عمر نجيب: إلى أين تسير تركيا بعد رجة انتخابات 31 مارس 2019 ؟ أطماع أنقرة في سوريا كانت حاضرة في الصراع السياسي الداخلي

عمر نجيب

  جرت في تركيا يوم الأحد 31 مارس 2019 الانتخابات المحلية التي يقول المراقبون منذ اسابيع كثيرة أن نتائجها ستكون مؤشرا على حجم شعبية حزب العدالة والتنمية التركي الذي يحكم البلاد منذ سنة 2002، وبالتالي على شكل التوجهات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الخارجي والداخلي، لسلطات أنقرة وعلى رأسها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان,

ويشار أيضا إلى أنه إذا كان أداء حزب اردوغان في الانتخابات أسوأ مما كان عليه في عام 2014، فقد يعرض ذلك تحالفه مع حزب الحركة القومية، وهو حزب يميني متطرف، للخطر. كما أنه سيعزز المعارضة التي شيطنها أردوغان بوصفها بـ”الإرهابية”.

اعتراف ووعود

 ليلة يوم الاحد الإثنين 31 مارس وفاتح أبريل ومع ظهور النتائج شبه النهائية، قال الرئيس أردوغان إن حزبه العدالة والتنمية خسر بعض المدن في الانتخابات البلدية وتعهد بأن تركز حكومته من الآن فصاعدا على تنفيذ خطط اقتصادية قوية.

وأضاف أردوغان في مؤتمر صحفي في اسطنبول أن الانتخابات القادمة ستجرى في يونيو عام 2023 وأن حكومة أنقرة ستنفذ بعناية ”برنامجا اقتصاديا قويا“ دون أي مساومة بشأن قواعد السوق الحرة.

وأضاف أردوغان للصحفيين في أنقرة ”أغلبية الأحياء في اسطنبول كانت لنا أو تنافسية. ماذا يعني هذا؟. حتى إذا تخلى أناسنا عن رئاسة البلدية، فقد أعطوا الأحياء لحزب العدالة والتنمية“.

وذكر أردوغان أيضا إن حزبه سيطعن في النتائج أينما دعت الحاجة. وأضاف أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة في الوزارات والمؤسسات لجعل نظام الحكم أكثر حيوية.

وعن المناطق التي كسبها والتي خسرها حزب العدالة والتنمية، علق أردوغان قائلاً: “نقر بأننا كسبنا قلوب الشعب التركي في المناطق التي فزنا فيها وأننا لم نحقق النجاح المنشود في المناطق التي خسرناها وسنحدد مسارنا المستقبلي في ضوء ذلك”.

وأكد الرئيس أردوغان أن على أجندة العدالة والتنمية، “برنامج إصلاحات هام للغاية”.

ولفت أردوغان إلى أن “الذين يحاولون تركيع شعبنا عبر زعزعة وحدته وتضامنه لقد خسروا مجدداً”.

وأوضح أن نتائج الانتخابات المحلية أظهرت أن “إخوتنا الأكراد أكدوا أنهم لن يسلموا إراداتهم للمنظمة الإرهابية بي كا كا”. ويشكل الأكراد، نحو عشرين في المائة من سكان البلاد. وتعهد أردوغان بمواصلة العمل “من أجل جعل بلادنا ومنطقتنا واحة طمأنينة دون أدنى تهاون حيال المنظمات الإرهابية”، وشدد على أنه “لا يزال أمامنا الكثير لنبذله من أجل شعبنا”.

وأعرب أردوغان عن شكره لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجة لي، الذي خاض الانتخابات مع العدالة والتنمية، تحت مظلة “تحالف الشعب”.

 وأدلى المواطنون الأتراك بأصواتهم، يوم الأحد، في انتخابات الإدارة المحلية في 81 ولاية في عموم البلاد، ورغم تقدم حزب “العدالة والتنمية” في معظمها، إلا أنه تأخر في عدد من المدن والولايات الكبيرة خاصة أمام “حزب الشعب الجمهوري” الذي يترأسه زعيم المعارضة التركي، كمال كيليتشدار أوغلو.

وأوضحت اللجنة العليا للانتخابات التركية أنها لن تستعجل في إعلان النتائج الرسمية.

وقال رئيس اللجنة، سعدي غوفين: “النتائج الرسمية ستعلن بعد استلام ودراسة كل الشكاوى المرفوعة”، مضيفا أن “السلطات ستحقق مع القنوات الاخبارية التي بدأت بنشر أخبار تضمنت معطيات حول الانتخابات قبل السماح بذلك”.

وأشار غوفين إلى أن فرز الأصوات استغرق في السابق فترات تبلغ أحيانا شهرا كاملا، لكنه تعهد بأن “تقوم اللجنة العليا للانتخابات بكل ما بوسعها للإعلان عن النتائج في أقرب وقت ممكن”.

عاصفة اقتصادية

 المحللون أكدوا أن انتخابات الاحد شكلت اختبارا مهما لاردوغان، بعد تسعة أشهر من توليه منصب الرئيس التنفيذي للبلاد بصلاحيات موسعة.

 وقد واجه الرئيس التركي انتخابات بلدية محفوفة بالمخاطر وسط عاصفة اقتصادية، بعدما خاض حملة انتخابية مرهقة سعيا لتفادي هزيمة ستكون بمثابة زلزال له في مدن مثل أنقرة واسطنبول.

وفي وقت تواجه تركيا أول انكماش اقتصادي منذ عشر سنوات وتضخما قياسيا وبطالة متزايدة، تبلغ نسبة البطالة 13 ونصف في المئة والتضخم أكثر من 19 في المئة، شكل هذا الاقتراع اختبارا لإردوغان بعد فوزه في كل الانتخابات منذ وصول حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه إلى السلطة عام 2002.

وفي وقت أكد فيه إردوغان أن “بقاء الأمة” على المحك داعيا إلى “دفن” أعدائها “في صناديق الاقتراع″، دعت المعارضة من جهتها إلى اغتنام هذه الانتخابات الأخيرة قبل استحقاق 2023 لمعاقبة السلطة على سياستها الاقتصادية.

وفي مؤشر إلى أهمية هذه الانتخابات المحلية بالنسبة له، شارك إردوغان “65 عاما” بشكل نشط في الحملة فعقد أكثر من مئة مهرجان انتخابي خلال خمسين يوما، وألقى ما لا يقل عن 14 خطابا يومي الجمعة والسبت في اسطنبول.

وإن كان الرئيس قد القى بكل ثقله في السباق، فذلك لأن هزيمة حزبه “ستقوض أسطورة الرئيس الذي لا يقهر” المحيطة به، برأي الأستاذ في جامعة بيلجي في اسطنبول إمري إردوغان.

وتم التركيز بصورة خاصة على ثلاثين بلدية كبرى في مدن تشكل الرئة الاقتصادية للبلاد، وقد شهدت عدة معارك حامية ولا سيما في بورصة الواقعة في شمال الغربي وأنطاليا في جنوب البلد.

لكن الانتباه بقى مصبوبا بصورة خاصة على العاصمة أنقرة، واسطنبول، القلب الاقتصادي والديموغرافي لتركيا، حيث بات حزب العدالة والتنمية في خطر اليوم بعدما هيمن وأسلافه الإسلاميون على المدينتين على مدى 25 عاما.

وعمد إردوغان إلى إرسال رئيس وزرائه السابق بن علي يلديريم إلى اسطنبول، سعيا لتفادي هزيمة مذلة في هذه المدينة التي نشأ فيها وكان رئيس بلديتها بين 1994 و1998.

وفي أنقرة، أرسل الرئيس وزيرا سابقا، حيث يبدو الوضع أكثر تعقيدا على ضوء استطلاعات للرأي تصدرها مرشح المعارضة منصور يافاس بفارق واضح.

وإدراكا منه لوطأة تضخم يقارب 20 في المئة على الأتراك، طلب إردوغان من بلديتي اسطنبول وأنقرة فتح محال للخضار والفاكهة بأسعار مخفضة، ولكن الاتراك يتساؤلون هل تستمر هذه المتاجر في العمل بعد الانتخابات.

وظهر الرئيس التركي في موقف دفاعي أحيانا بما يخص الاقتصاد، وذهب إلى حد تبرير الصفوف الطويلة أمام الأكشاك البلدية بأنّها مؤشر “ازدهار” وليس “فقر”.

 وبدل أن يتناول الصعوبات الاقتصادية التي ينسبها إلى “عملية وتآمر من الغرب”، ركز إردوغان حملته على المسائل الأمنية، محذرا من خطر إرهابي يحاصر البلاد ومن قوى معادية تهددها.

وأعلن إردوغان خلال تجمع انتخابي يوم السبت في اسطنبول أن تصويت الأحد لن يكون على “سعر الباذنجان أو الطماطم أو الفلفل (…) إنها انتخابات من أجل بقاء البلاد”.

وشرح كابتاغاي الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هذا الخطاب بأن “أردوغان يلمح إلى أنه في حال خسارة حزبه في هذا الاقتراع، فإن وجود تركيا نفسه الذي سيصبح مهدداً”.

وقالت غونول أيديمير الناخبة في أحد مراكز الاقتراع في اسطنبول “عمري 57 عاماً وأعتقد أنها أسوأ حملة انتخابية، يبدو الأمر وكأننا ذاهبون إلى معركة”، مضيفةً “لكن الوضع ليس كذلك، ليست سوى انتخابات، حق الناس في الديموقراطية”.

وسعياً منه لتحفيز قاعدة حزبه المحافظة، أعلن إردوغان أنه سيحول متحف آيا صوفيا إلى مسجد، معتبرا أن تحويل الكنيسة التي تعتبر تحفة هندسية من القرن السادس الميلادي إلى متحف كانت “خطأ كبيرا جدا”.

المعارضة التركية، لم تفوت فرصة الأزمة الاقتصادية، فقد خاطب كمال قليجدار اوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، في تجمع جماهيري أنصار الحزب الحاكم، قائلا: “لا تدعوه “اردوغان” يخدعكم، فالكلام عن تركيا قوية اقتصادياً لم يعد ينطلي على أحد، ونحن نشاهد طوابيراً من العاطلين عن العمل، وطوابيراً من الناس الذين يقفون بانتظار الحصول على كميات قليلة من البطاطا والبصل”، وتساءل قليجدار اوغلو: “أي دولة قوية تلك التي تستورد البطاطا والبصل وحتى اللحوم من الخارج؟. لقد بلغنا الحضيض أيها السادة”.

وقد ارتفع المعدل السنوي للتضخم في تركيا إلى 25 في المائة في سبتمبر 2018 بحسب بيانات رسمية، وهو أعلى معدل منذ 15 سنة، في وقت فقدت فيه الليرة التركية ما يقارب من 40 في المائة من قيمتها، في غضون عام.

وتتهم الحكومة التركية، أطرافا لم تسمها، بشن حرب تستهدف المواطن التركي ولقمة عيشه للتأثير على موقفه من الحزب الحاكم في الانتخابات. وأمر وزير المالية التركي براءت آلبيرق، المفتشين في المناطق الزراعية في البلاد، بضبط تجار الجملة الذين يقومون بتخزين محاصيل البصل، لرفع الأسعار.

وأثارت هذه الإجراءات سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا أن هناك إجراءات أكثر أهمية يتعين على الحكومة اتخاذها، لإنقاذ الاقتصاد من وضعه المتدهور.

موسم كارثي

 ويواجه حالياً تجار الملابس في السوق القديم بمدينة إزمير أسوء موسم. وينادي أصحاب المحال طوال اليوم على زبائن يتجولون ويشاهدون ولا يشترون رغم العروض المغرية التي يقدمها أصحاب المحال والتخفيضات الكبيرة التي تصل إلى النصف أو أكثر كما يقول بويراز تيكين وهو صاحب محل في السوق.

ويؤكد تيكين: “الناس لا تمتلك نقوداً لشراء الملابس فأولوياتها الآن هي سد احتياجاتها من المواد الأساسية”.

ويقول أونور، وهو عامل في أحد المحال التجارية، أن رب العمل خفض راتبه بسبب تراجع معدلات البيع في الأشهر الأخيرة، وأضاف أن عدداً من المحلات استغنت عن بعض العاملين، لتقليص النفقات.

ورغم ان المعارضة تعد ناخبيها بتحسين الأحوال المعيشية وانعاش اقتصاد البلاد، في حال خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم الانتخابات، إلا أن الوضع في إزمير والتي يدير بلدياتها حزب الشعب الجمهوري المعارض من سنوات طويلة، يجعل الأمر محيراً للناس، كما يقول يوكسل دامير، صاحب مصنع احذية في المدينة، ويضيف “كيف سيقومون بالتغيير إذا كانت إزمير التي يديرونها في أسوء حال أيضا؟. أعتقد أن الوضع لن يتحسن فكل الأحزاب تكذب”.

الوضع الاقتصادي يعد عنواناً لأزمة تمر بها تركيا وبات شعاراً لكل الأحزاب. الناس تشكو من ارتفاع الأسعار، ومن ارتفاع قيمة الخدمات والفواتير وحتى المحروقات، فيما تعلن الحكومة عن إجراءات لمكافحة الغلاء، من بينها رفع الحد الأدنى للأجور إلى ألفي ليرة تركية، حوالي380 دولارا.

وتقول إحدى السيدات العاملات في شركة خاصة في سوق ديار بكر وتدعى غلبير، إن رب العمل يقوم بتحويل معاشها الشهري إلى حسابها في البنك، وتقوم هي بسحبه وإرجاع نصفه إلى صاحب العمل، “للتحايل على الدولة”، وتشير إلى أن غالبية أصحاب العمل يشترطون ذلك مقابل تشغيل الشباب.

حملة حامية

  تواجه ائتلافان يوم الأحد، هما ائتلاف حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية “قومي متشدد” من جهة، وحزب الشعب الجمهوري “اجتماعي ديموقراطي” وحزب “إيي” القومي من جهة أخرى.

ويحظى هذا الائتلاف الأخير بتأييد حزب الشعوب الديموقراطي “المناصر لقضايا الأكراد” الذي لم يقدم مرشحين لاسطنبول وأنقرة لتفادي تشتيت أصوات المعارضة.

وأكدت ميني إينشي المؤيدة للرئيس ردا على أسئلة فرانس برس خلال تجمع انتخابي مؤخرا في اسطنبول أنه من غير الوارد التصويت ضد إردوغان رغم المصاعب الاقتصادية، معلنة “سنبقى دائما خلفه”.

واتسمت الحملة الانتخابية التي تندرج ضمن سلسلة مرهقة من الاستحقاقات بدأت عام 2014، بحدة النبرة، وقد اتهم إردوغان في خطاباته معارضيه بالارتباط بـ”الإرهاب”.

كما أن شروط الحملة كانت تفتقر إلى التوازن، إذ قامت المحطات التلفزيونية بنقل جميع خطابات إردوغان اليومية بكاملها، من غير أن تخصص الكثير من الوقت لمعارضيه.

وفي بلد يبلغ تعداد سكانه 82 مليون نسمة، وأكثر من 57 مليون شخص يحق لهم التصويت، كان اردوغان حاضرا على كل شاشة تلفزيونية مع كل استطلاع يعلن عنه مقدموا البرامج.

ويقول محللون إن الانتخابات في 81 محافظة تتضمن آلاف رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين تعتبر استفتاء على سياساته منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية في يونيو 2018، عندما وعد “بتركيا جديدة”.

وقال غاريث جنكينز الباحث في “برنامج دراسات طرق الحرير” لوكالة فرانس برس أن ذلك يظهر أن “حزب العدالة والتنمية لم يعد يعتبر نفسه قادرا على الفوز في انتخابات عادلة. ولا شك أنه على حق”.

انتظارات

 بعد تصويت الأحد، ينتظر المستثمرون من الرئيس التركي وصهره، وزير المالية بيرات البيرق، أن يقدما تأكيدات، على نحو عاجل، بأنهم سيركزون على إصلاح الاقتصاد التركي على المدى الطويل، بدلاً من الحلول المؤقتة قصيرة الأجل التي يقدمانها لاستقطاب الناخبين.

وهذا يعني تعهداً بالعمل على ما يزيد عن مجرد، على حد وصف أحد المصرفيين، تدابير “على الطريقة السوفيتية” الأخيرة، والتي شملت السعي لخفض أسعار الفواكه والخضراوات، والضغط على بنوك الدولة لمزيد من الإقراض وبأسعار فائدة منخفضة. فبعد 7 انتخابات أو استفتاءات منذ عام 2014، فإن الأسواق تريد وضع حد لتكتيكات أردوغان المعتادة والمتكررة قبل الانتخابات في إعطاء الأولوية للنمو المدفوع بالائتمان، بدلاً من خفض التضخم وزيادة الإنتاجية.

وقال كيفن دالي، مدير المحافظ في إدارة أبردين أسيت: “مع انتهاء الانتخابات المحلية، فإن هناك فترة ممتدة من الوقت لن تتخللها استطلاعات رأى أخرى”، موضحاً أن هذا “يمنحهما أيأردوغان وصهره الوقت لمعالجة القضايا”.

ويقوم أردوغان بغلق الباب في وجه المستثمرين، بينما تجري تركيا تحقيقات مع مؤسسة “جيه بي مورغان”، في حين كان يرغب البعض في رؤية تركيا تطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، كما فعلت أثناء الأزمة المصرفية التي بدأت في عام 2000، لتعزيز مصداقية الحكومة.

لكن أردوغان أصر مراراً وتكراراً على أنه لن يسير في هذا الطريق، قائلاً: “لقد أغلقت تركيا قصة صندوق النقد الدولي، ونحن لن نفتحها مرة أخرى”، وفقاً لما قاله في الحملة الانتخابية.

تعاني تركيا من عجز في ميزان تجارتها الخارجية، فوارداتها أكثر من صادراتها، ما يعني أنها تنفق أكثر مما تكسب. والعجز يجب أن يُمول إما من استثمارات أجنبية أو بالاستدانة. ولا يعتبر هذا بحد ذاته غريباً أو خطيراً، لكن العجز لدى تركيا أصبح كبيراً جداً فقد بلغ 5 ونصف في المئة من الدخل القومي أو من إجمالي الناتج المحلي عام 2018.

وهنالك مظهران للدين الخارجي في تركيا زاد من ضعف اقتصادها، الأول أن لديها مستوىً عالياً من الديون بعضها مستحق الدفع في القريب العاجل بالإضافة إلى الديون الجديدة، وهذا يعني بلغة السوق المالي أنه يجب إعادة تمويل الدين. وتقدر وكالة تقييم الاستثمار “فيتش” أن الحاجة المالية الكلية لتركيا لعام 2018 تبلغ ما يقارب 230 مليار دولار.

المظهر الثاني يتمثل في استدانة الكثير من الشركات التركية بالصرف الأجنبي، وتعد هذه القروض أكثر تكلفة عند إعادتها في حال انخفضت قيمة العملة المحلية وهو ما حدث بالفعل.

كما صعد ضعف العملة مشاكل التضخم الملحة في تركيا، فكلما ضعفت قيمة الليرة زادت تكلفة الواردات.

وكان لدى المصرف المركزي هدف في الحد التضخم إلى 5 في المئة عام 2017، لكن التضخم كان أكثر من ذلك بكثير حوالي 10 في المئة. ومنذ ذلك الوقت تراجع الوضع خاصة مع غلاء الأسعار التي زادت بمعدل سنوي يبلغ قرابة 15 في المئة.

مستثمرو السوق المالي قلقون كذلك من آراء الرئيس أردوغان حول السياسة الاقتصادية والضغط الذي اعتبر أنه يمارسه على المصرف المركزي لبلاده.

هنالك خيار واضح أمام المصرف المركزي الذي يريد أن يتحمل التضخم وهو رفع معدلات الفائدة. وهذا يمكنه أن يحد من التضخم بطريقتين، إما بإضعاف الطلب في البلاد، أو من خلال رفع العوائد المالية في تركيا والتي ستشجع المستثمرين للشراء بالليرة، مما يقوي العملة ويخفض تكلفة الاستيراد.

وقد قام المصرف المركزي التركي بخطوات مشابهة، لكن دون تأثير ملموس أو وصول إلى حل للمشكلة.

الظلام الاقتصادي

 يقول كان سيلكوكي، رئيس مركز أبحاث اسطنبول الاقتصادي، وهو كيان استشاري، إن المواطنين الأتراك رأوا أن العملة “كمقياس يعكس مدى قوة الاقتصاد التركي”. ولهذا السبب أضافت تقلبات العملة خلال الاسبوع الذي سبق انتخابات يوم الأحد لبنة إلى الشعور بالظلام الاقتصادي. ولا يستطيع أردوغان أن يتحمل هذه الحالة من عدم الاستقرار، ولذا جاءت المحاولة الأولى للسلطات التركية من جانب البنك المركزي، الذي سرعان ما استهلك خلال شهر مارس 2019، ثلث احتياطاته من العملات الأجنبية، التي هي ضئيلة بالأساس، في محاولة واضحة للحفاظ على ثبات العملة.

وذكر المصرفيون الأجانب إن المقرضين الأتراك طُلب منهم إيقاف عرض العملة من أجل إحباط عمليات البيع على المكشوف، وهو ما نفته الجمعية المصرفية التركية. وحقق الضغط بعض النجاح، من وجهة نظر الرئيس أردوغان، على الرغم من أن العملة عانت من تقلبات حادة، إلا أنها بقيت في الغالب أقل من 5 ونصف ليرة للدولار نهاية مارس.

ومع ذلك، فإن التدخلات جاءت بثمن باهظ، وذلك لأن الأسهم والسندات التركية قد تراجعت. والأهم من ذلك، أن هذه التدابير أضرت بسمعة البلد الهش بالفعل، في نظر الممولين الدوليين. وهو الأمر الذي حذر منه أحد المحللين في لندن قائلاً: “ولسوف يستمر “هذا التأثير السلبي” مذاق هذه التجربة مرا لفترة طويلة”. لأنها يمكن أن تخيف المستثمرين من الأصول التركية، مما يجعل المهمة طويلة الأجل المتمثلة في إصلاح المشكلات الاقتصادية في البلاد أكثر صعوبة.

الحرب السورية

 يشير محللون وخاصة في العاصمة الالمانية برلين إلى أن الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف شهر مارس 2011 شكلت وإن كان في الظل عنصرا مؤثرا في العملية السياسية بتركيا وذلك بسبب الأدوار المتقلبة التي لعبتها أنقرة فيها منذ البداية. وكذلك بسبب التكلفة العالية للتدخل التركي في الحرب. وتشير تقديرات لمراكز رصد في برلين أن أنقرة أنفقت أكثر من 76 مليار دولار خلال سنوات 2016 و 2017 و 2018 لدعم الجماعات المسلحة المناهضة لدمشق.

 حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتفاخر بعض قادته بأنهم العثمانيون الجدد، كسب تعاطف وتأييد الكثير من الأتراك باللعب على وتر إحياء أمجاد الامبراطورية العثمانية و”إستعادة” أراض من العراق وسوريا يرى الحزب أنها ضمت لهذين البلدين دون حق.

يوم 30 مارس أي قبل 24 ساعة من الانتخابات البلدية صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن تركيا ستعمل على حلّ الأزمة السورية بعد انتخابات الأحد، بالمفاوضات إن أمكن أو ميدانيا.

ونقلت “الأناضول” قول أردوغان: “بعد الانتخابات سنحلّ حتما بالدرجة الأولى الملف السوري، إما عن طريق المفاوضات إذا أمكن، أو حتما في الميدان”.

وأضاف: “عقدنا العزم على إنهاء الإرهاب الاقتصادي بقدر ما أبدينا تصميما على القضاء على الإرهاب المسلح”.

ضم شمال سوريا

 جاء في تقرير نشرته شبكة “البي بي سي” البريطانية يوم 7 مارس 2019:

تقوم تركيا بتعزيز نفوذها في أجزاء من شمال وشمال غربي سوريا منذ بضع سنوات، وهو أمر ينظر إليه من قبل البعض على أنها محاولة منها إلى تتريكها تمهيداً لضمها نهائيا في المستقبل.

وتسيطر حالياً تركيا على الأراضي الواقعة غربي نهر الفرات، المحاذية لحدودها الجنوبية الشرقية، ابتداء من بلدة جرابلس في الشرق وانتهاء بعفرين ذات الغالبية الكردية في شمال غربي البلاد.

كيف حدث ذلك؟

لا يقتصر الوجود التركي في المناطق الشمالية في سوريا على الجانب العسكري فقط، بل تعمل السلطات التركية بالتعاون مع الفصائل المسلحة الموالية لها على نشر الثقافة واللغة التركية إلى جانب احتكار المشاريع الاقتصادية الرئيسية في المنطقة.

في أغسطس 2016، أطلقت تركيا عملية عسكرية سمتها “درع الفرات” بالاشتراك مع جماعات مسلحة في المناطق التي كانت وقتها خاضعة لسيطرة “تنظيم الدولة الإسلامية”.

وفي بداية عام 2017، استولت القوات التركية وحلفاؤها على جزء من الشريط الحدودي بين البلدين، الممتد بين جرابلس في الشرق واعزاز من الغرب ومنطقة الباب إلى الجنوب.

كان هدف تركيا العلني وقتها، محاربة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، أما هدفها الاستراتيجي الأهم، فكان منع القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة من التوسع في المناطق الواقعة غربي نهر الفرات.

وفي يناير 2018، أطلقت تركيا وجماعات مسلحة موالية لها عملية عسكرية جديدة في المنطقة، وكانت هذه المرة تهدف إلى السيطرة على منطقة عفرين السورية الكردية، التي كانت تحت حماية المقاتلين الأكراد منذ بداية الأزمة السورية.

ومنذ ذلك الحين، تحدثت عدة منظمات حقوقية عالمية ووسائل إعلام عن تردي الحالة الاقتصادية والأمنية والإنسانية في هذا الجزء من سوريا.

استمرت الحملة العسكرية ضد عفرين نحو شهرين، وانتهت بسيطرة الجيش التركي والفصائل المسلحة الموالية له على المنطقة. نزح إثرها ما يزيد عن 130 ألف مواطن سوري كردي من عفرين والقرى المحيطة بها، وتمركزوا في مخيمات في مناطق الشهباء في ريف حلب على بعد عشرات الكيلومترات فقط من منازلهم.

وحل مكانهم في عفرين نازحو دوما والغوطة الشرقية وحمص وحماه وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها الحكومة من الفصائل المعارضة الموالية لتركيا.

إرهاب الجماعات المسلحة

وقالت لجنة حقوق الإنسان المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقرير أصدرته في الـ 31 من يناير 2019، إن أكثر من 50 جماعة مسلحة منتشرة في شمال سوريا، ويعاني سكان تلك المناطق وخاصة عفرين التي كانت ذات غالبية كردية قبل سيطرة تركيا عليها من أعمال النهب المستمرة من قبل من يفترض بهم أن يكونوا في خدمة وحماية المواطنين، كما أن غياب القانون والانضباط وتكرار حالات الاختطاف والتعذيب وانتشار العصابات، حول حياة الناس إلى جحيم لا يطاق.

ويقول المواطنون إنهم اشتكوا كثيرا عند الشرطة المحلية والسلطات التركية، لكن دون جدوى.

وذكر التقرير أن معظم المعتقلين والمخطوفين هم من السوريين وخصوصا النشطاء الذين ينتقدون ما تقوم به تلك الجماعات من أعمال سلب وخرق للقوانين.

وتلقى المجلس تقارير عن المضايقات التي يتعرض لها المدنيون من قبل الجماعات المسلحة ومطالبتهم بالرشاوي لتسيير أبسط أمورهم اليومية وخاصة عند نقاط التفتيش المنتشرة في المنطقة.

القرارات من المركز

لاحظ بعض السكان استمرار وجود القوات العسكرية التركية في عفرين واعزاز واستخدام المدارس لأغراض عسكرية في عفرين على الرغم من ادعائها انسحابها منها بحسب ما جاء في تقرير مجلس حقوق الانسان .

وقال سكان المنطقة إنهم يواجهو المصاعب في التنقل ضمن عفرين والمناطق المجاورة لها، ما لم يمتلكوا أوراقاً ثبوتية صادرة عن السلطات التركية.

وأشاروا إلى أن القضاة والمحامين السوريين لا يعينون إلا بالتنسيق مع وزارة العدل التركية، وأن ضباط الشرطة المدنية وغيرهم من العسكريين يتم تدريبهم من قبل السلطات التركية.

ووصف الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات، الهياكل الإدارية والتنفيذية، بأنها غير فعالة على الإطلاق وغير قادرة على معالجة الانتهاكات التي تمارسها عشرات الجماعات المسلحة.

وترى اللجنة أن هناك أسباباً كافية تؤكد بأن عناصر الجماعات المسلحة في عفرين ارتكبت جرائم حرب، مثل اختطاف الناس والمعاملة القاسية والتعذيب والنهب ومضايقة النساء.

هوية تركية

تشرف تركيا بشكل مباشر على المجالس المحلية التي تدير المناطق الواقعة بين جرابلس والباب وعفرين. تتبع هذه المجالس لما يسمى بـ “الحكومة السورية المؤقتة” التي تتخذ من تركيا مقرًا لها، وتستلم رواتب موظفيها من الحكومة التركية.

وقال مسؤول من الجماعات المعارضة الموالية لتركيا في مارس بأن مجلس عفرين يتبع إدارياً لمقاطعة أنطاكيا “هاتاي” التركية المجاورة.

وجاء في تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في يونيو 2018 بأن حاكم هاتاي قد عين أثنين من المسؤولين الأتراك للإشراف على الحكم في منطقة عفرين.

وفي منطقة الباب، تقدم السكان بطلب الحصول على بطاقات هوية جديدة صادرة عن السلطات التركية. وفي حال نجاح هذا المشروع، سيطبق في المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرتها.

شؤون اقتصادية وأمنية

 إقتصادياً، لا يسمح للمنظمات غير المسجلة في تركيا بالعمل في عفرين أومناطق أخرى خاضعة لسيطرتها. وفتحت تركيا مركزين للخدمة البريدية التركية في كل من بلدتي جرابلس والباب، ومن المتوقع افتتاح مركز ثالث في عفرين قريباً.

وتلعب هذه المراكز دور البنوك، وهي المراكز الرسمية الوحيدة التي تسجل الأموال الداخلة والخارجة من تلك المناطق.

وأرسل محافظ غازي عنتاب التركية ممثلين عنه لافتتاح مدينة صناعية واقعة بين الباب وحلب ويربطها بتركيا طريق انشأ لهذا الغرض، لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير بين تلك المناطق وتركيا.

التعليم والثقافة

افتتحت تركيا في أواخر عام 2018 فرعاً لجامعة “حران” في الباب وتدرس فيها اختصاصات الهندسة الكهربائية والزراعة والبناء باللغات العربية والتركية والإنجليزية.

أما في عفرين، فتم افتتاح مدرسة ثانوية إسلامية تركية شبيهة بمدارس “إمام خطيب” التركية إلى جانب مدارس أخرى جميعها ممولة من تركيا.

ويتهم الناشطون تركيا باتباعها سياسة التتريك في عفرين على وجه الخصوص، عبر إزالة أي رمز سوري في المدينة وتغيير أسماء الشوارع والساحات الرئيسية وتجريدها من أي إشارة إلى هويتها السورية، وتنتشر الأعلام التركية وصور أردوغان في الدوائر الرسمية والمدارس والأماكن العامة.

وتدعي السلطات التركية أن لديها صلة وثيقة بالشمال السوري تاريخياً، وأن أجزاءً من بلدة الباب تعود أصلاً إلى عائلة السلطان عبد الحميد الثاني بحسب مصادر سورية معارضة.

كما تخطط تركيا لتجديد وتحويل منزل في عفرين إلى متحف بحجة أن مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك استخدمه خلال الحرب العالمية الأولى.

وقال حاكم أنطاكيا التركية مؤخراً بأن هناك قاعدة استخدمها أتاتورك خلال الحرب العالمية الأولى في منطقة راجو التابعة لعفرين، وإنهم سيعملون في المستقبل القريب على ترميمها وتحويلها إلى متحف تاريخي وفقا لما أوردته وكالة أناضول الرسمية.

“مشردون في أوطانهم”

تسببت الحملة العسكرية التركية على عفرين وممارسات الجماعات المسلحة لاحقاً بنزوح ما يزيد عن 130 ألف مواطن من أبناء عفرين إلى المناطق التي تخضع للحكومة السورية أو تلك التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي البلاد.

ولدى عودة بعض النازحين بعد رحلة محفوفة بالمخاطر إلى منازلهم في عفرين، لم يجدوا سوى منازل خاوية، وفي حالات أخرى، وجدوا منازلهم مسكونة من قبل أفراد الجماعات المسلحة وأسرهم.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here