عمر نجيب: اغتيال قائد فيلق القدس والصراع على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط العراق بين رحى الصراع الأمريكي الإيراني

عمر نجيب

 إلى أين تقود المواجهة الجديدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ؟. سؤال قديم جديد اعيد طرحه عشرات المرات منذ احتلال مجموعة من الطلاب الإيرانيين السفارة الأمريكية في طهران يوم 4 نوفمبر 1979 وإحتجازهم موظفيها وساكنيها حتي 20 يناير 1981، وذلك بعد أشهر من رحيل الشاه في 16 يناير 1979 وعودة الإمام الخميني وسقوط النظام الامبراطوري.

 وصف بعض السياسيين والمحللين العلاقات الأمريكية الإيرانية بالمبهمة، خاصة في الفترات التي كان فيها التعاون أو التوافق بين طهران وواشنطن يحل مكان التنابذ والصراع والمواجهة.

 في خضم حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، وفي الوقت الذي مالت فيه كفة المواجهة العسكرية بشكل كبير لمصلحة الجيش العراقي قامت واشنطن فيما عرف بقضية “إيران غيت” بتكليف الكيان الصهيوني بتزويد الجيش الإيراني بالأسلحة لتمكينه من صد تقدم الجيش العراقي خاصة في منطقتي شط العرب وإقليم الأحواز الذي سلمته بريطانيا لإيران سنة 1925 بعد أن كان إمارة عربية خاضعة للتاج البريطاني.

 خلال فترة الحصار الأمريكي على العراق التي إمتدت من حرب الخليج الثانية 1990 وحتى غزو القوات الأمريكية لبلاد الرافدين وإحتلاله سنة 2003 وبإعتراف الأوساط الغربية وخاصة الأمريكية والبريطانية، لم تقم طهران بأي جهد لتخفيف الحصار الذي اسفرت آثاره عن مقتل حوالي مليون عراقي. وخلال سنوات الحصار التي دامت حوالي 14 سنة عززت حكومة طهران تعاونها مع التنظيمات ذات التوجه الشيعي في غالبيتها، المعادية لحكومة البعث في بغداد، تلك التنظيمات التي لم تنجح رغم الحظر الجوي الأمريكي على جنوب العراق في دفع سكانه للثورة على السلطة المركزية في بغداد.

  وقد كان لتداعيات غزو واحتلال العراق وفيما بعد الازمات العربية الأثر الكبير على التحديات الخارجية التي واجهتها دول المنطقة العربية، خاصة في ظل حالة الفراغ الاستراتيجي التي أصابت المنطقة وتراجع المشروع العربي في مواجهة المشاريع التوسعية للعديد من الدول الإقليمية والدولية، هذا الفراغ سمح للعديد من القوي غير العربية لتبني مشاريع من شانها الإضرار بمصالح المنطقة، وإلي جانب إسرائيل برزت تركيا وإيران بمشروعهما الإقليمي الذي يقوم على التدخل في الشئون الداخلية والتوسع الجيوستراتيجي.

 إن المطّلع على تاريخ العلاقات بين الجمهورية التركية والجمهورية الإيرانية، سيقف على تاريخ طويل من الخلاف والصراعٍ، لأجل إثبات نظرية النفوذ على منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً المنطقة العربية، وفي ذلك التاريخ يتبين أن ذلك الصراع بدأ بعد معركة “جالديران سنة 1514″، والتي ارتسمت بعدها الحدود الجغرافية بين الدولتين، لتتوالى من بعدها سلسلة الحروب والصراعات السياسية والاجتماعية، التي نشبت بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية ما بين “1623 ـ 1636” من أجل السيطرة على العراق والتي انتهت أخيراً بانتصار العثمانيين.

الاحتلال الأمريكي

 قامت الولايات المتحدة وبمعاونة من الجيش البريطاني وأستراليا وبعض الدول المتحالفة مع واشنطن من 19 مارس إلى 1 مايو 2003، بغزو واحتلال العراق حسب تعريف مجلس الأمن لحالة العراق في قانونها المرقم 1483 في 2003.

ومن الأسماء الأخرى التي أطلقت على هذا الصراع هي “حرب العراق” وحرب الخليج الثالثة و”عملية تحرير العراق” وأطلق المناهضون لهذه الحرب تسمية “حرب بوش” على هذا الصراع.

 ما يسمى بالمرجعية الشيعية في العراق وعلى ٍرأسها علي السيستاني، وأنصاره من أمثال بشير النجفي، واسحاق الفياض، ومحمد سعيد الحكيم، دعوا العراقيين إلى عدم التصدي للغزو الأمريكي أو التعرض بأي شكل للقوات الأمريكية. في السنوات التالية تصاعدت حدة المقاومة العراقية للإحتلال الأمريكي مما جعل الحكومة الأمريكية تقرر نظريا سحب الجيش الأمريكي من العراق سنة 2011 بعد أن تكبد حسب البنتاغون مقتل 4487 عنصرا وإصابة 32000 جندي ولا يتضمن ذلك آلاف المجندين من غير منتسبي القوات الأمريكية النظامية.

 نجحت واشنطن وبتكتيكات الجنرال ديفيد بتريوس ومن قبله الحاكم بول بريمر الذي عينه الرئيس الأمريكي جورج بوش رئيسا للإدارة الأمريكية بالعراق في 6 مايو 2003. في تفتيت مقاومة العراقيين للإحتلال وتحويلهم إلى القتال بينهم عل أساس طائفي وديني وشغل المقاومة بتنظيمات كالقاعدة.

 عندما أعلن الرئيس الأمريكي أوباما 21 أكتوبر 2011 أن الحرب في العراق قد انتهت بعد تسعة أعوام من بدايتها، وأن بلاده ستكمل سحب قواتها من العراق بنهاية اليوم الأخير من عام 2011، واجه إنتقادات عديدة من داخل وخارج الولايات المتحدة وإتهم بأنه سلم العراق إلى إيران رغم العداء المعلن بين الجانبين. يوم 16 يوليو 2017 وفي تقرير مفصل عن الوضع في بلاد الرافدين ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن واشنطن سلمت العراق إلى طهران على طابق من ذهب، وأنها تزيد من تنسيقها مع الأخيرة للحد من قوة حركة طالبان التي تخوض حربا بلا نهاية مع الجيش الأمريكي في أفغانستان منذ سنة 2001.

في سنة 2007 نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن السفير الأمريكي السابق في العراق “زلماي خليل زاد” أن إدارة الرئيس جورج بوش تعاونت مع إيران عبر قاسم سليماني، في عام 2006 للإطاحة برئيس الوزراء العراقي آنذاك، إبراهيم الجعفري، والجدير بالذكر أن جورج بوش كان قد وصف إيران بأنها جزء من “محور الشر”، ولكن ما قاله بوش للإعلام كان يخفي تنسيقاً عالياً بين الطرفين بخصوص العراق أو كما بينت الأحداث لاحقاً تسليم الأمريكيين لإيران بحرية التصرف في العراق.

ويتابع “خليل زاد” أن القوات الأمريكية والعراقية سمحت للجنرال سليماني بدخول المنطقة الخضراء في أبريل 2006، التي يسيطر عليها الأمريكيون لإجراء محادثات.

 هذه الخلفية ضرورية لفهم التشابكات والخلافات السياسية والصراعات وغيرها التي برزت مع بداية سنة 2020 وخاصة بعد قيام القوات الأمريكية بقتل الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني قرب مطار بغداد الدولي يوم الجمعة 3 يناير 2020 وتبادل التهديدات بين طهران وواشنطن.

 داخل العراق اتفق الجميع على أن قتل سليماني عمل أمريكي عدواني وتعد على سيادة البلاد، في نفس الوقت خرج آلاف العراقيين ليطالبوا بإنهاء الاحتلاليين الأمريكي والإيراني لبلدهم.

لعبة السياسة

 يقول البعض أن السياسة هي ” فن الممكن”، رئيس الوزراء البريطاني السابق تشرشل قال: “السياسة لعبة قذرة” وأضاف في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح دائمة”.

 كما قال بشأن الصراعات: عندما يخطئ سهمك هدفه، “لا تفكر ما الخطأ الذي فعلته، بل اسحب السهم الثاني وفكر: ما الذي يجب علي فعله بطريقة صحيحة لأصيب الهدف”.

 هناك من يعرف علم السياسة بأنه: العلم الذي يبحث في كيفية إدارة شؤون الدولة وأسلوب ممارسة السلطة، وهناك من يرى أنه: العلم الذي يبحث في أوضاع وموازين القوة وكيفية عكس مكونات ومظاهر القوة نفسها على العلاقات بين الأفراد والفئات الإجتماعية، وهناك من يعرفه على أنه: العلم الذي يبحث في كيفية صنع القرارات الجماعية، وهناك من يقترح تعريفه: بالعلم الذي يبحث في كيفية تخصيص الموارد المحدودة، والتي لا تكفي لإشباع طلبات الراغبين في الحصول عليها..الخ.

ولكل من هذه التعريفات مزاياه وعيوبه. فتعدد هذه التعريفات يعكس تعددا في الرؤى الفكرية أو الأيديولوجية، أو في المناهج وأساليب التحليل المستخدمة، أو في مواقع الرؤية عند بعض النقاط، وقد تتوازى عند نقاط، وقد تتوازى عند نقاط أخرى ولكن يوجد بينها دائماً مساحة أو منطقة مشتركة. وعلى أي حال فلم يتمكن أي منها من تقديم تعريف وجامع ومانع حتى الآن لماهية علم “ السياسة“، ولذلك يمكن القول: إن هذه التعريفات تتكامل لتشكل مجتمعة صورة أكثر وضوحا عن ماهية هذا العلم ونطاقه البحثي.

 في كتابه “الأمير 1513” يقول نيكولو مياكافيلي المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي في القرن السادس عشر وهو احد من المفكرين الواقعيين الأكثر شهرة: انه ينصح الحكام بإستخدام الخداع والعنف كأدوات ضد دول أخرى. و قال ان الأهداف الأخلاقية شيء خطير جداً، و إن التصرف بشكل أخلاقي سيتسبب في حدوث كارثة. كما قدم ميكيافيلي المشورة حول كيفية التعامل مع النزاعات بين الدول المتجاورة وكيفية الدفاع عن الوطن. ويؤكد مياكافيلي أن صاحب الهدف باستطاعته أن يستخدم الوسيلة التي يريدها أيا كانت وكيفما كانت دون قيود أو شروط. فكان هو أول من أسس لقاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

 من المهم هنا الاشارة إلى أن “معهد واشنطن” عقد خلال شهر أبريل 2019 اجتماعاً مغلقاً حول طاولة مستديرة لمناقشة التأثير المحتمل إذا لم يعد قائد “قوة القدس” التابعة لـ “الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني حياً. وناقش المشاركون، الخاضعون لقاعدة “تشاتام هاوس”، الطريقة التي يمكن أن تعمل بها الخلافة في “فيلق القدس” وما الذي ستخسره إيران إذا ما أصبح سليماني غير متاح بشكل دائم، وتوصلوا إلى توافق في الآراء حول العديد من القضايا الرئيسية. معهد واشنطن نشر يوم 3 يناير التقرير وأضاف واليوم، بعد رحيل القائد بالفعل، فقد تساعد استنتاجاتهم صانعي السياسة على اجتياز البحار العاصفة المقبلة، ولو أن بعض جوانب أهميته لا تزال موضع نقاشات حامية.

العلاقات الدولية

 معظم نظريات العلاقات الدولية كما تطرح في الغرب تقوم على فكرة، أن الدول تتصرف دائماً وفقاً لمصلحتها القومية، أو مصلحة دولة معينة. و المصالح القومية تكون في الغالب هي الحفاظ على الدولة من الإنهيار، والأمن العسكري، والازدهار الاقتصادي، والتأثير والنفوذ على الدول الأخرى.

أحياناً يكون أثنين أو أكثر من الدول، لديهم المصلحة القومية نفسها. فعلى سبيل المثال، قد تريد دولتين تعزيز السلام والتجارة. أما الدول التي لديها مصالح قومية متعارضة، تحاول حل خلافاتها عن طريق التفاوض أو حتى الحرب.

نظرية الواقعية السياسية تقول، أن الدول تعمل فقط على زيادة قوتها بالمقارنة مع الدول الأخرى. كما تدعو نظرية الواقعية السياسية إلى ما يلي:

العالم مكان قاسً و خطير. والشيء الوحيد المؤكد في هذا العالم هي القوة. وأن الدولة القوية ستكون قادرة دائماً على التفوق على المنافسين الأضعف. والشكل الأكثر أهمية و موثوقية من القوة هي القوة العسكرية.

الهدف والمصلحة الأساسية للدولة هي المحافظة على نفسها من الإنهيار. ولذلك، يجب على الدولة أن تسعى للحصول على القوة و يجب أن تحمي نفسها دائما.

لا توجد قوة شاملة تستطيع تطبيق القوانين العالمية أو معاقبة السلوك السيئ.

السلوك الأخلاقي مخاطرة كبيرة لأنه يمكن أن يقلل من قدرة الدولة على حماية نفسها.

النظام الدولي نفسه، يدفع الدول إلى إستخدام القوة العسكرية والحرب. و قد يكون القادة يتمتعون بالسلوك الأخلاقي، ولكن يجب ألا ندع المخاوف الأخلاقية توجه السياسة الخارجية.

المنظمات والقوانين الدولية لا تملك سلطة أو قوة فعلية. وهي موجودة فقط طالما تقبل بها الدول.

 قام نعوم تشومسكي وهو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي بتأليف العديد من الكتب المهمة في السياسة، منها كتاب “من يحكم العالم”. يقوم فيه بالكشف عن الأوجه القذرة للسياسة، إذ أكد تشومسكي فيه أن لا مكان للصدفة في السياسة أبدا، فلا بد أن يكون كل شيءٍ مخططًا له ومدروسًا بعناية. كما وضح كيف تقوم بعض الأيادي الخفية على تحريك الواقع، وتزييف الحقائق بطريقة أكثر دهاء ومكر.

ركز تشومسكي في كتابه هذا على السياسة الأمريكية بشكل خاص، إذ تحدث عن السياسة الداخلية والخارجية لها، كما عمد إلى المقارنة بين الأهداف المبطنة والمعلنة في شتى وسائل الإعلام. كما يعرج الكتاب على عددٍ من القضايا كحقوق الإنسان والحرب على العراق وأفغانستان والإرهاب الدولي، والسياسة الأمريكية القائمة على استغلال الشعوب والتحكم في مصيرها، أو “السياسة العدوانية” كما أسماها.

تهديد بإشعال المنطقة

 جاء في تقري نشرته وكالة رويترز يوم الجمعة 3 يناير 2020: ترى طهران أن إقدام الولايات المتحدة على اغتيال قاسم سليماني، أقوى الشخصيات الإيرانية بعد الزعيم الأعلى، عمل من أعمال الحرب يهدد بتفجير الأوضاع في المنطقة.

فبإصدار الأمر بتنفيذ الضربة الجوية في بغداد يوم الجمعة خطا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالولايات المتحدة وحلفائها إلى أرض مجهولة في مواجهة إيران والفصائل التي تعمل لحسابها والتي جرى إعدادها منذ فترة طويلة لضرب أعداء طهران في مختلف أنحاء المنطقة. وربما تتحين القيادة الإيرانية الفرصة المناسبة للرد.

غير أن أغلب المحللين يعتقدون أن الرد الإيراني سيكون فتاكا على هذه الضربة الموجهة لهيبة إيران ومكانتها الإقليمية وكذلك الصلة الشخصية التي ربطت الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي بسليماني وسعيه لتشكيل محور من قوى الفصائل الشيعية في بلاد الشام وحتى منطقة الخليج العربي.

كما أنه يمثل مجازفة بالانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة يمكن أن تزج بالمنطقة في أتون حرب شاملة.

 مهند حاج علي الباحث الزميل بمركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت قال ”قيام الولايات المتحدة باغتيال سليماني مباشرة هو تحد صريح وعلى إيران أن ترد بعمل لإنقاذ ماء الوجه وإلا فإن الصورة والمكانة اللتين حرصت إيران على إبرازهما في العقدين الأخيرين يصبحان على المحك صراحة“.

وأضاف ”هذه ليست نهاية الأمر“.

 الكاتب والمعلق السياسي نعوم سركيس أحد المحللين البارزين في المنطقة ”الامريكان لم ينسوا أبدا اقتحام سفارتهم في طهران ورهائنهم … تجدد الخطر في بغداد قبل أيام كان بالنسبة لهم أكثر من مقتل سليماني، لأن سفارتهم كانت رمز الدولة والنفوذ“.

وأضاف ”مشهد اقتحام السفارة من قبل الميليشات بالعراق أعاد الذاكرة بحادث اقتحام السفارة الامريكية في طهران“.

من وجهة النظر الإيرانية تمثل الاحتجاجات على الفساد وسوء الحكم في العراق ولبنان تذكرة ببداية الصراع السوري.

وقد سافر سليماني إلى البلدين في الأسابيع الأخيرة لضمان إمساك حلفائه في حزب الله وقوات الحشد الشعبي بالزمام لحماية النفوذ السياسي والعسكري الإيراني.

وبعد اختفاء سليماني من المتوقع أن تضاعف إيران مساعيها في العراق ولبنان وسوريا واليمن فيما تعتبره خطوطها الأمامية في مواجهة محاولة تقودها الولايات المتحدة لتطويقها.

وسبق أن أعطت إيران أمثلة على الكيفية التي يمكن أن ترد بها.

فبعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى عام 2015 انتقل الحرس الثوري وحلفاؤه الذين يعملون لحسابه من الهجمات المحدودة على ناقلات النفط في الخليج إلى هجمات مثيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت نفط سعودية.

ويرى محللون الآن أن من المؤكد أن الرد الإيراني على الولايات المتحدة وحلفائها سيكون متعدد المحاور.

وقد وحد مقتل سيلماني فصائل شيعية عراقية متنافسة لتطالب معا برحيل القوات الأمريكية عن العراق.

وقال مسؤول كبير في التحالف ”عندما يتخذ الأمريكيون هذا القرار المتعمد بقتل سليماني، فهذا يعني أنهم اتخذوا قرارا بالحرب“.

وذكر حاج علي الباحث في مركز كارنيغي ”لن يأتي الثأر سريعا. فهم رابطو الجأش حتى في وضع كهذا يتدارسون خياراتهم ثم يردون. سيستغرق الأمر بعض الوقت لكن كل الخيارات مطروحة على الطاولة“.

وقال نعوم ”عملية سليماني هي ضربة كبيرة بالصميم لإيران: ضربوا الرجل الثاني بعد خامنئي وضربوا الزعيم المقبل لإيران وضربوا النشيط وصاحب الإنجازات والعقل الإيراني“.

 كريم سجادبور، وهو باحث بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ذكر على تويتر، إن على خامنئي أن يزن رد الفعل بعناية، ”الاستجابة الضعيفة تخاطر بفقدان ماء الوجه، والاستجابة المفرطة في القوة تخاطر بفقدان رأسه. خامنئي هو الخصم الدولي الأكثر أهمية بالنسبة لترامب في عام 2020“.

ويضيف سجادبور إن ما سيحدث ”على الأرجح هو هجمات مستمرة بالوكالة ضد المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن على المستوى الإقليمي وحتى العالمي. لإيران باع طويل في هذه الهجمات في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بدرجات متفاوتة من النجاح“.

وقال سجادبور ”في الوقت الذي يتوقع فيه كثيرون حربا عالمية ثالثة، فإن العقود الأربعة الأخيرة من تاريخ إيران تبرز أن الشيء الأهم بالنسبة للجمهورية الإسلامية هو بقاؤها. طهران لا تتحمل حربا شاملة مع الولايات المتحدة في الوقت الذي ترزح فيه تحت وطأة عقوبات اقتصادية مرهقة واضطرابات داخلية، ولا سيما من دون سليماني“.

ووفقا لتقرير أصدرته وكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية في ديسمبر 2019، فإن القوة العسكرية الإيرانية تعتمد على ثلاث قدرات أساسية هي برنامج الصواريخ الباليستية والقوات البحرية، التي يمكن أن تهدد الملاحة في الخليج العربي الغني بالنفط، ووكلاء الفصائل التابعة لها في بلدان مثل سوريا والعراق ولبنان.

 في الماضي، أبقى قادة إيران الباب مفتوحا أمام الدبلوماسية لتحقيق أهدافهم، ولا سيما عندما يتعرض اقتصاد إيران لضغوط شديدة بسبب العقوبات الأمريكية الهادفة إلى إضعاف قيادتها.

وقال دبلوماسي إقليمي كبير لرويترز ”سبق أن عملت إيران وأمريكا معا في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى. لديهما مصالح مشتركة وأعداء مشتركين. سيدفع الجانبان ثمنا باهظا في المواجهة العسكرية لكن بوسع الدبلوماسية حل الكثير من المشاكل كما أنها خيار“.

ويشير مراقبون إلى أنه رغم الخلافات المستمرة منذ عقود بين إيران والولايات المتحدة، حارب مقاتلون مدعومون من إيران إلى جانب القوات الأمريكية أثناء الحرب في العراق ضد المقاومة الوطنية بقيادة بعثية وتنظيم الدولة الإسلامية بين عامي 2014 و2017.

 مصادر في عواصم أوروبية تحدثت عن أشكال إنتقام إيرانية غير عسكرية تمس أساسا مصالح الولايات المتحدة في العراق.

الانسحاب من العراق

 إعلان الرئيس الأمريكي السابق أوباما عن سحب قواته من العراق سنة 2011 كان مغالطة، فقد بقي آلاف الجنود في قواعد مختلفة. يوم الأحد 5 يناير أعلنت الحكومة القائمة في بغداد أنها طلبت جلاء كل القوات الأجنبية.

 في رده على هذا الطلب هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد 5 يناير 2020 بفرض عقوبات على بغداد مضيفا أنه إذا غادرت قواته فسيتعين على بغداد أن تدفع لواشنطن تكلفة قاعدة جوية هناك.

وأبلغ ترامب الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية ”لدينا قاعدة جوية هناك باهظة التكلفة بشكل استثنائي. لقد احتاجت مليارات الدولارات لبنائها منذ فترة طويلة قبل مجيئي. لن نغادر إلا إذا دفعوا لنا تكلفتها“.

وقال ترامب إنه إذا طالب العراق برحيل القوات الامريكية ولم يتم ذلك على أساس ودي، ”سنفرض عليهم عقوبات لم يروا مثلها من قبل مطلقا. ستكون عقوبات إيران بجوارها شيء صغير“.

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين ذكرت أن لدى البيت الأبيض مخططا جاهزا بالاتفاق مع الفصيل الكردي العراقي الذي يرأسه البرزاني لإعلان إنفصال شمال العراق والحفاظ على عدد من القواعد الأمريكية وخاصة تلك القريبة من مدينة كركوك. زيادة على ذلك لدى الأجهزة الأمريكية خطط وضعت قبل غزو سنة 2003 تهدف إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، سنية وشيعية وكردية.

 في رد على تهديدات ترامب قال محمد جواد آذري جهرمي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني في تغريدة على تويتر ”ترامب إرهابي يرتدي بذلة شأن داعش وهتلر وجنكيز خان. إنهم يكرهون الحضارات. سيتعلم من التاريخ قريبا أن أحدا لا يستطيع هزيمة ’الأمة والحضارة الإيرانية العظيمة‘“.

البحث عن دولة

 جاء في تقرير لوكالة فرانس برس يوم الأحد 5 يناير 2020: خرج متظاهرون في مدن عدة في العراق الأحد وهم يهتفون “لا للاحتلالين الأمريكي والإيراني”، معدلين شعارهم للمطالبة بإبعاد بلدهم عن الصراع في ظل التوتر الذي بلغ أوجه بين طهران وواشنطن.

ورفض المتظاهرون التدخلات الأمريكية والإيرانية على حد سواء، مرددين هتافات ضدهما في شوارع الناصرية والديوانية والكوت والعمارة، جنوب العاصمة.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “سلام لأرض السلام، خلقت للسلام وما رأت يوماً سلاماً”.

ولطالما تجنب العراقيون الدخول في حرب بالوكالة بين طهران وواشنطن، لكن بعد عملية اغتيال سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وجد العراقيون أنفسهم عالقين وسط حرب محدقة قد تنفجر في أي لحظة.

ففي الناصرية، وقعت مواجهات بين محتجين رفضوا دخول مسيرة جنائزية لتشييع رمزي لسليماني والمهندس إلى شارع الحبوبي وسط المدينة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة متظاهرين بجروح جراء إطلاق نار من قبل المشيعين، وفقاً لمصادر طبية في الناصرية.

قال المتظاهر رعد اسماعيل وهو طالب جامعي، لوكالة فرانس برس “نرفض القتال بالإنابة على أرض العراق وخلق الأزمات تلو الأزمات. نحذر من أن يتم تجاهل مطالبنا تحت أي ذريعة كانت”.

وفي كربلاء خرجت تظاهرة طلابية تندد بالتدخل الخارجي وخرق سيادة العراق، وطالبت بإخراج العراق من ساحة تصفية الحسابات الإقليمية.

وقال أحمد جواد كاظم لفرانس برس “نعلن اليوم استنكارنا ورفضنا التام للتدخلات الأمريكية وعمليات القصف التي حدثت في العراق”.

وأضاف “كما نرفض أن يصبح العراق ساحة للصراعات الدولية الإقليمية الإيرانية والأمريكية، فمن يذهب نتيجة هذا الصراع هو المواطن العراقي”.

وفي كربلاء أيضاً، أعرب الطالب علي حسين عن قلقله من التصعيد، خصوصاً في ظل فراغ بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وانقسام البرلمان حيال تسمية مرشح جديد أو تحديد موعد لانتخابات نيابية مبكرة يطالب بها الشارع.

وقال الشاب “نستنكر الأحداث التي وقعت في العراق بالاعتداء على سيادته من خلال الاعتداء على مقرات القوات الامنية والحشد الشعبي وكذلك نستنكر الاعتداء الذي حصل بالقرب من مطار بغداد”. وأضاف “هذا يعبر عن لا وجود لدولة العراق”.

 يوم السبت 4 يناير 2020 نشرت صحيفة “آي” تعليقا كتبه، باتريك كوكبيرن، يتوقع فيه أن يتحول العراق إلى ساحة حرب بين الولايات المتحدة وإيران.

يقول كوكبيرن إن مقتل قاسم سليماني على يد الأمريكيين في بغداد تصعيد خطير ينذر بمستقبل عنيف في العراق، فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد لا تكون في شكل حرب شاملة ومباشرة، ولكن العراق سيكون الساحة التي يتقاتل فيها الأمريكيون والإيرانيون.

وبحسب الكاتب فقد لا يلجأ الإيرانيون وحلفاؤهم العراقيون إلى عمليات انتقامية فورية ضد الولايات المتحدة، ولكن رد فعلهم القوي سيكون الضغط على الحكومة العراقية والبرلمان والأجهزة الأمنية لإخراج الأمريكيين من البلاد.

ويذكر الكاتب أن طهران كانت دائما الأقوى في أي صراع من أجل النفوذ في العراق بفضل الأغلبية الشيعية التي تسيطر على الساحة السياسية بدعم إيراني.

ويقول إن نفوذ إيران تراجع في الفترة الأخيرة بسبب جهود سليماني في قمع الاحتجاجات الشعبية بطريقة وحشية أدت إلى مقتل 400 شخص وإصابة 1500 بجروح.

ويرى كوكبيرن أن الغارة الجوية الأمريكية في بغداد ستخفف من حدة الغضب الشعبي المتزايد ضد إيران بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية العراقية إذ أن الهجوم الأمريكي انتهك سيادة العراق، ولا يمكن أن نتصور تدخلا أجنبيا أكثر فداحة من قتل جنرال أجنبي دخل العراق علنا وبطريقة غير قانونية.

ويختم الكاتب بالقول إن سليماني ارتكب خطأ عندما أمر بإطلاق النار على المتظاهرين من أجل إخماد الاحتجاجات، ولكن ترامب ارتكب خطأ أكبر عندما قتل سليماني وجعل إيران تستعيد ما بدأت تفقده من نفوذ في العراق.

تحليل مختلف

 في بريطانيا نشرت صحيفة صنداي تلغراف مقالا تحليليا كتبه الصحفي المتخصص في الشؤون الإيرانية، ديفيد بارتريكاراكوس.

يقول ديفيد إنه استغرب الطريقة التي تعاملت بها إيران والحشد الشعبي في العراق مع مقتل أبو مهدي المهندس في الغارة الأمريكية على مطار بغداد مع قاسم سليماني، قائد فيلق القدس.

فبعد ساعات فقط من وقوع الغارة كتب حساب الحشد الشعبي على موقع تويتر منشورا بسيطا يقول: “تنبيه، يؤكد الحشد الشعبي استشهاد نائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، وقائد فيلق القدس في غارة أمريكية قرب مطار بغداد الدولي”.

ثم بعدها لم يصدر أي شيء عن المليشيا الأخرى التي تنضوي تحت لواء الحشد الشعبي، كما لم تنشر منظمة بدر أي تحديث على صفحتها على فيسبوك إلا في آخر نهار الجمعة.

ويرى الكاتب أن مقتل الرجلين أربك قيادة الحشد الشعبي، وأنها تواجه الآن مشكلتين لا يتحدث عنهما أحد. المشكلة الأولى هي مقتل المهندس، الذي غطى عليه مقتل قاسم سليماني.

وبحسب الكاتب، فالمهندس كان يعرف بولائه المطلق للنظام الإيراني كما أنه كان يربط بين مختلف المجموعات المسلحة التي تنضوي تحت لواء الحشد الشعبي، وهو الذي أسس عددا منها.

المشكلة الثانية هي الاحتجاجات المناوئة لإيران التي تشهدها بغداد. فالمحتجون لهم مطالب مشروعة ولا يزالون حتى الآن متمسكين بمطالبهم.

ومن بين هؤلاء المحتجين مقاتلون في مليشيا الحشد الشعبي، فهم شيعة ملتزمون، ولكنهم وطنيون عراقيون سئموا من تلاعب إيران بشؤون بلادهم الداخلية، على حد قول الكاتب.

وعلى القيادة أن تختار إما أن تبقى وفية للمحتجين أو تعود إلى حضن إيران. ولذلك فإنه من الصعب التوصل إلى اتفاق للاصطفاف ضد أعداء إيران.

ويختتم مقاله بالقول إنه إذا أرادت طهران الانتقام فعليها أن تستعد لذلك أكثر من أي وقت مضى.

ونشرت صحيفة الأوبزرفر مقالا كتبه، سيمون تيزدل، يقول فيه ما من شك أن إيران سترد بقوة.

يقول تيزدل إن قاسم سليماني أصبح مهندس توسع النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين على يد الأمريكيين في عام 2003. وتمكنت إيران بعدما من فرض سيطرتها في العراق. ثم امتدت تلك السيطرة إلى سوريا وغزة ولبنان واليمن، في وجه الولايات المتحدة وحلفائها.

وكان سليماني رمز هذه المواجهة المستمرة مع واشنطن، التي ستحدد شكل رد إيران على عملية الاغتيال التي أمر بها الرئيس دونالد ترامب.

ويرى الكاتب أن ادعاء بعض المحللين في واشنطن بأن ضعف إيران سيجعلها تتخلى عن فكرة الانتقام دليل على قلة معرفة أغلب الأمريكيين بحقيقة هذه البلاد.

فأغلب الإيرانيين داخل البلاد ينظرون إلى القتل على أنه إعلان حرب ويعتبرون سليماني شهيدا لابد من الانتقام لمقتله، مثلما أشار إليه المرشد الأعلى، علي خامنئي ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. وسيستغل النظام هذا الاغتيال لحشد الدعم له.

ويرى سيمون أنه ما من شك أن إيران سترد بقوة في الوقت والمكان الذي تختاره، ومن المحتمل أن يكون الرد على أكثر من جبهة.

ويضيف أن الأهداف الأمريكية في المنطقة متوفرة مثل القاعدة العسكرية في البحرين التي فيها قيادة القوات البحرية في المنطقة والأسطول الخامس ستكون هدفا بارزا.

ولكنه لا يرجح هجوما سافرا على قاعدة أو منشأة أمريكية. أما منشآت حلفاء أمريكا في الخليج فلابد أنها ستكون أهدافا للضربات الإيرانية، وأمام طهران العديد من الخيارات.

فيمكن أن تضرب منشآت نفطية إماراتية أو سعودية مثلما فعلت بنجاح في خريف عام 2019 باستعمال الطائرات المسيرة، أو تغلق مضيق هرمز أمام الملاحة، لإحداث صدمة نفطية عالمية.

وقد أنشات إيران قوات موالية لها وقواعد عسكرية وبطاريات صواريخ في سوريا قريبا من المدن الإسرائيلية.

وتملك إيران، بحسب الكاتب، خيارات سياسية أيضا يمكن أن تستغلها ضد أعدائها كأن تستغل الغضب الشعبي في العراق ضد استعمال أمريكا للأراضي العراقية في عملية الاغتيال، وتحريض الحشد الشعبي على الضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وحتى الدبلوماسيين والمقاولين.

وقد تلجأ إيران إلى حلفائها مثل روسيا والصين للحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي، ولابد أنها ستحصل عليه في أي نزاع مع خصومها.

الفوضى

 نشرت صحيفة صنداي تايمز مقالا افتتاحيا تقول فيه إن سليماني ذهب فلا ينبغي أن تحل محله الفوضى.

تقول الصحيفة إن اغتيال القائد العسكري الإيراني الكبير، قاسم سليماني، بطائرة مسيرة أمريكية، سيجعل العالم أكثر أمنا دون شك. فخلال 20 عاما قاد سليماني فيلق القدس في الحرس الثوري في مهمة لتصدير العدوان والإرهاب الإيراني للشرق الأوسط والعالم.

وتضيف الصحيفة أن سليماني مسؤول عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين، وربما عشرات البريطانيين، بتوفيره الألغام التي قتلتهم. كما سلح المليشيا الشيعية في البصرة ودعم بشار الأسد في سوريا. وزرع بذور النزاع في اليمن، مما أدى إلى ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أسوأ كارثة إنسانية في العالم. وسلح حزب الله لتنفيذ هجماته على إسرائيل.

وكان يخطط، حسب الصحيفة، لهجمات على دبلوماسيين وعسكريين أمريكيين، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي يعطي الضوء الأخضر لقتله.

وتقول التايمز إن سليماني كان يستحق دون شك ما حصل له، ولكن السؤال هو إذا ما كانت طريقة اغتياله ستفتح الباب أمام نزاع أوسع في المنطقة. وتجيب الصحيفة أن ترامب تأخر في الواقع في الرد على استفزازات إيران، وآخرها إسقاط طائرة مسيرة أمريكية، وقصف منشآت نفطية سعودية في سبتمبر 2019، وسلسلة من الهجمات على قواعد أمريكية في العراق.

وتضيف أن ترامب حفظ درسا من تجربة أوباما هو أن عدم التحرك مثلما حدث في ليبيا عندما قتل السفير الأمريكي في بنغازي سيضعف أمريكا في العالم.

وترى الصحيفة أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لم يكن منصفا عندما عبر عن انزعاجه من موقف حلفائه الأوروبيين ووصفهم بأنهم لم يكونوا صريحين. وذكرت الصحيفة أن الحكومة الألمانية قالت إن القتل كان ردا على استفزاز إيراني. أما بريطانيا فهي تواجه صعوبة التفاوض بشان مستقبل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي دون المساس بشراكتها مع الولايات المتحدة.

وتقول التايمز إنه من الواضح أن الولايات المتحدة ليس لها استراتيجية منسجمة في الشرق الأوسط. وتستبعد أن تندلع حرب ثالثة في الخليج ولكن من المؤكد أن تستمر الأعمال العدائية والحروب بالوكالة، وهو ما لا تريده أمريكا، ولا يريده الرئيس الأمريكي، الذي سيكتشف أن التدخل في الشرق الأوسط أسهل من الابتعاد عنه.

إحياء “داعش”

 يوم الأحد 5 يناير 2020 كتب المحلل السياسي الروسي ألكسندر نازاروف:

ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في وقت من الأوقات، في إنشاء “داعش” لتكون كبش فداء ضد بشار الأسد في سوريا، وقوة توازن للتواجد الشيعي في العراق.

في سوريا، استخدمت “الحرب ضد داعش” ذريعة لوجودها، لكنها لم تقاتل التنظيم سوى بعد أن بدأت روسيا قتاله.

وكما أسلفت في مقال سابق، فتح اغتيال الجنرال قاسم سليماني من قبل الأمريكيين الباب على مصراعيه، لرفع وتيرة الحرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، دون أن تتحول هذه الحرب إلى حرب مباشرة بين الطرفين.

كذلك فمن المرجح ألا يكون لبنان، بدواعي الكارثة الاقتصادية التي يمر بها، طرفا فاعلا في هذه الحرب.

قد تتورط دول الخليج، لكن العراق وسوريا سيصبحان ميدان المعركة الرئيسي، حيث يتمتع البلدان بالإمكانيات القصوى لخوض حرب بالوكالة.

في الوقت نفسه، فإن وضع الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا وخاصة في العراق أكثر عرضة للخطر، فأي جيش نظامي، لا يمكن أن ينتصر في حرب العصابات المدعومة شعبيا سوى بالطرق النازية، من خلال تدمير السكان المحليين، حيث يمكن أن تكون الضربات الجوية فعالة فقط ضد عناصر بعينها، لكن تدمير القادة لا يمكن أن يدمر التنظيمات العسكرية، أو يوقف مقاومة العدو.

وفي عام الانتخابات الأمريكية، من الواضح أيضا أن أي خسائر كبيرة في أرواح الجنود الأمريكيين، وأي حرب تندلع في عهد أي رئيس حالي، لن تكون في صالحه، لذلك سوف يبذل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قصارى جهده لتقليل الخسائر.

لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه من جديد بالنسبة لواشنطن، هو إنشاء قوة “دمية”، قادرة على مقاومة القوى الشيعية جيدة التنظيم والدافع، ومقاومة السكان المحليين على الأرض في كلا البلدين.

وكما يقول التاريخ، فإن محاولات واشنطن لإنشاء تشكيلات عسكرية من الفارين أو الخونة من السكان العرب لم تنجح، حيث كان أفراد تلك التشكيلات يهربون بمجرد تلقيهم الأموال، ولم تتمكن عناصر القوات الموالية لواشنطن من القيام بأي عمليات عسكرية، ناهيك عن الانتصار في تلك العمليات.

أما الأكراد فمقيدون بأرضهم، من غير المرجح أن يصبحوا عاملا فعالا على طول البلاد وعرضها فيصبح العنصر الوحيد الفاعل في حرب بالوكالة في سوريا والعراق هو “داعش”، التي سمحت لها الولايات المتحدة بالظهور، ودعمتها من خلال سلسلة طويلة من العملاء والوكلاء بالسلاح وأمور أخرى.

أظن أنه بعد العديد من الهجمات الناجحة ضد الولايات المتحدة في العراق، والتي ستؤدي إلى خسائر كبيرة بين الأمريكيين، ومع الاقتراب من الانتخابات الأمريكية، لا شك أن الولايات المتحدة سوف تقلل من وجودها في المنطقة.

وبعد ذلك سيطرح السؤال نفسه على الولايات المتحدة: هل ستغادر وتسمح بتوطيد دعائم الدولة، وتعزيز الاستقرار في سوريا والعراق كبلدين صديقين لإيران، يتبنيان موقفا معاديا للولايات المتحدة، أم تزعزع استقرارهما بمساعدة القوة الوحيدة القادرة على ذلك “داعش”؟

الإجابة بالنسبة لي واضحة.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تصوروا كمان أن هناك من يخشى إنفراد ايران بالعراق بعد انسحاب الامريكان ، كما يتذرعون ، ايران التي تنافح عن استقلالها بكل السبل ضد التدخل الامريكي في شؤونها وتنتصر بشق الانفس في الحفاظ على استقلاليتها وثرواتها والتي تواجه تهديدات لم يشهده الكون من قبل وهم يحاولون ثنيها عن خياراتها الوطنية والاسلامية والانسانية واعادة الهيمنة عليها بكل السبل واعادة نهب ثرواتها واخضاعها للاستراتيجيات الصهيونية ، تصوروا ان هناك من يخشى هذه الايران التي لا تؤهلها قواها الا ان تكون دولة حليفة للعراق وليس دولة احتلال كالامريكان ، ولا يخشى بقاء الامريكان وخطرهم الذي يضج منه باطن الارض وتربتها وشجرها وحجرها ولا يحس به بعض البشر … عجب !!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here