عمر نجيب: المشروع الأمريكي في سوريا يتعثر وسط تصادم مصالح تركيا وإنفصالي الأكراد تحولات الساحة العسكرية تفرض واقعها على الساحة السياسية

عمر نجيب

  مع اقتراب سنة 2018 من نهايتها يرى عدد متنامي من الملاحظين أن مزيدا من الحكومات والتنظيمات السياسية عبر العالم أصبحت تقدر أن الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهر مارس 2011 توشك على وضع أوزارها لمصلحة الجيش العربي السوري، وأن التعقيدات والعقبات الهادفة إلى تأخير نصر دمشق هذا والتي تحاول تطبيقها واشنطن وأنقرة وتل أبيب وعدد من الأطراف ممن أختاروا ركوب الجزء السوري من مخطط الفوضى الخلاقة للشرق الأوسط الكبير، ستكون نتائجها سلبية.

  في نفس الوقت تتشابك وتختلط وتتعقد التحالفات والعلاقات ودرجات التنسيق بين الكثير من الأطراف والقوى المشاركة في هذا الصراع الذي يقدر ملاحظون أنه الأشد خطورة منذ نهاية الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وبدء نسخة جديدة من هذه الحرب بين روسيا الناهضة وحكام البيت الأبيض الذين يحاولون إبقاء النظام العالمي القائم على ركيزة القطب الواحد.

 رغم اتجاه الحرب في بلاد الشام إلى فصلها الختامي لا تزال مخاطر وقوع مواجهة عسكرية كبرى بين موسكو وواشنطن، قائمة بسبب محاولة بعض الأطراف التي تعجز عن تحمل إنكسار مشاريعها، ركوب أخطر الطرق على أمل تحقيق ولو جزء صغير من المكاسب وحماية ماء وجهها.

سفارات ومصالحة

 منتصف سنة 2018 ومع بداية الصيف أخذت شركات ومؤسسات تجارية وخدمية لبنانية وسورية تعقد اتفاقيات مع حكومات عربية وأجنبية من أجل إعادة تأهيل سفاراتها المغلقة في دمشق منذ حوالي ست سنوات، كما كلفت شركات أوروبية وخاصة ألمانية وفرنسية متخصصة في الأمن الإلكتروني وتجهيزات الاتصال بإعداد تلك التمثيلات الدبلوماسية التي تبين من تفاصيل عقود الشركات أن هناك مخطط لإعادة عمل السفارات قبل الشهر الخامس من سنة 2019. زيادة على ذلك أفادت تقارير لبعض أجهزة الرصد الأوروبية أن الاعتمادات المالية المخصصة لمجال الدعاية الاعلامية المناهضة لدمشق من طرف الأجهزة الأمريكية ومثيلاتها المتحالفة معها بخصوص الشأن السوري، تتقلص بسرعة وأن توجيهات أعطيت لتركيز الإهتمام على شؤون بعيدة عن الصراع السوري، وبموازاة مع ذلك وبشكل واضح تراجع جزء كبير من الزخم الإعلامي الذي شهده العالم طوال ست سنوات ونصف من الحرب على أرض الشام.

تراجع

 يوم الجمعة 14 ديسمبر 2018 ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية إن البرلمان العربي دعا جامعة الدول العربية إلى إعادة سوريا إلى العمل العربي المشترك بعد سبع سنوات من قرار الجامعة تعليق أنشطة سوريا في مختلف مؤسساتها. وتعد دعوة البرلمان العربي إشارة إلى أن الجامعة العربية يمكن أن تتحرك لإعادة تمثيل سوريا في مؤسساتها بعد تعليق أنشطتها في نوفمبر عام 2011.

 وحسب وكالة رويترز ذكر دبلوماسيون إن إنهاء تعليق الأنشطة السورية في مؤسسات الجامعة العربية يتطلب موافقة مجلس الجامعة العربية بالإجماع لكن يمكن لدول أعضاء فيها إبداء تحفظها دون أن يمنع ذلك سريان القرار.

وأضافت الوكالة إن الدعوة لإنهاء تعليق الأنشطة السورية في الجامعة العربية تضمنها بيان وزع موجه إلى ”مجلس جامعة الدول العربية واللجان المعنية وكل الهيئات والمؤسسات العربية“.

ودعا البيان مجلس الجامعة العربية وباقي المؤسسات العربية إلى ”العمل والتنسيق من أجل إعادة سوريا الى الفضاء العربي مساهمة في تحقيق الحلول السياسية التي تمكن الشعب السوري من تحقيق وحدته على أراضيه ومن العيش الآمن بما يجمع قواه الوطنية بعيدا عن أي نزعة طائفية أو إقصاء“.

وأكد بيان البرلمان العربي على ”الوقوف إلى جانب الشعب السوري في أزمته التي يمر بها“.

 وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط قد صرح لصحيفة البيان الإماراتية في أبريل إن ”قرار تجميد المقعد السوري في الجامعة العربية في تقديري قرار متسرع جدا. وهناك نقاشات… نحو تغيير في مواقف بعض الدول العربية التي ترى أن هذا التصرف يجب أن يعاد النظر فيه“.

 يوم الأحد 16 ديسمبر 2018 أفادت وكالة رويترز الدولية للأنباء أن وسائل إعلام سورية رسمية ذكرت إن الرئيس السوداني عمر حسن البشير وصل إلى العاصمة السورية دمشق يوم الأحد في أول زيارة لزعيم عربي إلى سوريا منذ بدء الصراع السوري.

وأظهرت صور رسمية الرئيس السوري بشار الأسد لدى استقباله للبشير في المطار. وقالت الوكالة العربية السورية للأنباء إن الزعيمين أجريا محادثات في قصر الرئاسة تناولت أحدث التطورات في المنطقة وفي سوريا.

ونقلت الوكالة عن الأسد قوله إن بلاده لا تزال ”مؤمنة بالعروبة ومتمسكة بها“ رغم الصراع الذي تتهم فيه سوريا بعض الدول العربية بتأجيجه عن طريق تسليح التنظيمات الساعية للإطاحة بحكم الأسد.

 الرئيس السوداني عمر البشير صرح أن سوريا هي دولة مواجهة وإضعافها هو إضعاف للقضايا العربية وما حدث فيها خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن هذا الواقع، مضيفا أنه وبالرغم من الحرب بقيت دمشق متمسكة بثوابت الأمة العربية.

وأعرب الرئيس السوداني عن أمله بأن تستعيد سوريا عافيتها ودورها في المنطقة في أسرع وقت ممكن وأن يتمكن شعبها من تقرير مستقبل بلده بنفسه بعيدا عن أي تدخلات خارجية.

كما أكد البشير وقوف بلاده إلى جانب سوريا وأمنها وأن الخرطوم على استعداد لتقديم ما بوسعها لدعم وحدة أراضيها.

حفظ ماء الوجه

 يوم الأحد كذلك ومن الدوحة عاصمة قطر قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مؤتمر صحفي إن بلاده ودولا أخرى في العالم ربما تدرس العمل مع الرئيس السوري بشار الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية.

وساندت تركيا الكثير من التنظيمات المسلحة ضد دمشق، ولا تزال تدعم مقاتلين من يسيطرون على جزء من شمال غرب سوريا. وقبل عام وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس السوري بأنه إرهابي وأكد استحالة المضي قدما بجهود السلام في سوريا في ظل وجوده.

ومنذ ذلك الحين، تمكن الرئيس الأسد بدعم من روسيا من طرد التنظيمات المسلحة وخاصة داعش والنصرة من معاقلهم في جنوب ووسط البلاد وفي محيط دمشق، معززا نفوذه رغم أن أنحاء من بلاده لا تزال خارج نطاق سيطرة حكومته.

وردا على سؤال عما إذا كانت تركيا ستعمل مع الأسد، قال جاويش أوغلو إنه ينبغي أولا إجراء انتخابات في سوريا. وأضاف أنه إذا فاز الأسد ”وإذا كانت الانتخابات ديمقراطية وإذا كانت ذات مصداقية فإن على الجميع دراسة العمل معه“.

 وذكر مصدر رصد أوروبي صيف سنة 2018 أن عدة أجهزة أمريكية منها المخابرات المركزية أفادت في تقاريرها إلى البيت الأبيض أنه وعلى ضوء الدمار والفوضى التي عاشها السوريون خلال سبع سنوات أصبح من المرجح أن الناخبين السوريين سيعطون أصواتهم وبكثافة ربما غير مسبوقة لإعادة إنتخاب بشار الأسد رئيسا.

وأُعيد انتخاب الأسد في يونيو 2014 بنسبة 88.7 في المئة من أصوات المشاركين في الانتخابات.

متاهة تركيا

 الواضح أن تركيا التي تحالفت في بداية الحرب في بلاد الشام مع واشنطن أخذت تدرك أن رهانها الأول كان خاسرا وأنها بدلا من أن تحصد جزء هاما من غنائم الصراع كما تصورت في البداية، قد تخرج خالية الوفاض وربما تتكبد خسارة خطيرة بسبب تشجيع واشنطن لتنظيمات كردية بإقامة دولة لهم تقتطع أراضي من سوريا وتركيا والعراق وإيران.

  المخاوف التركية ولدت فوضى في تصرفات ساسة أنقرة استغلت جيدا من طرف موسكو ودمشق وشقت صف من كانوا يوما حلفاء.

 يوم 13 ديسمبر وقبل حوالي 72 ساعة من تصريحات وزير خارجية تركيا، اكدت الإدارة الذاتية الكردية التي تتقلب ولاءاتها بين واشنطن وأنقرة أن المئات من المقاتلين الأكراد انفصلوا عن “قوات سوريا الديمقراطية” قسد وانضموا إلى الجيش السوري في ريف حلب.

وحملت “جمعية حقوق الإنسان” الكردية في بيانٍ لها ما تسمى “الإدارة الذاتية” المسؤولية في مقتل مئات المدنيين الأكراد، وفقا لوكالة “باسنيوز” الكردية، موضحة أنه “بعدما تسببت “الإدارة الذاتية” في المدنية بمقتل مئات المدنيين الكرد، قرر مئات آخرون الانضمام إلى صفوف القوات السورية في حلب”.

وكان “المجلس الوطني الكردي” قد نظم وقفات احتجاجية في القامشلي بسبب الاعتقالات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية لـ”قسد” بحق أعضاء “المجلس، بالإضافة إلى انتهاكات الفصائل المسلحة الموالية لتركيا بحق أبناء عفرين.

وفي سياق آخر أعلنت “الوحدات الكردية” النفير العام، وطالبت الحكومة السورية باتخاذ موقف رسمي، بعد ساعات من تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن بلاده ستبدأ حملة عسكرية لتخليص شرقي الفرات من “المنظمة الإرهابية الانفصالية” حسب تعريفه في غضون أيام.

ونشرت وكالة أنباء هاوار بيانا صادرا عن ما يسمى “المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” التابع إلى “الوحدات الكردية”، استنكر فيه تهديدات أردوغان، مشيرا إلى أن تركيا “تستهدف من وراء هذه التهديدات اقتطاع أجزاء من سوريا وإلحاقها بتركيا”.

كما اعتبر البيان أن الحملة العسكرية المرتقبة على شرقي الفرات “تستهدف المكاسب التي حققتها دول التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، وكذلك استهداف حالة الأمن والأمان التي بدأ شعبنا السوري يعيشها في شرق الفرات”، وفق البيان. وناشد البيان “المجتمع الدولي و على رأسه الأمم المتحدة و التحالف الدولي ضد الإرهاب بأن يتخذ موقفا”.

 تحذير واشنطن

 يوم 13 ديسمبر حذرت الولايات المتحدة من القيام بأي إجراء عسكري أحادي الجانب في شمال سوريا، وذلك بعد إعلان تركيا عن عملية عسكرية مرتقبة ضد الأكراد ووحدات الحماية في مناطق شرق الفرات.

وبرز التحذير الامريكي بالرغم من تأكيدات الجانب التركي بأن الحملة مدروسة وتستهدف القضاء على الإرهاب وستستثني  القوات الامريكية الموجودة على الارض وفي الميدان.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” إن أي إجراء أحادي الجانب لأي طرف شمال شرقي سوريا يمثل “مصدر قلق شديد وغير مقبول”. وحذر من أنه قد يعرض قوات أمريكية في المنطقة لمخاطر.

لكن مصادر دبلوماسية تركية ذكرت ان الجيش التركي وضع الجانب الامريكي مسبقا بصورة إحداثيات عمليته الجديدة التي ستأخذ نفس مسار عملية عفرين ومراقبة محيط منبج.

 وشددت المصادر على ان انقره ابلغت واشنطن مسبقا بانها ستقاتل الارهابيين إذا لم تضع الولايات المتحدة حدا لمحاولات تجميعهم وتسليحهم خصوصا تلك المدعومة من دول إقليمية.

ولطالما كانت أنقرة وواشنطن على خلاف حول سوريا حسب تقرير لبي بي سي، حيث دعمت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية في القتال، وهو ما تعترض عليه تركيا.

ويخشى دبلوماسيون اتراك من ان يكون الإعلان عن عملية عسكرية شرقي الفرات مؤشر حيوي على انهيار تفاهمات أمنية سابقة في المنطقة بين المؤسسة العسكرية التركية والولايات المتحدة الامريكية.

وترى تركيا أن وحدات حماية الشعب الكردية منظمة “إرهابية”، وامتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقود تمردا ضد أنقرة.

ويرى البنتاغون أن أي عمل عسكري أحادي الجانب من شأنه أن يقوض المصلحة المشتركة لتأمين الحدود بين سوريا وتركيا بطريقة دائمة.

وشنت تركيا عمليات عسكرية من قبل في شمال سوريا، ولكنها لم تعبر النهر إلى الشرق تجنبا لمواجهة مع القوات الأمريكية.

لكن أردوغان قال يوم 12 ديسمبر “سنبدأ عملية تطهير شرق الفرات من الإرهابيين الانفصاليين في غضون أيام قليلة. ولا نستهدف أبدا القوات الأمريكية”.

وذكر البنتاغون إن التنسيق والتشاور بين الولايات المتحدة وتركيا يمثل الطريقة الوحيدة لمعالجة المخاوف الأمنية، كما أن واشنطن كانت تركز على العمل بشكل وثيق مع أنقرة.

صدام مباشر

 في مناورة من جانب أنقرة لتجاوز التحذيرات الواردة من البيت الأبيض، حركت تركيا تنظيمات مسلحة مشكلة من مقاتلين محسوبين على داعش والقاعدة والنصرة تحولوا على الورق إلى تنظيمات سورية معارضة معتدلة لإشراكها في الهجوم شرق الفرات وبذلك يمكنها القول أن الأمر يتعلق بصراع سوري سوري محض. جوابا على هذه التحركات هددت الإدارة الأمريكية يوم 15 ديسمبر 2018، ما وصفته بالمعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري، “بصدام مباشر” حال مشاركتها في أي عملية عسكرية تركية ضد تنظيم “ي ب ك/بي كا كا” شرق نهر الفرات، شمال شرقي سوريا.

واطلعت الأناضول على رسالة بعثها مسؤولون أمريكيون إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، و”الجيش السوري الحر”، هددوا فيه بأن العناصر التي ستشارك في أي عملية تركية شرق الفرات ستواجه الجيش الأمريكي “بشكل مباشر”.

وقال المسؤولون الأمريكيون إن “مشاركة الائتلاف أو السوري الحر بأي شكل في العملية تعني الهجوم على الولايات المتحدة وقوات التحالف، وهذا سيؤدي إلى صدام مباشر معها”.

وأضافوا أن قوات بلادهم وما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية” يشكل مقاتلو “ي ب ك” عمودها الفقري “في حالة متداخلة مع بعضهما، لذلك لا يمكن مهاجمة الثانية دون استهداف قوات التحالف والقوات الأمريكية والاشتباك معهما”.

وحذرت الرسالة المعارضة السورية من عواقب المشاركة في العملية التركية المرتقبة، بالقول “حينما ترقص الفيلة، عليك أن تبقى بعيدا عن الساحة”.

ويحتل تنظيم “ي ب ك/ بي كا كا” في سوريا مساحة تزيد عن 45 ألف كلم مربع، تبدأ من ضفاف نهر الفرات حتى الحدود العراقية شمال شرقي سوريا، وتشكل نحو 480 كلم من حدود سوريا مع تركيا، من إجمالي 911 كلم.

ولدى التنظيم نحو 15 ألف مسلح في المنطقة، التي توسع فيها بدعم عسكري أمريكي منذ 2014.

ويشكل العرب 70 في المئة من عدد سكان المنطقة، وسط معاناة من ممارسات التنظيم، الذي هجر بالفعل نحو 1.7 مليونا لجأ جلهم إلى تركيا.

كما يسيطر “ي ب ك/بي كا كا” على أحد أكبر حقول ومنشآت النفط والغاز في البلاد، علاوة عن 40 في المئة من الأراضي الزراعية وجزء هام موارد المياه وسدود توليد الكهرباء.

ويشار إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية صرحت في وقت سابق أنها بصدد تأسيس قوة يتراوح قوامها بين 35 و40 ألف مقاتل شرق نهر الفرات، لضمان سيطرة دائمة على المنطقة.

وتعارض تركيا خطة واشنطن، التي تعني تحويل تنظيم “ي ب ك/ بي كا كا” إلى جيش نظامي، وفرض نشوء كيان إرهابي بالأمر الواقع على حدودها الجنوبية.

حصار نفطي

  نهاية شهر نوفمبر 2018 وبالضبط يوم 22 نوفمبر جاء في تقرير نشرته “أوراسيا ديلي”:

 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات روسية لتوريد النفط الإيراني إلى سوريا. في الوقت نفسه، يمكن أن لا يكون هدف واشنطن الجمهورية الإسلامية على الإطلاق.

في الصدد، قال عضو اللجنة الدولية بمجلس الاتحاد، أوليغ موروزوف: “من الواضح أن الهزيمة السياسية في سوريا تعيد الولايات المتحدة إلى فكرة تغيير السلطة في دمشق. لذلك، يصبح الضغط الاقتصادي على إمدادات النفط أداة للحرب الاقتصادية الجديدة مع بشار الأسد، وبشكل غير مباشر، مع موسكو وإيران”. ووفقا له، فإن روسيا تعمل بشكل قانوني تماما وستستمر في الإمدادات.

  في الوقت نفسه، فإن سوريا نفسها لديها ما يكفيها من النفط، لكن حتى في هذه الحالة فإن الوضع تحت السيطرة الكاملة للولايات المتحدة. تسيطر دمشق على 70 في المئة من البلاد، لكن على ما لا يتجاوز 20 في المئة من الاحتياطيات النفطية. وبمساعدة قوات سورية الديمقراطية التابعة للأكراد، لم يكتف الأمريكيون بالسيطرة على الرقة. إنما سيطروا على الاحتياطات الرئيسية الموجودة في شمال شرقي البلاد بالقرب من دير الزور. في خريف 2017، كانت القوات الحكومية أول من سارع إلى السعي لتحرير المنطقة، لكن قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من الأمريكيين، سبقتهم إليها.

وكما كتبت “ديلي صباح” التركية، فإن إنتاج النفط في الحقول لا يتجاوز 35 ألف برميل في اليوم، بسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية جراء الحرب. وهذا العام، اتفق الأكراد ودمشق على سيطرة الحكومة على التعدين، على أن تحصل وحدات حماية الشعب على 20 في المئة من الدخل، و 15 في المئة أخرى للقوات العربية المحلية.

ومع ذلك، وكما كتب الصحفي التركي رجب صويلو، على تويتر، في سبتمبر 2018، منع الأكراد تجارة النفط مع دمشق. فالولايات المتحدة، من خلال بناء قواعد جديدة، تعيد هيكلة الأراضي الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب. السياسة الجديدة: “الولايات المتحدة لن تغادر إلى أي مكان”.

وأضافت “مودرن دبلوماسي” أن هناك تحت سيطرة الأكراد والولايات المتحدة في شمال شرقي سوريا، اثنين من أكبر السدود السورية ومحطة كهرباء بقدرة 824 ميغاوات. وهكذا، ففي أيدي واشنطن قنوات ضغط اقتصادية خطيرة على دمشق. يريد الأكراد المساومة على حكمهم الذاتي، لكن واشنطن تريد بوضوح أكثر، في محاولة لسحق دمشق وحليفيها، روسيا وإيران، اقتصاديا.

يبدو أن الفترة الأكثر دموية في الحرب السورية تشارف على الانتهاء، لكن واشنطن لا تريد أن تخسر، فهي تبدأ حربا جديدة اقتصادية، ليست أقل قسوة.

قوة عسكرية بديلة

 التنظيمات الانفصالية التركية ليست أداة واشنطن الوحيدة، البيت الأبيض يرغب في زيادة الاستقطاب بالمنطقة العربية. وهكذا كشف موقع “فوا” الإخباري الأمريكي  يوم 25 نوفمبر 2018 أن قافلة عسكرية كبيرة من دولةٍ عربية نشرت منتصف الشهر نفسه في محافظة دير الزور شرقي سوريا. وقال الموقع نقلاً عن المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا- إن القوة العسكرية تلك تنتمي لبلد عضو في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وأكد رامي عبدالرحمن، مدير المرصد، أنه “تم رصد قافلة عسكرية عربية قرب الضفة الشرقية لنهر الفرات، حيث يحتفظ  تنظيم داعش بوجودٍ صغير هناك”.

في السياق، وبحسب الموقع الأمريكي، رفض مسؤولو “قوات سوريا الديمقراطية” التعليق على المسألة، في الوقت الذي كانوا سابقا يرحبون بفكرة وجود “قوةٍ عربيةٍ” داخل مناطق نفوذها.

الهدف الأمريكي المعلن

يقول بعض المحللين الأمريكيين إن الهدف من إرسال قوة عربية إقليميةٍ إلى ذلك الجزء من سوريا هو منع تقدم الجيش السوري وإقامة دولة سورية بديلة تحت ظل تبريرات عديدة.

يشير جوناثان سباير، المدير التنفيذي لمركز الشرق الأوسط للبحوث والدراسات الأمريكي إلى أن “وجود قوة عربية أمر مهم للغاية لواشنطن، إذ ينظر إلى “سوريا الديمقراطية” على أنها تحت هيمنة الأكراد. وسيسهِم وجود جنود من دولة عربية في تعديل هذه الرؤية بنسبة كبيرة”.

ويشير محللون أمريكيون إلى أن “الولايات المتحدة تعتبر وجودها الآن في شرق سوريا جزءا من جهودها لاحتواء ودحر دمشق وحزب الله، ولا تعتزم الانسحاب من المنطقة في المستقبل القريب”.

لكن محللين آخرين، مثل أليكس فاتانكا الباحث بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، يرون أن مزيدا من القوات الأجنبية في سوريا ربما يؤدي إلى تعقيد الأوضاع المعقدة بالفعل.

مضيفا أن “إدخال قواتٍ جديدة إلى اللعبة في هذا التوقيت أمر غريب للغاية وسيزيد من تعقيد المعادلة، مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أننا لا نعرف البلد الذي ينتمي إليه أولئك الجنود”.

مشيرا إلى أن ذلك ربما يكون “رسالة لتركيا، فحواها أنه في حال لم يقدم الأمريكيون الدعم الكافي لقوات سوريا الديمقراطية، فإن تلك القوات ستحصل على دعم حلفائهم من الدول الخليجية”.

 كلمة السر

 هناك تفسيرات مختلفة لما تستهدفه أنقرة من عملياتها شرق الفرات وفي هذا الصدد كتب المحلل الفلسطيني كمال خلف يوم 14 ديسمبر:

 تطورات المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات، وما استجد فيها تشرح جزء من تحركات أنقرة، حيث تشكل التطورات هناك خطرا يمس الأمن القومي التركي، ليس هذا فحسب، بل الأمن القومي الايراني والسوري أيضا.

علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة أعلنت عن مشروع إحلال قوات عربية في مناطق شرق الفرات. خلال عام 2018 كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن خطة تعدها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإحلال قوات عسكرية عربية مكان القوات الأمريكية المنتشرة في سوريا.

علينا أن نعلم أن دمشق حققت تقدما نوعيا في داخل منطقة النفوذ الأمريكي، هي تتجنب الإفصاح عن هذا الملف، وتترك للظروف إثبات قدرتها مع حليفها الإيراني في قلب الميزان هناك. وصفع الأمريكيين.

إنتزاع شرق الفرات من عباءة النفوذ الأمريكي يشكل مصلحة لروسيا ودمشق وإيران، ثروات شرق الفرات، وهي منطقة موارد مهمة من النفط والغاز والقطن والقمح و الثروة الحيوانية الكبيرة، تعطي شرق الفرات أهمية تتجاوز ما يشار إليه عادة. لا نعتقد أن الروس غاضبون من نوايا الحملة العسكرية التركية شرق الفرات، التقديرات في عواصم حلفاء دمشق، ترى في خطر الدولة الكردية أكبر من احتلال تركي، لابد في نهاية المطاف أن يغادر، بعد أن تضمن له مصالحه .

 الولايات المتحدة تجلس في منطقة مواتية لمصالحها تماما، “الكرد و  الموقع المشرف المتصل مع حدود العراق والثروة”.   ليس بالسهولة بمكان أن تتخلى واشنطن عن تلك المناطق لدمشق وروسيا. وليس بوسعها إقناع أنقرة، بخطورة التمركز الأجنبي على مشارف حدودها ماذا أمامهم من خيارات؟.

تهديد القواعد الأمريكية

 يوم 14 ديسمبر 2018 ذكر موقع “نيوز روي” الروسي إن موسكو وسعت قدراتها في سوريا حتى وصلت أسلحتها إلى مناطق تماس قريبة من القواعد الأمريكية، ما يشير إلى تصاعد امكانية الصدام بين موسكو وواشنطن.

وبحسب الموقع الروسي، يسمح تعزيز قوات الدفاع الجوي السورية لروسيا بتوسيع قدراتها داخل سوريا. ولن يقتصر نشر منظومة “إس 300” الروسية واستخدام الجيش السوري إياها على السواحل السورية فحسب، بل قد يمتد إلى وسط البلاد وشرقها.

وفقا لما ذكرته صحيفة “الشرق الأوسط” نقلا عن مصادر عسكرية، تعمل روسيا على تحويل بعض قواعد منظومة “إس 300” إلى مطار دير الزور التابع للقوات الجوية السورية.

وستعقد هذه الخطوة عمليات قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في سوريا، إذ إن الرادار الخاص بالمنظومة الروسية “إس 300” يغطي جميع المناطق شرق نهر الفرات، حيث توجد القوات الأمريكية.

وفي وقت سابق، وخلال انعقاد قمة مجموعة العشرين، نشر موقع “ديبكا” الإسرائيلي بعض المعلومات حول نقل قسم من منظومة “إس 300” الروسية إلى منطقة دير الزور. لكن، لم يتم التعامل مع هذه المعلومات بجدية، نظرا إلى سمعة الموقع الإسرائيلي السيئة، بسبب نشره الشائعات في العديد من المناسبات.

في أواخر نوفمبر 2018، قام محللو معهد دراسات الحرب الأمريكي بتقييم الجهود التي يبذلها الجيش الروسي لإنشاء نظام دفاع جوي موحد في سوريا، وإمكانية نقل منظومة “إس 300” إلى منطقة دير الزور. كما ذكر المحللون، نقلا عن مصادر معادية لدمشق، أنه قد تم نشر قواعد صواريخ “إس 300” في قاعدة “تي 4” الجوية الواقعة في محافظة حمص، والتي بدأت الميليشيات الإيرانية والقوات الموالية لطهران في مغادرتها منذ أكتوبر 2018.

بدوره، ذكر موقع “نيوز روي” الروسي أنه في حال كانت المعلومات الواردة حول نشر منظومة “إس 300” الروسية أو بعض مكوناتها في القاعدة الجوية بحمص ودير الزور صحيحة، فإن الحرص على سلامة هذه المنظومة من الأمور الضرورية.

على الرغم من أن المنشآت العسكرية في دير الزور معززة أمنيا ومحمية بشكل جيد، لا سيما بعد تحرير المنطقة عقب حصار فاشل من قبل تنظيم  داعش دام 3 أعوام، فإن مقاتلي التنظيم ما زال بإمكانهم التنقل في المناطق الصحراوية، بحسب الموقع الروسي.

ومنذ أكتوبر عام 2015، استخدمت القوات العسكرية الروسية قاعدة “تي 4” الجوية، حيث تتوقف طائراتها فترات قصيرة وتعيد التزود بالوقود والذخيرة.

في نهاية يونيو 2018، ووفقا للمعلومات التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي “ستارفور” وصور الأقمار الاصطناعية، تكبدت القاعدة خسائر كبيرة نتيجة هجوم نفذه مقاتلو تنظيم داعش. كما نشرت شبكة “بي بي سي” البريطاني صورا تظهر حطام مروحيات من طراز “مي 24” بعد تفجيرها من قبل التنظيم. مع ذلك، نفت وزارة الدفاع الروسية خسارتها بعض معداتها العسكرية في القاعدة.

كما تعرضت قاعدة “تي-4” للقصف في العديد من المناسبات من طرف الجيش الإسرائيلي، وهو ما توثقه بعض الصور على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث كانت القاعدة تضم مراكز مراقبة الطائرات الإيرانية “شاهد 129”.

أما الآن، فالوضع هادئ نسبيا بمنطقة قاعدة “تي 4” الجوية في حمص، كما تم تحرير منطقة دير الزور من تنظيم داعش، لكن التوتر ما زال يطغى على مدينة هجين، ما دفع وزارة الدفاع الروسية إلى نشر هذه المنظومة في تلك المنطقة دون تردد، وذلك بحسب ما أفاد به الخبير العسكري فيكتور موراخوفسكي.

وأضاف الخبير أنه تم نقل منظومة “إس 300” إلى سوريا بعد إسقاط طائرة “إيل 20” في منطقة مصياف، كما أن خصوصيات التضاريس بهذه المنطقة وإمكانية تدمير منصات صواريخ “إس 300” الروسية تجعلان من الممكن غلق المعابر التي تؤدي إلى الساحل السوري بالكامل.

الضربات كانت من لبنان

وبحسب الموقع الروسي، قال موراخوفسكي إن “الضربات الجوية الإسرائيلية ضد بعض المواقع السورية كانت تنفذ انطلاقا من وادي البقاع في لبنان، وهو المكان الذي تستطيع إسرائيل من خلاله توجيه ضربات ضد دمشق ومناطق أخرى، وضمن ذلك قاعدة “تي-4” الجوية، التي تعرضت في السابق لهجمات إسرائيلية. أما منصات صواريخ “إس 300″ في منطقة مصياف، فلا يمكن استهدافها أو رؤيتها، لأنها مخفية بين الجبال”.

وأوضح الخبير أنه لرؤية الطائرات الإسرائيلية التي تحوم فوق سلسلة الجبال، من الضروري تحليق طائرة من طراز “أ-50” المجهزة بنظام إنذار مبكر، وهو أمر طبيعي بالنسبة لسوريا، أو وضع رادار احتياطي منفصل. لكن فيما يتعلق بردود الفعل والوسائل التي يجب اعتمادها لإلحاق ضرر بالطائرات الإسرائيلية، فمن غير المستبعد نشر منظومة “إس 300” في قاعدة “تي 4”.

وأضاف الخبير إن “روسيا استخدمت في السابق القاعدة باعتبارها مطارا، لذلك من الطبيعي نشر المنظومة هناك. كما سيتم نشر “إس 300” فى قاعدة “تي 4″، للسيطرة على جزء من المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، ومن ثم، ستكون هذه الخطوة بمثابة رسم لحدود نشاط الطيران الروسي وطيران التحالف بقيادة الولايات المتحدة”.

وأضاف الخبير أنه “في حال تم نشر منظومة “إس 300″ في دير الزور، فسيعطل ذلك عمل الطائرات الأمريكية بسوريا. لكن حتى الآن، ووفقا للقيادة الروسية، لم تنتهك الولايات المتحدة الاتفاق المتمثل في منع وقوع حوادث بي هذه المنطقة، فضلا عن موافقة القيادة العسكرية الأمريكية على توقيت جميع الغارات الجوية ومكانها، ما يشير إلى غياب الحاجة الملحة لنشر المنظومة الروسية في دير الزور”.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here