عمر نجيب: الصراعات الدولية واحتمالات الحرب والتسوية في ليبيا.. هل يتكرر فشل واشنطن في حرب الانابة بسوريا في الشمال الأفريقي؟

عمر نجيب

 تدور في نقطة المركز الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة منذ نجاح الولايات المتحدة في احتلال العراق سنة 2003 ثم تحويلها مهمة إضعاف وتهميش المقاومة العراقية لأطراف محلية وإقليمية، صراعات علنية عسكرية وسياسية وإقتصادية مثلما تجرى خلف الستار مواجهات من نوع آخر، وذلك في نطاق صراع دولي على مناطق النفوذ وجهود لإقامة نظام عالمي جديد يستبدل النظام الحالي القائم على إحادية القطب أي الهيمنة الأمريكية.

 وظفت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ومن ورائهم حلفاء غربيين قوى إقليمية ومحلية، لنشر ما يسمى بالفوضى الخلاقة في المنطقة العربية سعيا وراء تحقيق مخطط المحافظين الجدد القاضي بإعادة رسم حدود دول المنطقة وتقسيمها على أسس دينية وطائفية وعرقية ومناطقية إلى ما بين 54 و 56 دولة، مما يتيح لواشنطن كسب جزء من معركتها للحفاظ على النظام العالمي الاحادي الذي يكفل بقاء هيمنتها.

 المنطقة العربية الممتدة من العراق شرقا وحتى سواحل المغرب العربي على المحيط الأطلسي غربا، شكلت أحد أهم مراكز الصراع الذي يتبلور بين روسيا التي تستعيد قوتها والصين من جهة، والولايات المتحدة وبعض حلفائها من جهة أخرى. خلال حكم الرئيس الأمريكي أوباما من 20 يناير 2009  إلى 20 يناير 2017، تبلور مخطط نقل الثقل العسكري والسياسي الأمريكي من المنطقة الشرق أوسطية إلى شرق أسيا لمواجهة التحدي الصيني. البعض تصور أن ذلك سيعني تخليا أمريكيا عن المنطقة العربية وقد أثبتت الأحداث خطأهم، حيث أن واشنطن كانت قد قررت نقل تنفيذ جزء من المهام التي كانت تقوم بها لوكلاء إقليميين بشكل مباشر أو غير مباشر، مستغلة كل المعطيات التي توفرها المشاكل والتناقضات القائمة وكذلك صراعات قوى إقليمية لا تملك إمتدادات جغرافية وسكانية واسعة ولكن لها أطماعها.

 أساليب واشنطن لشن الحروب بالوكالة لم يمنع إصطدامها مع أطراف مسخرة لمشاريعها لكنها تريد حصة أكبر من الغنائم وهي لذلك تقوم من حين لآخر بمعاقبتها لتعود لصف الإنضباط.

 هذا الأسلوب ليس جديدا فقد مورس من طرف القوى الاستعمارية الغربية المتنافسة منذ القرن السادس عشر وهي تمدد أذرعها لتحتل أفريقيا وآسيا والأمريكيتين، ثم أخذ صورته الأحدث على يد الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وأفول الامبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.

سوريا وليبيا

 الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهرمارس 2011 وعملية تدمير ليبيا التي بدأت على يد حلف شمال الأطلسي في 17 مارس 2011، ربما تعد أحد أبرز الأمثلة على تنفيذ المشاريع الأمريكية الإسرائيلية.

 في كلتا حالتي سوريا وليبيا لعبت الحرب النفسية وحملات التضليل الأعلامي الضخمة التي سخرت لها مئات وسائل إعلام وطابور طويل من الاعلاميين دواليا ومحليا، دورا في تشكيل استقطاب عالمي خدم تلقائيا مصالح المخطط الأمريكي.

 في سوريا نجح التدخل العسكري الروسي لمساندة الجيش العربي السوري حتى الآن في إفساد المخطط الأمريكي وأجبر أطرافا رئيسية متورطة فيه مثل تركيا وإسرائيل على التراجع نسبيا.

 في ليبيا وبعد هزيمة جماعات وتنظيمات ما يسمى بالاسلام السياسي في إنتخابات البرلمان الليبي التي جرت في يونيو سنة 2014، تم توسيع سياسة الفوضى الخلاقة داخل ليبيا وتجنيد التنظيمات المتطرفة لمنع الحكومة الليبية التي إنبثقت عن البرلمان المنتخب من توحيد البلاد وإعادة بنائها، وشنت معركة تضليل لتصوير الجيش الليبي على أنه مليشيات وأن القوى المناهضة له هي السلطة الشرعية، وهكذا تبلورت قصة حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

 في سنة 2018 كشفت الصحف الأمريكية أن البنتاغون أنفق مباشرة من سنة 2011 وحتى سنة 2016 ما قيمته 2200 مليون دولار لشراء أسلحة من دول مختلفة لتسليح ما يسمى المعارضة السورية ومنها التنظيمات الموصوفة بالارهابية، هذا التمويل لا يتضمن ما قدمته تركيا وإسرائيل وأطراف أخرى للمليشيات التي حاربت وتحارب الجيش العربي السوري. في ليبيا تكرر نفس الأمر حيث كثرت في السنوات الأخيرة الأخبار الواردة من الغرب عن إسقاط الطائرات الأمريكية وغيرها أسلحة للتنظيمات التي تواجه الجيش الليبي، ولا شك أنه سيتم الكشف رسميا عن هذا الأمر بعد حين، النتيجة كانت إمتداد الصراع في ليبيا لسنوات.

 الهدف في ليبيا كان تقسيم البلاد إلى ثلاث دويلات متصارعة وجعلها قاعدة لنشر الفوضى الخلاقة والعمليات الإرهابية إلى مصر ودول المغرب العربي شرقا وغربا، وإلى دول الساحل جنوبا. في منطقة الساحل والمغرب العربي كان الاحتكاك بين أمريكا وفرنسا وهذا يفسر تضارب مواقفهما من الصراع في ليبيا، وفي نفس الوقت يصنع تقارب باريس وموسكو.

المناورة الأمريكية

 منذ سنة 2015 تكثفت تقارير لما يسمى مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة تدعو واشنطن إلى التحرك لتخفيف حدة المغامرة الروسية في ليبيا، حيث قدرت أن الكرملين مال عمليا لمساندة الجيش الليبي وساند من يرفضون السماح للقوى الليبية التي تحالفت مع حلف الناتو بالسيطرة، لأن ذلك سيعني فوضى أوسع ستمس دولا في المنطقة رغم أن بعضها لا يعتبر قريبا من توجهات الكرملين.

 كتب بين فيشمان في تقرير لمعهد واشنطن الذي يقدم المشورة إلى البيت الأبيض ضمن مكونات مشابهة يوم 25 نوفمبر 2019:

حتى فترة ليست ببعيدة، لم يتغير المشهد كثيراً في ليبيا منذ أبريل، عندما شن الجنرال خليفة حفتر، الذي يلقب نفسه قائد “الجيش الوطني الليبي”، هجوماً على طرابلس. والآن، سلطت روايتان بارزتان الضوء على وجود مرتزقة روس على الجبهات الأمامية للحرب وتأثيرهم على القتال على العاصمة الليبية. وللمرة الأولى، أكد متحدث باسم “القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا” “أفريكوم” وجود “شركات عسكرية روسية خاصة” في غرب ليبيا حيث تنامت الشكوك منذ فترة طويلة حول وجود روسيا في شرقي البلاد، بعيداً عن ساحات القتال. وفي خطوة غير مألوفة، ندد جنرال أمريكي بـ “محاولات روسيا لاستغلال الصراع ضد إرادة الشعب الليبي”.

 الرهانات أكبر هذه المرة، في ظل تهديد روسيا بترجيح كفة ميزان القوى وتوسيع نطاق وجودها على الحدود الجنوبية لحلف “الناتو”. ويمكن للإدارة الأمريكية أن تذعن لنفوذ روسيا المنتشر، أو تطعن فيه من خلال جمع الدول التي تشاطرها الرأي لإعطاء دفعة أخيرة لحل سياسي في ليبيا.

وبالإضافة إلى المساعدات الروسية، تلقى حفتر الدعم من الإمارات العربية المتحدة ومصر ومن فرنسا. وقد لجأت “حكومة الوفاق الوطني” إلى تركيا لتزويد ميليشياتها بطائرات بدون طيار وآليات مدرعة وأسلحة أخرى”.

 التقرير الأمريكي صدر قبل أن يتبين علنيا أن تركيا شحنت إلى ليبيا ما يقرب من ثلاثة آلاف مسلح من تنظيمات النصرة وأحرار الشام ومن انضم اليهم من داعش الذين سلحتهم أمريكا وإسرائيل على مدى سنوات في سوريا، إلى ليبيا ليمنعوا الجيش الليبي من إنهاء سيطرة المليشيات على العاصمة الليبية طرابلس.

 تقرير معهد واشنطن يضيف:

 تتناقض فكرة السماح بتدخل روسيا في ليبيا مع كل من استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، واستراتيجية الدفاع الوطني، واستراتيجية مجلس الأمن القومي لأفريقيا، التي تركز جميعها على التنافس بين القوى العظمى ومواجهة النفوذ الروسي والصيني. فليبيا هي بمثابة حقل تجارب لهذه الاستراتيجيات. وإذا جعلت روسيا كفة الحرب تميل لصالح حفتر، فسوف تجرد الغرب من نفوذه في ليبيا سواء من خلال ضمان انتشار عدم الاستقرار أو تبديد الآمال بالتوصل إلى عملية انتقال سياسي سلمي.

 يجب على الولايات المتحدة أن تدعم بشدة مؤتمر برلين الذي يهدف إلى توحيد الدعم الدولي لوقف إطلاق النار وإعادة عقد حوار سياسي ليبي. وللقيام بذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تعتمد بشدة على على شركائها.

وقد يكون فضح روسيا وعزلها في محاولاتها لقلب ميزان القوى في ليبيا أفضل طريقة لإيقاف محاولاتها لزيادة نفوذها في شمال أفريقيا. وكما تقر إدارة ترامب بنفسها، يترسخ هذا الهدف إلى حد كبير في المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة”.

تحركات

 مع بداية سنة 2020 سجلت مؤشرات كثيرة على تقدم الجيش الليبي للسيطرة على العاصمة طرابلس خاصة بعد دخوله دون قتال تقريبا مدينة سرت أثر تمرد فصائل مليشيات مسلحة على قياداتها بعد وصول جنود أتراك ومسلحين سوريين وغيرهم إلى الساحة. تركيا التي تخوض حربا بالانابة عن واشنطن وأطراف أخرى على الساحة الليبية أصبحت في مأزق حيث أما أن تتدخل بكثافة مما يعرضها لمخاطر كثيرة عسكرية وإقتصادية وأما أن تترك أنصارها من جماعات الإخوان يخسرون معركة جديدة بعد تلك التي لحقت بهم في سوريا ومصر والسودان.

 يوم الأحد 12 يناير 2020 جاء في تقرير لوكالة رويترز:

 هدأ وقف إطلاق النار في ليبيا الذي دعت إليه تركيا وروسيا القتال العنيف والضربات الجوية يوم الأحد لكن الفصيلين المتحاربين تبادلا الاتهامات بانتهاك الهدنة وسط استمرار المناوشات حول العاصمة طرابلس.

وفي أحدث مسعى دولي لوقف العنف، دعا الرئيسان التركي والروسي إلى وقف لإطلاق النار يبدأ اعتبارا من يوم الأحد بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على بدء هجوم على طرابلس تشنه قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.

وقالت كل من قوات حفتر وحكومة الوفاق الوطني إنهما وافقتا على الهدنة بشروط.

 إن أي محاولة لفرض وقف دائم لإطلاق النار ستكون صعبة التنفيذ بسبب الانقسامات في التحالفات العسكرية في ليبيا، إذ تقف فصائل مسلحة وقوات أجنبية إلى جانب كل طرف من الطرفين اللذين يصف كل منهما الآخر بالمليشيات.

 وزارة الدفاع التركية ذكرت إنها رصدت أن الجانبين يحاولان الالتزام بوقف إطلاق النار وإن الأوضاع هادئة باستثناء ”حادثة أو اثنتين منفصلتين“.

واجتمع رئيس الوزراء بحكومة الوفاق الوطني فائز السراج مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اسطنبول يوم الأحد وفقا لما أوردته الرئاسة التركية دون مزيد من التفاصيل.

وقال عماد الدين بادي الزميل بمعهد الجامعة الأوروبية ”إن هناك عناصر بين الطرفين لا تريد وقف إطلاق النار“ لكن هدوء الضربات الجوية يوم الأحد ”يلقي الضوء على أن تركيا وروسيا معا يمكنهما التأثير على مستوى تدويل هذا الصراع“.

وفي القاهرة طلب عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي يوم الأحد من البرلمان المصري معارضة الخطوات التركية وقال ”أدعوكم أيها السادة إلى اتخاذ موقف شجاع وإلا قد نضطر إلى دعوة القوات المسلحة المصرية للتدخل إذا حصل تدخل أجنبي في بلادنا“.

وجاءت الدعوة لوقف إطلاق النار في الوقت الذي تسعى فيه الأمم المتحدة وقوى أوروبية لعقد قمة في برلين تهدف إلى خفض التدخل الأجنبي واستئناف عملية السلام.

بين موسكو وأنقرة

 جاء في تقرير نشرته صحيفة رأي اليوم من لندن يوم الأحد 12 يناير 2020:

 إذا نظرنا بعين المتأمل والمحلّل إلى جميع اتفاقات وقف إطلاق النار التي توصل إليها الرئيسان التركي والروسي في الحرب السورية، نجد أن القاسم المشترك فيها هو إخراج للمسلحين أولا إلى مناطق تجمع آمنة مؤقتة تمهيدا للمعركة النهائية، واللعب على عنصر الوقت بما يخدم الأهداف الروسية في نهاية المطاف ثانيا، ولهذا لا نَستبعِد أن تنطبق هذه القاعدة، جزئيا أو كليا، على اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي جرى التوصل إليه بين الرئيسين فلاديمير بوتين، ورجب طيب أردوغان الأربعاء الماضي “8 يناير” وجرى إعلان تطبيقه فجر يوم الأحد.

صحيح أن الجانبين المتحاربين التزَما علانيةً به، أي قوات حكومة الرئيس فايز السراج التي تقف في خندق الدفاع، في مقابل قوات الجنرال خليفة حفتر المهاجمة للعاصمة، ولكنه يظل اتفاقًا هشا يملك فرص ضئيلة للصمود تماما مِثل جميع، إن لم يكن كل، الاتفاقات المماثلة السابقة في الأزَمات العربية، والسورية تحديدا.

إنها هدنة قصيرة تتيح للقوات المتقاتلة التقاط الأنفاس استعدادا للجولة القادِمة، ومن يقول غير ذلك لا يعرف الأزَمة الليبية، ولا يقبل بالنظرية التي تترسخ وتقول إن السيناريو السوري يتكرر في ليبيا وبنفس الوجوه تقريبا.

العنوان الأبرز لهذه المقايضة هو تقديم السلم المطلوب للرئيس التركي للنزول عن شجرة إدلب العالية جدا التي صعد إليها ولا يعرف كيف النزول، ونحن نتحدث هنا عن توفير ممر خروج جوي آمن للمسلحين المتطرفين الذين يسيطرون على قلب مدنية إدلب، ومن مقاتلي هيئة تحرير الشام النصرة سابقًا إلى طرابلس الغرب للقتال إلى جانب زملائهم السلفيين الذين يشَكلون العمود الفِقري لجيش الرئيس السراج وحكومته، وبدون تذكرة عودة، تماما مثل اتفاقات الخروج من شرق حلب، والغوطة.

المقاتلون الروس الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية للقِتال دَعما لجيش حفتر المدعوم مِصريا وإماراتيا وسَعوديا، ويقدرون بالآلاف سيعود الأحياء منهم إلى موسكو، ولكننا لا نعتقد أن المقاتلين السوريين المسلحين الآخرين الذين جرى شحنهم بالآلاف عبر جسر جوي إلى مصراته وطرابلس سيجدون من يرحب بعودتهم، فقد ذهبوا هناك لكي تكون العاصمة الليبية محطتهم الأخيرة، سواءً كانت نتيجة المواجهة نَصرا أو هزيمةً، طالما أنهم بعيدون عن سوريا وتركيا معا، الأمر الذي سيعفِي الرئيس أردوغان من حرجٍ كبيرٍ سواءً كان داخليا أو خارجيا، فالروس أعطوه المهلة والمخرج من ورطته في إدلب، وتجنب الصدام معهم والجيش العربي السوري أو مع جبهة “النصرة” في معارك تصفوية دموية قد تؤدي إلى تدفق مِئات الآلاف من اللاجئين السوريين في المدينة إلى الأراضي التركية طَلبا للسلامة، بعد تعثر خطط إعادة توطينهم في المنطقة الآمنة في شِمال وشِمال شرق سوريا.

الاجابة الأكثر دقة عن سؤالٍ حول ما بعد وقف إطلاق النار في ليبيا، هي المزيد من الانتهاكات، والمزيد من الاتفاقات المؤقتة بوقف إطلاق النار، لأن الاتفاق الأخير بين أردوغان وبوتين ليس هَشا فقط، وإنما كان ارتجاليا، لا يملك فرص الصمود، لعدم وجود أي آليات مراقبة دولية أو إقليمية لتطبيقه وتوجيه اللوم إلى الجِهات التي تخترقه.

عندما لا يرسل الرئيس أردوغان الآلاف من الجنود الأتراك إلى طرابلس الليبية تنفيذًا لالتِزاماته لحكومة السراج الحليفة، ويسعى إلى وقفٍ لإطلاق النار مع “حليفه” بوتين، فهذا يعني أن المسألة هي محاولة كسب الوقت لا غير، وإطلاق التهديدات بَحثًا عن المخارج.

المعادلة الراهنة في ليبيا تقوم على قاعدتين أساسيتين: قوات تحاصر وتهاجم الجيش الليبي تريد السيطرة على العاصمة وتوحيد جناحي الدولة الليبية الشرقي والغربي تحت خيمتها، وقوات تدافع عن العاصمة وتريد أن تهزم المهاجمين، وتملك غِطاءً دوليا، ولا توجد حلول وسط، فلا يمكن أن يتنازل طرف للآخر، ولا يوجد البديل الثالث حتى الآن، اللهم إلا إذا تدخلت قوات حِلف الناتو مِثلَما فعلت عام 2011 جَويا وأرضيا للسيطرة على البِلاد وإنهاء القِتال بالقوة، ولا يوجد أي مؤشر يوحِي بذلك حتى الآن، لأن أي تدخل للناتو سيعني غزوا واحتِلالا على غِرار ما حدث في كل من العِراق وأفغانستان، وهذا سيناريو مرعب، ونعتقد أن اجتماع برلين المقبل حول ليبيا بحضور الدول العظمى والإقليمية، وبدون طرفي القِتال، سيتردد كثيرا في اتخاذه لخطورته.

الرئيس الروسي بوتين بات هو الكاسب الأكبر في حلبة الصراع في ليبيا حتى الآن، كما هو حاله في سوريا، وربما قريبا في العِراق وإيران، وبات قصره في موسكو قبلة الحجيج لزعماء العالم، وآخِر حجاجه أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، سعيا لإنجاح مؤتمرها المقبل الذي لم يتحدد موعد انعقاده حتى كتابة هذه السطور.. واللُه أعلم”.

الجميع في موسكو

 في الوقت الذي يبقى فيه موعد عقد مؤتمر برلين غير معروف، أعلن المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب الليبي، حميد الصافي، أن رئيس المجلس، عقيلة صالح، سيتوجه إلى موسكو لبحث مبادرة وقف إطلاق النار في بلاده.

وذكر الصافي، في تصريح لوكالة “سبوتنيك”، إن صالح يتوجه إلى العاصمة الروسية في زيارة رسمية لمدة يومين، “لبحث مبادرة وقف إطلاق النار في ليبيا والتأكيد على عدم وجود أي دور مستقبلي للمليشيات المسلحة”.

وأضاف الصافي أن البرلمان العربي سيعقد، في القاهرة، جلسته الثانية من دورة الانعقاد الرابع، وأن عقيلة صالح سيلقي كلمة أمام نوابه “عن آخر التطورات في الشأن الليبي”، لافتا إلى أن البرلمان العربي سيصدر قرارا بشأن تطورات الأوضاع في البلاد.

ويتحكم كل من مجلس النواب الليبي، الذي مقره مدينة طبرق “شرق”، والحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، في “الجيش الوطني الليبي”، الذي يقوده المشير خليفة حفتر.

 يوم الأحد كذلك ذكر رئيس فريق الاتصال الروسي حول ليبيا، ليف دينغوف، أن قائد “الجيش الوطني الليبي” المشير خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، قد يزوران موسكو قريبا لبحث حل الأزمة.

وقال دينغوف، في حديث لوكالة “نوفوستي” الروسية، مساء الأحد: “تفيد المعلومات المتوفرة لدي بأن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فايز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، سيصلان في أقرب وقت إلى موسكو لإجراء محادثات ستكون في صلبها شروط مواصلة التسوية في ليبيا. وأضاف دينغوف أن “المحادثات ستشمل إمكانية التوقيع على اتفاق بشأن الهدنة وتفاصيل هذه الوثيقة”.

كما أفاد دينغوف بأن “قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب المتمركز شرق ليبيا، عقيلة صالح، سيزوران موسكو كذلك لإجراء محادثات حول الموضوع نفسه”.

وأوضح المسؤول الروسي أنه من غير الواضح حاليا ما إذا سيكون هناك لقاء بين حفتر والسراج في موسكو.

لكنه بين أن كلا من حفتر والسراج سيلتقيان “بشكل منفصل بالقيادة الروسية، وكذلك مع ممثلي الوفد التركي، الذي يتعاون مع روسيا حول هذه المسألة”، مشيرا إلى أنه “سيتولى مسؤولون من مصر والإمارات دور المراقبين في المحادثات”.

 في الوقت الذي حل فيه رئيس البرلمان الليبي بموسكو يلتقي وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان، سيرغي شويغو وسيرغي لافروف، نظيريهما التركيين، مولود تشاووش أوغلو وخلوصي أكار، في موسكو، يوم الاثنين 13 يناير، وفق ما أوردت وكالة “تاس” الروسية.

وأشارت الوكالة إلى أن الطرفين سيبحثان تسوية الأزمة الليبية، والتنسيق بين روسيا وتركيا في سوريا، والأوضاع في الشرق الأوسط على خلفية تصعيد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

وسابقا، أفادت صحيفة “ميلييت” التركية بأن وزيري الخارجية والدفاع التركيين حلا بموسكو الأحد، مضيفة أن الوفد التركي يضم رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، هاكان فيدان.

صعوبة التوصل إلى اتفاق

 يوم الاثنين 13 يناير 2020 صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف للصحفيين إن المحادثات الرامية إلى وقف إطلاق نار غير مشروط لأجل غير مسمى في ليبيا فشلت في تحقيق اختراق يوم الاثنين رغم إحراز تقدم جيد.

وأضاف لافروف إن بعض أطراف الصراع وقعت على اتفاق لوقف إطلاق النار لكن خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي الذي يحاول انتزاع السيطرة على العاصمة طرابلس طلب مزيدا من الوقت لدراسة الأمر.

وخلال محادثات استمرت لنحو ثماني ساعات، حث الوسطيان الروسي والتركي الطرفين المتنافسين على توقيع هدنة ملزمة تنهي حربهما وتمهد الطريق لتسوية قد تؤدي لاستقرار هذا البلد الواقع في شمال أفريقيا.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن فائز السراج الذي يرأس حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس وقع على اتفاق وقف إطلاق النار.

لكن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال إن خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي طلب مزيدا من الوقت لدراسة وقف إطلاق النار.

وذكرت وكالة تاس الروسية للأنباء أن السراج رفض إجراء محادثات مباشرة مع حفتر، مما اضطر دبلوماسيين روسا وأتراكا للقيام بجهود الوساطة بين الوفدين الليبيين.

وكان آخر اجتماع جمع السراج وحفتر في العاصمة الإماراتية أبوظبي في فبراير 2019 ثم انهارت المحادثات بسبب الخلاف على من يمثل السلطة الشرعية ورفض حكومة السراج إخراج المليشيات المتطرفة من العاصمة وتشكيل حكومة يقبلها البرلمان الليبي كما نص على ذلك اتفاق الصخيرات الذي وقع في المغرب بتاريخ 17 ديسمبر 2015 بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر. وبعد ذلك حرك حفتر قوات الجيش الليبي باتجاه طرابلس في أبريل 2019، باسطا نفوذه على مناطق تجاوزت شرق وجنوب البلاد.

وفي مؤشر على أنه قد يواصل هجومه، قال الجيش الوطني الليبي في موقعه الرسمي على الإنترنت ”جاهزون وعلى النصر مصممون“.

ولم يذكر أي تفاصيل لكن موقعا آخر مرتبط بالقوة قال إن حفتر لن يوقع مقترح السلام. وذكرت قنوات مؤيدة للجيش الوطني الليبي أن حفتر غادر موسكو بالفعل.

ودعت صفحات مؤيدة للجيش الوطني الليبي في منشورات إلى تنظيم تجمع دعما لحفتر يوم الثلاثاء في مدينة بنغازي بشرق ليبيا.

في مقابل ذلك قال مشاركان في المفاوضات التحضيرية لقمة تستهدف تحديد مسار للسلام في ليبيا إن ألمانيا تعتزم عقد القمة في برلين يوم 19 يناير.

وستواكب القمة زيارة تستغرق يوما واحدا لبرلين يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وكان مكتب أردوغان قد أعلن عن الزيارة لكنه لم يدل بتفاصيل أخرى.

ويعتبر وجود أردوغان ضروريا لنجاح أي مؤتمر حول ليبيا بعد قرار أنقرة نشر مستشارين عسكريين، وربما قوات، في ليبيا الأمر الذي جعلها لاعبا رئيسيا في الحرب الدائرة منذ وقت طويل.

وكانت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل قد أعلنت عن القمة يوم السبت مضيفة أن الأمم المتحدة ستقود المحادثات إذا كان الاجتماع سيعقد في برلين. وقالت إن الطرفين المتحاربين يجب أن يقوما بدور كبير إذا كان هناك استعداد لإيجاد حل.

وذكرت ميركل إن الهدف من الاجتماع هو منح ليبيا الفرصة لكي تصبح بلدا يحظى بالسلام والسيادة.

وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت إن هناك خططا لعقد مؤتمر حول ليبيا في برلين في يناير لكنه رفض تأكيد موعد انعقاده.

باريس على الخط

 يوم الأحد 12 يناير أجرى الرئيسان الروسي، فلاديمير بوتين، والفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال اتصال هاتفي بينهما، بحثا معمقا لملف تسوية الأزمة في ليبيا، وفق ما أورد الكرملين.

وقالت الرئاسة الروسية، في بيان، إنه تمت الإشارة، خلال الاتصال، إلى أهمية التزام أطراف النزاع في ليبيا بنظام وقف إطلاق النار، المعلن اعتبارا من يوم 12 يناير، وذلك في سياق الاتفاقات التي توصل إليها الرئيسان الروسي والتركي، في اسطنبول، في 8 من الشهر.

وذكر البيان أن الرئيسين جددا استعداد موسكو وباريس للمساهمة في تسوية الأزمة الليبية بطرق سياسية ودبلوماسية. كما أعربا عن عزمهما العمل على إنجاح مؤتمر دولي حول ليبيا يزمع عقده في العاصمة الألمانية برلين.

 ومن اللافت للنظر وجود اتصالات مكثفة على أجنحة أخرى في نفس التوقيت تقريبا، حيث سجل يوم الأحد 12 يناير وجود وزير الخارجية السوري وليد المعلم في طهران مع وصول أمير قطر، سبقه وجود المعلم في موسكو تزامنا مع وجود الرئيس أردوغان هناك، خلال القمة التي عقدت بين الأخير والرئيس بوتين في الثاني والعشرين من أكتوبر 2019، وما بين المصادفتين تقع زيارة خاطفة وغير معلنة للرئيس بوتين إلى دمشق وعقده قمة مع الرئيس الاسد قبل أن يغادر في اليوم التالي إلى أنقرة للقاء الرئيس اردوغان، تلك تحركات تشي أن ثمة تغييرات مرتقبة في الإقليم. وإن تلك المستجدات لن تجد طريقها إلى العلن حتى يتم انضاجها من قبل كافة الأطراف المعنية بها.

تهديد للأمن المصري

جاء في تقرير نشر في واشنطن يوم 3 أكتوبر 2019 بشأن تأثير الوضع في ليبيا على مصر:

البعد الأمني لم يكن المحرك الوحيد للقاهرة، في الأزمة الليبية، فالقاهرة أعربت علانية عن دعمها للجيوش الوطنية في مواجهة الاضطرابات التي مست المنطقة في أعقاب موجات “الربيع العربي”، لاسيما مع تصاعد قوة حركات الاسلام السياسي. وتكمن خطورة مشروع الإخوان في المنطقة في انه مشروع عابر للحدود ببساطة، حيث من شأن أي نجاح للإخوان في أي دول في الشرق الأوسط أن يعزز مواقعهم في الدول المجاورة. ومن ثم، فان سيطرة الإخوان على الحكم في ليبيا أمر محفوف بالمخاطر بالنسبة لأغلب دول الشرق الأوسط، لكنه يمثل خطرا وجوديا بالنسبة لمصر.

 الواقع على الأرض لا يتحمل انتظار عملية سياسية بطيئة لتشكيل حكومة جديدة في ليبيا، حيث تشكل الحدود الغربية التي تمتد لمسافة 1200 كم تقريبا، بين مصر وجارتها ليبيا، مصدر قلق وتهديد دائم لمصر. وفى هذا الصدد، شهدت صحراء الواحات، والفرافرة المتاخمة للحدود الليبية في مصر العديد من العمليات الإرهابية المأسوية، حيث لم تستهدف الخلايا الإرهابية قوات الأمن والجيش فقط بل استهدفت أيضا مواطنين أقباط في تلك المنطقة النائية. كما ارتكبت العناصر الإرهابية، عمليات لا تعد ولا تحصى عبر الحدود وتمكنت بعد ذلك من الفرار إلى الصحراء الليبية. وتعد حالة الإرهابي والضابط السابق في الجيش المصري هشام عشماوي ، والذى شارك في عدة عمليات إرهابية استهدفت قوات الجيش والشرطة داخل مصر، وتم القبض عليه في ليبيا منذ عدة شهور، مثالا بارزا على ذلك.

وفى هذا الصدد، ترى السلطات المصرية أيضا أن تلك المنطقة تساهم بشكل مباشر في دعم الإرهاب المحلي، حيث تؤكد السلطات المصرية أن ليبيا هي المصدر الرئيسي للأسلحة للجماعات الإرهابية في شمال سيناء، وقد أحال المدعي العام المصري مؤخرا أحد عشر متهما، بينهم أربعة ليبيين، إلى المحاكمة بتهمة تعاونهم مع تنظيم “داعش” في ليبيا.

ثلاثة خيارات

 نشر في واشنطن يوم 2 يناير 2020 تقرير عن خيارات مصر بعد اتضاح دور تركيا في ليبيا جاء فيه:

بعد مصادقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى ليبيا، تشعر الجارة مصر بالقلق كونها على خلاف استراتيجي مع أنقرة ليس فقط في ما يتعلق بالشأن الليبي والسوري بل في عدد من الملفات الخاصة بالمنطقة من بينها التنقيب في المتوسط.

ويبدو أن كل الخيارات واردة بالنسبة للقاهرة التي عقد فيها الخميس 2 يناير الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعا للأمن القومي مع عدد من المسؤولين أبرزهم وزير الدفاع لبحث ملفات الأمن.

وقبل أشهر وقع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج مذكرة تعاون أمني وعسكري، وقد وافق الطرفان على تفعيلها منذ أيام بما يشكل تمهيدا لبدء الدعم العسكري التركي لحكومة طرابلس، في ظل تقدم من جانب قوات حفتر في العاصمة الليبية.

ويعتقد مراقبون أن القاهرة لديها ثلاثة خيارات تعتمد على مدى تطور الأوضاع في ليبيا، هي البحث عن دعم سياسي دولي يوقف التدخل التركي، أو دعم حفتر بشكل أكبر، أو التدخل العسكري المباشر.

ويرى مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية أشرف العشري أن مصر تراهن على الحل السياسي للأزمة الليبية وأضاف لموقع الحرة “إن هذا الدعم يمكن أن يعزل تركيا من ناحية، ويوفر غطاء سياسيا للتعاطي مع الأزمة الليبية من ناحية أخرى”.

وحذر العشري من أن “التدخل التركي يمكن أن تكون له تداعيات كارثية قد تقود إلى تشظي ليبيا”.

وقد كثفت مصر بالفعل في الآونة الأخيرة من اتصالاتها مع دول العالم، أبرزها اتصال الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، يضاف إلى ذلك ترتيبات مصرية لعقد قمة رباعية في القاهرة تضم مصر وفرنسا وقبرص واليونان.

ومع ذلك، لم يستبعد العشري أن تغير مصر بوصلة تعاملها مع الأزمة الليبية في حال تدخلت تركيا “بشكل مستفز” في ليبيا.

مصر قامت قبل نحو ثلاثة أسابيع بمناورات عسكرية بحرية في المتوسط كانت، حسب العشري، بمثابة “رسالة شديدة الأهمية للجانب التركي. مصر لن تقبل بأي عبث في المتوسط أو على حدودها الغربية”.

وأوضح العشري أن أي تصعيد من جانب مصر ضد تركيا قد يكون في شكل تكثيف دعمها لحفتر، واستبعد ارسال قوات مصرية إلى ليبيا.

وتتابع مصر عن كثب محاولات تركيا لإرسال قوات إلى ليبيا، وأنشأت غرفة عمليات لرصد أي تحركات تركية تهدد الأمن القومي المصري، حسب العشري.

في المقابل، يرى خبير الشؤون الأمنية اللواء جمال مظلوم أن “تدخل مصر عسكريا في ليبيا وارد جدا في حال واجهت تهديدا مباشرا من تركيا”.

وقال مظلوم لموقع الحرة إن “هناك حديثا عن دعم استخباراتي ولوجستي مصري لحفتر، لكن لو شعرت مصر بتهديد مباشر ومتزايد لأمنها القومي فلا شك أنها ستتعامل معه، لأ استبعد أن تتدخل عسكريا”.

وسبق أن تدخلت مصر عسكريا في ليبيا بعد ما أقدمت مجموعات إرهابية على إعدام مصريين في الأراضي الليبية.

وتمتلك مصر حدودا بطول 1115 كليومترا مع ليبيا ولطالما عبرت مصر عن قلقها من تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا الذي سمح لبعض العناصر الإرهابية بالتسلل إلى مصر.

وتتهم مصر تركيا بدعم جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها القاهرة مجموعة إرهابية، وسط اتهامات مماثلة من حفتر لحكومة السراج بإيواء جماعات إرهابية.

القدرات العسكرية

 جاء في تحليل نشر في باريس كتبته غدي حسن حول إمكانيات تركيا العسكرية للتدخل في ليبيا:

 في أعقاب تعهدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمساعدة حكومة السراج التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، يتردد العسكريون في أنقرة في نشر الجنود في ليبيا على طريق محاط بالخصوم وعلى رأسهم مصر واليونان، بينما تسعى القيادة العسكرية التركية لضمان سلامة القوات خلال مهمتها هناك.

 استنادا إلى التصريحات الأخيرة لكل من أردوغان وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، فإن ما يفكرون فيه هو أبعد من مجرد مهمة تدريب وتجهيز محدودة، فحكومة الوفاق تتوقع مساعدة تركية لتحقيق الأهداف التالية، إنشاء قوة دورية بحرية لحماية طرابلس من البحر، وإنشاء منطقة حظر طيران في المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني للحماية من قوات الجيش الليبي، الذي يسيطر إلى حد كبير على المجال الجوي الليبي.

 ما تتوقعه حكومة السراج بعد ذلك من أنقرة هو إنشاء آلية للحوار مع روسيا على غرار عملية أستانا في سوريا والتي من شأنها أن تمهد الطريق لمنصة دبلوماسية، إذ سيكون للحكومة الوطنية المؤقتة يد قوية في المفاوضات مع حفتر.

باختصار، في حين أن الاستعدادات العسكرية في أنقرة كانت تهدف إلى نشر وحدة غير قتالية تتسع لما يصل إلى 200 جندي للقيام بمهمة تدريب وتجهيز، فإن ما طلبه قوات حكومة الوفاق من تركيا كان قوة عسكرية لأغراض قتالية تضم عناصر برية وبحرية وجوية.

إن تلبية هذا الطلب يتطلب نشر عناصر جوية تتألف من ست إلى ثمان طائرات حربية من طراز بلوك 50 وسربي طائرات  ف 16 ونظام إنذار مبكر ومراقبة محمولة جوًا “أواكس”، وعناصر بحرية تتكون من فرقاطة، واثنين أو ثلاثة زوارق حربية، وغواصة أو غواصتين للاستعداد للعمل البحري، وقوة برية لا تقل عن 3 آلاف جندي.

 زيارة أردوغان المفاجئة في 25 ديسمبر 2019 إلى تونس، الجارة الشمالية الغربية لليبيا، مرتبطة بإجابة تركيا عن قدرتها في دعم عسكري حقيقي لليبيا، فقد كشفت الزيارة غير المعلنة عن النوايا التركية لالحاق تونس والجزائر بكتلة من شأنها حماية حكومة الوفاق من قوات حفتر، إذ سعت تركيا إلى الوصول إلى المجال الجوي التونسي والقواعد الجوية والمياه الإقليمية من أجل ضمان حشد عسكري يهدف إلى تحقيق هذا الغرض، لكنها قوبلت برفض تونسي.

من دون دعم تونسي، يصبح توفير الدعم الجوي والبحري لحكومة الوفاق عبر المياه والمجال الجوي الدولي أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة لأنقرة.

علاوة على هذا فإن القواعد الجوية التي تسيطر عليها حكومة الوفاق داخل ليبيا ليست قادرة على دعم العمليات المكثفة التي يجب أن تقوم بها طائرات القوات التركية وستتعرض لخطر هجوم قوات حفتر على أي حال. وأيضا، تفتقر تركيا إلى القاذفات الثقيلة التي يمكن أن توفر قوة نيران ساحقة في ليبيا، لذا فإن الطريقة التي ستؤمن بها القوات الجوية التركية منطقة عملياتها ضد التدخلات المحتملة من الطائرات المصرية أو الإماراتية هي معضلة أخرى يجب على تركيا أخذها في الاعتبار.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here