عمر نجيب: الحرب العالمية الثالثة التي قد تقع رغم أن الجميع يتجنبها… أخطار اختلال موازين الصراع بين الصين وروسيا والولايات المتحدة

عمر نجيب

 منذ تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يوم 20 يناير 2021 والعالم يتابع التغييرات والتعديلات التي تطرأ على سياسة واشنطن خاصة الخارجية مع التركيز على مسار الصراع الدائر بشأن إعادة تشكيل النظام العالمي الذي تكون في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين مع إنهيار الكتلة السوفيتية وفرض واشنطن لنظام القطبية الواحد.

 غالبية المحللين والسياسيين أدركوا أن واشنطن وهي تنتقل من عهد دونالد ترمب إلى عهد جو بايدن لن تحيد عن أهدافها الإستراتيجية وأن التعديلات التي قد تدخلها في سياساتها ستقتصر على تبديل أساليب التعامل مع التحديات التي تواجهها، فالقوى التي توجه وتدير سياسات البيت الأبيض وهي المركب الصناعي العسكري لم تتخل عن سطوتها، وتبقى منذ الحرب العالمية الثانية أهم صانع لتوجهات قادة البيت الأبيض. التعديلات التي قد تمس مظاهر توجهات واشنطن من حين لآخر هي نتيجة لمحاولة التأقلم مع متغييرات سواء من فشل أو نجاح ومواصلة السير بعد ذلك للوصول إلى كل أو جزء من النتائج المرجوة.

 بعد 45 يوما من تولي بايدن منصبه تم الكشف عن وثيقة الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي، وبالتالي عن الملامح العامة لتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، والتي حظيت الصين على نصيب الأسد فيها، لجهة ما تشكله من تهديد استراتيجي واسع للولايات المتحدة، أبرزته الوثيقة بشكل مفصل، ذلك بخلاف التهديدات العالمية الأخرى مثل كوريا الشمالية وجائحة كورونا وقضية التغير المناخي.

الوثيقة كشفت عن إرشادات عامة للأمن القومي والخطوط العريضة للتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، وأكدت على أن مصير أمريكا صار مرتبطا بشكل أكبر من أي وقت مضى بالأحداث التي تقع خارجها، وركزت على مرتكزات الإدارة الأمريكية الجديدة في سياستها الخارجية”.

حددت الوثيقة جملة من القضايا الشائكة التي تواجه الولايات المتحدة، ومن بينها صعود القوى المنافسة لها، وتحديدا روسيا والصين، ونصت على أن الولايات المتحدة “يجب أن تشكل مستقبل النظام العالمي باعتبار ذلك ضرورة ملحة الآن”. كما ذكرت أن واشنطن “لن تترد في استخدام القوة عند الحاجة لذلك من أجل الدفاع عن مصالحها”. ذلك في الوقت الذي تناولت فيه الإستراتيجية قضايا وأزمات الشرق الأوسط باعتبارها من بين الملفات ذات الأولوية.

 ووصفت الصين في الإستراتيجية بأنها صارت أكثر ثقة بالنفس الآن”، باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على دمج قدراتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية وحتى التقنية لتشكيل خطر على النظام العالمي.

وفي حين أن الصين هي المنافس الرئيس الآن للولايات المتحدة، إلا أن ذلك لا يعني الاستهانة بروسيا التي تواصل جهودها، بحسب تقييمات الاستخبارات الأمريكية، لتقويض النفوذ الأمريكي وتفكيك التحالفات الغربية، مثل حلف “الناتو” أو حتى الاتحاد الأوروبي عبر أساليب مختلفة، فضلا عن مبيعات الأسلحة إلى دول مرتبطة بالغرب، مثل بيع صواريخ “أس-400” إلى تركيا.

الصين تهديد للأمن القومي

 بعد أيام من صدور وثيقة الدليل الاستراتيجي، ذكر تقرير للمخابرات الأمريكية تم الكشف عنه يوم الثلاثاء 13 أبريل 2021 أن سعي الصين لأن تصبح قوة عالمية يعد التهديد الأكبر للأمن القومي الأمريكي فيما تشكل جهود روسيا لتقويض النفوذ الأمريكي وتصوير نفسها باعتبارها طرفا رئيسيا تحديا أيضا.

وتضمن التقرير السنوي لتقييم المخاطر لعام 2021 وجهات نظر أجهزة المخابرات الأمريكية بشأن قضايا الأمن الخارجي الكبرى التي يواجهها الرئيس جو بايدن في عامه بالأول بالمنصب والتي زاد من تعقيدها تفشي جائحة كورونا والتغير المناخي عالميا.

وذكر التقرير أنه بينما تمثل الصين وروسيا التحديين الرئيسيين فإن إيران وكوريا الشمالية لا تزالا مصدر خطر على الأمن القومي الأمريكي.

وقد عقدت لجنة المخابرات في كل من مجلس النواب والشيوخ اجتماعات يومي الأربعاء والخميس 14 و 15 أبريل حيث تمت مناقشة التقرير الذي أرسل إلى الكونغرس. وقدمت أفريل هاينز مديرة المخابرات المحلية ووليام بيرنز مدير المخابرات المركزية الأمريكية بإدارة بايدن بإفادتهما لأول مرة منذ تعيينهما.

وذكر التقرير إن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم سيكثف جهود الحكومة بأكملها لتوسيع نفوذ الصين وتقويض نفوذ الولايات المتحدة، وإثارة الفرقة بين واشنطن وحلفائها وشركائها” وتعزيز قبول نظامها.

وفي الوقت ذاته، سيعمل الزعماء الصينيون على “انتهاز الفرص” لتهدئة التوترات مع الولايات المتحدة عندما تستدعي مصالحهم ذلك.

وأفاد التقرير إن الصين تمتلك قدرات كبيرة على شن هجمات إلكترونية يمكنها على أقل تقدير أن تتسبب في أعطال محدودة ومؤقتة للبنية التحتية الحيوية بالولايات المتحدة.

وترى الاستخبارات الأمريكية أن الصين تنظر إلى الولايات المتحدة بالطريقة نفسها التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى روسيا، وهو أنها قوة عالمية متراجعة ما يشجعها على مزيد من التحدي، وربما العدوانية في المستقبل، على الرغم من أن الصراع الرئيس في العلاقات بين الجانبين يتمحور حاليا حول قضيتين رئيسيتين، هما المنافسة العالمية بينهما كقوتين اقتصاديتين عظميين، واستخدام التكنولوجيا.

وأفاد التقرير إن روسيا تسعى إلى تقويض النفوذ الأمريكي ونثر بذور الشقاق بين الدول الغربية وفي داخل التحالفات الغربية وبناء القدرات التي تمكن موسكو من “تشكيل الأحداث العالمية باعتبارها طرفا رئيسيا”. وأضاف أن روسيا أيضا “ستظل تمثل تهديدا إلكترونيا رئيسيا”.

وجاء تقييم الوكالات لبرنامج إيران النووي ونياتها متفاوتا.

وقالت الوكالات إنها تواصل اعتقادها أن إيران “لا تقوم في الوقت الحالي بالأنشطة الرئيسية لتطوير أسلحة نووية والتي نحكم بأنها ستكون ضرورية لإنتاج قنبلة نووية”.

وذكرت الوكالات إن كوريا الشمالية “ستمثل تهديدا متزايدا للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان” في الوقت الذي تطور فيه قدراتها العسكرية التقليدية.

وذكر التقرير إن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون “لا يزال متمسكا بشدة بالأسلحة النووية لبلاده وإن البلاد ضالعة بهمة في أبحاث الصواريخ الباليستية وتطويرها” وإنها لا تزال حريصة على تطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

موازين القوى

 في خضم الحرب الباردة، فاقت القوى العسكرية للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أي دولة أخرى أو مجموعة من الدول، أضعافا مضاعفة. مع انهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشى نظام القطبين ليفسح الطريق لهيمنة عسكرية أمريكية لا منازع لها، خصوصا في مجال الأسلحة التقليدية غير النووية. وخلال الحرب الباردة، صممت الإستراتيجية الدفاعية لواشنطن لردع خصم رئيسي عتيد واحد، ثم في أعقاب هذه الحرب تصورت واشنطن أنه لم يبق أمامها خصوم رئيسيون يقلقونها، ولكن نهضة موسكو من كبوتها أعادت للوجود قوة عسكرية قادرة على تدمير الولايات المتحدة في حالة نشوب حرب عالمية ثالثة.

 وفي فترة ما بين استعادة الكرملين لقوة ردعه ونهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهدت الولايات المتحدة تشكل نظام دولي ليس به مركز جاذبية واحد أو اثنين، بل مراكز عديدة. تبدل توزيع القوة النووية على الصعيد الدولي. خلال معظم فترة الحرب الباردة راكمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أكثر من 20 ألف رأس نووي لكل منها، في حين لم تتجاوز ترسانات بريطانيا والصين وفرنسا مئات الرؤوس. لكن سلسلة من المعاهدات الثنائية حول تقليص حجم الترسانة النووية أدت إلى خفض مخزون كلا البلدين لما يقارب 1550 سلاحا استراتيجيا عاملا لكل منهما. وفي نفس الوقت، تزايدت ترسانات دول مثل الصين والهند وكوريا الشمالية وباكستان، حجما وتعقيدا.

 وخلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فقدت الولايات المتحدة تفوقها المطلق في العديد من مجالات التسلح خاصة الصواريخ وأجهزة الطاقة الموجهة والذكاء الصناعي والأسلحة الممكن استخدامها في الفضاء الخارجي. وقد أضيف إلى كل ذلك تراجع القدرات الاقتصادية للولايات المتحدة مقابل نمو متواصل في الصين ودول أخرى. ويسجل الخبراء الاقتصاديون أن جائحة كوفيد أضرت بالقدرات الاقتصادية لواشنطن بمعدلات أعلى مقارنة سواء مع منافسيها الاقتصاديين أو خصومها.

 بعض الخبراء الغربيين يشيرون إلى أن هناك مبالغة في التقارير الأمريكية عن تهديدات الصين العسكرية وذلك لأغراض شتى، ويشيرون إلى أنه لا يجب على واشنطن أن تنظر بقلق كبير إلى تنامي القوة العسكرية الصينية إلا في ما يخص التوازن المحتمل في منطقة شرق آسيا مع القوات الأمريكية، فأمريكا هي البلد الوحيد الذي يستطيع خوض غمار حروب ضخمة وبعيدة من حدوده، وهي الدولة الوحيدة أيضا التي يمكنها توجيه ضربات عسكرية في أي مكان على سطح الأرض خلال ساعة زمنية واحدة من اتخاذ القرار وذلك عبر قواعدها العسكرية البالغ عددها 587 المنتشرة في 42 بلدا عبر أرجاء المعمور، كما أن القوات البحرية والجوية الأمريكية أقوى منفردة من الدول الـ10 التالية لها مجتمعة، هذا الفارق الشاسع في ميزان القوى، لم يحدث تاريخيا من قبل في أي وقت، وهو ما يجب أن يجعل دوائر صنع الفرار في واشنطن مطمئنة لسنوات مقبلة عدة قبل أن تتمكن الصين من اللحاق بها خلال عقدين أو أكثر.

وفي حين تتشابه بعض أساليب روسيا والصين، فإن الطموحات الإستراتيجية الأكثر شمولية وبعيدة المدى لبكين هي التي تميزها عن موسكو وتقلق كبار مسؤولي أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

وبينما يقول بعض الخبراء إن أفضل إستراتيجية أمريكية تجاه الصين هي الاعتماد على مجموعة من الدول الأخرى لكبح بكين وطموحاتها الإستراتيجية، إلا أن آخرين يعتبرون أن بكين لا تهدد واشنطن بشكل مباشر على الرغم من المشاعر المحمومة المعادية للصين التي تنتشر الآن في واشنطن.

ويستند هؤلاء إلى أن نقطة الضعف الأكبر في جمهورية الصين الشعبية هي جغرافيتها، ذلك أن الصين محاطة بأكثر من 12 دولة، معظمها كان في صراع أو على خلاف مع بكين، فعلى مدار القرن الماضي، دخلت بكين في حروب مختلفة مع فيتنام، وروسيا الاتحاد السوفياتي، وكوريا، واليابان، والهند، والفيليبين، ولا يزال الخلاف ساخنا مع نيودلهي.

ومقارنة بذلك تتمتع الولايات المتحدة، بجيرة هادئة مع المحيطات شرقا وغربا ومع كندا، والمكسيك في الشمال والجنوب، وجيران مسالمين في شمال وجنوب المحيط الهادئ.

القوى الصاعدة

وفيما عزا المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديدز حرب أسبرطة وأثينا (431-404 قبل الميلاد) إلى الصراع الحتمي بين القوة الصاعدة وتمثلها أثينا، والقوة الحاكمة المهيمنة وتمثلها أسبرطة، يعتبر بعض علماء السياسة الدولية أن هذه النظرية تنطبق على المواجهة الحتمية بين الصين كقوة صاعدة والولايات المتحدة كقوة حاكمة مهيمنة.

لكن أصواتا أخرى في الولايات المتحدة ترى أن الحرب بين الصين والولايات المتحدة ليست حتمية بل يجب مقاومتها بشدة لأن التعاون بين البلدين ضروري للغاية لحل مشكلات عالمية عديدة مثل تغير المناخ والصحة العالمية والنمو المستدام والعديد من مشكلات العالم الأخرى، ويخشى هؤلاء من أن أية أيديولوجية إمبريالية تخلق عدوا لتبرير التضحيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الهائلة اللازمة للحفاظ على الهيمنة العالمية، وإذا كان هذا العدو في السابق هو الاتحاد السوفياتي، فإن من يحتل الآن دور العدو هي الصين، وهو أمر خطير على مستقبل العالم ومصالح بلدانه.

فناء البشرية

يوم السبت الأول من شهر مايو 2021 حذر هنري كيسنغر، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق ووزير الخارجية في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، من خطر المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة والصين .

وأكد كيسنغر (97 عاما) -في تصريحات له خلال منتدى نظمه “معهد ماكين للقيادة الدولية” بواشنطن وأوردتها صحيفة تايمز البريطانية- أن خطر اندلاع حرب نووية تفاقم خلال السنوات الأخيرة خاصة بسبب القوة الاقتصادية المتنامية للصين وقدراتها التكنولوجية.

ولئن كانت الأسلحة النووية بالفعل كافية لإلحاق الضرر بالعالم بأسره خلال الحرب الباردة التي شهدها القرن الماضي، كما يقول كيسنغر، فإن التقدم المتسارع في مجالي التكنولوجيا النووية والذكاء الاصطناعي -حيث تحتل فيهما كل من الصين والولايات المتحدة معا مركز الصدارة- ضاعف تهديد سيناريو “فناء البشرية”.

وأضاف “لأول مرة في التاريخ، تمتلك البشرية القدرة على إفناء نفسها في فترة زمنية وجيزة، لقد طورنا قوة تفوق ما كان يتخيله أي شخص حتى قبل 70 عاما.. والآن ينضاف عنصر التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي للمعطى النووي. ويكتسي هذا الأمر قيمة هائلة في أي صراع بين القوى الرائدة تكنولوجيا”.

ونوه إلى أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ركزت على المنافسة في مضمار الأسلحة النووية، لكن لم تكن لدى الاتحاد السوفياتي قدرة تكنولوجية متنامية مثل التي تمتلكها الصين حاليا حيث أصبحت في الآن ذاته “قوة اقتصادية ضخمة وقوة عسكرية كبيرة”.

 وجدد كيسنغر -الذي أدت دبلوماسيته المكوكية في السبعينيات إلى لقاء بين الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي تونغ وإلى تحسن في العلاقات الأمريكية الصينية- إيمانه بأن خيار الدبلوماسية هو الأنسب لمعالجة المشاكل العالقة بين الطرفين رغم صعوبته.

وقال “أنا لا أقول إن الدبلوماسية ستؤدي دائما إلى نتائج مفيدة.. هذه هي المهمة المعقدة الملقاة على عاتقنا.. لم ينجح أحد قط في الدبلوماسية نجاحا كاملا”.

وكان كيسنغر صرح في وقت سابق لصحيفة “دي فيلت” الألمانية، بأن على كل من الولايات المتحدة والصين السعي لإرساء نوع من التعايش فيما بينهما في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بدل سعي كل طرف للتغلب على الآخر قائلا “جاهدوا من أجل الوصول إلى هذا المبتغى، لأن سيناريو الصراع الشامل البديل من الصعب جدا تخيل تداعياته”.

في نفس الوقت الذي صدرت فيه تحذيرات كيسنغر حذر مقال بموقع ناشونال إنترست من احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين، ومن التداعيات الكارثية التي قد تنجر عن ذلك على مستوى العالم.

واعتبر الكاتب الصحفي سباستيان روبلين -في مقاله الذي نشر بالموقع تحت عنوان “لماذا قد يتسبب نشوب حرب كبرى بين الصين وأميركا في نهاية العالم؟”- أنه لا شك أن اندلاع حرب بين قوى عظمى أمر كارثي يجب تجنبه، وأن هناك مؤشرات لاحتمال انجرار الصين والولايات المتحدة لحرب دون التخطيط لذلك.

وأشار المقال إلى التوتر غير المريح الذي يشوب علاقة القوتين العظميين، لافتا إلى أن إحداهما ذات قدم راسخة في مجال القوة العسكرية بعد عقود من خوض غمار الحرب الباردة، والأخرى قوة صاعدة تتوق إلى استعادة هيمنتها الإقليمية.

واستفاض الكاتب في الحديث عن القدرات العسكرية للصين والولايات المتحدة، والمقارنة بين جيشيهما وإمكانياتهما العسكرية المتطورة، ومجالات تفوق كل منهما، لافتا إلى أن كلا البلدين يمتلكان أسلحة متطورة وجيوشا ضخمة وأسلحة نووية، الأمر الذي يجعل من تداعيات اندلاع حرب بينهما مسألة خطيرة على مستوى العالم.

وبحسب منظمة الحد من الأسلحة فإن الولايات المتحدة تتفوق على الصين من حيث عدد الرؤوس الحربية النووية.

ورغم الاختلاف العميق في النظام السياسي للبلدين، فإنه من حسن الحظ أن الصين والولايات المتحدة لا تحملان عداء جوهريا لبعضهما البعض كما هو الحال بين الغرب والاتحاد السوفياتي، بل إنهما تتمتعان بقدر كبير من العلاقات الاقتصادية المتبادلة.

ومع ذلك، والكلام للكاتب، فإن معطيات التاريخ تشير إلى أنه غالبا ما يكون هناك خطر اندلاع حرب عندما تتحدى قوة صاعدة قوة عظمى قائمة، وهناك خلافات عميقة بين بكين وواشنطن بشأن قضايا تتعلق بالحوكمة العالمية، كما أن لديهما أيضا أسبابا عديدة لعدم الثقة في بعضهما البعض.

ووفقا للكاتب فإن ساحة التوتر الأشد بين الولايات المتحدة والصين هي مياه المحيط الهادي، حيث تولي بكين أهمية كبيرة لدفع السفن الأمريكية بعيدا عن سلسلة الجزر الاصطناعية التي بنتها في بحر جنوب الصين، لتكون نقاطا عسكرية إستراتيجية.

في حين تعتبر الولايات المتحدة وعدد من دول العالم أن تلك المياه دولية يحق للكل الإبحار فيها، وتواصل البحرية الأمريكية إرسال مدمرات وطرادات في دوريات تطلق عليها “حرية الملاحة البحرية” للحفاظ على حقها في تلك المياه الدولية.

وخلص المقال إلى أنه من المرجح أن تستمر كل من الصين والولايات المتحدة في النظر إلى بعضهما كغريمين عسكريين محتملين لعقود قادمة، ولكن إذا تمكنتا من إدارة العلاقات بينهما بحكمة وحذر، فقد لا تضطران للدخول في مواجهة عسكرية حقيقية، كما ستلعب قدرات كل منهما دورا مهما في إدراك تأثير خلافهما على بقية العالم.

وداع سياسة الردع

جاء في تقرير نشرته مجلة فورين افيرز الأمريكية نشر في شهر فبراير 2019:

 في العام 1946، كتب برنارد برودي، أحد واضعي الإستراتيجية النووية الأمريكية، قائلًا “حتى الآن كانت الغاية الأساسية لمؤسستنا العسكرية هي كسب الحروب، لكن من الآن فصاعدا يجب أن يكون هدفها تفاديها”. تعليق برودي يلخص الدرس القاسي المستفاد من أول خمسة عقود في القرن العشرين. فبعد حربين عالميتين مروعتين وبزوغ فجر الأسلحة النووية، كان من الواضح أن الحرب الكبرى القادمة لن يخرج منها أحد منتصرا. وكما قال الرئيس الأمريكي كيندي بعدها بعقد ونصف، إبان أزمة الصواريخ الكوبية، “حتى ثمار النصر ستكون رمادا في أفواهنا”. ولعقود، سار صانعو السياسات الأمريكيون على خطى برودي وكيندي، واضعين الردع ومنع الخصوم من الهجوم في القلب من الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية.

“إذا طبقت إستراتيجية الردع بكفاءة، ستمنع الخصوم من الإقدام على أي عمل غير مرغوب فيه” تقوم هذه الإستراتيجية على تغيير حسابات العدو للتكلفة والفوائد والمخاطر. بإمكان بلد على سبيل المثال، أن يقنع خصومه بأن احتمالية نجاح أي هجوم ضئيلة إلى حد لا يستحق الأمر معه حتى المحاولة، وتسمى هذه الإستراتيجية بردع الحرمان، أو قد يستطيع إقناع خصومه بأن انتصارهم سيكون مكلفا إلى حد سيكون النصر معه اسميا فقط، وتسمى هذه بردع العقوبة، في كلتا الحالتين، فإن الخصم الرشيد العقلاني سيحجم عن الهجوم.

  ساعدت استراتيجيات الردع عبر الحرمان أو العقوبة، في حفظ السلام بين القوى العظمى لأكثر من سبعة عقود. حتى بعد 30 عاما من نهاية الحرب الباردة، يظل الردع في القلب من إستراتيجية الدفاع الأمريكية. فعلى سبيل المثال، تبدأ إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 بالإعلان “تحمل وزارة الدفاع على عاتقها مهمة إعداد قوات مسلحة ذات كفاءة قتالية، لمنع الحرب وحماية أمن أمتنا”.

تكرر هذا الإعلان كثيرا عبر عقود كثيرة حتى أصبح عقيدة راسخة، وعلى غرار سابقاتها من الإدارات الأمريكية، لم تكلف إدارة ترمب نفسها عناء شرح الكيفية التي تنوي بها الولايات المتحدة ردع الخصوم الحاليين والمستقبليين. يقوم هذا الموقف على الافتراض القائل بأن الأمر ليس بحاجة لكثير شرح، فقد بلغت الأسلحة الحديثة حدا من القوة التدميرية يمنع أي زعيم عاقل عن شن حرب شاملة، ولهذا أصبحت متطلبات الردع بسيطة نسبيا.

ثقة في غير محلها

 إلا أن هذه ثقة في غير محلها. فقد أصبح ردع العدوان مهمة أصعب من ذي قبل، وستزداد صعوبة نتيجة للتطورات التكنولوجية والجيوسياسية. ولّى عهد الهيمنة الأمريكية العسكرية غير المسبوقة التي أعقبت الحرب الباردة، وهو ما يعني تجدد المنافسة بين الولايات المتحدة واثنتين من القوى التعديلية العظمى، هما الصين وروسيا. (الدولة “التعديلية” هي الدولة التي لا يعجبها وضعها في ظل النظام العالمي الراهن، وتسعى لتعديله إلى وضع يناسب مكاسبها أو أيدلوجيتها، مثل إيران والصين وكوريا الشمالية، وهي على النقيض من دولة “الوضع الراهن” المنتفعة من النظام العالمي القائم مثل الولايات المتحدة وبريطانيا).

تمتد المنافسة العسكرية لتشمل عددا من الساحات الجديدة، مثل الفضاء والفضاء الإلكتروني، وصولا إلى اعماق البحار، وقد صعبت الإمكانيات الجديدة من إمكانية تحديد قياس دقيق لميزان القوى. من ناحيته، يهدد التقدم في مجال علوم الإدراك الأسس النظرية لإستراتيجية الردع عبر انقلابه على الكيفية التي نفهم بها تصرفات البشر في المواقف عالية المخاطر، مثل مواجهة احتمال نشوب الحرب.

تضعنا هذه التطورات الأخيرة أمام استنتاج مقلق لا مناص منه، وهو أن التحدي الإستراتيجي الأعظم الذي نواجهه في العصر الحالي ليس عودة المنافسة بين القوى العظمى ولا انتشار أنظمة التسليح المتطورة، بل أفول عصر توازن الردع.

عالم متعدد الأقطاب

 تطور الصين قدراتها العسكرية لتتوسع وتغطي أهم أجزاء الكرة الأرضية، فقد انتهت من غواصات جديدة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية، ومن قواعد إطلاق صاروخية أرضية. وكما هو الحال في كل مجالات المنافسة العسكرية الكبرى، لا يبدو أن الصين ستكتفي بالمركز الثاني.

في مثل هذا العالم النووي متعدد الأقطاب، يصعب الحفاظ على بعض الشروط الأساسية التي ضمنت استقرارا نسبيا بين موسكو وواشنطن. قام الردع النووي إبان الحرب الباردة على ما يسميه واضع الاستراتيجيات النووية ألبرت هولستتر على “توازن الرعب” أو “التدمير المتبادل المؤكد”. فطالما ظلت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي قادرتين على تحمل ضربة نووية مفاجئة، والاحتفاظ بقوة نووية بعدها تكفي لهجوم مضاد مدمر، لم يرغب أي من الطرفين في المخاطرة ببدء الهجوم، وهذا هو ردع العقوبة في أفضل تجلياته. وللحفاظ على هذا التوازن الدقيق، سعى كلا الجانبين للحفاظ على تكافؤ تام في قوتهما النووية، وهو هدف مازال قائما حتى اليوم في اتفاقية نيو ستارت.

إلا أن صعود الصين إلى مصاف القوى النووية الكبرى، يهدد بالإطاحة بهذا التوازن في الرعب، إذ ترى كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة في الطرفين الآخرين عدوين ومنافسين. إذا استمرت بكين في تعظيم قوتها النووية، فقد تعمد الولايات المتحدة – وهي مضطرة الآن إلى الإعداد للهجوم من جانبين لا من جانب واحد- إلى الرد ببناء عظيم لترسانتها.

إلا أن أية زيادة ملحوظة في قوة أمريكا النووية ستدفع روسيا إلى أن تحذو حذوها، في محاولة منها للحفاظ على تكافؤ قوتها مع الولايات المتحدة. ببساطة، في عالم يشهد ثلاث قوى نووية عظمى، لن تتمكن أي منها من معادلة قوة الاثنتين الأخريين. في هذه البيئة متعددة الأقطاب، سيكون كل من المتنافسين الثلاثة أقل ثقة في أمانه من هجوم نووي، على خلاف القوى العظمى إبان الحرب الباردة.

جبهات الحرب الجديدة

احتضار إستراتيجية الردع ليس مرتبطا بظهور قوى عظمى جديدة فحسب، فالأسلحة الجديدة أيضا لعبت دورها في هذا التآكل. قديما كانت الأسلحة عالية التقنية ميزة تحوزها الولايات المتحدة لصالحها. فقد أظهرت حرب الخليج في عامي 1990 و1991 عمليا قوة دمج التكنولوجيا المتطورة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع مع الأسلحة عالية الدقة.

توجس المنظرون العسكريون الروس من أن مثل هذه القدرات تمثل نذيرا لما هو قادم، تقضي حجتهم بأن الولايات المتحدة ستكون قادرة، مع نضوج هذه القدرات، على تنفيذ هجمات دقيقة تشل الترسانة النووية الروسية وتفرغ أحشائها دون الحاجة لاستخدام القوة النووية من جانبها.

بعد هجوم كهذا، سيكون بإمكان روسيا بالطبع الانتقام باستخدام أية قوة نووية متبقية لديها. لكن حتى هذا الهجوم الكسيح سيقل تأثيره أكثر فأكثر بفضل الدفاعات الجوية والصاروخية الأمريكية، وقد يؤدي إلى إطلاق العنان لهجوم نووي أمريكي شامل يقضي على المجتمع الروسي.

للتغلب على نقطة الضعف المتصورة هذه، صممت روسيا أسلحة نووية منخفضة القوة التدميرية، واعتنقت عقيدة عسكرية تدعو لاستخدام مثل هذه الأسلحة إذا خشيت موسكو تعرض ترسانتها النووية للخطر، أو إذا خسرت حربا تقليدية.

وفي الصين أيضا، يبدو أن نمطا مشابها من التفكير قد استحوذ على قادتها وسياسييها الذين ألمحوا إلى السماح باستخدام نوع محدد من الأسلحة النووية، حتى في حرب تقليدية، مثل تلك التي تطلق نبضا كهرومغناطيسيا يوقف أي معدات إلكترونية قريبة عن العمل.

ونتيجة لذلك، تقلص الحد الفاصل بين الحرب النووية والتقليدية تدريجيا وقارب الاختفاء، مما يلقي ظلالا مقلقة على إستراتيجية الردع، قد ترى بكين وموسكو الحرب التقليدية أقل خطرا، بما أنه صار بإمكانهما استخدام أنواع محددة من الأسلحة النووية إذا ساءت الأمور.

من ناحية أخرى، ما زال عدد من القادة الأمريكيين يعتقدون أن الهدف الوحيد للاحتفاظ بالأسلحة النووية هو ردع الآخرين عن استخدامها، وهي رؤية تفصل تماما بين الحربين النووية والتقليدية. ونتيجة لذلك، قد يدخل القادة الأمريكيون حربا تقليدية وفي أذهانهم أن فرص تحولها إلى حرب نووية ضئيلة للغاية. لكن القادة الروس والصينيين، إذا وجدوا أنفسهم في أتون مثل هذه الحرب، سيكونون أقل ترددا، مما تظنه الولايات المتحدة، في عبور الحد الفاصل بين الحربين التقليدية والنووية.

الأسلحة السيبرانية

 أن الأسلحة السيبرانية بقدرتها الهائلة وغير المجربة على تعطيل أنظمة الإنذار والقيادة، تعكر صفو إستراتيجية الردع أكثر فأكثر. يعتقد البعض على سبيل المثال، أن الهجوم الجوي الإسرائيلي على مفاعل نووي سوري قيد الإنشاء عام 2007، رافقه هجوم سيبراني عطل قدرة أنظمة الدفاع الجوي السوري عن رصد الطائرات الإسرائيلية. فرغم أن الطائرات الإسرائيلية لم تكن طائرات مصممة على التخفي (أي من الرادارات)، ورغم أنها هاجمت هدفا حيويا، إلا أن الدفاعات الجوية السورية لم تطلق عليها النار. إذا اعتقدت الدول الأخرى أن بإمكانها تعطيل أنظمة الإنذار والقيادة المبكرة للخصوم، كما يبدو أن إسرائيل قد فعلت في سوريا، فإن المخاطر والتكلفة المتوقعة للبدء بالهجوم في وقت الأزمة، ستنخفض انخفاضا حادا.

 تسهم المواقع الجغرافية للقوى النووية اليوم كذلك في تقويض إستراتيجية الردع. إبان الحرب الباردة، كانت الأهداف السوفيتية والأمريكية الحيوية بعيدة عن بعضها بما يكفي لتمنح الخصمين وقتا تحذيريا قبل الهجوم. يعني انتشار الأسلحة النووية والأسلحة الإستراتيجية الأخرى في دول قريبة من خصومها نسبيا، أن الوقت التحذيري قبل الهجوم اليوم أقصر للغاية من ذي قبل.

يصح هذا الأمر تحديدا، بالنسبة للدول النووية التي تراكم الصواريخ الباليستية السريعة والدقيقة والقادرة على ضرب القوة النووية لخصومها، وقد تجبر أوقات الطيران الأقصر كبار صناع السياسات على وضع قواتهم الاستراتيجية على أهبة الاستعداد دائما، وقد يلجؤون لتفويض سلطة إطلاقها للقادة الأقل رتبة.

نظريا، قد تعزز هذه القرارات من استراتيجية الردع، لكنها تزيد مخاطر الاستخدام العرضي أو غير المصرح به للقوة الإستراتيجية، وبهذا فهي تقوض الردع. فالخصم الذي يواجه خطر احتمال اندلاع أزمة سريعة، قد يرى أنه من الأسلم له أن يبدأ هو بالهجوم.

تقويض أسس

 لا تنتهي مشكلات إستراتيجية الردع عند هذا الحد، فظهور ساحات جديدة للحرب تقوض الأسس التي قامت عليها هذه الإستراتيجية، فقد بنت القوى العظمى اليوم اقتصادها وقوتها العسكرية على شبكة واسعة وغير محمية من الأقمار الصناعية وخطوط الإمداد والاتصال تحت الماء. يعتمد الجيش الأمريكي تحديدا على الأقمار الصناعية الحكومية والتجارية لعملياته. وحذت القوى العسكرية العظمى الأخرى حذو الولايات المتحدة، وأصبحت الاقتصاديات الوطنية تعتمد على الأقمار الصناعية في تقديم طيف واسع من الخدمات. من ناحية أخرى، تحمل خطوط الأنابيب في قاع المحيط أكثر من ربع إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي. كما تعتمد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية على الإنترنت، وتمر كل تدفقات البيانات العابرة للمحيط تقريبا عبر خطوط أسلاك تحت الماء.

للأسف، فإن كل هذه البنية التحتية سهلة التخريب، وردع أي عدوان عليها ليس أمرا سهلا. فكثيرا ما يكون تعطيل قمر صناعي، أو إفساد شبكة حاسوب، أو قطع كابل بيانات تحت الماء، أسهل من صد هجوم، الأمر الذي يشجع على الاعتداء ويقوض إستراتيجية ردع الحرمان. وفي مثل هذه الحالات يصبح ردع العقوبة بنفس القدر من الصعوبة كذلك، فتحديد المعتدي والانتقام منه بسرعة في هذه الساحات، أصعب بكثير من حالات الهجمات التقليدية على الأرض أو الجو أو البحر. ولأن العديد من الدول قادرة على العمل بكفاءة في هذه المجالات الحديثة نسبيا، فإن تحديد المعتدي سيكون أعقد من ذي قبل.

الردع سقط فريسة لنجاحه

 بمعنى ما، وقع الردع فريسة لنجاحه. تمثل الحرب الاختبار الأوفى للأنظمة العسكرية وهياكل القوة والعقائد العسكرية التي تحكم توظيفها واستخدامها. يعني غياب الحرب بين القوى العظمى منذ عام 1945، أن التوازن الفعلي بين القدرات العسكرية التقليدية أو النووية أو السيبرانية غير مؤكد. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للتكنولوجيات الراسخة والمألوفة، فما بالك بالقدرات التكنولوجية الجديدة التي تدمج الذكاء الصناعي والمركبات البيولوجية الجديدة وأسلحة الليزر والسرعات المتجاوزة لسرعة الصوت والروبوتات.

ولأن قلة من هذه القدرات خضعت للاختبار في ساحة المعركة، فإن خصوم المستقبل ستحدوهم عقائد مختلفة تجاه فوائدها ومخاطرها، مما يزيد من احتمالية تقرير أحد الأطراف البدء بالعدوان. يصح هذا الأمر تحديدا بالنسبة للقادة محبي المخاطرة، الذين يعتقدون أن حالات انعدام اليقين هذه تصب في صالحهم، مقوضين بذلك إستراتيجية الردع من أكثر مواضعها هشاشة.

لكن التحديات التي تواجه إستراتيجية الردع اليوم أعظم من ذلك، فقد أثارت مكتشفات حديثة حول طبيعة عملية اتخاذ القرار لدى الإنسان، شكوكا حول المنطق الذي تقوم عليه فكرة الردع. يقوم المفهوم النظري الذي يؤسس لفكرة الردع، على افتراض أن الكائن البشري متى ما كان معرضا للخطر أو مقدما على مخاطرة فإنه يتصرف بعقلانية، وفقا لقاعدة حساب التكلفة والمنفعة، ويقدم على الفعل فقط إذا تجاوزت المكاسب المتوقعة التكلفة المتصورة.

لكن الأبحاث التي أجريت في مجال الاقتصاد السلوكي خلال الـ 40 عاما الماضية، ألقت بظلال من الشك حول هذا الافتراض. لا يمكن أن نتوقع من البشر أن يسعوا دائما لتعظيم المنفعة المتصورة. وحتى لو فعلوا ذلك، فسيعجزون عن فهم الكيفية التي يحسب بها خصومهم التكلفة والمنافع والمخاطر من ناحيتهم. لم تتغير الطبيعة البشرية، لكن مع تغير فهمنا لها، صارت الاستراتيجيات الدفاعية المبنية على الردع، تنذر بسوء.

أول التحديات التي تواجهنا في هذا الصدد، هو فهمنا للكيفية التي يحدد بها القادة الخسائر. وفقا لنظرية الاحتمال، سيقدم الناس على مخاطر لتجنب خسارة ما يملكونه بالفعل، تفوق مخاطرتهم لتحقيق مكسب مماثل. لذا على سبيل المثال، سيقبل صناع القرار بمخاطر للحفاظ على أرض يحوزونها، أكبر مما سيقدمون عليه من مخاطر للسيطرة على أرض أجنبية بنفس القيمة.

نظريا، تبدو هذه الفكرة وكأنها تعزز من إستراتيجية الردع، بما أنها تتوقع أن يفضل القادة بشكل عام الاحتفاظ بالأرض والموارد التي يمتلكونها أيا كانت، بدلا من محاولة السيطرة على ما يخص الآخرين. لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ويرجع السبب في ذلك إلى الكيفية التي يحدد بها صناع القرار ما يسمى بنقطتهم المرجعية، والتي تحدد إذا كانوا يعتبرون موقفهم الحالي مكسبا أو خسارة. قد يتوقع المرء أن الناس دائما ما يؤسسون نقطتهم المرجعية على الوضع القائم، أي وضع الأمور وقت اتخاذ القرار. فبعد سلسلة من المكاسب على سبيل المثال، يعدل الأشخاص عادة نقطتهم المرجعية لتكون الوضع القائم الجديد، فإن أعقب ذلك أي تراجع يعدونه خسارة بدلا من فقدان مكسب، لذا يجب أن نتوقع منهم أن يكونوا مستعدين لتحمل المخاطر للحفاظ على مكاسبهم الأخيرة، والتي يعدونها الآن في عداد الخسائر المحتملة.

إلا أن هذه المعادلة لا تسير في الاتجاهين، فبعد أن يعاني الأفراد من الخسارة، لا يميلون عادة لتعديل نقطتهم المرجعية لتصبح الوضع القائم الجديد الأسوأ، بل يتشبثون بالوضع القديم. لذا يرون في محاولتهم استعادة ما أخذ منهم محاولة لتجنب الخسائر، وليس تحقيق مكاسب جديدة. ونتيجة لذلك، كثيرا ما يكونون أكثر استعدادا لتحمل مخاطر أكبر، والقبول بخسارة كبيرة لتحقيق هذا الهدف. خذ على سبيل المثال الحالة التاريخية التي فرضت فيها الولايات المتحدة حظرا اقتصاديا على اليابان في صيف عام 1941، وقرار اليابان مهاجمة بيرل هاربور بعدها بشهور قليلة. حاول القادة الأمريكيون، عبر هذا الحظر، معاقبة اليابان على سلسلة من الغزوات التي شنتها في شرق آسيا، والتي اعتبرها الولايات المتحدة بمثابة خسائر بالنسبة لها، مقارنة بالوضع السابق.

لكن القادة اليابانيين من ناحيتهم عدلوا نقطتهم المرجعية لتشمل آخر المكاسب التي حصلوا عليها، ورأوا في الحظر الأمريكي محاولة لسلب اليابانيين ما قد أصبح حقهم المشروع. بعبارة أخرى، كان الطرفان يتصرفان وفقا لنموذج الخسارة، ولذا كان الاثنان أكثر استعدادا للمخاطرة بشن الحرب. لفهم الكيفية التي قد تتحقق بها هذه المعادلة اليوم، انظر إلى بحر الصين الجنوبي، حيث تحتل بكين مناطق متنازع عليها، وتعزز مواقعها هناك بهدف خلق حقائق جديدة على الأرض. لكن الولايات المتحدة وحلفائها يصرون على اعتبار أفعال الصين غير مشروعة، ويجعلون من الموقف الأصلي نقطتهم المرجعية. إذا احتدم النزاع، فستعمل الصين وخصومها جميعا من موقف الخسارة، لذا فإن ردع أي من الطرفين عن تصعيد الموقف قد يكون صعبا.

عقول لاعقلانية

كذلك يعتمد منطق الردع بشدة، على مَن هم في مواقع السلطة. تشير الأبحاث في مجال علوم الإدراك، إلى أن القادة السياسيين متفائلون على غير عادة البشر، وواثقون في قدرتهم على السيطرة على الأحداث، وهي ذات الخصال التي مكنتهم من الجلوس على عروشهم. ومن أجل هذا التفاؤل الذي يعتريهم، فهم أميل للمزيد من المخاطرة في مواجهة الفشل بدلا من تقليل خسائرهم. ولا داعي لذكر أن أيٍ من هذه الخصال قد تقوض إستراتيجية الردع. حين يفترض المرء أن حالة عدم اليقين هذه ستنقشع لصالحه، تتضخم حساباته للمكاسب المتوقعة، بينما تتقلص خسائره المتصورة، ويبدو له طريق الخطر أكثر جاذبية.

يظهر هذا الجنوح نحو التفاؤل أكثر جلاء حين يكون القائد المعنى ديكتاتورا شخصانيا. ولكي يصل مثل هؤلاء لقمة هرم السلطة في بيئة سياسية شديدة العدوانية، لابد وأن يكونوا ممن يقدمون على المخاطرة، ويظنون أن بإمكانهم قهر الظروف التي لا تصب لصالحهم. وما إن يصلوا إلى السلطة، حتى يحيطوا أنفسهم بالمتملقين الذين يشبعون غرورهم، ويلمعون صورا تظهرهم مخططين محنكين. قد يفسر هذا التفاؤل الزائد عن الحد قرار هتلر بإعادة تسليح منطقة الراين وغزو النمسا وتشيكوسلوفاكيا، في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا أضعف من فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة. وقد يفسر أيضا محاولة جوزيف ستالين قطع الطريق على الولايات المتحدة للوصول إلى غرب برلين، رغم أن الخراب عم بلده في الوقت الذي كانت تحتكر فيه الولايات المتحدة حيازة الأسلحة النووية. وأثبتت رغبة صدام في مواجهة الولايات المتحدة، ليس مرة واحدة بل مرتين، نزوعه نحو المقامرة عالية المخاطر، وكذلك أيضا، قرار ماو تسي تونغ توريط الصين في الحرب الكورية بعد عام واحد من وصوله إلى السلطة.

حقا إن النظرية القائلة بأن البشر جميعا يتشاركون نفس الآلية الإدراكية ونفس النهج العقلاني ليست إلا كذلك: أي نظرية لا حقيقة، إذ توصلت البحوث في العلوم الإدراكية إلى أن البيئة الثقافية للمرء لها تأثير كبير على عملياته الإدراكية، من بينها الكيفية التي يفهم بها الناس الإنصاف أو التكلفة والمنفعة والمخاطر.

عجز في الإدراك

يوم 18 أبريل 2021 ذكر موقع الحرة الأمريكي أن دراسة مشتركة أجرتها مراكز أبحاث من الولايات المتحدة والصين حذرت من أن الهجمات الإلكترونية على الأنظمة النووية يمكن أن تؤدي إلى نشوب حرب يستخدم فيها السلاح النووي.

ونقل موقع “ساوث تشينا مورنينغ بوست” من جانبه أن الدراسة استمرت ثلاث سنوات، وأجريت من قبل معاهد شانغهاي للدراسات الدولية ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

وخلصت الدراسة إلى أن القوى الكبرى لا تفتقر فقط إلى آلية فعالة للتعامل مع خطر الهجوم على الأنظمة النووية وتحوله إلى حرب، بل إنها لا تدرك التهديد الكامل لذلك.

وأفادت الدراسة إنه حتى لو كانت نية التجسس الإلكتروني على دولة ما دفاعية، فإنه من المحتمل أن ترد الدولة الضحية للتجسس بانزعاج شديد وقد تستخدم أسلحتها النووية قبل اختراقها.

 وأشار التقرير إلى أن الخطر تجلى مؤخرا في المواجهات المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، وفي عام 2020 اتهمت شركة صينية لمكافحة الفيروسات الولايات المتحدة بالتورط في عملية تجسس إلكتروني. وفي المقابل، اتهمت مايكروسوفت الصين باختراق برنامج البريد الإلكتروني لسرقة البيانات من باحثين ومؤسسات أمريكية.

تصور مثير

قبل ذلك وفي الثلث الأول من شهر فبراير 2021 وضع الكاتب والصحفي البريطاني روجر بويز سيناريو ملفتا لاندلاع حرب عالمية ثالثة تحت عنوان: “هكذا يمكن للحرب العالمية المقبلة أن تبدأ”.

ولفت في مقال بصحيفة تايمز إلى أن القوات المسلحة في العديد من البلدان بدأت مؤخرا في الاعتماد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي.

وذكر المؤلف أن خبراء من الصين وروسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة حضروا إلى لندن، وذلك لإجراء محاكاة للعبة يجري من خلالها تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي على الاستقرار النووي في العالم.

ونسب لما وصفها بالأسطورة أن حكومات عدة دول ستتلقى في يونيو 2021 تقارير تفيد بأن العالم على شفير حرب نووية بسبب مقاطع فيديو وتقارير عسكرية تبدو صحيحة، لكنها في الحقيقة ملفقة.

وأفاد المقال أن القوى النووية الكبرى الثلاث شعرت أثناء المحاكاة أنها تحت التهديد وتحولت إلى وضع الحرب، مشيرا إلى أن العامل الرئيس الذي أثر في هذا الموقف على جميع المستويات هو الذكاء الاصطناعي.

وأوضح الكاتب أن القيادة والسيطرة على القوات النووية في هذه البلدان تعتمد على خوارزميات التعلم الآلي، حيث يجمع الذكاء الاصطناعي المعلومات ويعالجها، وينبه صناع القرار والسياسيين إلى التهديدات المحتملة.

ورأى أن ذلك ميزة مفيدة إذا أتاحت مزيدا من الوقت لتقييم الموقف، ولكن ليس إذا ما تم تزوير البيانات، وخلص الذكاء الاصطناعي إلى وجود هجوم وشيك، اعتمادا على بيانات مزورة.

المقال رصد وجود سباق تسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن جميع أنواع القوى متورطة فيه، من قراصنة ومجرمين، ومديري وسائل التواصل الاجتماعي، والمحاربين في جبهة المعلومات، ومحللي البيانات، وعلماء الرياضيات، ومتخصصين في النمذجة، والعديد من الأشخاص الذين هم على يقين من أن الحروب الهجينة أصبحت ساحة المعركة الجديدة.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. عظيم انت يا عمر نجيب. لم اتعرف على عبقري مثلك . شكرا ً جزيلا ً لتثقيفنا!
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here