عمر نجيب: الصراع في ليبيا يتأرجح بين مواجهة روسية أمريكية تركية.. هل تعود واشنطن لسياسة الزج بقواتها في حروب مكلفة بالشرق الأوسط ؟

عمر نجيب

 منذ اعلان الولايات المتحدة في 4 يوليو من عام 1776 استقلالها عن المملكة البريطانية خاضت سلسلة طويلة من الحروب، حتى أنه مع قرب اكتمال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين دخلت موسوعة غينيس للارقام القياسية بالنسبة للحروب بالمقارنة مع بقية دول العالم.

إعلان الاستقلال الأمريكي أو إعلان استقلال الولايات المتحدة،‏ هي وثيقة تبناها الكونغرس القاري في 4 يوليو 1776، وهي تعلن أن المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشر المتحاربة مع بريطانيا العظمى قد أصبحت ولايات مستقلة، وبالتالي لم تعد جزءا من الإمبراطورية البريطانية.

 في البدايات كانت الحروب للبلد الفتي عملية لاستكمال السيطرة والقضاء على ما تبقى من سكان البلاد الاصليين أو ما اصطلح على تسميتهم بالهنود الحمر وقد جرت المواجهات على مراحل متباعدة نسبيا، والتمدد غربا حتى سواحل المحيط الهادئ. وموازاة مع ذلك أخذ عدد ولايات البلاد يرتفع مع كل تقدم جديد. كانت المكسيك الهدف التالي للتوسع العسكري الأمريكي، في مواجهة استمرت ما بين 25 أبريل سنة 1846 و 2 فبراير 1848. انتقلت أكثر من نصف المساحة التي كانت تشكل الأراضي المكسيكية إلى يد الولايات المتحدة الأمريكية عبر اتفاقية “غوادالوبي هيدالغو”، الموقعة من قبل الطرفين الأمريكي والمكسيكي بعد انتهاء الحرب الأمريكية المكسيكية عام 1848. ما يعرف اليوم بولايات كاليفورنيا، ونيفادا، ويوتاه، ونيو مكسيكو، وتكساس كلها كانت جزءا من الأراضي المكسيكية قبل الحرب وكذلك كانت أجزاء من أريزونا، وكولورادو، ويومينغ، وكانساس، وأوكلاهوما.

ما بين سلسلة من الصراعات المسلحة نشبت الحرب الأهلية الأمريكية، وهي صراعات داخلية حدثت داخل الولايات المتحدة في الفترة من عام 1861 إلى 1865. واجه فيها الاتحاد “الولايات المتحدة” الانفصاليين في إحدى عشر ولاية جنوبية مجتمعة معا لتكون الولايات الكونفدرالية الأمريكية. وقد فاز الاتحاد بهذه الحرب التي ما زالت تعد الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة.

في أبريل 1898، خاضت الولايت المتحدة حربا جديدة كبيرة هذه المرة ضد الامبراطورية الاسبانية التي كانت تسيطر على دول ما يعرف بالبحر الكاريبي واجزاء من أمريكا الجنوبية والفلبين. انتصرت واشنطن وسيطرت على الجزء الأكبر من ارث الامبراطورية الاسبانية.

 يقدر محللون أن الحرب مع إسبانيا كانت الخطوة التى أصبحت بعدها الولايات المتحدة قوة عالمية، الإمبراطورية الإسبانية كانت تتداعى لقرن من الزمن وهو ما سهل هزيمتها خلال ثمانية أشهر، وكانت هناك مناقشة حامية داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كان على أمريكا أن تصبح قوة إمبريالية لتحل محلها أم لا، وحسمت نتيجة الحرب الأمر. نضجت تجربة أمريكا القصيرة مع الإمبريالية العلنية، وكما ذكر تقرير شبكة فوكس، فى وقت متأخر، وتركزت فى معظمها على المحيط الهادئ، وبدأت هذه التجربة سنة 1893 فى هاواى التى كانت حينها دولة مستقلة. اعتبرت هذه أولى عمليات الاستحواذ الأمريكية فى المحيط الهادئ، وسرعان ما دخلت اليابان فى السباق على منطقة المحيط الهادئ، وقامت بمصادرة العديد من الجزر التى كانت فى حوزة الأوروبيين، وبلغ ذلك السباق ذروته في العقود التالية حتى جاءت الحرب العالمية الثانية.

 المشترك في كل تلك الصراعات بما في ذلك الحرب العالمية الأولى وبإستثاء الحرب مع المكسيك أنها جرت خارج الأراضي التي تشكل الولايات المتحدة كما تعرف اليوم بولاياتها الخمسين.

ادوات الهيمنة

جاء في تحليل نشرته صحيفة البيان الاماراتية 15 سبتمبر 2015: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لفرض هيمنتها على العالم عن طريق الكثير من الوسائل والأساليب، وتحاول أن تفرض رأيها على كل ما يجري في هذا العالم الكبير الذي أصبح قرية صغيرة بفعل التقنية الحديثة، وأدوات العولمة التي تمسك بخيوطها أمريكا والدول الكبرى الحليفة لها.

وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض إطارا واحدا للسياسة الدولية عبر برامجها المختلفة، وإشغال العالم بالكثير من الأوهام وافتعال الحروب في أكثر من منطقة، وصناعة الأعداء الجدد، وفتح جبهات جديدة في المناطق الهادئة، حتى لا تفكر أي دولة بالمنافسة على قيادة هذا العالم المترامي الأطراف.

ولعل أبرز ما تجيده السياسة الأمريكية من أجل زيادة تماسكها وزرع جذورها في العالم، هو افتعال قضايا الإرهاب والحروب الداخلية، وصناعة الثارات بين الدول، ثم ما تلبث أن تحاول حشد الجهود الدولية للتدخل بطرق ووسائل مختلفة.

  شكلت هزيمة الولايات المتحدة في حرب الفيتنام 1962 إلى سنة 1975، صدمة لمبدأ نجاعة التدخل العسكري الأمريكي المباشر لفرض واقع جديد، ولكن بعد فترة تريث نسبية عاد قادة البيت الأبيض لإستخدام القوة العسكرية بشكل مباشر فكانت الحرب ضد أفغانستان سنة 2001، وتلتها حرب جديدة ضد العراق سنة 2003 أدت إلى احتلاله.

 في افغانستان والعراق واجهت آلة الحرب الأمريكية مشاكل كثيرة وخسائر ضخمة، وهو ما دفع إلى ادخال تعديلات جديدة على التكتيك المتبع، فمن أجل تجنب مزيد من الخسائر البشرية والمادية الأمريكية تمت صياغة تحالفات بالوكالة وخلق صراعات طائفية والاستفادة من تطلعات توسع لأطراف حليفة لإنجاز ما ترغب في تحقيقه واشنطن، على شكل شراكة يمكن وصفها بالتجارية المبنية على مبدأ التعاقد من الباطن، حيث ينال الوكيل جزء من الغنيمة في حين يكون نصيب واشنطن هو الأكبر.

الحرب ضد ليبيا

 الحرب ضد ليبيا بداية من 19 مارس 2011، كانت أحد أمثلة هذه الممارسة الجديدة حيث قام حلف الناتو بأمر من واشنطن وبتركيز على القوة العسكرية لفرنسا ساركوزي على أسقاط البلاد في حالة ما يسميه الامريكيون الفوضى الخلاقة، وفي التوقيت نفسه تقريبا بدأت حرب بلاد الشام حيث شكلت تركيا المرتكز الأساسي لتدفق السلاح والمسلحين “أكثر من 130 ألف” القادمين من أكثر من 80 دولة.

 نجحت دمشق مرحليا في عكس مسار الحرب بدعم أساسا من روسيا التي كان من بين أهدافها منع استكمال واشنطن لطوق حصارها على جناحها الجنوبي الغربي. في ليبيا تقلبت محاولات إعادة الاستقرار والوحدة للبلاد بين صراعات التنظيمات المختلفة التوجهات، وقد تبين خلال السنوات التسع التي مرت على الفوضى في الساحة الليبية أن البيت الأبيض حرص على هيمنة التيارات المنتمية لما يسمى الاسلام السياسي، ولكنه سعى أن يظهر بالحياد لأنه ومن تجاربه خاصة في المنطقة العربية كان يعرف أنه إن اظهر مساندته لطرف معين يجلب عليه الرفض من طرف الرأي العام ليس محليا وإقليميا فقط بل أبعد من ذلك.

 دول شاركت في حرب الناتو ضد ليبيا ابتعدت تدريجيا عن مواصلة دعم المشاريع الأمريكية في ليبيا، وفي مقدمتها فرنسا خاصة بعد أن وجدت إن انتشار ما يسمى بالتيارات الجهادية في دول الساحل يهدد مصالحها، ويفتح الباب كما حدث في مناطق اخرى من العالم كانت لها فيها مصالح لتحل الولايات المتحدة محلها.

 هكذا جاء دور تركيا وذلك بأساليب وتكتيكات مشابهة لما طبق في سوريا، خاصة بعد أن ظهر أن الغلبة ستكون للجيش الوطني الليبي التابع لحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن البرلمان المنتخب في يونيو 2014.

 بالنسبة للرأي العام محليا وإقليما ظلت الصورة مشوشة بالنسبة لما يحدث في ليبيا، خاصة أن الكثيرين تعاطفوا مع انقرة منخدعين بالخلافات الحقيقية أو المفتعلة بينها وبين واشنطن ومواقفها المعلنة وأكثرها كلامي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 تدخلت أنقرة عمليا وبكثافة في الحرب خاصة حول طرابلس منذ أبريل 2019 فأرسلت أكثر من 11 الف من المجندين في التنظيمات الجهادية التي كانت تحارب في بلاد الشام وحوالي 800 من ضباطها وجنودها لمساندة حكومة الوفاق برئاسة السراج، بينما عملت آلة الدعاية الموالية لواشنطن والتي لا ينكر أحد تفوقها على مثيلاتها التي تصنف في المعسكر المناهض على تشويش الصورة لخداع العالم.

 المرصد السوري لحقوق الإنسان أقر في ابريل 2020 بوجود الآلاف من المقاتلين السوريين الموالين لأنقرة في ليبيا. وصرح مدير المرصد رامي عبد الرحمن المحسوب على المعارضين لحكومة دمشق، لوكالة فرانس برس إن تركيا أرسلت نحو تسعة آلاف من المرتزقة إلى ليبيا، بينهم 150 قاصرا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما. وأوضح أن أكثر من 3300 مقاتل كانوا يتلقون في ذلك التوقيت التدريب في معسكرات تركية” قبل إرسالهم إلى جبهات القتال جنوب العاصمة الليبية. وينتمي المقاتلون، وفق المرصد، إلى “الجيش الوطني”، وهو ائتلاف فصائل إسلامية ومعارضة تتلقى دعما من أنقرة وواشنطن وتنتشر قواته في شمال وشمال غرب سوريا. وتم تجنيدهم مقابل إغراءات مالية ووعود بالحصول على الجنسية التركية. ويقدر المرصد مقتل 298 منهم في ليبيا، بينهم 17 طفلا.

طائرة الاستطلاع الأمريكية

 نقطة الإنكسار في هذه العملية الدعائية السياسية ظهرت بعد إن أخذت التحالفات الحقيقية تبرز للعيان.

 بتاريخ 7 ديسمبر 2019 أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “افريكوم” إنه هناك اعتقادا بأن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت طائرة أمريكية مسيرة، فقدت قرب العاصمة الليبية طرابلس “يوم 21 نوفمبر 2019” وأن هناك مطالبة بتسليم حطامها.

وقال الجنرال ستيفن تاونسند قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا إنه يعتقد أن من كان يدير الدفاعات الجوية في ذلك الوقت “لم يكن يعلم أنها طائرة أمريكية مسيرة عندما أطلق النار عليها”. وأضاف تاونسند في بيان لرويترز دون أن يخوض في تفاصيل “لكنه يعلم الآن بالتأكيد ويرفض إعادتها. هو يقول إنه لا يعلم مكانها لكنني لا أصدق هذا”.

وذكر الكولونيل كريستوفر كارنز المتحدث باسم القيادة العسكرية في أفريقيا إن التقييم الأمريكي الذي لم يكشف عنه من قبل يخلص إلى أن من كان يدير الدفاعات الجوية عندما وردت أنباء إسقاط الطائرة المسيرة  كانوا إما متعاقدين عسكريين خاصين من روسيا أو قوات حفتر.

 يوم 20 مايو 2020 قال ممثل إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن إيران أرسلت أسلحة متطورة إلى الجنرال خليفة حفتر في ليبيا. وأضاف في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، أن إيران انتهكت قرار المجلس بحظر إرسال أسلحة إلى هذا البلد. وأشار إلى أن “مقاطع الفيديو والصور التي عرضها أظهرت استخدام عناصر قوات حفتر صواريخ “دهلاويه” المضادة للدروع والتي تصنعها إيران”.

 في توقيت لا يبعد سوى أيام عن التصريح الإسرائيلي، أعلن الجيش الأمريكي أن روسيا أرسلت مقاتلات لدعم الجيش الليبي بقيادة حفتر. وأوضحت أفريكوم من مقرها العام في شتوتغارت بألمانيا، إن المقاتلات غادرت روسيا وتوقفت أولا في سوريا حيث “أعيد طلاؤها لتمويه أصلها الروسي” قبل وصولها إلى ليبيا.

العد التنازلي

يوم الجمعة 29 مايو 2020 صرح جنرال أمريكي لوكالة رويترز إن الجيش الأمريكي يعتقد أن تسليم روسيا طائرات حربية إلى ليبيا ربما لن يغير التوازن في الحرب التي بلغت طريقا مسدودا، لكنه يمكن أن يساعد موسكو في نهاية المطاف في ضمان معقل استراتيجي في شمال أفريقيا.

ويقول البنتاغون الأمريكي إن عسكريين روسا سلموا 14 طائرة ميغ 29 وسوخوي-24 إلى قاعدة الجفرة الجوية التابعة للجيش الوطني الليبي.

وقال البريغادير جنرال جريجوري هادفيلد نائب مدير إدارة المخابرات التابعة للقيادة الأمريكية في أفريقيا لمجموعة صغيرة من الصحفيين إن الطائرات الروسية انطلقت من روسيا ومرت عبر إيران وسوريا قبل وصولها إلى ليبيا.

وأضاف أنه لم يتم استخدام الطائرات حتى الآن، لكنها يمكن أن تضيف قدرات جديدة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر الذي أخفق حتى الآن في جهوده المستمرة منذ عام للسيطرة على طرابلس مقر حكومة الوفاق الوطني.

لكن هادفيلد نبه إلى أن موسكو قد لا تكون بحاجة إلى انتصار صريح لحفتر لتعزيز المصالح الروسية. وقال ”فيما يتعلق بدعم الجيش الوطني الليبي ودعم المشير حفتر، الأمر لا يتعلق في الحقيقة بكسب الحرب، وإنما بإقامة معاقل“. ويكمن أحد مخاوف واشنطن الرئيسية في إمكانية استخدام موسكو لمثل هذا الموقع لنشر صواريخ.

وقال ”إذا ضمنت موسكو موقعا دائما في ليبيا، والأسوأ، إذا نشرت أنظمة صواريخ طويلة المدى، فسيغير هذا قواعد اللعبة بالنسبة لأوروبا وحلف شمال الأطلسي وكثير من الدول الغربية“.

 في العاصمة الألمانية برلين ذكرت تقارير صحفية أن دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، أفادت أن الدافع الأساسي للتدخل الروسي هو منع انتصار تركيا وحكومة الوفاق في ليبيا لأن من شأن ذلك السماح لواشنطن بإقامة قاعدة أو قواعد عسكرية في ليبيا وهو ما لم تخفه حكومة السراج. فيوم 22 فبراير 2020 صرح فتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة الوفاق، إن بلاده لا تمانع إقامة قاعدة عسكرية أمريكية حال طلبت الولايات المتحدة ذلك، مضيفا أن إقامة قاعدة لواشنطن في ليبيا سيساهم في تحقيق السلام في البلاد.

 المخابرات الألمانية أضافت حسب التقارير الصحفية أن عودة القواعد الأمريكية إلى ليبيا والتي خرجت منها بعد الثورة الليبية في 1 سبتمبر 1969 وكان عددها أربع قواعد أكبرها قاعدة ويلس، سيكون من شأنه تعزيز القواعد الأمريكية في تركيا وأهمها قاعدة إنجرليك الجوية التي يضع فيها سلاح الجو الأمريكي 50 قنبلة نووية، وبالتالي تعزيز الحصار الأمريكي على روسيا من مداخل البوسفور على البحر الأسود حتى مضيق جبل طارق غرب المتوسط، كما أن الأمر من شأنه خفض أهمية تمكن الجيش السوري من منع انتصار التنظيمات المسلحة المدعومة أمريكيا وتركيا وإسرائيليا.

تأثير التدخل التركي

 جاء في تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 29 مايو 2020: بعد أن أسهمت الطائرات المسيرة التركية في دفع قوات الجيش الوطني الليبي إلى التقهقر بعيدا عن طرابلس شهر مايو، ذكرت تقارير أن روسيا تعزز تلك القوات بطائرات حربية، فيما يزيد حجم المخاطر في حرب وصلت إلى طريق مسدود.

شهدت الأسابيع الأخيرة نقطة تحول في صراع معقد بين تحالفين تدعم كل واحد منهما مجموعة من الدول الأجنبية التي تجعلها أجنداتها الإقليمية المتصارعة غير مستعدة للقبول بالهزيمة.

تقدم حفتر صيف سنة 2019، إلى الضواحي الجنوبية لطرابلس. المساعدات التركية قلبت الموازين وغيرت مسار المعارك. فالدفاعات الجوية وضربات الطائرات المسيرة شلت القوة الجوية للجيش الوطني الليبي، قبل توجيه ضربات قوية لقواته البرية وخطوط إمداده الطويلة شهر مايو.

وصرح مسؤول تركي كبير ”في الأسابيع القليلة الماضية، حدث تحول كبير في الموازين في ليبيا“، ونسب الفضل في ذلك إلى الطائرات المسيرة التركية.

أدى ذلك إلى خسارة الجيش الوطني الليبي بشكل مفاجئ لسلسلة من البلدات القريبة من الحدود التونسية، وقاعدة جوية بالغة الأهمية، ونحو عشرة أنظمة للدفاع الجوي، والقسم الأكبر من موطئ قدمه في طرابلس.

وحذر دبلوماسي غربي مختص بشؤون ليبيا من ”نزاع مقيم يقابل فيه التصعيد بتصعيد، ويتزايد فيه العنف، دون حل أو مخرج“.

وحذرت فرنسا، وهي أيضا داعمة لحفتر إلى مدى كبير، من أن الوضع في ليبيا ينذر بخطر استنساخ السيناريو السوري عندما هوت البلاد إلى حرب بلا نهاية تقودها قوى خارجية.

وقال دبلوماسي غربي آخر مختص في شؤون ليبيا ”لقد وضع الروس المسدس على الطاولة ليشيروا لتركيا بأن هناك حدودا للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه قواتها باتجاه الشرق“.

وذكر فولفرام لاشر من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إن الطائرات المقاتلة في الجفرة يمكن أن تكون الآن الرادع لهجوم جديد من جانب حكومة الوفاق الوطني بعد أن تعزز مكاسبها في الغرب.

وأضاف ”يبدو أن الهدف من هذه المقاتلات وإعادة الانتشار في وسط ليبيا وجنوبها الآن هو استقرار وتجميد الوضع العسكري“.

ومع انهيار هجوم حفتر، وسقوط مشروعه الأوسع المتمثل في توحيد ليبيا بالقوة وتغيير حكومة الوفاق الوطني.

وفي القاهرة، حيث الأولوية للاستقرار في شرق ليبيا، قال دبلوماسيون إن هناك قدرا من نفاد الصبر. ومع ذلك، قال مسؤول كبير سابق إن حفتر لا يزال يحظى بشعبية كبيرة في الشرق. وأكد لاشر ”لا أعتقد أن هيكل سلطته في الشرق سينهار بين عشية وضحاها“.

رأي مخالف

 هناك عدد من المحللين يختلفون مع ما ذكره فولفرام لاشر من المعهد الألماني للشؤون الدولية. ويقول هؤلاء ان التهديدات التي وجهتها بعض الفصائل التي تقاتل دفاعا عن طرابلس وبعضها قدم من سوريا بالانتقام من سكان مدينة ترهونة القريبة من العاصمة إذا واصلوا دعم الجيش الليبي وكذلك الاعتقالات والتصفيات الممارسة من جانبهم في المنطقة المحاذية للعاصمة تكشف عن ضعف القاعدة الشعبية للسراج.

التقارير الألمانية تشير كذلك إلى أن القوات الموالية للسراج غير متجانسة وبينها خلافات كبيرة يمكن أن تندلع بسهولة في أي وقت كما حدث للتنظيمات المسلحة المناؤة لدمشق في سوريا.

 قوة حماية طرابلس، تتشكل من تحالف يضم مجموعات عديدة. وأبرزها: “كتيبة ثوار طرابلس” وتنتشر في شرق العاصمة ووسطها. قوة الردع: قوات سلفية غير جهادية تتمركز خصوصا في شرق العاصمة وتقوم بدور الشرطة ولها ميول متشددة. كتيبة أبو سليم: تسيطر خصوصا على حي أبو سليم الشعبي في جنوب العاصمة. كتيبة النواسي: إسلامية موجودة في شرق العاصمة حيث تسيطر خصوصا على القاعدة البحرية.

 وزيادة على ذلك فإن الغالبية العظمى من حقول النفط الليبية توجد في شرق ليبيا وهي خاضعة أما لقوات الجيش الليبي أو للقبائل المؤيدة له والتي أوقفت تصدير النفط إلى الخارج منذ 15 يناير 2020 مما يحرم حكومة طرابلس من دخل مالي أساسي ويلقي بثقل تمويل الحرب وأجور آلاف المسلحين المستقدمين من سوريا والتي يبلغ معدلها 3000 دولار شهريا للفرد على كاهل أنقرة وداعميها.

رفع الوتيرة

جاء في تقرير نشره مركز “دويتش فيله” الألماني يوم 30 مايو 2020:

يبدو أن روسيا رفعت وتيرة أنشطتها في ليبيا. وحسب الظاهر تنفذ موسكو جزئيا هناك تدخلا عسكريا يقوده مسلحون تابعين لشركة خاصة مثل الشركات الأمنية الأمريكية الموجودة في سوريا والعراق وذلك لتحقيق أكثر من هدف. غير أن ذلك يزيد الوضع المعقد في البلاد صعوبة.

  موسكو نفت تصريحات رئيس القيادة العسكرية الأمريكية لشمال افريقيا، ستيفن تونسيند عبر تويتر الذي صرح أن مقاتلات روسيا حلقت من روسيا إلى ليبيا، وأعلن نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي، أندري كراسوف، أنها أكاذيب.

وحقيقي أن العلاقات بين روسيا وليبيا تعود إلى أمد طويل فبعد انقلاب سنة 1969 ساندت موسكو معمر القذافي بمساعدات عسكرية مكثفة.

وتلقت العلاقات في عام 2000 دفعة جديدة مع تولي بوتين رئاسة روسيا. غير أن بوتين شهد من موقع العاجز عن فعل شيء كيف أن حلف الناتو قلص التأثير الروسي في عام 2011 من خلال تدخله.

وعندما تولى الضابط الليبي خليفة حفتر في 2014 القيادة العسكرية على وحدات حكومة عبد الله الثني في طبرق، رأت فيه موسكو شريكا مؤاتيا. ومقابل الدعم العسكري عرض على الروس الولوج إلى سوق الطاقة الليبية واستخدام موانئ البحر المتوسط في طبرق ودرنة. وظلت روسيا للوهلة الأولى متحفظة بالدعم الفعلي. لكن ابتداء من 2017 قامت بمعالجة مقاتلين جرحى من الجيش الليبي. وفي 2018 أرسلت موسكو قوات من شركات عسكرية خاصة إلى ليبيا.

 وبهذا دخلت الحرب في مرحلة ذات بعد جديد. وحفتر الذي تقوى حينها عسكريا يعد عدوا لأي نوع من الاسلام السياسي، وبات بذلك شريكا للحكومة المصرية بقيادة عبد الفتاح السيسي التي تواجه تهديدات من جانب من يعتبرون أنصارا لحركة الاخوان.

وبالاشتراك مع الإمارات العربية المتحدة التي تحارب أيضا التأثير الاقليمي للإخوان، تموقع السيسي بحزم ضد الحكومة السراج المدعومة أمريكيا ومن قبل الكثير من البلدان الحليفة لواشنطن ولكن التي تسيطر على جزء صغير من البلاد.

مواجهة مع أنقرة

  وعلى هذا النحو تعارض الحكومة المصرية أن تقوم تركيا بدعم وحدات السراج عسكريا مثلا بمرتزقة من سوريا. وفي يناير 2020أعلنت القاهرة أن الالتزام التركي في ليبيا له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي في مصر. واتهمت وسائل إعلام مصرية حكومة اردوغان بنهج تطلعات “عثمانية” وجعل ليبيا منصة لتصدير الفوضى إلى مصر ودول اخرى. لكن تركيا لا تهمها ليبيا فقط، بل ضمان جزء من حقول الغاز في البحر المتوسط استغلتها إلى حد الآن اليونان وقبرص واسرائيل ومصر. ومن ثم لم تعد روسيا وتركيا خصمين في سوريا فقط، بل وحتى في ليبيا كذلك. لكن القوتين تتفاديان حتى الآن مواجهة مباشرة.

وإلى حد الآن تراهن روسيا في ليبيا على حضور عسكري غير مباشر من خلال شركات عسكرية من القطاع الخاص. وهذا يعتبر علامة رئيسية على استراتيجية بوتين في كثير من المجالات. وحتى تغيير طلاء المقاتلات الروسية في سوريا يتناسب مع هذه الصورة. هذا الخليط المعقد من الشركات العسكرية الخاصة يجعل من الصعب تحديد مسؤوليات القوى المتدخلة. وهذه القوى العسكرية الخاصة تضم قناصة وفنيين خبراء في استعمال الطائرات الموجهة. وعلى هذا النحو نجحت تلك القوى في الشهور الماضية في إسقاط طائرة أمريكية موجهة وأخرى ايطالية. وهذا يتطلب معرفة عسكرية لا يتوفر عليها جيش حفتر.

وهذه الاستراتيجية في الحرب لها فوائد بالنسبة إلى روسيا: بهذا يمكن للبلاد أن تقدم نفسها كوسيط دون التخلي عن التزامها العسكري. وفي آن واحد بإمكانها شحن النزاع إلى حين التوصل إلى اتفاق مرحب به في المفاوضات.

التحرك الأمريكي

 إذا كانت واشنطن قد اعتمدت حتى الآن على الحليف التركي عضو الناتو في فرض وضع معين في ليبيا، فإن هناك مؤشرات عن أن ذلك الأمر قد يتبدل فبعد ساعات من اعلان واشنطن وأنقرة عن محادثات هاتفية حول الوضع في ليبيا وسوريا بين الرئيسين اردوغان وترامب، أعلن الجيش الأمريكي يوم 30 مايو 2020 إن الولايات المتحدة تبحث إرسال لواء للمساعدة الأمنية إلى تونس بغرض التدريب في إطار برنامج للمساعدة العسكرية، وسط مخاوف بشأن النشاط الروسي في ليبيا.

وذكرت قيادة الجيش الأمريكي بأفريقيا في بيان ”مع استمرار روسيا في تأجيج لهيب الصراع الليبي فإن القلق يزداد بشأن الأمن الإقليمي في شمال أفريقيا“. وأضافت ”نحن ندرس مع تونس طرقا جديدة لمواجهة القلق الأمني المشترك ويشمل ذلك استخدام لوائنا للمساعدة الأمنية“.

 مصادر في واشنطن ذكرت أن انقرة طلبت دعما أمريكيا لأن الطائرات الروسية التي وصلت إلى ليبيا ستلغي التفوق الجوي التركي وستهدد خط الأمداد البحري من تركيا إلى طرابلس التي تبعد عن تركيا بأكثر من 3200 كيلومتر، زيادة على أن المهمة البحرية التي تقوم بها الدول الأوروبية تحت قيادة فرنسية لمنع ارسال السلاح إلى ليبيا ستعرقل خط الأمداد التركي.

وفي بيان لاحق قالت قيادة الجيش الأمريكي بأفريقيا ”إن لواء مساعدة قوات الأمن يشير إلى وحدة تدريب صغيرة كجزء من برنامج المساعدة العسكرية ولا يتعلق بأي حال من الأحوال بقوات قتال عسكرية“.

 وزارة الدفاع التونسية ذكرت من جانبها في بيان إن الولايات المتحدة شريك رئيسي في جهود بناء قدرات الجيش التونسي.

تأثير الصراع في ليبيا على سوريا

جاء في تقرير نشر في برلين يوم 23 مايو 2020:

التطورات العسكرية في ليبيا وتهديدات أنقرة لقوات الجيش الليبي، تشير إلى إمكانية حدوث صراع روسي تركي مباشر على الأرض لن تكون له انعكاسات في ليبيا فقط بل قد يمتد إلى سوريا أيضا، بحسب خبراء.

يشير هذا التهديد إلى مخاطر متزايدة من تصعيد أوسع نطاقا في ليبيا. وفي حال توسيع روسيا لدعمها العسكري لحفتر وقيام الأخير باستهداف المصالح التركية هناك كما هدد، يتوقع أن تلجأ تركيا إلى توسيع تدخلها العسكري بشكل مباشر، حيث جرت مناورات جوية وبحرية تركية قبل أسابيع في شرق المتوسط يتوقع أنها كانت بهدف الاستعداد لأي سيناريو يتعلق بالحاجة لتدخل أوسع في ليبيا جوا وبحرا.

يرى محللون أن ما يجري على الأرض هي محاولة روسية من أجل توريط تركيا في فتح جبهتين حربيتين في نفس الوقت في كل من ليبيا وسوريا وذلك من أجل استنزافها عسكريا. ويرجح الباحث في جامعة أوكسفورد صامويل راماني في تصريح للوكالة الفرنسية للأنباء أن تكون روسيا خلف التقارب بين حكومة دمشق وحفتر اللذين يتضامنان بمواجهة “عدو مشترك” هو تركيا.

ويقول إن هدف روسيا هو “تحذير أنقرة من أنها قادرة على ممارسة عمليات انتقامية غير متكافئة ردا على الأعمال العسكرية التركية في سوريا، عبر تصعيد متبادل في ليبيا”. ومن شأن ذلك، وفق راماني، أن “يخلق جبهتين لتركيا ويؤدي إلى استنزاف قدراتها”، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى تقليص نفوذها في سوريا، وهوما تطمح له موسكو حليفة الأسد.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماربورغ رشيد أوعيسى أكد في حوار مع “دويتش فيله” أن “الصراع الدائر بين القوات الليبية المدعومة من تركيا والأخرى المدعومة من روسيا ومصر والامارات مرشح للتفاقم وذلك من أجل محاولة فرض واقع جديد يمكن للأخر فرض شروطه”، بيد أن الباحث أوعيسى شكك في حصول صدام مباشر على الأرض الليبية بين تركيا وروسيا إذ أن كلا من أنقرة وموسكو غير راغبتين حاليا في فتح جبهة جديدة للصراع، كما هو حاصل في سوريا، بحسب الباحث. كما أن الاهتمام الروسي بحفتر “ليس استراتيجيا كما هو الحال في سوريا من أجل تدخل عسكري مباشر، لذلك فإن التصرف الروسي سينصب في دعم حفتر بشكل غير مباشر”، كما يقول.

ولا يتوافق أستاذ العلوم السياسية من أن ارسال روسيا لجنودها إلى ليبيا سينهك من قدرة تركيا على المواجهة ويقول: “إذا أرسلت روسيا جنودها إلى الساحة الليبية فستنهك قواتها أيضا، فهي ستكون أيضا على جبهتين” وذلك في إشارة لتواجد القوات الروسية في سوريا.

وبالرغم من أن روسيا حاولت مرارا النأي عن نفسها بأنها تدعم حفتر بشكل مباشر، كما أنها دعت مؤخرا إلى “أهمية وقف فوري للأعمال العسكرية واستئناف عملية سلام تحت رعاية الأمم المتحدة”. وذلك في أعقاب مباحثات هاتفية جرت بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو يوم الخميس 21 مايو 2020 لدعم وقف فوري لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية، إلا أن شواهد كثيرة تشير إلى استمرار دعم بوتين لحفتر في ليبيا. ويعكس التقارب بين سلطة حفتر ودمشق التداخل المتصاعد بين هذين النزاعين. إذ أعادت حكومة عبدالله الثني في الثالث من مارس فتح سفارة بلادها في العاصمة السورية بعد إقفال استمر منذ العام 2012. وتربط بين دمشق وبنغازي، معقل حفتر على بعد 3000 كيلومتر من طرابلس، رحلات جوية تسيرها شركة الطيران السورية الخاصة “أجنحة الشام”، بالإضافة إلى الأسلحة الروسية الموجودة لدى قوات الجيش الوطني الليبي.

ويرى محللون أن الصراع الدائر في ليبيا سيكون له تأثيرات على الساحة السورية، بيد أن هذا التأثير منوط بالتغييرات التي ستشهدها الساحة الليبية، وقدرة كل طرف على بسط الأمور هناك. وكان تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية قد سلط الضوء على تجنيد الأطراف المتصارعة لمرتزقة سوريين، وهو ما قد يؤدي إلى نقل الصراع إلى الأراضي السورية، إلا أن الباحث أوعيسى لم يتفق مع هذه التحليلات والتي تربط بين ما يجري في ليبيا وإمكانية نقلها إلى سوريا عسكريا، فالصراع هناك دائر بالفعل بحسب أوعيسى، وبشكل مباشر أكثر من الوضع في ليبيا، فهناك مناطق نفوذ واضحة لروسيا وتركيا والاقتراب منها يعني المواجهة كما حدث مرارا أثناء تقدم القوات التركية بالقرب من ادلب.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسة أن تأثير الصراع سينتقل بالتأكيد إلى الساحة السورية ولكن “عن طريق المصالح وليس المواجهة” كما يتوقع البعض، فتركيا وروسيا أعلنتا عن تدخلهما المباشر وغير المباشر في كل من ليبيا وسوريا وذلك من أجل مصالهما السياسية والاقتصادية، وكل طرف يعلم قدرة الآخر وماذا يريد، لذلك فإن ما يحدث في ليبيا قد يكون مقدمة للوصول إلى اتفاقات ثنائية بين البلدين تضمن غض الطرف عن التوسع في مناطق معينة مقابل استفادة الآخر في مناطق أخرى.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here