عماد عفانة: فلسطين بين مسيرات العودة والفجر العظيم

عماد عفانة

يشهد تاريخ الشعب الفلسطيني أن الفلسطينيون يأبون الإذعان للعدو الذي يحتل أرضهم، تماما كما يرفضون الاستسلام لواقع الانقسام الذي صنعته ألاعيب وكمائن العدو المحتل.

لم تتوقف انتفاضات الشعب الفلسطيني وثوراته لاستعادة حقه وتحرير وطنه منذ بدأ مسلسل الانتداب البريطاني 1920م الذي سلم فلسطين للاحتلال الصهيوني 1948م، وصولا إلى انتفاضة 1987 وما تلاها من هبات وانتفاضات لم يمنع وجود سلطة صنعتها اتفاقات أوسلو 1993م التي صاغها العدو المحتل من أن تتجدد في سنة 2000م.

إلا أن العدو الذي نجح في تغييب قائد الثورة ياسر عرفات 2004م، في كمين التسميم، يبدو أن استخلص العبر، فأعاد المنسق الأمريكي والراعي الحصري تشكيل الوعي لدى جنود أجهزة السلطة الأمنية، لمنع أي انتفاضة جديدة، فاحتل العدو مقعد الصديق، واتهم ابن الوطن المقاوم بالإرهابي الذي يجب ملاحقته وقتله.

وفي ابداع عابر للانقسام الفلسطيني المصطنع، انطلقت مسيرات العودة وكسر الحصار في قطاع غزة 2018م، على أمل تصحيح بوصلة الصراع، وتصويب وجهة البنادق، وتوجيه الغضب الشعبي تجاه العدو الأوحد للشعب والأمة، وإعادة توحيد الثوار في جبهة واحدة تحت راية العودة، العودة والتحرير الذي انطلقت من أجله جميع ثورات الشعب الفلسطيني وانتفاضاته فضلا عن فصائله ومنظمة التحرير.

ومع توقف مسيرات العودة نهاية 2019م قبل استئنافها المرتقب في مارس 2020م، كان لابد من إطلاق ابداع جديد يستهدف ساحة الضفة الغربية هذه المرة، نظرا لكونها الساحة الأكثر استهدافا من العدو تطبيقا لصفعة ترامب التي شرعنت تهويد وابتلاع وضم الضفة الغربية والقدس المحتلة.

 فكان ابداع الفجر العظيم، لينطلق الفلسطينيون وقبل أن تنسل خيوط الفجر من خدرها، ليتراصوا صفوفا متلازمة متوالية خلف قائدهم إمام صلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

ورسالة الفجر العظيم للعدو المحتل، أن الحرم الابراهيمي لنا ولن يسلم شعبنا بالتقسيم المكاني؛ ولن يسكت شعبنا عن تخصيص حيّز كبير منه للمستوطنين الصهاينة، وان شعبنا سيكسر بأجساده العارية حصار المسجد وحواجز القهر.

ثم امتدت صلوات الفجر العظيم للمسجد الأقصى ليوصل رسالته مدوية للعدو المحتل أن التقسيم المكاني على المسجد الأقصى لن يمر، وان شعبنا لن يسلم بفرض التقسيم الزماني الذي يحاول فرضه بقهر السلاح.

صلوات الفجر العظيم فضلا عن كونها عمارة للمساجد والمقدسات بالناس، وفضلا عن كونها بدهيّة باعتبارها أحد شعائر الإسلام المفروضة على كل مسلم، إلا أنه يمكن اعتبارها هنا أحد أدوات المقاومة الهامة للعدو المحتل، الذي يحاول الهيمنة على مقدسات المسلمين في فلسطين، الحرم الابراهيمي والمسجد الأقصى المبارك وتقسيمهما، وغزو المستوطنين لهما، فهي انتفاضة أخرى ولكنها من لون آخر.

ولأن صلوات الفجر العظيم أداة مقاومة وشعيرة إسلامية من الفرائض، فكان لابد من تعميمها على بقيّة مساجد الضفّة، وغزة، ثم لتنتشر وصولا الى المساجد في الأقطار العربية والإسلامية، ليستحضر المسلمون قضيّة المقدسات الإسلامية المهددة بالتقسيم والمصادرة من العدو، وخاصّة المسجد الأقصى، لتعيد للمساجد دورها الطليعي الذي اضطلعت به تاريخيّا في مواجهة كل غاز ومحتل.

انتفاضة المساجد هذا ما كانت تعرف به الانتفاضة الأولى 1987م، حيث شكّلت المساجد نقطة انطلاق وتحشيد للمظاهرات ليس في الانتفاضة الأولى فقط بل وافتُتِحَت بها انتفاضة الأقصى 2000 ايضا.

وفي زمن التخشب والتبلد الذي أصاب الجماهير العربية كان لابد من احياء القيم الروحيّة والتعبويّة للمساجد في شحن ليس الشعب الفلسطيني فقط بل والشعوب العربية والاسلامية بالقيم القادرة على تجاوز الأنماط الحياتية التي فُرضت عليهم من دوائر المكر العالمي، في إطار هندسة وعيهم وتغييبه عن الهموم الجمعية للأمة، بهدف تحييدهم عن القيام بواجبهم الطبيعي في مواجهة الأعداء، عبر إغراقهم باهتمامات معيشية ساندتها سياسات ثقافية واقتصادية وأمنية وسياسية.

ففي صلوات الفجر العظيم وكما في مختلف الصوات تتلاشى الألوان والأوزان والانتماءات والولاءات والأسماء ليصطف الجميع سواسية كأسنان المشط لا يبتغون سوى رضوان الله تعالى.

غير أن صلوات الفجر العظيم تتميز بأنها تحمل سمة التحدي الثوري، فعدا عن كونها شعيرة وفريضة فهي أيضا جهاد ونضال وصمود ومقاومة لعدو يستهدف أقدس مقدسات المسلمين في أرض الاسراء والمعراج، فضلا عن كونها فعالية عابرة للانقسام، حيث يتوحد الجميع في بيوت الله ولحماية بيوت الله بنية الجهاد في أرض الرباط، ما يزيد من وشائج الارتباط في جذور هذه الأرض المقدسة.

كما أن انتقال صلوات الفجر العظيم إلى البلاد العربية والإسلامية، يعيد للقضية الفلسطينية بعدها العربي وعمقها الإسلامي، فالمجاهد لا يعدم الوسيلة لكيد العدو وافشال مخططاته، فلا يأس مع العمل، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة”، وقال: “أمتي كالمطر، لا يدري، الخير في أوله أم في آخره”.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here