عماد عفانة: العرب والانقسام الفلسطيني .. نظرة تاريخية…!

 

 

عماد عفانة

كانت فلسطين وربما ستبقى ليس مطمعا للقوى الاستعمارية فقط، ولكن مطمعا ربما لبعض الأنظمة العربية التي كانت تحلم احداها ببسط نفوذها على أجزاء من ضفتها الغربية في خمسينيات القرن الماضي، فيما كانت الأخرى ترغب ببسط سطوتها السياسية على جزء آخر منها – قطاع غزة- كما لا زالت تفعل حتى يومنا هذا.

فهل كانت الدول العربية جادة يوما في تحمُّل مسؤولياتها تجاه خلق حكومة فلسطينية قوية على الأرض الفلسطينية.!.

التاريخ يخبرنا أن الأنظمة العربية اعتبرت الشعب الفلسطيني شعباً قاصراً عن إدارة شؤونه، غير مؤهل لقيادة قضيته، التي اعتبروها بعد جلاء الانتداب البريطاني عن فلسطين سنة 1948 قضيتَهم جميعاً قبل أن يتخلوا عنها بعد 16 عاماً لصالح ما سموه بمنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964م.

ثم أكملوا التخلي الكلي عن قضيتهم القومية عندما أجمعوا في القمة العربية التي عقدت في الرباط عام 1974 على اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

 لكن قبل ذلك هل وقفت الأنظمة العربية مع فلسطين أم ضدها.!.

التاريخ يخبرنا أن الأنظمة العربية التي كانت من مخلفات الاستعمار ولم تخرج عن خططه المرسومة، ففرضت الوصاية العربية على فلسطين، ووقفت ضد آماله وتطلعاته في تحرير أرضه، وساهمت في عرقلة عمل أول حكومة فلسطينية كانت الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني تسعى لإقرارها في الجامعة العربية سنة 1948 وقبل اعلان قيام

“اسرائيل” لتشرع في لملمة عناصر القوة في شعبنا الفلسطيني بهدف توحيد قدراته والحفاظ على كيانه وحماية أرضه، لكن الأنظمة العربية لم تعرها اهتماما.

 ولكن وبعد ان قامت “اسرائيل” بالإعلان عن نفسها ككيان سياسي على الأراضي الفلسطينية وتحظى باعتراف دولي وافقت دول الجامعة العربية على فكرة إنشاء حكومة فلسطينية برئاسة أحمد حلمي باشا عبد الباقي.

إلا أن الأنظمة العربية جعلت منها حكومة جوفاء، فالأرض التي كان ينبغي أن تمارس الحكومة سلطتها عليها، تقاسمتها عدد من الدول، فتوزعت الأرض جزء تحت سيطرة الاحتلال “الاسرائيلي”، وجزء آخر تحت سيطرة الأردن، وجزء ثالث تحت السيطرة المصرية، فيما لم تحظى الحكومة الفلسطينية العتيدة باعتراف هيئة الأمم المتحدة بتحريضٍ من بريطانيا وسط تراخي عربي.

 الأردن بقيادة الملك عبد الله الأول أعلن رفضه قيام حكومة عموم فلسطين، وأكد أنه سيحارب قادتها، مبرَّراً موقفه بالخشية على سلامة مملكته، فقام الجيش الأردني بحملة تصفية وملاحقة لقوات الجهاد المقدس في ربوع الضفة الغربية.

وبتوجيه من الملك عبد الله بن الشريف حسين، قام عدد من وجهاء فلسطين في الضفة الغربية بعقد مؤتمر أريحا، في سنة 1948، وبايعوا الملك عبد الله فكان شرخا عربيا واضحا في الموقف الفلسطيني.

أما مصر التي اختارت مجاراة الأردن فمنعت عمل حكومة عموم فلسطين في قطاع غزة، ونقلت مقر عملها إلى القاهرة، حيث منعت أي تواجد سياسي أو عسكري لحكومة عموم فلسطين في قطاع غزة.

أما باقي الدول العربية فقد ساهمت خلافاتها في جعلها حكومة صورية ما أحدث فراغ في الساحة الفلسطينية من أي كيان أو جهة منظمة تقود كفاحه من أجل تقرير مصيره.

التاريخ في حالتنا لا يعيد نفسه ولكنه يستمر على ذات النسق، ففي الوقت الذي كانت فيه حركتا فتح وحماس يؤدون القسم تحت أستار الكعبة على المصالحة سنة 2007م، كانت دول عربية أخرى تنفث سمها، وتُحرك عبر مقاول أمنى فلسطيني، فرق الموت لتزرع الشقاق والخصام والفتنة في الأراضي الفلسطينية الأمر الذي أفضى إلى الانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية اليوم.

انقسام تحولت ما يبدوا أنها جهود عربية لإتمام المصالحة لإنهائه إلى عملية لا تنتهي جولاته، تماما كعملية السلام والمفاوضات مع العدو التي لن تنتهي والتي فرضت خلالها “إسرائيل” واقعا يستحيل معه الوصول إلى سلام أو إقامة أي كيان فلسطيني ذي بال.

ومن المتوقع أن يستمر الانقسام لأنه مفروض بتوجيه “اسرائيلي” وبرغبة عربية لإتاحة الفرصة للعدو لإتمام ما يسعى اليه من ابتلاع الأرض وتشريد الشعب فيما يستمر أصحاب القضية بالتشاجر على أذن الجمل.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here