد الأسد أن “كل شبر في سوريا سيحرر من الإرهابيين ومن كل المحتلين في الأراضي السورية”.. “وسنتعامل مع كل محتل كعدو وهذه بديهة وطنية غير خاضعة للنقاش”.

وجدد الأسد تأكيده على “فشل مساعي كل من يعتمد على الجانب الأمريكي، ولمن يراهن على الأمريكي لن يحميكم الأمريكي بل سيقايض بكم ولن يحميكم سوى الجيش العربي السوري”.

وقال الرئيس السوري بشار الأسد إن واشنطن لن تحمي الجماعات التي تراهن عليها، في إشارة للمقاتلين الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة في شمال البلاد.

وأضاف: “نقول للمجموعات العميلة للأمريكان.. الأمريكان لن يحموكم وستكونون أداة بيدهم للمقايضة مع الدولارات التي يحملونها”.

ووجه رسالة مباشرة للمقاتلين في المنطقة الشمالية قائلا: “إذا لم تحضروا أنفسكم للدفاع عن بلدكم وللمقاومة.. فلن تكونوا سوى عبيد عند العثماني.. لن تحكميكم إلا دولتكم ولن يدافع عنكم سوى الجيش السوري”.

 الرئيس السوري بشار الأسد صرح كذلك إن حكومته لن تساوم على دستور البلاد مع المعارضة المدعومة من تركيا، منتقدا عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة وتهدف إلى إعادة كتابة مواد الدستور.

وأضاف الأسد في كلمة نقلها التلفزيون ”الدستور هو مصير البلد وبالتالي هو غير خاضع لأي مساومات أو مجاملات وأي تهاون فيه قد يكون ثمنه أكبر من ثمن الحرب نفسها“.

أن دور الأمم المتحدة محل ترحيب ما دام يحترم سيادة البلاد. ووصف مسؤولي المعارضة الذين تم اختيارهم للجنة الدستورية بأنهم ”عملاء“ تركيا التي تدعم الفصائل المسلحة في شمال غرب سوريا.

ولم تسفر المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء الصراع المستمر منذ ثماني سنوات عن أي اجتماعات مباشرة للأطراف المتحاربة. وانتزعت قوات الحكومة السورية، بمساعدة روسيا وحزب الله، السيطرة على معظم البلاد من مقاتلي التنظيمات المسلحة ومتشددي تنظيم الدولة الإسلامية.

 فيما قد يعتبر ردا قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري خلال مشاركته بمؤتمر ميونخ للأمن إن واشنطن لن تسمح بعودة سيطرة دمشق على مناطق ستنسحب منها القوات الأمريكية شمال شرق سوريا.

البدائل

 يوم 11 فبراير 2019 نقلت وكالة رويترز للأنباء عن قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، الجنرال جوزيف فوتيل، قوله إن الولايات المتحدة قد تبدأ سحب قواتها البرية من سوريا خلال أسابيع، مشيرا إلى أن “هذا كله يحدده الوضع على الأرض”.

وحذر فوتيل، الذي يشرف على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، من أن توقيت الانسحاب على وجه الدقة يتوقف على الوضع في سوريا. وقال للصحفيين المرافقين له خلال جولته في الشرق الأوسط: “فيما يتعلق بالانسحاب.. أعتقد أننا على المسار الصحيح”، موضحا أن “نقل الأفراد أسهل من نقل العتاد، ولذا ما نحاول فعله الآن هو من جديد إخلاء هذه المواد، هذه المعدات التي لا نحتاجها”.

 في نطاق التعتيم أو في نطاق التخبط نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” يوم 7 فبراير عن مسؤولين أمريكيين أن البنتاغون يستعد لسحب جميع قواته العسكرية الموجودة حاليا في سوريا من البلد حتى نهاية أبريل المقبل.

وأوضح “مسؤولون حاليون وسابقون” للصحيفة أنه في الوقت الذي يستعد فيه المقاتلون المدعومون من الولايات المتحدة، أي “قوات سوريا الديمقراطية”، للسيطرة على آخر معقل لـ”داعش” في سوريا خلال أيام قريبة، ركزت القيادة العسكرية الأمريكية اهتمامها على مسألة سحب العسكريين الأمريكيين في غضون الأسابيع المقبلة.

وبينت المصادر أن البنتاغون يخطط، في حال عدم تغيير إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نهجها الحالي، لسحب الجزء الأكبر من قواته من سوريا حتى أواسط مارس، مع إنجاز هذه العملية في أواخر أبريل.

ولفتت “وول ستريت جورنال” إلى أن هذه الخطة تأتي بالتزامن مع تكثيف إدارة ترامب جهودها لإبرام اتفاق مع تركيا يضمن أمن الحلفاء الأكراد للولايات المتحدة في محاربة “داعش” على الأرض السورية، لكنها لم تتمكن من تحقيق هذا الهدف حتى الآن.

وأشار مسؤولو الصحيفة إلى أن الطرفين لم يحرزا تقدما ملموسا في سبيل إيجاد حل سياسي لهذه القضية، موضحين أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا يجري بوتيرة أسرع من التقدم في طريق المفاوضات السياسية.

وأعلنت الولايات المتحدة، في 19 ديسمبر 2018، بدء انسحاب قواتها من سوريا بقرار من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

وضع معقد

 يوم الخميس 14 فبراير صرح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو للصحفيين في سوتشي: “نحن لم نر بعد انسحاب القوات الأمريكية، بل نرى دعمهم الفعال بالسلاح والمعدات للوحدات الكردية على الضفة الشرقية لنهر الفرات”.

وفي معرض حديثه عن سير المباحثات الروسية التركية الإيرانية حول الوضع في محافظة إدلب السورية، قال شويغو إنها كانت “مثمرة”.

وأضاف أن “الوضع معقد وبالطبع ينبغي أن نخطو خطوة بعد أخرى باتجاه الأهداف التي نسعى لتحقيقها، والتي اتفقنا عليها في سبتمبر من عام 2018 في سوتشي”.

في موسكو ويوم 13 فبراير جاء في تحليل كتبه ليوبوف شفيدوفا ونشرته صحيفة “سفوبودنايا بريسا”:

“في الغرب لا أحد يثق بأن الأمريكيين سينسحبون من سوريا في شهر أبريل”. جزء كبير من النخبة الأمريكية، كما أظهرت الأحداث الأخيرة، يعارض انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. لكن ترامب ما زال مصرا على موقفه، على الرغم من رفض الكونغرس التام دعم مبادرته، علما بأن ترامب، من دون موافقة الكونغرس، لا يستطيع فعل ذلك.

وقد جرى التأكيد، في صحيفة وول ستريت جورنال، على أن انسحاب جميع الجنود الأمريكيين، تقريباً، من الجمهورية العربية السورية، سينتهي في أبريل 2019. ومن المحتمل أن تغادر الوحدات الصغيرة المتبقية البلاد في مايو. ولكن مع تفصيل صغير، هو أن القوات ستغادر إذا نجحت إدارة ترامب في ضمان حماية فعالة للأكراد.

وفي الصدد، قال الخبير الأسترالي ريتشارد فرانك إن انسحاب القوات قبل نهاية الربيع غير واقعي بشكل عام، وأضاف:

المشكلة في غياب “خطة كردية”، أي خطة من شأنها أن تكون فعالة. فتركيا تستعد لغزو عاجل، والانتظار الطويل يجعلها تفقد صبرها بشكل متزايد. وتركز تركيا على الجماعات الكردية، وهذا امتداد للأزمة المستمرة منذ فترة طويلة.

التوفيق بين الأكراد المسلحين والأتراك المسلحين لن يتم بهذه البساطة. حتى الآن، كان الاحتواء فعالا. ردعت الولايات المتحدة الأطراف عن الإفراط في النشاط، وهذا جيد. وليس هناك قوى أخرى قادرة على ذلك.

وبالطبع، فإن للقوات الفرنسية نفوذ في سوريا، لكنها لن تكون قادرة على التأثير في أردوغان أو الأكراد. لذا، فمن المرجح أن يغادر العسكريون الفرنسيون سوريا بعد الولايات المتحدة، إذا انسحبت الأخيرة. وعليه، فمن الصعب تصديق أن القوات الأمريكية سوف تنسحب من سوريا في أبريل أو مايو. ناهيكم بأن أمن الأكراد ليس المشكلة الوحيدة. فمشكلة التوسع الإيراني لا تزال قائمة. لردع إيران، لا تزال هناك حاجة إلى قاعدة التنف، كما ثمة حاجة للقوات في جنوب دير الزور.

تخبط أنقرة

 بينما يلف الغموض نوايا واشنطن، تعكس تحركات أنقرة حالة من التخبط في متاهة مليئة بالالغام، ولعل أكثر ما يقلقها أنها إذا صممت على منع الجيش السوري من العودة إلى منطقة الحدود المشتركة معها فإنها تخاطر بالدخول في صراع مباشر مع القوات الروسية، أو التعرض لحرب استنزاف تشارك فيها القوات السورية ووحدات حزب الله وربما الجيش الإيراني.

يوم 3 فبراير 2019 كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده تتواصل على مستوى منخفض مع الحكومة السورية، رغم دعم أنقرة للمسلحين الساعين إلى الإطاحة بحكومة سوريا.

وقال أردوغان يوم الأحد في حديث لقناة “تي إر تي”: “السياسة الخارجية مع سوريا مستمرة على مستوى منخفض”، مضيفا أن أجهزة المخابرات تعمل بصورة مختلفة عن القادة السياسيين.

وأضاف أردوغان: “الزعماء قد لا يتواصلون مع بعضهم، لكن أجهزة المخابرات يمكنها التواصل حسب مصلحتها.. إذا كان لديك عدو فعليك الاحتفاظ بالعلاقات. فربما تحتاجها فيما بعد”.

ونقلت قناة “تي إر تي” عن أردوغان قوله إن سياسة بلاده تجاه الأزمة السورية قائمة على مبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأضاف: “نحن لا نبحث عن البترول أو الدخل المادي من تحركنا في شمالي سوريا”.

وأكد أردوغان سعيه إلى إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا بعمق 30 كلم وليس منطقة عازلة، مشيرا إلى أن جزءا من الأسلحة التي أدخلت إلى الشمال السوري، وبعضها أمريكي الصنع، وقعت في أيدي “التنظيمات الإرهابية” في المنطقة، وبات بعضها يباع في الأسواق وصار في متناول السكان المحليين.

وأضاف: “وعدنا الأمريكيون منذ عهد أوباما بانسحاب التنظيمات الإرهابية من شرق الفرات خلال تسعين يوما وهذا لم يحصل، واليوم هناك مؤشرات في عهد ترامب لتحقيق ذلك”.

وشدد أردوغان على أن بلاده لا يمكن أن تترك إدارة المنطقة الآمنة في شمال سوريا في يد التحالف الدولي، لأن أنقرة “لا تثق به بناء على تجارب سابقة معه”.

وشدد أردوغان على أن بلاده ومن خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون في سوريا “منعت التنظيمات الإرهابية من الوصول إلى البحر المتوسط” واستخدام شمال سوريا منطقة عازلة.

وتحدث الرئيس التركي عن عمليات تطهير عرقي وقعت في شرق الفرات، وقال إن “نحو 90 في المئة من سكان منبج الأصليين كانوا من العرب لكن تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي عمل على تغيير الواقع الديمغرافي فيها”.

سلاح الدواعش

 في الوقت تحاول فيه أنقرة البحث عن أفضل الخيارات في الصراع الدائر في بلاد الشام يمارس الرئيس الأمريكي ترامب سياسة ابتزاز تجاه حلفائه الغربيين بإستخدام الدواعش، وذلك بعد أن كشفت روسيا وأطراف أخرى حتى في تركيا وأوروبا أن المخابرات الأمريكية تنقل منذ سنة 2018 مئات من مقاتلي تنظيم داعش إلى العراق وأفغانستان وليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي.

يوم الجمعة 15 فبراير 2019 قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن عدم السماح بعودة المئات من عناصر داعش الأوروبيين إلى بلادهم له تبعات خطيرة قد تضطر واشنطن لإطلاق سراحهم.

وطالب ترامب عبر تغريدة نشرها في “تويتر” بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودولا أوروبية أخرى بالسماح بعودة أكثر من 800 عنصر من داعش يحملون جنسيات أوروبية اعتقلوا في سوريا.

وأضاف ترامب في تغريدته أن بلاده لا تريد أن تقف وتشاهد مقاتلي التنظيم المعتقلين في سوريا يتغلغلون في أوروبا التي من المتوقع أن يذهبوا إليها إذا أطلق سراحهم.

 رغم تهديدات ترامب رفضت ألمانيا والدنمارك يوم الاحد 17 فبراير السماح لمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم “داعش” في سوريا، بالعودة إلى بلادهم. وقالت وزارة الداخلية الألمانية، إنه لا يمكن لألمانيا استعادة الدواعش المعتقلين في سوريا إلا إذا سمح لهم بزيارات قنصلية لتقلل بذلك من احتمال أن تلبي برلين مطلب الرئيس الأمريكي من حلفائه الأوروبيين.

فيما أوضح المتحدث باسم رئيس الوزراء الدنماركي، مايكل ينسن، رفض بلاده قبول الدواعش قائلا إن “الحديث يدور عن أخطر أشخاص في العالم، ولذا لا ينبغي علينا أن نقبلهم”.

الهدف القادم ادلب

 بينما تضرب أنقرة أخماسا في أسداس يظهر أن دمشق وموسكو تخططان لإنهاء وجود الفصائل المسلحة في جيب إدلب بعد أن تركا التنظيمات المسلحة تتقاتل من أجل النفوذ لينتهي الأمر بإنتصار جبهة النصرة المصنفة منذ أشهر إرهابية.

 يوم الجمعة 8 فبراير 2019 أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن العملية العسكرية المحتملة في إدلب ستكون منظمة بشكل فعال إذا تمت، مؤكدة أن موسكو لن تسمح بوجود “محميات” للإرهاب في سوريا.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، في تصريح صحفي إن “إدلب هي آخر منطقة عاملة بين مناطق خفض التصعيد الأربع التي تم إنشاؤها في عام 2017”.

وأوضح أنه “منذ البداية في جميع اتفاقياتنا حول مناطق التصعيد، كتبنا الشيء الرئيسي أن هذا تدبير مؤقت، وهو ما يعني أن لا أحد سيعترف بهذه المنطقة على هذا النحو إلى الأبد”، مؤكدا أنها “جزء لا يتجزأ من الدولة السورية والأراضي السورية. ويعني أننا لن نسمح بوجود “محميات” للإرهاب البغيض في سوريا. وهذا يعني أيضا أننا، بما في ذلك الرئيس الروسي، قلنا بكل صراحة، إنه يجب القضاء على الإرهاب إن آجلا أم عاجلا”.

وأخذت تركيا على عاتقها، بموجب اتفاقية سوتشي، تطهير المنطقة المزمع نزع السلاح منها في إدلب من الإرهابيين، بحلول 15 أكتوبر 2018، لكنها لم تنجح في ذلك حتى الآن.

وفي 28 يناير 2019، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن وجود إرهابيي “جبهة النصرة” في إدلب ينافي اتفاقية سوتشي، مشيرا إلى أن موسكو لن تقبل ببقاء “بؤرة الإرهاب” في هذا المنطقة على الدوام.

 غير أنه ويوم 7 فبراير اعتبرت الخارجية التركية أن “الاستفزازات” التي تجري في منطقة خفض التصعيد بإدلب السورية لا يمكن اعتبارها ذريعة لشن عملية عسكرية واسعة في المحافظة.

وذكر نائب وزير الخارجية التركي، سيدات أونال، خلال مشاركته في مؤتمر لصندوق الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في واشنطن، ردا على سؤال حول إمكانية تنفيذ روسيا وتركيا عملية مشتركة في إدلب: “نرى وجود استفزازات هناك تهدف إلى تقويض فهم معايير طبيعة عمل منطقة خفض التصعيد التي أنشأناها في إدلب مع روسيا وإيران. لكن المسألة معقدة، ولهذا السبب علينا الاعتراف بأن هناك عناصر متطرفة”.

وأضاف مع ذلك: “لا ينبغي اعتبار وجود المتطرفين هناك ذريعة لتنفيذ هجوم شامل في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى تدفق ملايين اللاجئين أو مقتل مئات الآلاف من الناس وتدمير البنية التحتية المدنية”.

وشدد أونال على أن منطقة خفض التصعيد تمت إقامتها لحماية 3 ملايين مدني مقيم في هذه الأراضي، وليس تصفية الإرهابيين، مبينا: “هذا هو ما اتفقنا عليه مع روسيا وإيران في سوتشي”.

الدور إسرائيلي

 إذا كانت خيارات أنقرة المستقبلية تجاه الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام غير محسومة، فإنه في الجانب الآخر في فلسطين المحتلة أي الكيان الصهيوني هناك إغراءات قوية لركوب مغامرة عسكرية على أمل عكس تطورات الصراع بشكل حاسم.

 جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 7 فبراير 2019:

عمليا، لا يجب البحث عن مستوى الحافزية لدى الجانب الإسرائيلي لشن حرب مدمرة ضد سوريا، لأنه في أعلى درجاته. ولا يجب البحث عن قدرات تل أبيب التدميرية في حال شنها حربا ضد سوريا أو لبنان، لأن هذه القدرات كبيرة. كما لا ينبغي تضييع الوقت في البحث في نوع الذرائع التي تحتاج إليها لشن هذه الحرب، لأنها قادرة على توفيرها لكن، في المقابل، على إسرائيل بذل جهد كبير للبحث في نتائج مثل هذه الخطوات، وجهد أكبر لوضع تقديرات دقيقة للواقع سياسيا وعسكريا. ومشكلة إسرائيل الرئيسية، اليوم، تكمن في “مساحة اللايقين” المتعاظمة إزاء ما يمكن أن يقدم عليه محور المقاومة في حال الحرب. وهنا بيت القصيد.

يمكن فهم ارتفاع منسوب المخاطر في تل أبيب، منذ اتضاح ملامح التغيير الاستراتيجي على الساحة السورية لمصلحة النظام وحلفائه. تدرك القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل أن اتجاه محور المقاومة نحو الانتصار سيحرره نسبيا من قيود عدم الرد على اعتداءاتها. وقد تعززت هذه المخاوف بعد زيادة وتيرة التصدي السوري للغارات وإسقاط طائرة “اف 16” في فبراير 2018، وما تلا ذلك من “صدام” ليلة الصواريخ في مايو 2018، وصولا الى الإرباك الذي أصاب تل أبيب بعد سقوط الطائرة الروسية في سبتمبر 2018.

وبالتالي، فان التحدي الأبرز أمام إسرائيل هو النتائج الضعيفة لغاراتها في منع إعادة بناء قدرات سوريا العسكرية وتطويرها وفي منع التمركز الإيراني. وهي تعترف اليوم بأنها لم تنجح في ردع أي من أطراف المقاومة، عن بناء القدرات الصاروخية في سوريا وتطويرها. وقد بدأ يترسخ في وعي أعلى المستويات في إسرائيل، العجز عن إخراج إيران من سوريا، ولا سيما بعد فشل محاولة ربط الوجود الأمريكي بالوجود الإيراني.

على أن التحدي الراهن يتعلق بتصاعد سياسة التصدي السوري للاعتداءات الإسرائيلية، ووجود مؤشرات قوية على أنه قد يأخذ لاحقا أشكالا مختلفة ومستويات أعلى. وهذا يعزز فرضية تدحرج المناوشات نحو مواجهة لا يريدها ابتداء أي من الأطراف، بما فيهم إسرائيل.

ويبدو أن إسرائيل تحاول أن توجه رسائل مضادة وتفرض معادلات جديدة عبر رفع منسوب اعتداءاتها وتوسيع نطاقها كجزء من محاولات تعزيز ردع النظام السوري، كما في اعتدائها الأخير على دمشق. وعلى هذه الخلفية، أتى تحذير حزب الله لنتنياهو بألا يخطئ في التقدير لأن الثمن سيكون الذهاب نحو مواجهة واسعة، ثبت بالتجربة العملية أن إسرائيل حريصة جدا على تجنبها حتى الآن.

رغم ذلك، فإن إسرائيل لا يمكنها التصرف بحيادية مع ارتفاع وتيرة تعاظم القدرات السورية، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وتنامي قدرات حلفاء دمشق في سوريا وخارجها.

عمليا، لا يحتاج المرء الى تمرين ذهني كبير ليستكشف السيناريوات المحتملة أمام إسرائيل، وخصوصا أمام اتساع مساحة “اللايقين”. الأرجح أن تجد إسرائيل نفسها أمام خيارين: إما الذهاب نحو مواجهة واسعة كبرى ستدفع فيها أثمان كبرى، أو السعي للتوصل الى معادلة ما عبر روسيا مع الإدراك بأن موسكو ستأخذ في الحسبان ثوابت إيران وحلفائها في سوريا ولبنان. وما بينهما قد تسعى إسرائيل الى محاولة تكريس المعادلة القائمة التي تسمح لها بمواصلة اعتداءاتها مع قدر الاتساع المضبوط. لكن هذا يبقى سيناريو محفوفا بمخاطر تدحرج نحو تصعيد يؤدي الى السيناريو الأول، فضلا عن أن هذا المنسوب ثبت حتى الآن أنه لم يعد يحقق الأهداف المنشودة إسرائيليا.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here