عماد عفانة: المقاومة الفلسطينية… تفكيك وتركيب

 

 

عماد عفانة

كان يجلس على كرسيه المتحرك بصعوبة، يحرك رأسه يمنةً وشملةً بيت الفينة والأخرى، ربما ليقول للجميع انا هنا انا حي.

يتكلم ببطيء وكأنه يزن كلماته، يملك تأثيرا كاريزميا قادراً على تحريك شعبا بأكمله، لكنه كان عاجزا عن تحريك ذبابة لو وقفت على أنفه.

 كان يملك ذاكرة حديدية، حيث تكفيه نظرة واحدة إلى وجهك، ليقول لك انه قابلك من قبل، وأن اسمك فلان وان أبو فلان، وأنك من بلدة كذا وكذا.

كان يملك بديهة سريعة ونظرة بعيدة في تعامله مع الأحداث ببرود ظاهر، على خلاف داخله الذي كان كالمرجل التواق للإنجاز، يهتم ويتابع بنفسه أدق التفاصيل.

دق غلتفاصيلأدلذلك لم يعر كلامي اهتماما كبيرا عندما أخبرته أن البلدية أرسلت لنا 1997م تحذيرا بإغلاق مكتبه إذا لم نُتم معاملات الترخيص، حيث قال المقاومة لا تحتاج إلى مقرات ومكاتب.

كانت هذه رؤية شيخ المجاهدين الشهيد أحمد ياسين، وكانت هذه سياسته، التي تقوم على عدم منح العدو هدايا تمكنه من الضغط على المقاومة، فلا عناوين معروفة، ولا مقرات ثابتة، ولا مراكز أو مواقع أو ثكنات، بل خلايا ومجموعات سرية، يظهرون كالفرسان ويختفون كالأشباح.

فلا يظهر من المقاومة سوى قادتها السياسيين، الذي وضعوا أرواحهم على أكفهم يناطحون اسنة العدو بكلماتهم النارية، وبتوجيهاتهم وتهديداتهم التي كانت تعتبر أوامر مشفرة للفدائيين بإلجام العدو.

لكن وبعد أن غيب العدو قادة الصف الأول للمقاومة 2003-2004م، ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى لتفكيكها، تمهيدا لإدخال المقاومة إلى نفق الاحتواء، والولوج بها في مزاريب السياسة 2006م، وصولا لحصرها 2007م في سجن غزة المفتوح، والمحاصر من كل الجهات.

بينما اعطت المقاومة نفسها شعور خادع بالتحرر، ليخرجوا من الخنادق ويتمظهروا فوق الأرض، عبر انتشار مواقع التدريب والتصنيع وثكنات الرباط وغيرها من مظاهر التحكم والسيطرة، ما منح العدو عناوين سهلة للرصد والمتابعة والتنصت والمراقبة، ثم الاستهداف والاصطياد من المُسيَرات والطائرات التي لا تكاد تفارق السماء، في الوقت الذي يخدم سياسة واستراتيجية العدو في التعامل مع غزة.

وهكذا حشرت المقاومة داخل هذا السجن، فانشغلت المقاومة -كما خطط العدو تماما-بمضاعفة قوتها، فظهرت لها عضلات مفتولة، وظفها العدو وما زال في لعب دور الضحية امام العالم، في مواجهة المقاومة المحاصرة والتي ينعتها بالإرهاب.

ونجح العدو في حشر المقاومة في غزة، كما نجح في عزلها عن امتداداتها في الضفة المحتلة كساحة المواجهة الأكثر فاعلية واستراتيجية، كما نجح العدو قبل ذلك في عزل المقاومة عن امتداداتها في الدول العربية المجاورة.

وتمكن العدو أيضا في افتعال الانقسام الفلسطيني الذي ظاهره الصراع على الكرسي، وحقيقته الحرب على بندقية المقاومة، فأعلنت السلطة في رام الله تقديس التعاون الأمني مع المحتل، وأصبح مصير السلطة مرتبط بوظيفتها الأمنية في تأمين العدو ومغتصبيه، وملاحقة المقاومة وبندقيتها على مدار 14 سنة تحت غطاء الانقسام والمناكفة والنكاية.

وشكلت المقاومة لنفسها حكومة في غزة، وتورطت في مواجهة حاجات الناس المتزايدة وسط حصار خانق، فوجدت المقاومة نفسها أمام خيارين إما مواجهة الاحتجاجات الشعبية على ضيق العيش بالقوة، وإما ان توجه هذه القوة لمواجهة المحتل، فتجلب للشعب مزيد من المعاناة بعد ثلاثة حروب آخرها حرب 2014 والتي استمرت خمسين يوما، فاختارت المقاومة حلاً وسطاً تمثل بإطلاق مسيرات العودة لكسر الحصار 2018.

دروس الحرب في فيتنام ضد الغزو الأمريكي، تعلمنا أنه لا ينبغي أن يكون للمقاومة عنوان واضح أو تشكيل أو تنظيم قتالي معلوم، كما لا ينبغي للمقاومة أن تلعب بقواعد لعبه معلومة أو حتى مقروءة للعدو كالغرفة المشتركة، الأمر الذي يعتبر عكس ما هو حاصل الان.

فوضع المقاومة في غزة الان كما يرغب العدو ويتوقع، ويستطيع قراءة ردود افعالها، إما قراءة تحليلية نفسية لطول المعايشة لقادة المقاومة التي لم يطرأ تغيير ذي بال على تشكيل صفها القيادي منذ 2005م تقريبا.

وإما قراءة معلوماتية لوفرة المعلومات التي توفرها أساليب العدو للرصد والمراقبة والتصنت والاختراق.

فمقاومة يميزها لباس معين، وشارات معروفة، مع سلاح معروف الأنواع والابعاد والقدرات، مع أساليب تدريب تحت عيون المسيرات، كيف يمكن أن تفاجئ العدو بفعل خارج إطار السيناريوهات التي يتوقعها العدو.

قدرة العدو على توقع طرق عمل المقاومة يفقدها ثلثي قوتها، فاذا فقدت الحرب عنصر المباغتة والمفاجئة والخدعة، أصحبت المواجهة تقليدية وأصبح التفوق محسوم لقوة العدو التي لا تقارن بقوة المقاومة المتواضعة.

الهندرة، أسلوب في الإدارة كثير التكاليف في المدى القريب، لكنه مضمون النتائج، ويدر مكاسب لا حصر لها ولكن على المستوى المتوسط والبعيد، فهل باتت المقاومة بحاجة إلى القيام بالهندرة، لتتمكن من النجاح في كسر حلقة التفكير المنطقي في تقدير الموقف لدى العدو، فتبعثر أوراقه، لدفعه للتصرف بعصبية وانفعال، بعيدا عن الاريحية في التفكير التي تعود عليها في التعامل مع المقاومة، فتنجح المقاومة في توجيه ضربات تخل بتوازنه وتزيد من تخبطه وتكشف أماكن ضعفه، فتتوالى عليه الضربات والهزائم.

إذا كان العدو يعمل وفق استراتيجية تستهدف تفكيك المقاومة، والتي بدأت باجتياح لبنان 1982 وانتهت بتفكيك المقاومة التي كانت تقودها منظمة التحرير وطردها الى تونس.

ثم تفكيك المقاومة في الداخل باجتياح واعادة احتلال الضفة الغربية 20002م.

ثم حصار المقاومة في غزة 2006م والتي عجز عن تفكيكها، ولكنه لا يمل من محاولة تفكيك حاضنتها الشعبية، وعزلها جغرافيا ونفسيا عن محيطها العربي، عبر اتهامها بالتدخل في الشأن العربي-الثورة المصرية نموذجا-.

أولا: يقع على المقاومة الان عبئ مد أذرعها من جديد، لإعادة تشكيل قاعدة صلبة للمقاومة في مدن الضفة الغربية المهددة بالضم والابتلاع، حيث الظروف الشعبية أكثر من مواتية.

ومد أذرعها في التجمعات الفلسطينية في الدول العربية المجاورة تمهيدا لفتح جهات مقاومة جديدة، لتكون بمثابة ظهير وبُعد وعُمق للمقاومة في الداخل، وبوابة تجنيد للسيل العربي الشعبي الراغب في المشاركة في عبئ التحرير بالمال والسلاح والرجال.

 ثانيا: استثمار وتوظيف مدينة الأنفاق التي تمكنت المقاومة من حفرها بالأسنان والأظفار والدماء، للاختفاء والتمويه عن ناظر العدو في جميع أعمالها أن أمكن، بحيث لا يتبقى للمقاومة فوق الأرض ما يمكن رصده أو قراءته أو ايلام المقاومة من خلال تدميره.

ثالثا: إذا كان العدو يستثمر في السلاح، فلتستثمر المقاومة في المقاتل، تأهيلا وتدريبا ليس جسديا فحسب، بل تقنيا ونفسيا، لامتلاك قدرات جسديه تؤهله للإلتحام المباشر لو خذله السلاح، وقدرات معرفية بتعلم لغة العدو وطرق تفكيره، وقدرات تقنيه باختراق جبهة العدو وشل قدراته وأسلحته والتشويش على مراكز التحكم والسيطرة، وقدرات تخطيطيه بامتلاك القدرة على التسلل خلف خطوط العدو لتدمير اسطول طائراته في مرابضها، الخ.

رابعا: تغيير سياسة المقاومة الإعلامية التي اعتمدت في الفترات السابقة أسلوب المباهاة بما وصلت اليه المقاومة من إمكانات وقدرات، والتي كانت تهدف الى رفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، لصالح تبني أسلوب الغموض التام بحيث لا تكشف المقاومة أيا من قدراتها حتى ولو كانت صغيرة، كي لا يتوقع العدو ما يمكن أن تخفيه عن ناظريه كعنصر مفاجأة، فلا هدايا مجانية للعدو.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here