عمر الرزاز: كن بينهم  

خالد عياصرة

 “ نجدة “ قريةٌ أردنيةٌ رَابضةٌ على سَفحِِ تَلٍ عَالٍ، مُطلة على عَمانِ وجِبال الشَيخ وفِلسطينِ، أهلها أنُاسٌ طَيبون، لم تَحفلْ في يَومٍ مِنَ الأيامِ بِزيارةِ رَئيسِ وزَراءٍ أو وَزيرٍ، هي ليَست قرىَ مَحجورٌ عَليِها أو مُحاصرٌ أهلُها، لَكنها في سُلمِ أولوياتِ الحكومةِ قُرى مَنسيةٍ، صَوُتها غَير مَسموع.

” بير أبو العَلق ” قَريةٌ نَائيةٌ فَي الشُوبكِ، سَاكنُوها مِن أهلِنا الَبدو، وَطنتهم الحُكومات وَ تَناستْ وجُودهم، مَازالَ الناسُ ينُاضلونَ من أَجلِ البَقاءِ، مَازالَ النَاسَ يَزرعون في أَطفالِهم حُب الأردنُ، والأملِ بغدٍ أَفضلٍ، لَكِنهم يَضحَكونَ في قَرارةِ أنُفسهم. أيُ أملٍ ومُستقبلٍ يَحملهُ الَغدُ ؟ الحُكوماتُ اسَقطتنا منِ الوُجودِ مُنذُ أَمد، الأطَفالُ يَفتقدونَ لِكلِ شَيءٍ، هُم في الحَقيقةِ يَختَلفونَ عَن الأطَفالِ، مَدارِسُهم الَعُابهم، مَلابسُهم، اَحلامُهم، تَختلفُ عَن أَقرانِهم في عَمَانِ، قرىً هَجرتها الطُيورُ والعَصَافيرُ، بَقيت الأعَشَاشُ خَاويةٌ، تَنتظرُ إِعَادةَ بِناءً وإرادَةً تَقرعُ الجَرس !

” مَرحبا ” قريةٌ تَقعُ في مُحافظةِ أربد إلى الشَمالِ من الَمملكةِ، يَستُقبلكَ كرم  وجود أهَلها بأهلا وسهلاً، هذا هو العنوان، رغم أنَ الفَقرُ أنَشبَ اَظافُرةُ في الأجساد، ليِنعكسَ الوَاقعَ عَلى أَحلامِ الأَجَيالِ الَقادمةِ، لَكنَ الُحكومات لا تَكترثُ لِذلكَ، بَل هِي تَستغلُ صِفات الَنبالة، كَحافزٍ للِهروبِ والِإبتعادِ.

“ الثُغَرةُ “ قَريةٌ صامدةٌ فيِ مُحَافظةِ مَعانِ إلى الجَنوبِ مِنَ الَمملكةِ، يَفتقدُ أَهلها لِخطِ مَاءٍ يُزودُ بُيوتَ الَقريةِ، حَقاً نَحُن فِي عَامِ 2018، ثَمَةَ اُناسٌ تُعَاني الَعطشَ كَماَ القَهرِ مَع عَدم الإِهتمامِ والإِكتراثِ الَذي يُبديه المَسؤولِ في تَعاطِيهِ مَع مُتطلباتِ الَناسِ، في الحَقيقةِ لا يُوجد مُبررٍ مُقنعٍ يَستطُيع مُطالبةَ النَاس بِالصَبرِ والقُبولِ بِالوَاقعِ.

الَقاسمُ المُشتركُ بَينَ الُقرىَ الأربَعة يَتَمحوُر حَولَ سَرابِيةُ الإهِتمامُ، قُرى تَقعُ خَارجَ الأَرضَ وخَارجَ نَهجُ الدولة، لمْ تَفرحْ يَوماً بِزيارةِ مَسؤولٍ للإطِلاعِ عَلى اِحتِياجاتِ اهَاليها، لَم تَستقبل بُيوتاِتها مَسؤولاً يَستمعُ لِمطَالبِ أطَفالها، كَما لَن تَحفلُ يَوماً بِمشروعٍ تَنمويٍ يُجددُ الأَملَ في قُلوبِ سَاكنيها. مِن المُؤكدِ، يَستطيعُ رَئيسُ الوزراء الطلبَ مِن مَكتبةِ تَاريخِ زِياَراتِ المَناطقِ مِن قِبل المُسؤولينَ في الحُكوماتِ السَابقةِ الَذينَ أعجَبَهم الَجُلوسُ تَحتَ أجهزةَ التَكييفَ البَاردةَ !

عندما كُلف رَئيسُ الوزراءُ الدكتور عُمر الرزاز، لا أنكرُ أننَي شَعرتُ بِالفَرحِ، لَكنَ المًفعولُ تَلاشي، هو يَشربُ الشَاي في وادي الهَيدان، يَزورُ المُستَشفَياتُ وَالجَامعاتُ والُمؤوسساتُ، لَبقٌ في حَديثةِ، دُبلومَاسيٌ الإجَابتهِ، لَكنهُ لم يَعيش مِثل أبناء الَشعب، لَم يَذُقْ طَعمَ الحِرمان الَذي جَلبتهُ الجُغرافِيا والسِياسيةَ والإدارةَ، لِتُشكيلَ مَلامحَ القُرى والنَاسَ، لَم يَسكنَ الَرزازُ في القَريةِ، لَم يَعشْ في البَاديةِ، ولَم يَقم في الُمخيمِ، لَم يُعاينَ تَنوعَ النَاسَ وثَقافتُهم اللهمَ إلا نَظرياً، لَم يَطلعَ عَلى وَاقعِ الَناسِ والِسماتِ المُميزةِ لِسَكِنيِ تِلك المَناطقِ.

الأُردنُ يا سَيدي لَيِست العَاصمةُ عَمانُ، الأردنُ لَيسَت مَراكزَ المُحَاَفظاتُ، الأردن مُدنٌ وقُرى وبَوادي ومُخيمات، الأُردنُ “ موازييكٌ “ جَميلٌ مُتنوعٌ، مُختلفٌ في آنٍ واحدٍ.

هل فَكرَ الدكتورُ الرَزاز يَوماً خَلعَ بَدلتهِ، ليِتِفاعلَ مع واقعَ الناسَ في قُراهم النَائيةِ ؟ كَيف له أن يُقرَ قرارٌ ما لَم يُعايشهمُ ؟ هل يملكُ أن يرىَ بِعينِ الأخرينِ، أليسَ مَا تَراهُ أنتَ كرَئيسٍ للوزراءِ لمعالجةِ

الواقعِ إنطلاقاً مِن متطلباتهِ، أفَكرتَ أن تسكنَ في قَريةٍ الصَفصافةِ أو مَرحَبا مُدةَ شَهرٍ، أكاُد أَجزمُ أَنَ رُؤيتكَ لأبد أَن تَتطورَ تلتصق بِالنَاسِ.

يا شَقيقُنا وأبن أُمُّنَا – الأردن أم الجَميع – المُساعدونَ والمُستشَارونَ الذينَ يُحيطيونُ بكَ، أنتَ تَعرفهم أكثرَ منا، لَا ولَن يَمنحوُنكَ الحَقيقيةَ، الحَقيقيةُ لا تَتأتي إلا إن وَقفتَ عَلى نَاِصيةِ تَفاصِيلها، لذا تَدعوكَ القُرى والبوَاديَ والمُخيماتَ، لا كَضيفٍ بَل كَصاحبِ بَيتٍ، عَزيزٍ كَريمٍ، قُرانا التي تُمثلُ خَزانُ الأردنَ المُستَقبليَ والإستُثمارُ فِيها لأبد أن تَكونَ استراتيجيةٌ وَطنيةٌ مُمَتدةٌ، أقم بَينهم وقُم عَلى مَطالبهم أُسبوعٍ لا أكثر، تَنَاولَ مِن طَعامِ اَهلهُا الكِرامِ، إسهَر مَعهم، ألبَس مَلابسهم، تَحدثَ مَعهم استمع لقِصصهم وحكايات الجداِت، تحدث معهم عَن التَنميةِ والمَشاريعِ عَن رَغيفِ الخُبرِ وحَدائقِ الأطفَالِ، عَن الِمياهِ والكَهرباءِ، عَن المُستقبلِ الذي هُم شُركاءٌ فيه، حَتماً سَيتفتحُ رَبيعُ قَلبكَ وحَدائقُ عَقلكَ، لِيصيرَ زَهراً مُثمراً، يَشعُر بِالنَاسِ وأوجَاعُهم ويُسَانَدهم، ويُلبيَ مَطَالبهم. لا تَخلعَ بُردةَ البَحث وتَرضى بِجُلبابِ المُستشَارينَ والُمرافِقين، كن معهم لا عليهم.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here