عمر نجيب: الصراع في ليبيا بين الحل العسكري والتسوية السياسية مشاريع تركيا في الشمال الأفريقي مهددة بنكسة مشابهة لما لحقها في سوريا

عمر نجيب

 تظهر مختلف المعطيات والتطورات السياسية والعسكرية المسجلة منذ منتصف شهر فبراير سنة 2020 والمتعلقة بالصراع الدائر على الأراضي الليبية، أن احتمالات التصعيد تفوق فرص التوصل إلى تسويات سياسية هامة أو حتى وقف ولو مؤقت لإطلاق النار. مشاركة الأطراف الإقليمية والدولية في المواجهات الدائرة حول وفي هذا البلد الشمال أفريقي الذي يشرف على جزء كبير من الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط أو ما يوصف بالبطن الرخو لاوروبا، دخلت مرحلة إنتقالية هامة نتيجة وصول المواجهات العسكرية بين الأطراف الليبية إلى ما يمكن أن يشكل نقطة الحسم للجيش الليبي التابع للبرلمان الليبي في بنغازي، الأمر الذي يشكل نكسة لأهداف الأطراف التي دفعت القوات المسلحة لدول في حلف الناتو للتدخل وإسقاط نظام العقيد معمر القذافي سنة 2011 وأدخلت القطر الليبي في دوامة ما يوصف أمريكيا بالفوضى الخلاقة.

 بعد أن تعثرت مخططات واشنطن لجعل أطراف أوروبية وفي مقدمتها فرنسا تواصل لعب دور الإنابة الرئيسي عنها في إكمال مشاريع البيت الأبيض في الشمال الأفريقي، نقلت ثقلها إلى تركيا وقوى خليجية لتقوم بهذا الدور، ولكن هذه الإنابة المستحدثة توشك على تلقي ضربة قاسية لترسخ تحالف مضاد تشارك فيه روسيا وفرنسا إلى جانب مصر والامارات العربية المتحدة وأطراف عربية آخرى لا تنظر بعين الرضى إلى مشاريع تركيا التوسعية التي يشكل الوصول اليها جزء من عملية توزيع الغنائم حسب المفهوم الأمريكي.

 في سوريا راهنت واشنطن المنشغلة بنقل الجزء الأكبر من ثقلها إلى شرق آسيا لمواجهة التهديد الصيني لهيمنتها، راهنت على أنقرة لتمنع دمشق التي تتمتع بمساندة روسيا وحزب الله اللبناني من حسم المعركة بشكل نهائي، ولكن هذا الرهان تعثر حتى الشهر الثاني من سنة 2020 لأن أنقرة وجدت أن التورط في صراع عسكري مع دمشق وموسكو ليس رهانا رابحا. في ليبيا تعرف حكومة أنقرة وضعا يقترب تدريجيا من حالتها على الساحة السورية.

خسائر تركية في ليبيا

 يوم السبت 22 فبراير اعترف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريحات هي الأولى من نوعها، بسقوط قتلى من الجيش التركي في العمليات العسكرية التي تنفذها بلاده لدعم ميليشيات طرابلس في مواجهة الجيش الوطني الليبي.

وأكد اردوغان أن سياسات أنقرة في سوريا وليبيا “ليست مغامرة، ولا خيارا عبثيا”. وأضاف: “ذهبنا إلى ليبيا بمقاتلين من الجيش الوطني السوري، ومازلنا مستمرين في قتالنا، كما سقط عدد من القتلى في صفوف الجنود الأتراك”.

ودافع أردوغان، أمام حشد من مناصريه في مدينة إزمير، عن سياسية بلاده في ليبيا وسوريا والبحر الأبيض المتوسط، قائلا: “إن تدخلنا في ليبيا وسوريا ومياه البحر الأبيض المتوسط ضروري جدا، وإذ لم نتدخل سندفع ثمنا باهظا في المستقبل. وستكون العواقب وخيمة، وجيشنا موجود في كل مكان”.

وكانت مصادر ليبية قد أكدت، في وقت سابق، مقتل ضابطين تركيين يحمل أحدهما رتبة رفيعة ومترجما سوريا، في قصف على ميناء طرابلس البحري، في 18 فبراير.

وفي 10 يناير 2020 تحدثت مصادر مسؤولة في ليبيا عن مقتل 3 ضباط أتراك آخرين، وإصابة 6 في معارك طرابس، قبل إعلان وقف إطلاق النار 12 يناير.

وأوضحت المصادر أن الجثامين الثلاثة نقلت، على متن طائرة تابعة لشركة الأجنحة المملوكة لعبد الحكيم بلحاج، أمير الجماعة الليبية المقاتلة فرع تنظيم القاعدة إلى إسطنبول، عبر مطار معيتيقة.

وكان أردوغان قد أقر، الجمعة 21 فبراير، لأول مرة، بوجود جنود أتراك ومرتزقة سوريين في ليبيا، من دون أن يتحدث عن سقوط قتلى في صفوفهم.

وفي تصريحات يوم السبت التي أدلى بها للصحفيين في إسطنبول، قال: “تركيا موجودة هناك عبر قوة تجري عمليات تدريب. هناك كذلك أشخاص من الجيش الوطني السوري”، في إشارة إلى مقاتلي المعارضة الذين كان يطلق عليهم سابقا اسم “الجيش السوري الحر”.

 وكانت صحيفة “ديلي صباح” التركية قد نقلت يوم الأربعاء 19 فبراير عن أردوغان قوله، إن تركيا ستدعم حكومة طرابلس من أجل فرض “السيطرة الكاملة على ليبيا إن لزم الأمر”، في حال فشلت الأطراف الدولية في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة الليبية.

وخلال اجتماع مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، قال أردوغان إن تركيا مستمرة في الوقوف إلى جانب حكومة طرابلس التي يرأسها فائز السراج، علما أنها تعتمد على ميليشيات متطرفة، تحصل على دعم تركيا عبر آلاف المرتزقة الذين ترسلهم أنقرة من سوريا.

والخميس 20 فبراير، أجرى الرئيس التركي محادثات مع السراج في إسطنبول، بعد إعلان أنقرة أن التزاماتها في ليبيا مرتبطة بوقف إطلاق النار.

في رد على التصريحات التركية أكد الناطق باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري، مساء الجمعة 21 فبراير، أن اعتراف الرئيس التركي، بإرسال مرتزقة وقوات إلى ليبيا يؤكد على دور أنقرة في دعم الإرهاب وإطالة عمر الأزمة في ليبيا.

وذكر المتحدث باسم الجيش الليبي، أن حكومة الوفاق مرتهنة لقطر وتركيا والميليشيات. وأشار إلى أن حكومة السراج لا تملك من أمرها شيئا وأن دورها وسيط تؤتمر بأمر تركيا وقطر. وأوضح أن الجيش لن يوقع اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار قبل انسحاب المرتزقة والقوات التركية من الأراضي الليبية.

 في نفس اليوم أكد اللواء خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي في مقابلة مع وكالة الإعلام الروسية إنه سيكون مستعدا لوقف إطلاق النار في حالة انسحاب ”المرتزقة السوريين والأتراك“ من البلاد وتوقف تركيا عن مد حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بالسلاح. وأشار إلى أن تركيا وحكومة السراج تستغلان “الوقف المؤقت لإطلاق النار لنقل أعداد كبيرة من “المرتزقة والجنود الأتراك والأسلحة لطرابلس”.

وأكد حفتر ”أي وقفا لإطلاق النار سيكون معلقا على تنفيذ عدة شروط: وهي تكمن في إخراج المرتزقة السوريين والأتراك، ووقف تركيا لنقل الأسلحة لطرابلس، والقضاء على المجموعات الإرهابية، وتفكيك المليشيات وتسليم أسلحتها، والتوافق على حكومة وطنية تملك قرارها وذات أرضية دستورية يرتضيها الشعب الليبي، ويفترض أن الهدنة وجدت للوصول لتحقيق هذه الشروط، وعند تحقق ذلك فقط يمكن الحديث عن وقف إطلاق النار والذي كما قلنا هو نتيجة لزوال أسباب إطلاق النار التي ذكرناها”.

طلب الدعم الأمريكي

 تفيد مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أن داعمي السراج في ليبيا وهم الذين ينتمون في غالبيتهم إلى ما يسمى بقوى الإسلام السياسي أو جماعة الإخوان الليبية، يشعرون أن تركيا لن تستطيع مواصلة تقديم الدعم الكافي ولمدة طويلة لهم لمنع إنهيار وحداتهم المسلحة أمام الجيش الليبي، ولهذا اتجهوا بشكل علني لطلب الدعم من واشنطن لأن الإنابة الأمريكية لتركيا لن تثمر.

وتضيف المصادر الألمانية أن ما يزيد من قلق أنصار السراج أن أعدادا كبيرة من المسلحين السوريين الذين نقلتهم أنقرة إلى ليبيا شرعوا في الفرار إلى أوروبا.

 وكان تحقيق استقصائي لموقع “إنفستيغيتف جورنال” الأوروبي قد كشف في نهاية شهر يناير 2020 أن مسلحين من الفصائل السورية، قد انتقلوا إلى أوروبا وأنهم يدفعون ما بين 1800 و 2500 دولار لمهربي المهاجرين في ليبيا لنقلهم إلى جنوب أيطاليا.

 يوم السبت 22 فبراير صرح فتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطنية الليبية، إن بلاده لا تمانع إقامة قاعدة عسكرية أمريكية حال طلبت الولايات المتحدة ذلك، قائلا أن تلك القاعدة ستساهم في تحقيق السلام في البلاد.

وكان تقرير لوكالة بلومبرغ الأمريكية قد نقل عن باشاغا قوله أن دعم روسيا لقوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، “هو جزء من تحرك أوسع نطاقا من أجل النفوذ .. الروس ليسوا في ليبيا من أجل حفتر فقط ، بل لهم استراتيجية أكبر في ليبيا وأفريقيا”.

وأضاف باشاغا أن حكومته اقترحت استضافة قاعدة أمريكية بعد أن وضع وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، خططا لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة وإعادة التركيز على نشر القوات عالميا لمواجهة روسيا والصين.

وتابع باشاغا في مقابلة صحفية عبر الهاتف مع وكالة أنباء بلومبرغ: “إعادة الانتشار غير واضح بالنسبة لنا .. لكننا نأمل أن يشمل إعادة الانتشار ليبيا لكي لا تترك الولايات المتحدة الساحة لروسيا لكي تستغلها”.

 يوم الجمعة 21 فبراير التقى فايز السراج، سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى تركيا، ديفيد ساترفيلد، في مدينة إسطنبول.

وتناول الاجتماع حسب مصادر حكومة السراج مستجدات الأوضاع في ليبيا، وأكد الجانبان على ضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2510 لسنة 2020 الداعم لمقررات مؤتمر برلين.

 في برلين ذكرت مصادر ألمانية أن تل أبيب تساند طلب حكومة السراج لبناء قاعدة عسكرية في ليبيا، ومذكرة بمساهمة القواعد الأمريكية في ليبيا وخاصة قاعد ويلس الواقعة قرب طرابلس سنة 1967 في الحرب الإسرائيلية ضد مصر.

 نفس الأوساط الألمانية أفادت أن قيادات عسكرية من مدينة مصراته التي تعتبر الداعم الأساسي لقوات حكومة السراج ولكن لا تنتمي غالبيتها لما يسمى تنظيمات الاسلام السياسي، تجري مفاوضات مباشرة أو عبر وسطاء مع كل من حكومة عبد الله الثني في بنغازي وسلطات القاهرة وموسكو من أجل التوصل إلى إتفاق لإدماج قواتهم في الجيش الوطني الليبي والتخلي عن المساهمة في دعم الدفاع عن طرابلس. يذكر أن الوحدات المسلحة في مدينة سرت كانت قد توصلت إلى اتفاق مشابه مع الجيش الوطني الليبي مما اتاح له السيطرة على المدينة دون قتال يوم 6 يناير 2020.

تصعيد ثم تراجع

 يشير المراقبون إلى أن الرئيس التركي أردوغان وفي الوقت الذي يحاول فيه الحصول على دعم أكبر من واشنطن فيما يخص ما تواجهه سياسته من تحديات سواء في سوريا أو ليبيا، يبقي مجبرا الباب مفتوحا للتراجع لعل ذلك يسهم في حصوله على تسويات مفيدة.

 يوم السبت 15 فبراير 2020 اتهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في تصريحات نقلتها وكالة “فرانس برس” عن جريدة “حرييت التركية”، روسيا بـ”إدارة النزاع الليبي على أعلى مستوى”، قائلا: “روسيا تدير في الوقت الراهن الحرب هناك على أعلى مستوى”، وكرر إردوغان اتهامه لشركة الأمن الروسية الخاصة “فاغنر” بدعم قوات القيادة العامة، وقال للصحفيين على متن الطائرة عائدا من باكستان التي زارها في ذلك التاريخ: “إنهم الروس حاليا يديرون فاغنر”.

وتابع الرئيس التركي:”أنهم الروس لا يزالون “ينفون وجود أي رابط مع فاغنر، وفي الوقت نفسه أكد مواصلة بلاده دعم حكومة الوفاق في إطار مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية الموقعة بين الطرفين في 27 نوفمبر 2019.

وهاجم إردوغان الغرب لدعمه قوات القيادة العامة دون أن يسمي أي بلد ولكنه كان يعني فرنسا، وقال: “لا يزال الغرب يدعم هذا الرجل، إنه يحصل على الأسلحة، والذخيرة والمال”، في إشارة إلى القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر.

رد فعل الكرملين

 يوم الاثنين 17 فبراير وفي رد على الرئيس التركي أعلن دميتري بيسكوف السكرتير الصحفي للرئيس الروسي أن الرئيس فلاديمير بوتين بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية لم يرسل قوات روسية إلى ليبيا، ولم يصدر أي أوامر في هذا الصدد.

وردا على سؤال عما تردد عن كيفية تفسير وجود قتلى روس، قال بيسكوف في تصريحات نقلتها وكالة سبوتنيك إنه لا يعرف ذلك، وإنه لا يستطيع تفسير ذلك. واختتم حديثه قائلاً: “لا توجد قوات روسية في ليبيا”.

وفي وقت سابق نفى نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوجدانوف، ما ذكره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حول وجود شركات عسكرية روسية خاصة تعمل في ليبيا بإشراف من مسؤولين عسكريين روس.

 من جانبه شبه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التوترات بين بلاده وحلف شمال الأطلسي الناتو بالتوترات التي كانت سائدة إبان الحرب الباردة.

وقال لافروف :”التوترات المتزايدة ، وتوسيع البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو إلى الشرق، والمستوى غير المسبوق من التدريبات على الحدود الروسية، والتضخم الهائل فى ميزانيات الدفاع: كل هذا يؤدي إلى عدم القدرة على التنبؤ”.

واشتكى لافروف من أن ”هناك تحولا همجيا في العلاقات الدولية يؤثر على البيئة المعيشية لأبناء الشعوب“.

 يوم ألجمعة 21 فبراير اعلن ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحث، مع نظيره التركي، رجب طيب إردوغان، الوضع في ليبيا، خلال اتصال هاتفي، أكدا خلاله أهمية تنفيذ قرارات مؤتمر برلين.

يشار إلى أن العاصمة الألمانية برلين استضافت في 19 يناير 2020، مؤتمرًا دوليا حول ليبيا بمشاركة 12 دولة وأربع منظمات إقليمية ودولية، خلص بيانه الختامي إلى 55 نقطة من بينها تعزيز الهدنة، ومنع التدخل في الشؤون الليبية والالتزام بالقرار الأممي الخاص بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا.

 يوم الجمعة 21 فبراير صرح فرانكو كوتسي رئيس الادعاء العام في مدينة جنوة الإيطالية إن السلطات ألقت القبض على قبطان سفينة ترفع علم لبنان تم احتجازها في ميناء جنوة للاشتباه في تهريبها أسلحة إلى ليبيا تشمل دبابات ومدفعية.

وقال مصدر قضائي إن السفينة خضعت للتفتيش بعدما أبلغ ضابط بالسفينة السلطات الإيطالية بأنه تم تحميلها بأسلحة في ميناء مرسين التركي ونقلها إلى العاصمة الليبية طرابلس. وأضاف المصدر أن الشحنة شملت دبابات ومدافع هاوتزر ومدافع رشاشة وأنظمة دفاع جوي.

وكان من المقرر أصلا أن تبحر السفينة من تركيا إلى جنوة. لكن الضابط الذي أبلغ عن الشحنة وطلب اللجوء السياسي ذكر أن ضباطا بالجيش التركي رافقوا الشحنة طلبوا من الطاقم أن يعلن أن التوقف في طرابلس كان نتيجة مشكلة ميكانيكية.

وذكر كوتسي إن السلطات الإيطالية تعكف على تحليل جهاز الإبحار بالسفينة بانا وهواتف أفراد الطاقم المحمولة بهدف التحقق من المسار الذي أبحرت فيه السفينة والتي تم إغلاق أجهزة التتبع الخاصة بها بعد أن غادرت الميناء التركي.

وذكر أنه رغم أن التهريب لم يحدث في المياه الإيطالية، فقد كان من الضروري إجراء التحقيق لأنه لو حصل التهريب فسيعد انتهاكا للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة.

مواجهة طويلة

 جاء في تحليل كتبه المحللون أولف ليسينغ وإيدن لويس وأيمن الورفلي ونشرته وكالة فرانس برس يوم 17 فبراير.

يعد المقاتلون الليبيون العدة لصراع طويل.. مع تدفق الأسلحة من الخارج وإغلاق رجال القبائل موانئ النفط وتصارع الفصائل المتناحرة على عائدات الخام في البلد الذي يقبع فوق أكبر احتياطيات للنفط في أفريقيا.

وتشير هذه التحركات إلى احتدام العداء في حرب قد تؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار بالمنطقة، وزيادة تدفق المهاجرين من الشرق الأوسط وأفريقيا بعد عشر سنوات تقريبا من سقوط معمر القذافي في عام 2011.

ومن فيلته الكبيرة في شرق ليبيا، يتوقع الزعيم القبلي السنوسي الزوي المزيد من المتاعب في البلد مترامي الأطراف، الذي يشهد منذ سنوات نزاعا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

والزوي حليف للقائد العسكري خليفة حفتر، الذي يحظى الجيش الوطني الليبي بزعامته بدعم من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن ومسلحين روس فيما يسعى للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وتغلق قبيلة الزوي موانئ النفط وتقاوم دعوات الولايات المتحدة والأمم المتحدة لاستئناف تدفق الخام وهي مصدر الدخل الحيوي لليبيا الذي يخضع لسيطرة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من طرف واشنطن وهي خصم لحفتر.

ومقابل فتح الموانئ يطالب الزوي حكومة الوفاق، التي تتمركز على بعد 1000 كيلومتر في طرابلس، بتحويل قدر أكبر من الإيرادات لباقي المناطق الليبية. ويشير إلى أن القادم قد يكون أسوأ إذا ما رفضت حكومة الوفاق ذلك.

يقول الزوي رئيس المجلس الأعلى لقبائل الزوي التي تعيش قرب منشآت النفط في شرق ليبيا ”لسنا سعداء بما حصل ولكن لدينا خيار تصعيد جديد لو في حالة لم يستمع لنا المجتمع الدولي“.

وذكر لرويترز في مدينة بنغازي بشرق ليبيا ”سيكون تصعيدا كبيرا، لدينا أشياء أخرى.. في حينها العالم يعرف ما هو تصعيد“ لكنه لم يحدد ماذا يعني.

سباق على التسلح

 تمثل المواجهة بشأن النفط واحدا من عدة عوامل يمكن أن تطيل أمد الصراع المستمر منذ عام تقريبا للسيطرة على العاصمة، حيث حصلت حكومة الوفاق الوطني شهر يناير 2020 على دعم تركيا العسكري بما في ذلك مقاتلون من سوريا مدعومون من أنقرة.

ويتنافس المقاتلون على إعادة التسلح، وتلقوا شحنات السلاح قبل وبعد موافقة الداعمين الأجانب على فرض تطبيق هدنة في قمة عقدت في ألمانيا في يناير. ويقول دبلوماسيون إن تدفق المدفعية المتطورة والمقاتلين والمستشارين يمثل خرقا لتعهدات قُطعت في برلين باحترام حظر التسلح.

ويوم الخميس 13 فبراير دعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف لإطلاق النار، لكن روسيا، وهي أحد داعمي حفتر، امتنعت عن التصويت. واعتبر دبلوماسيون هذا إشارة إلى أن موسكو قد لا تلتزم بوساطة سياسية تحت قيادة الأمم المتحدة.

ويقول دبلوماسيون إنه قبل تدخل تركيا كان المسؤولون في طرابلس يشعرون بذعر من احتمال أن يخسروا العاصمة.

وتتراوح تقديرات الدبلوماسيين في تركيا بشأن عدد المقاتلين السوريين من 1500 إلى 3000، بينما يقدر عدد القوات التركية بين 200 و500 بما في ذلك القوات الخاصة والقوات التقليدية ومشغلو الطائرات المسيرة.

وذكر دبلوماسي غربي ”الجانبان يستعدان للمعركة القادمة“.

ولطالما انهارت الدبلوماسية تحت معول الشكوك المتبادلة.

ووفقا لبيانات تتبع الرحلات الجوية ومصدر أمني أرسلت تركيا شاحنات ثقيلة عن طريق البحر في حين نقلت الإمارات 89 شحنة جوا بلغ مجموعها 4680 طنا متريا بين 12 يناير و16 فبراير. ولم ترد دولة الإمارات على طلب للحصول على تعليق.

السيطرة على الثروة النفطية

 بعيدا عن معركة طرابلس التي أدت إلى نزوح 150 ألف شخص على الأقل، تحول الصراع إلى السيطرة على الثروة النفطية. وأغلقت القبائل الليبية والقوات المتحالفة مع حفتر الموانئ مما تسبب في خسائر لحكومة السراج بلغت نحو 1.4 مليار دولار خلال شهر.

وتقول المؤسسة الوطنية للنفط إنها محايدة وتتعامل مع كل الأطراف في الصراع وتنحي باللوم على الجيش الوطني الليبي في إصدار أوامر مباشرة بإغلاق المنشآت النفطية.

وفشلت ضغوط القوى الدولية والأمم المتحدة حتى الآن في إقناع حفتر بإعادة فتح الموانئ وحقل الشرارة الجنوبي وهو أكبر حقول النفط الليبية. بل إن القائد المخضرم اقتنص اعترافا جديدا من دول غربية بضرورة توزيع عائدات النفط بصورة عادلة.

وقال دبلوماسي أمريكي كبير إن من المهم توزيع إيرادات النفط بالتساوي وهو أمر قال إنه يجب مناقشته في المحادثات الاقتصادية الليبية التي تقودها الولايات المتحدة ضمن وساطة للتغلب على الانقسامات.

ولم يكشف أي من الطرفين عن حجم ما ينفقه على الصراع.

وأصبحت حكومة طرابلس أقل اعتمادا على النفط عن ذي قبل، حيث إنها توفر نحو ثلث الميزانية من خلال رسوم تفرضها على جميع المعاملات الخاصة بالعملة الصعبة. ويقول دبلوماسيون إن بعض المقاتلين السوريين الذين أرسلتهم تركيا يتلقون رواتبهم مباشرة من طرابلس.

خريطة طريق

 يوم الخميس 20 فبراير طرح المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب والذي ترفض جماعات الاسلام السياسي الاعتراف به رغم خسارتها انتخابات يونيو 2014، مجموعة من النقاط تشكل في مجملها “ثوابت وطنية” بهدف حل الأزمة في البلاد، وصولاً إلى “دولة المؤسسات والقانون”. وحذر من “خطورة وجود الجماعات الإرهابية والمتطرفة والمرتزقة السوريين” بالعاصمة طرابلس، مؤكداً: “عدم إمكانية عمل حكومة الوحدة الوطنية المنشودة في العاصمة، في ظل وقوعها تحت سطوة الميليشيات والمرتزقة”.

وقال صالح في كلمة أمام مجلس النواب، إنه “لا يمكن التنازل عن هذه الثوابت للوصول إلى دولة المؤسسات والقانون، وحتى لا نفرط في المكتسبات السياسية والعسكرية التي تحققت في مشروع وطني ينهي الأزمة التي تمر بها ليبيا”.

من جهته، أوضح عبد الله بليحق، المتحدث باسم مجلس النواب، في تصريح صحفي، أن مجموعة الثوابت التي تحدث عنها رئيس البرلمان: “أشبه بـمشروع وطني، وتعد كخريطة طريق تعالج جميع المشكلات، سواء أمنية أو سياسية أو دستورية”، مبرزاً أنها أيضاً بمثابة “رسم لمسار العملية الديمقراطية، كما أنها سبيل لإنهاء الأزمة في البلاد”.

واشتملت الرؤية التي طرحها عقيلة على 12 نقطة، استهلها بضرورة “تفكيك الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة والعصابات المسيطرة على العاصمة، على أن تكون للقيادة العامة صلاحية الضم والدمج وجمع السلاح”، مشدداً على أن “القوات المسلحة الليبية هي وحدها الموكل إليها تطهير البلاد من الجماعات الإرهابية، والميليشيات والعصابات المسلحة، وحماية الحدود والأهداف الحيوية، وضبط الأمن والنظام”، قبل أن يلفت النظر إلى أن مجلس النواب هو “الجسم التشريعي الوحيد المنتخب في ليبيا، ولا يجوز إقحام أجسام أخرى قبل الانتخابات البرلمانية بهدف الترضية، على حساب جسم حقيقي يمثل إرادة الليبيين”.

كما تطرق عقيلة إلى الأجسام التي أنشأها “اتفاق الصخيرات” في طرابلس، وقال إنه يؤيد “تشكيل مجلس رئاسي يتكون من رئيس ونائبين، ممثلاً عن الأقاليم الثلاثة برقة وطرابلس وفزان، وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئيس حكومة ونائبين، ممثلة في الأقاليم ذاتها، ويشترط المصادقة عليها من مجلس النواب”، الأمر الذي استقبله مؤيدون للمجلس الرئاسي في العاصمة “بالرفض”، مدعين إلى أن المجلس الرئاسي “يحظى بشرعية دولية”.

في سياق ذلك، تحدث رئيس مجلس النواب عن “وضع ضمانات قانونية لتوزيع عادل للثروة بين الأقاليم الثلاثة، تضمن في الاتفاق السياسي”، مع “تشكيل هيئة مؤقتة تابعة لمجلس النواب مختصة بالمصالحة الوطنية، تتكون من رئيس ونائبين ممثلة من الأقاليم ذاتها”.

كما دعا صالح إلى “تعديل الإعلان الدستوري، بحيث يشكل مجلس النواب لجنة لصياغة دستور للبلاد، تضم مثقفين ومفكرين وأساتذة في القانون الدستوري من الأقاليم الثلاثة، بعيدا عن المحاصصة الحزبية والاجتماعية، يشارك فيها الأجانب والعرب من أهل الاختصاص، والمطالبة بإنجاز عملها خلال فترة زمنية لا تزيد عن 90 يوماً من بدء عملها”.

وبخصوص موقفه من الانتخابات، رأى صالح إمكانية “تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، خلال مدة محددة من تاريخ منح حكومة الوحدة الوطنية الثقة من مجلس النواب”، مشيراً إلى أنه “يقبل الإشراف الدولي على تنفيذ ما ذكر آنفاً، بما لا يتعارض مع ما يتفق عليه”. وأكد على اضطلاع مجلس النواب “بدوره كاملاً في اختيار ممثليه، وإبلاغ البعثة الأممية بذلك، على ألا تحال قائمة بأسماء الممثلين إلى البعثة، طبقاً لما اتفق عليه في اجتماع المجلس بمدينة بنغازي، إلا بعد تسلم رد البعثة على قرار مجلس النواب”، لافتاً إلى أن ممثليه الذين سيتم اختيارهم ملزمون بالرد على المجلس، قبل توقيع أي اتفاق، على أن يتحمل المخالف تبعات التوقيع، دون أخذ رأي مجلس النواب.

وانتهى رئيس مجلس النواب بالتنبيه على أن “أي اتصال للبعثة بشكل مباشر بالنواب، أو الاتصال بالمقاطعين منهم باعتبارهم مجلس نواب موازٍ، يعيق المجلس الشرعي في اختيار ممثليه، ويتسبب في خلط الأوراق، وليس في مصلحة الحوار”.

انقسام

 يرى ملاحظون أوروبيون وعرب أنه رغم أن الجميع تقريبا يتحدث عن أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون سياسيا إلا أن العكس هو الذي سيتم، ويشير هؤلاء إلى الانقسامات التي تتعمق بين أنصار حكومة السراج واحتمال تبديل مليشيات مصراته لتحالفاتها.

جاء في تقرير نشر في القاهرة يوم الثلاثاء 18 فبراير:

تكشف المناكفات السياسية الدائرة داخل ردهات المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس عن خلافات عميقة تتسع رقعتها كل يوم في كواليس هذا المجلس الاستشاري، بين خالد المشري رئيسه الحالي القيادي “المستقيل” من حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وسلفه عبد الرحمن السويحلي، وصلت إلى حد إطلاق اتهامات ومزاعم بحصول تآمر وتزوير.

وأزيح السويحلي عن رئاسة مجلس الدولة في انتخابات لجماعة الاخوان جرت في أبريل عام 2018، لكن منتقدين قالوا إن ذلك التغيير كان مجرد تمثيلية تمت وفق صفقة متفق عليها، أكثر من كونه يمثل انتقالاً سلساً للسلطة. ولم تمض بضعة أشهر حتى طفت على السطح خلافات بين الطرفين.

 والسويحلي، الذي يوصف بأنه رجل مصراتة القوي، يمتلك نفوذاً غير عادي لدى الكتائب العسكرية في المدينة التي تحارب الجيش الوطني، فضلاً عن أنه عضو في المجلس الأعلى للدولة، ونائب منتخب أيضاً عن المدينة ذاتها منذ 2014، قبل أن يتم عزله من المجلس.

ويقدر ملاحظون في ليبيا أن السويحلي غاضب لأنه أطيح به من السلطة، وهو “لا يحتمل أن يكون بعيداً عن الأضواء”. و”هو يعرف جيداً أن الإخوان هم من يسيرون المجلس منذ بداية تأسيسه، وهم من يتخذون القرارات فيه”، معتبرين أن “الإخوان يشكلون خطراً حقيقياً على الدولة المدنية”.

وسبق لخالد المشري أن أعلن في يناير 2019 استقالته وانسحابه من جماعة “الإخوان المسلمين”، لكن هناك من يرى أن موقفه ليس سوى مناورة من أحد مؤسسي حزبها السياسي ورجلها القوي في أحد أجهزة السلطة بطرابلس.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here