عمر نجيب: الصراع حول نظام عالمي جديد يزيد خطر نشوب الحرب العالمية الثالثة واشنطن وموسكو وبكين في سباق نووي جديد

عمر نجيب

 منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سجل تصعيد في الحديث داخل الأوساط السياسية الدولية عن زيادة أخطار اندلاع حرب عالمية ثالثة، ومع اقتراب العقد الثاني من نهايته أصبح طرح هذه الفرضية شبه يومي.

 الحرب هي نزاع مسلح تبادلي بين دولتين أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة، حيث الهدف منها هو إعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي. قال المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه عن الحرب أنها “عمليات مستمرة من العلاقات السياسية، ولكنها تقوم على وسائل مختلفة”. وتعد الحرب هي عبارة عن تفاعل بين اثنين أو أكثر من القوى المتعارضة والتي لديها “صراع في الرغبات” ويستخدم هذا المصطلح أيضا كرمز للصراع غير العسكري، مثل الحرب الطبقية.

لا تعد الحرب بالضرورة أن تكون احتلالا أو قتلا أو إبادة جماعية بسبب طبيعة المعاملة بالمثل كنتيجة للعنف، أو الطبيعة المنظمة للوحدات المتورطة.

وللحرب كيانها الثقافي وممارستها ليست مرتبطة بنوع وحيد من التنظيم السياسي أو المجتمعي. بدلا من ذلك، كما تمت مناقشته من قبل جون كيغان في تأريخه للحرب، فإن الحرب هي ظاهرة عالمية، وشكلها ونطاقها يحددها المجتمع الذي يقوم بها. تمتد سير الحرب على طول سلسلة متصلة من الحروب القبلية شبه العالمية والتي بدأت قبل التاريخ المسجل للإنسان، ثم إلى حروب بين المدن أو الأمم أو الإمبراطوريات.

وبما أن الجوانب الإستراتيجية والتكتيكية للحرب تتبدل دائما، فإن النظريات والمذاهب المتعلقة بالحرب غالبا ما تصاغ قبل، أثناء، وبعد كل حرب كبرى. قال كارل فون كلاوزفيتس: “إن لكل عصر نوعه الخاص من الحروب، والظروف الخاصة، والتحيزات المميزة”.

مسألة وقت

 خلال النصف الأول من شهر أبريل 2018 جاء في تحليل نشرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانية: أصبح العالم يسير على طريق حرب نووية منذ تولى الرئيس الأمريكي ترامب زمام السلطة عام 2017، وزادت احتمالات اندلاعها، صواريخ إر إس دي-10.

وذكرت الصحيفة أنه منذ طرح كتاب “نار وغضب”، الذي كشف الكثير عن إدارة ترامب، أصبح الناس يعتقدون أن اندلاع الحرب العالمية الثالثة مسألة وقت، وليست مجرد احتمالات يمكن ألا تحدث.

ولفتت الصحيفة إلى أن اندلاع حرب عالمية ثالثة ستكون أطرافها الرئيسية أمريكا وروسيا وكلاهما يمتلكان أكثر من 90 في المئة من قنابل العالم النووية، مشيرة إلى أن هذا الأمر يشير إلى أنها ستكون حربا مدمرة، وأن بعض المدن يمكن أن يتم محوها من الوجود.

وألمحت الصحيفة إلى أن انفجارا نوويا مثل الذي حدث في مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية نتج عنه حرارة مقدارها 300 ألف درجة على مقياس سيليزيوس، وهي تساوى 250 مرة لدرجة الحرارة اللازمة لتحويل جسد الإنسان إلى رماد.

النجاة

 في شهر يناير 2018 ذكرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية أن العالم نجا من اندلاع “حرب عالمية ثالثة” خمس مرات منذ سنة 1945، مشيرة إلى أن أولها كان عام 1948 عندما تم حصار برلين الغربية من طرف قوات الإتحاد السوفيتي الذي كان يتقاسم مع الغرب السيطرة على العاصمة الألمانية.

ولفتت المجلة إلى أن نزع فتيل الأزمة أو تحولها إلى حرب مدمرة لا يحتاج إلى الكثير من الوقت، وأوردت أسوأ خمس أزمات كادت أن تضع العالم في مواجهة حرب مدمرة.

 يعود تزايد خطر نشوب حرب عالمية جديدة أساسا إلى الصراع الدائر بين واشنطن وحلفائها من جهة وروسيا والصين وحلفائهما من جهة أخرى حول شكل النظام العالمي والعودة إلى عالم متعدد الأقطاب.

 منذ إنهيار الاتحاد السوفيتي بداية العقد الأخير من القرن العشرين فرضت واشنطن نظام القطب الواحد على العالم، وكثفت جهودها السياسية والعسكرية والإقتصادية لحصار روسيا والصين عندما بدأت تشعر أنهما يهددان هيمنتها الدولية ويحدان من تدخلها في بقية دول العالم التي لا تروقها أنظمتها.

 من الناحية الرسمية، تحتفظ وزارة الدفاع الأمريكية بـ4775 “موقعاً” أو قاعدة عسكرية منتشرةً في أرجاء الولايات الأمريكية الخمسين، والأقاليم الثمانية التابعة لإدارة الولايات المتحدة، و45 دولةً أجنبية. ويقع نحو 514 من هذه القواعد العسكرية خارج البلاد، وذلك وفقاً لحافظة ممتلكات البنتاغون على مستوى العالم. ولذكر بعض الأمثلة من قائمةٍِ طويلة، تشمل هذه الحافظة قواعد في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وجيبوتي في منطقة القرن الإفريقي، بالإضافة إلى بيرو، والبرتغال، والمملكة المتحدة. لكن أحدث نسخة من قائمة البنتاغون للقواعد العسكرية، الصادرة في بداية 2018 والمعروفة باسم “تقرير هيكل القواعد”، لم تأتِ على ذكر قاعدة التنف في سوريا مطلقاً، أو أي قاعدة أخرى في سوريا، أو العراق، أو أفغانستان، أو النيجر، أو الكاميرون، أو الصومال، أو أي عددٍ من هذه المواقع التي يعرَف وجود مثل هذه القواعد العسكرية فيها، بل والاستمرار في توسعتها.

وفقاً لديفيد فاين، مؤلف الكتاب الذي يتناول القواعد الأمريكية في العالم، قد يكون هناك المئات من هذه المواقع العسكرية الشبيهة حول العالم والتي لم يرد ذكرها بالسجلات الرسمية. ويقول فاين: “تعكس هذه المواقع غير المذكورة غياب شفافية النظام، وأُقدِر عددها بنحو 800 قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايات الخمسين والعاصمة واشنطن، وتحيط هذه القواعد بالعالم منذ الحرب العالمية الثانية”. وفاين هو أيضاً عضو مؤسس في مجموعة “تحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية”، وهي مجموعة من المحللين العسكريين من مختلف الأطياف الأيديولوجية الذين ينادون بتقليص “البصمة” العالمية للجيش الأمريكي، بحسب الموقع الأمريكي.

ولم تسجل هذه القواعد العسكرية في السجلات الرسمية لسببٍ، وهو أن البنتاغون لا يريد أن يتحدث عنها. وقالت الكولونيل ميشيل بالدانزا، المتحدثة باسم البنتاغون، لموقع “توم ديسباتش”، عند سؤالها عن المواقع العسكرية العديدة الغامضة التابعة لوزارة الدفاع: “تحدَثت إلى الضابط المسؤول عن تقرير هيكل القواعد وأفاد بأنَّه ليس لديه ما يضيفه بهذا الشأن، وما من أحدٍ متاح لمناقشة الموضوع بصورة أكبر في الوقت الراهن”.

ويوضح فاين: “القواعد غير المسجلة محصنةٌ من الرقابة العامة وحتى من رقابة الكونغرس في كثيرٍ من الأحيان. وتعَد هذه القواعد تجسيداً مادياً للسياستين العسكرية والخارجية للولايات المتحدة. وتعني هذه القواعد غير المسجلة أنَّ الجيش والسلطة التنفيذية يقرران مثل هذه السياسات دون مناقشة عامة، وينفقان في كثير من الأحيان مئات الملايين أو مليارات الدولارات، ويُحتمَل أنها تورِط الولايات المتحدة في حروبٍ وصراعات لا يعلم غالبية سكان البلاد عنها شيئاً”، بحسب الموقع الأمريكي.

أين هي تلك القواعد؟

 يشير تحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية إلى أنّ الولايات المتحدة تملك ما يصل إلى 95 في المئة من القواعد العسكرية الأجنبية، في حين لا تملك دو مثل فرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة إلا نحو 10 الى 20 موقعاً عسكرياً أجنبياً لكلٍ منها. ولا تملك الصين إلا قاعدة عسكرية أجنبية واحدة.

وتتباهى وزارة الدفاع الامريكية بأنَ “مواقعها” تشمل 164 دولةً. ولصياغة الأمر بطريقةٍ أخرى، لدى الولايات المتحدة وجود عسكري في نحو 84 في المئة من الدول في العالم، أو على الأقل هذا ما تدعيه وزارة الدفاع. وبعدما بحث موقع “توم ديسباتش” عن هذا الرقم وأفرد صفحةً على الموقع مصممةً خصوصاً لإطلاع الجمهور على “قصة” البنتاغون، تغير الرقم بسرعة. وقالت الكولونيل ميشيل بالدانزا: “نقدر جهدكم في محاولة الوصول إلى الحقيقة. ونشكركم على ملاحظاتكم. لقد حدثنا بيانات موقع وزارة الدفاع لنقول إن عدد المواقع العسكرية الخارجية يشمل أكثر من 160 دولة”.

لكن ما لا يقوله البنتاغون حتى الآن، هو طريقة تعريفه كلمة “موقع”. ويتماشى رقم 164 دولة مع إحصاءات وزارة الدفاع بشأن تعداد قواتها العسكرية، والتي تظهِر انتشار القوات بأعدادٍ مختلفة في نحو 166 موقعاً “خارجياً”، من ضمنها بعض الدول الموجود بها أعداد رمزية من القوات الأمريكية، ودول أخرى مثل العراق وسوريا توجد بها قوات أكبر حجماً بكثير، حتى إن لم تكن مدرَجةً في القوائم الرسمية وقت كتابة هذه التقديرات. ذكر البنتاغون مؤخراً أن هناك 5200 جندي أمريكي في العراق، وما لايقل عن 2000 جندي بسوريا، مع أن هذا الرقم من المفترض أن يكون تقلص حالياً بشكلٍ ملحوظ.

150 مليار دولار

 وفقاً لتحالف إغلاق وترتيب أوضاع القواعد الخارجية، تتجاوز تكلفة نشر القوات العسكرية الأمريكية في الخارج، بالإضافة إلى إدارة القواعد الأجنبية وصيانتها، نحو 150 مليار دولار سنوياً. وتبلغ تكلفة إنشاء هذه القواعد العسكرية فقط نحو ثلث التكلفة الإجمالية الخاصة بها. يقول فاين: “يتكلف بناء القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج وصيانتها نحو 50 مليار دولار سنوياً، وهي أموال كان من الممكن استخدامها لتلبية احتياجات ملِحة داخل البلاد مثل التعليم، والصحة، والإسكان، والبنية التحتية”.

ركزت واشنطن جهودها بعد تعافي موسكو من تبعات إنهيار الاتحاد السوفيتي على توسيع ونشر القواعد العسكرية حول روسيا وخاصة في جمهوريات وسط آسيا فيما وصف بسياسة الزحف الهادئ لاحتواء الكرملين.

 التنامي المتواصل في الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة زاد من مخاوف موسكو من النوايا الأمريكية هناك. المخاوف الروسية تقوم على معلومات لدى روسيا عن وجود خطة أمريكية ترمي إلى احتواء روسيا عسكريا وربما شن حرب استباقية نووية ضدها وتقوم هذه المخاوف على شواهد ملموسة على الأرض.

 يوم الثلاثاء 23 يونيو 2015 أكد وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر، خلال مؤتمر في تالين، عاصمة استونيا، أن الولايات المتحدة سوف تنشر أسلحة ثقيلة على حدود البلاد التي تمتلك حدود مشتركة مع روسيا بشكل مؤقت في عملية حصار عسكري واسع.

وبحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن واشنطن اختصت سبع دول قد وافقت على وضع أسلحة أمريكية داخل أراضيها، وهي ” أوكرانيا ورومانيا وبولنداواستونيا ولاتفيا وبلغاريا ولتوانيا”.

وذكرت الصحيفة أن هذة هي المره الأولى التي تنشر الولايات المتحدة أسلحتها الثقيلة في شرق دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

وأضافت أن وزير الدفاع الأمريكي التقى اليوم نظراءه بدول البلطيق على هامش مؤتمر تالين لبحث حل الأزمة عسكريًا مع روسيا.

قنابل نووية تكتيكية

 ذكرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية يوم 10 ديسمبر 2018 أن الجيش الأمريكي يسعى لامتلاك سلاح نووي صغير يمكنه ردع روسيا في الحروب التقليدية، لكن هذه الاستراتيجية لن تجعل روسيا تتراجع.

وتضيف المجلة، إن صانعي القرارات في الولايات المتحدة الأمريكية يخططون لاستخدام القنابل النووية التكتيكية لجعل روسيا تعيد حساباتها فيما يتعلق بالمواجهات التقليدية، التي يمكن أن تحدث بينها وبين حلفاء أمريكا.

وأضافت: “ربما يسعى الأمريكان لاستخدام هذا التكتيك للتأثير على العقيدة النووية الروسية، لكن هذه الخطة لن تكون ذات قيمة بالنسبة للروس، خاصة عندما تشعر الحكومة الروسية أنها في مواجهة خطر كبير”.

وتابعت: “ربما تقود خطة أمريكا للتوسع في استخدام القنابل النووية التكتيكية في دعم وجهة النظر الروسية، التي تعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لفرض هيمنتها في أية مواجهة تقليدية أو نووية”.

وتقول المجلة: “يخشى الأمريكان من أن تقدم روسيا على استخدام الأسلحة النووية في أية حرب تقليدية لحسم الأمور بالطريقة المناسبة لها، كما يزعمون أن عدم وضع خطة لاستخدام القنابل النووية التكتيكية ضد روسيا ربما يجعل الروس يقومون بمزيد من التصعيد ضد حلفائها في أوروبا”.

وتضع أمريكا في 5 دول غير نووية هي بلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، وتركيا، قنابل نووية تكتيكية طراز “بي 61″، وفقا لموقع “جلوبال ريسيرش الكندي”.

وكانت بيانات خاصة بالأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا يرجع تاريخها لعام 2014 تظهر أن عدد القنابل النووية الأمريكية في تلك الدول هو 180 قنبلة نووية طراز “بي 61 إس” التكتيكية، وأن عدد مواقع التخزين الخاصة بتلك القنابل يصل إلى 87 موقعا بالقرب من القواعد العسكرية التي تستخدمها ومنها قاعدتين عسكريتين في إيطاليا.

وبينما يوجد في إيطاليا 50 قنبلة نووية فإنه توجد في القواعد الأمريكية بتركيا ذات الرقم من القنابل النووية، في حين يوجد في كل دولة من الدول الأربع الأخرى 20 قنبلة نووية.

سلاح يصنع نهاية العالم

 ذكرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، في تقرير لها، يوم الثلاثاء 8 يناير 2019، إن انسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى الموقعة مع موسكو، الذي تحدث عنه ترامب في أكتوبر 2018، يفتح الباب لتطوير أسلحة نووية مرعبة.

 ومعاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى “معاهدة القوات النووية المتوسطة”، “أي إن إف”، تم التوقيع عليها بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في العام 1987، وتعهد الطرفان بعدم صنع أو تجريب أو نشر أية صواريخ باليستية أو مجنحة أو متوسطة، وتدمير كافة منظومات الصواريخ، التي يتراوح مداها المتوسط ما بين 1000-5500 كيلومتر، ومداها القصير ما بين 500 ─ 1000 كيلومتر.

واعتبرت المجلة أن انسحاب أمريكا من الاتفاقية يمهد الطريق لنشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا، يمكنها ضرب الأراضي الروسية، وهو ما يجعلها تتجه لتطوير قدرات مميتة يمكنها إحراق أمريكا في حال اندلاع حرب نووية.

 وتضيف المجلة إن نظام “بيرميترز” النووي الروسي، الذي يطلق عليه الغرب اسم “اليد الميتة” ربما يكون أكثر الأسلحة النووية الروسية رعبا حتى الآن.

وأضافت “إن هذا النظام، الذي يرجع تاريخه إلى حقبة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، يمكنه إطلاق الصواريخ بصورة آلية دون تدخل البشر”، مضيفة “ربما يكون هذا النظام أكثر فتكا من المتوقع في حال اندلاع الحرب النووية”.

وتابعت “تناقش روسيا في الآونة الأخيرة استخدام هذا النظام بصورة علنية، وهو ما يثير قلق العالم، خاصة أنها تطور أسلحة نووية أخرى مرعبة، مثل الصواريخ، التي تعمل بمحركات نووية، والغواصات الروبوتية، التي تحمل صواريخ نووية قدرتها التفجيرية 100 ميغا طن”.

وكان الفريق سيرغي كركايف، قائد القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية، قد صرح سنة 2013 في مقابلة مع وسائل إعلام روسية: “نعم نظام “بيريميتر” موجود اليوم، وعندما تكون هناك حاجة للرد بضربة انتقامية وعندما لن يكون هناك إمكانية لإرسال الإشارة لمنصات الإطلاق، فإن نظام “بيريمتر” يعطي هذه الأوامر”.

ولفتت المجلة إلى قول القائد السابق للقوات الصاروخية الاستراتيجية فيكتور ييسين في مقابلة مع قناة “زفيزدا”: “إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية حشد صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا الشرقية، فإنه يجب على روسيا تعديل عقيدتها النووية والاعتماد على نظام الضربة الوقائية”، مضيفا: “هل سيكون لدينا وقت للرد في حال تعرضنا لهجوم”.

وتابع: “عند حشد الصواريخ في أوروبا الشرقية سيكون الوقت المتاح أمام روسيا للرد هو دقيقتين إلى ثلاث دقائق، وفي هذه الحالة ستكون الوسيلة الوحيدة للرد هي استخدام نظام “بريميتر” “اليد الميتة” لتنفيذ هجمة انتقامية، سيتم تدميرها أيضا”.

ونظام “بيريميتر” يعد من أكثر الأمور العسكرية سرا، وجميع المعلومات حول مكوناته، ووظائفه، وطريقة عمله هي معلومات قليلة جدا، وسرية للغاية، وهو نظام أوامر آلي يصدر أوامره إلى القوات النووية الروسية لتوجيه ضربة نووية جوابية مدمرة، حتى عندما تكون مراكز القيادة وخطوط الاتصالات مع قوات الصواريخ الاستراتيجية قد دمرت بالكامل.

ويضمن النظام إطلاق الصواريخ البالستية من جميع منصات الإطلاق البرية والجوية والبحرية، في حال تمكن العدو من تدمير كل القيادات التي يمكن أن تعطي أوامر الرد. نظام “بيريميتر” هو نظام مستقل تماما وغير مرتبط بالوسائل الأخرى للاتصالات وأوامر مراكز القيادة، وحتى “الحقيبة النووية” لا علاقة لها بتفعيله.

الحرب الباردة

  بدأ تصميم نظام الرد النووي الحتمي في ذروة الحرب الباردة، عندما بدا واضحاً أن وسائل الحرب الإلكترونية التي تتطور باستمرار، سوف تستطيع في المستقبل القريب قطع أقنية الاتصالات الرئيسة للتحكم بالقوات الاستراتيجية النووية، وتطلّب الأمرُ وسيلة احتياطية قادرة على تأمين نقل الأوامر إلى قواعد الإطلاق. دخل هذا النظام الخدمة القتالية في عام 1985، وتم تحديثه بعد خمس سنوات من ذلك.

“بيريميتر” في حالة تأهب دائم، يتلقى المعلومات من منظومات التتبع والمراقبة، بما في ذلك رادارات الإنذار المبكر عن الهجمات الصاروخية. عدا عن ذلك يمتلك النظام مراكز مراقبة وتتبع مستقلة خاصة به. وفقا لبعض المصادر، هذه المراكز موزعة على أراضي واسعة، تفصل بينها مسافات كبيرة وتكرر وظائف بعضها البعض.

في هذه المراكز يوجد ويعمل الجزء الأهم والأكثر سرية في نظام “بيريميتر”، منظومة ذاتية للمراقبة والتحكم والقيادة. وهي منظومة برمجيات معقدة، أنشئت على أساس الذكاء الاصطناعي. تتلقى المعلومات عن المكالمات اللاسلكية، ومجال الإشعاع النووي، والإشعاعات الأخرى في نقاط المراقبة، وتتلقى المعطيات من رادارات الإنذار المبكر عن الهجمات الصاروخية وعن النشاط الزلزالي، وبناء على كل هذه المعلومات وتحليلها، تستطيع استخلاص هل وقع هجوم نووي كامل أم لا.

إذا ” نضج الوضع″ النظام ذاتيا ينتقل إلى حالة الجاهزية القتالية القصوى. وينقصه عامل واحد هو: عدم وجود إشارات منتظمة من مراكز القيادة العادية لقوات الصواريخ الاستراتيجية. إذا انقطعت الإشارات لفترة معينة، يبدأ نظام “بيريميتر” نهاية العالم.

يقول أحد مصممي نظام “بيريميتر”، فلاديمير يارينيتش، في مقابلة مع مجلة الأمريكية “وايرد” : “لقد تم تصميمه بحيث يكون في حالة سبات، دون أن يتوقف عن تحليل المعلومات الواردة، إلى أن تقوم القيادة العسكرية بتفعيله في حالة الأزمات، أو يتلق إشارة من رادارات الإنذار المبكر. فيبدأ بالمراقبة عبر شبكة أجهزة الاستشعار الزلزالي، والإشعاعي، والضغط الجوي باحثا عن دلائل للتفجيرات النووية.

قبل أن يبدأ نظام “بيريميتر” بالضربة الجوابية، عليه أن يتحقق من أربعة “إذا”: إذا تم تنشيط النظام، أولا سيحاول “بيريميتر” تحديد ما إذا كان هناك استخدام للأسلحة النووية ضد الأراضي الروسية. إذا اتضح أن هذا حقيقة، يقوم النظام بالتحقق من وجود اتصال مع الأركان العامة. إذا كان هناك اتصال، سيتم إيقاف تشغيل النظام تلقائيا بعد مرور فترة معينة من الزمن دون دليل على حدوث الهجوم “من 15 دقيقة إلى ساعة واحدة”، وتم التأكد بأن المسؤولين قادرون على إعطاء أمر الضربة الجوابية، ولا يزالون على قيد الحياة.

ولكن إذا لم يكن هناك أي اتصال مع الأركان العامة، ومع منظومة “كازبيك” المنظومة الأساسية للتحكم في القوات النووية، “بيريميتر” يستنتج أن يوم القيامة قد حل، ويعطى على الفور الحق باتخاذ قرار الرد لأي شخص عسكري حي في تلك اللحظة موجود في ملجأ تحكم عميق وآمن، متجاوزا بذلك جميع التعليمات التسلسلية المعتادة”.

فتنطلق من أعماق الأرض صواريخ القيادة ألف 1115، وزن الواحد 71 طن، ومداه يصل الى 11000 كم، التي تحمل رؤوس خاصة. في حد ذاتها هذه الصواريخ غير ضارة: فهي عبارة عن منظومة راديو، صممت في جامعة البوليتكنيك في سان بطرسبورغ وأنتجتها المؤسسة العلمية “ستريلا” في أورينبورغ. هذه الصواريخ، ترتفع عاليا في الجو، وتطوف البلاد، مرسلة رموز إطلاق سرية لجميع حاملات ومنصات الصواريخ النووية. وتلك أيضا تتفعل تلقائيا.

ضربة استباقية

 جاء في تقرير نشرته صحيفة فزغلياد الروسية بتاريخ 13 نوفمبر 2018: أن موسكو قد تحتاج إلى “ضربة نووية استباقية”.

وجاء في التقرير: قال رئيس الأركان السابق لقوات الصواريخ الاستراتيجية “1994 الى 1996″، الجنرال فيكتور إيسين في مقابلة مع صحيفة زفيزدا إن نظام الاستجابة النووية التلقائي الروسي “بيريميتر” قد يكون عديم الفائدة بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى.

إلا أن نائب رئيس الأكاديمية الروسية لعلوم الصواريخ والمدفعية، دكتور العلوم العسكرية، قسطنطين سيفكوف، لا يشاطر ايسين فكرة أن انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة يمكن أن يجعل “بيريميتر” غير فعال. فلا يمكن تدمير جميع الأسلحة النووية مرة واحدة من حيث المبدأ، وهو ما يعني أن “بيرميتر” لن يفقد فعاليته. “من المستبعد تدمير الغواصات الصاروخية في البحر. بالإضافة إلى ذلك، ستحلق أيضا القاذفات الاستراتيجية المسلحة بالصواريخ المجنحة ولا يمكن تدميرها”.

إن معامل الاحتمال النهائي للتدمير، حسب سيفكوف، يكمن في حدود 80 في المئة، أي مع أشد الاحتمالات سوءا، سيبقى هناك 20 في المئة على الأقل من الإمكانات النووية لضربة جوابية من روسيا.

ومع ذلك، لا يزال العسكريون يعتقدون بأن روسيا بحاجة إلى اتخاذ خطوات إضافية في حال نشر الولايات المتحدة صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في أوروبا.

بالإضافة إلى ذلك، أشار الجنرال فيكتور ايسين إلى أن الولايات المتحدة إذا بدأت بنشر صواريخها في أوروبا، فلن يكون لدينا خيار سوى التخلي عن عقيدة الضربة الجوابية والانتقال إلى عقيدة الضربة الاستباقية.

كما أن قطسنطين سيفكوف واثق من أن روسيا بحاجة إلى تغيير العقيدة العسكرية وإدراج إمكانية القيام بضربة استباقية، وأن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تطوير نظام “بيريميتر”.

تحديث النظام

 بتاريخ 25 نوفمبر 2018 تم الكشف في موسكو عن تحديث نظام “اليد الميتة” حيث يقول الخبير العسكري الروسي أليكسي ليونكوف في مجلة “أرسنال أوتيتشستفا”، عندما ظهر النظام في الاتحاد السوفيتي، كان مفهوم استخدامه هو توجيه ضربة انتقامية فقط. وفي نفس الوقت، لا يهم ما إذا كانت قيادة الدولة على قيد الحياة أم لا. ولكن تغير الوضع في العالم كثيرا منذ ذلك الحين. الولايات المتحدة تنفذ مفهوم ضربة صاروخية وقائية واسعة لأسباب وهمية. ونتيجة لذلك، وضع مفهوم جديد للضربة الانتقامية في “اليد الميتة”. تم تحديث النظام بأكمله من خلال إطلاق أقمار صناعية جديدة لمنع الهجمات الصاروخية وإنشاء نظام الدفاع الجوي الفضائي. ويؤكد ليونكوف أن جميع العمليات تجري بشكل تلقائي بحيث يتم تقليل زمن الرد على التهديد إلى جزء من الثواني.

ووفقا للخبير، يعمل الآن نظام “اليد الميتة” على النحو التالي: عندما تطلق دولة ما جسمًا غير معروف، والذي يخرج إلى مسار باليستي، عندئذ تدرك روسيا أنه من غير المرجح أن يكون هذا إطلاقًا تدريبيًا. وفي حال نشوب حرب نووية، فإن صاروخًا واحدًا لن يكفي، وستطلق الولايات المتحدة من 10 صواريخ وأكثر.

وأضاف ليونيكوف أنه عندما تحلق الصواريخ في الجو، ستحسب إدارة الطيران الروسية مسارات الرحلة وتضع نظام الدفاع في موقع القتال للقضاء على صواريخ العدو. وفي نفس الوقت، وربما في وقت سابق، سيتم إرسال الصواريخ الباليستية الروسية أيضا نحو المعتدي.

وأشار الخبير إلى أن روسيا ستكون قادرة على إسقاط الجزء الساحق من صواريخ العدو.

كابوس

 يوم 13 يناير 2019 نقلت مجلة “ناشينال انتريست” الأمريكية عن محللين سياسين قولهم، إن تعزيز التعاون بين روسيا والصين، أصبح “كابوسا أمريكيا حقيقيا”، ويشكل أكبر تهديد للولايات المتحدة. ووفقا للمجلة، يقول المحللون، إن واشنطن ترتكب خطأ فادحا، بالتقليل من شأن التعاون الوثيق بين موسكو وبكين. وأشاروا إلى أن الولايات المتحدة لم تستفد من موقفها الجيد في النصف الثاني من الحرب الباردة، عندما كانت العلاقات بينها وبين الاتحاد السوفييتي والصين أفضل كثيرا بشكل منفصل، عما كانت عليه بين موسكو وبكين وقتها.

ومع ذلك، يؤكد المحللون أنه على الرغم من العلاقات الجيدة إلى حد ما بين روسيا والصين، لا يوجد في الوقت الحالي أي حديث عن تحالف رسمي بين البلدين.

ويرجع الخبراء ذلك إلى أن بكين لا تزال قلقة من أن التحالف مع موسكو يمكن أن يضعف التعاون الاقتصادي مع واشنطن.

ولكن من ناحية أخرى، يرى الخبراء أن موقف الصين إيجابي للغاية بشأن تعميق التعاون الاقتصادي مع روسيا بشكل عام، لكنها في نفس الوقت لن تتخذ إجراءات لحماية موسكو من الضغط الغربي، على سبيل المثال، التحويل الكامل إلى للمعاملات المالية بالعملات الوطنية.

وتذكر المجلة كلمات سفير الصين لدى الولايات المتحدة، تسوي تياناكيا، الذي قال إن صورة الزعيمان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ وهما يتصافحان ويبتسمان، تفتقد وجه دونالد ترامب وابتسامته.

كما أضاف الدبلوماسي الصيني أنه من الأفضل للصين أن تعمل مع روسيا ودول أخرى من أجل إنشاء عالم متعدد الأقطاب، بدلا من أن تكون دائما مع موسكو في صراع ضد واشنطن.

وعلى الرغم من أن المحللين الأمريكيين، الذين ظلوا لفترة طويلة في حيرة، حذروا من إمكانية التعاون الوثيق بين روسيا والصين. إلا أن الولايات المتحدة اتخذت في الأونة الأخيرة من دون وعي خطوات قربت أكثر بين موسكو وبكين.

ووفقا للمجلة، فإن كيفية الرد على مثل هذا التقارب الأن أصبح بالنسبة لواشنطن “أصعب سؤال”.

 ورغم أن القدرة النووية للصين غاية في السرية غير أن التقديرات الأمريكية. ووفقا لخبراء، فإنها لا تتجاوز ألف رأس حربي نووي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الصواريخ الصينية وحسب واشنطن ذات وقود صلب، وقد عفا عليها الزمن وغير قادرة على الصمود أمام نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي.

 يذكر أن الرئيس ترامب وعندما تحدث عن انسحاب بلاده من معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى مع موسكو، أعلن يوم الاثنين 22 اكتوبر 2018، أنه يجب على الصين أيضا أن تكون طرفا في المعاهدة.

وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستواصل زيادة كمية الأسلحة النووية حتى تعود روسيا والصين إلى رشديهما.

وأضاف: “أموالنا أكثر من أي أحد غيرنا. سوف نقوم بزيادة الأسلحة حتى تعودا إلى رشديهما. وحينها سنكون حكماء وسوف نتوقف. ولن نتوقف فحسب، بل سنخفض الكمية. سوف نفعل ذلك بسرور. لكنهما اليوم لا تلتزمان بالاتفاق”.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here