عماد عفانة: “أونروا” وصفقة القرن

عماد عفانة

شكل قرار الولايات امريكا أكبر الممولين لموازنة “الأونروا،” عام 2018 بقطع دعمها المالي عن الوكالة، نقطة تحّول استراتيجية في مسيرة الوكالة الممتدة على مدى سبعة عقود.

القرار الأمريكي رافقه حملة أمريكية-إسرائيلية مكثفة لتشويه صورة الوكالة، لدفع باقي الدول إلى الاحتذاء بأمريكا وحجب التمويل عنها.

شكل هذا التحدي للأونروا تحولا مصيرياً، وخطر وجودياً، دفعها لإجراء تغييرات وتعديلات في سياساتها الداخلية وبرامجها المقدمة لأكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس، وكان اللاجئون، هم المتضررون بشكل مباشر.

سوء الإدارة والفساد الذي طال كبار موظفي الوكالة، فاقم من حدة الأزمة إلى جانب المعركة المتجددة كل ثلاث سنوات، لتجديد التفويض للأونروا من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتفترض ورقة بحثية للباحث (صابر حليمة) بعنوان “أونروا” وصفقة القرن أن الأونروا نجحت إلى حد كبير بالتصدي للتحديات التي تعرضت لها ولا تزال، مع إقرار واضح بقصور في جوانب شتى.

وتبدأ الورقة بشرح مختصر للسياسة المالية لأونروا، يتبعها سرد لأبرز التحديات التي تعرضت لها، وصولاً إلى القرار الأمريكي في 2018، وعدد الباحث الأساليب التي اتبعتها الوكالة رداً على هذا القرار المباغت، وتأثير سياسة التقليصات على اللاجئين وحياتهم، وختم الباحث ورقته بعرض الحلول والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل الوكالة.

السياسة المالية لأونروا:

ويقول الباحث ان الأمم المتحدة لم تجعل وكالة “أونروا” كباقي الهيئات التابعة لها، والتي تُدعم مباشرة من موازنتها العادية، بل جعلت الوكالة تعتمد على تبرعات الدول، ما جعل اللاجئين، عرضة للابتزاز السياسي والمعيشي والاقتصادي والاجتماعي.

متذرعة باعتبار عدد من الدول الأونروا وكالة “مؤقتة،” ومن صالحها جمع تبرعات طوعية غير محددة من الدول الأعضاء.

وفي عام 2018 شكلت تبرعات البلدان والحكومات الإقليمية والاتحاد الأوروبي والشركاء الحكوميين الآخرين 93.28% من إجمالي التبرعات كافة التي وصلت إلى 1.27مليار دولار أمريكي.

أما حول كيفية إنفاق هذه الأموال، فإن الميزانية تقّسم على الشكل التالي:

58% لقطاع التعليم، 15% للصحة، 13% للإسناد، 6% للإغاثة والخدمات الاجتماعية و4% لدائرة البنية التحتية وتحسين المخيمات.

تحديات غير مسبوقة مع اشتداد الهجمة الأمريكية

يلاحظ من الأزمات المالية التي تعرضت لها الأونروا، أنها جاءت بسبب أحداث طارئة لم يكن للأونروا أو المانحين سبباً مباشراً فيها، كالحرب في نهر البارد والنزاع في سوريا واعتداءات الاحتلال على قطاع غزة، إلا إن هذا لا ينفي وجود عيوب في السياسة المالية للوكالة.

مع بداية 2018 ارتفعت وتيرة الهجوم على الأونروا، من قبل مسؤولين رفيعي المستوى في إدارة ترامب، وبالطبع، من قبل مسؤولي الاحتلال، على رأسهم نتنياهو.

ومع هذه التقليصات غير المسبوقة في ميزانية الأونروا، أطلقت الوكالة حملة عالمية بعنوان “الكرامة لا تقدر بثمن،” لتوفير المساعدات الغذائية الطارئة للفئات الأكثر حاجة.

هذا التقليص المتكرر من قبل إدارة ترامب تّوج 20آب/أغسطس من العام نفسه، بقرار القطع النهائي لأي مساعدات مالية للأونروا.

لم تكتف الإدارة الأمريكية بإيقاف تمويلها، بل شرعت بشن حملة واسعة للمساس بصورة الوكالة، إذ استغلت تارة ملف الفساد الذي لإقناع الدول بوقف تمويل الأونروا، وعملت، برفقة ساسة الاحتلال، على محاولة فرض إعادة تعريف للاجئين، عبر مفهوم جديد مفاده أن اللاجئين عام 1948 الفلسطينيين هم فقط من هجروا من فلسطين وليس أبناؤهم وأحفادهم.

 كما سعت، لجعل التفويض للأونروا لعام واحد بدل ثلاث، وذلك عبر ممارسة ضغوط مهولة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

يمكن القول بشكل عام إن الأونروا نجحت، إلى حد كبير، في التصدي للأزمات والهجمات المتلاحقة

التي تتعرض لها، مع التأكيد على قصور في بعض الجوانب، وضرورة تعديل أو تغيير جزء من السياسات المتبعة بدءاً بأزمة التمويل، والتي مّثلت أكبر تحد مالي للوكالة منذ نشأتها.

وعلى صعيد سوء الإدارة والفساد، تمكنت الأونروا من إظهار مرونة في التعاطي مع هذا الملف من خلال فصل المتهمين بالفساد، على الرغم من أنهم كانوا في مناصب رفيعة، حيث وصلت التهم إلى المفوض العام السابق بيير كرينبول، والذي ترك العمل بشكل سريع، ليعين الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، غريستيان ساوندرز قائماً بأعمال المفوض العام.

ونجحت الوكالة عبر هذه الانسيابية في التعاطي مع قضية الفساد غير المسبوقة، بإغلاق الباب الى حد كبير أمام محاولات شيطنة الوكالة واستغلال امريكا وكيان الاحتلال، هذه الفرصة لتشويه صورة الوكالة وسمعتها، وبرزت المخاوف عقب إعلان سويسرا وبلجيكا وهولندا تعليق مساعداتها المالية للأونروا، إلا أنها، عادت واستأنفت تلك المساعدات عقب الإجراءات السريعة المتخذة من قبل الوكالة.

لكن، تحد من نوع آخر، برز خلال 2019والمتمثل بتجديد التفويض للأونروا من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن يمكن القول إن الأونروا، ومعها السلطة الفلسطينية مدعومة بالدول العربية والصديقة، حققت إنجازاً بتصويت كاسح لصالح تجديد التفويض، حيث أيدت التصويت 68 دولة، وامتنعت عن التصويت تسعة أخرى، فيما رفضت القرار امريكا و”إسرائيل” بل إن تسع دول، صوتت لصالح قرار تجديد التفويض أكثر مما صوتت عام 2016.

آثار تقليصات الأونروا على اللاجئين الفلسطينيين

ويرصد الباحث هنا كيف القت سياسات الأونروا التقشفية بظلالها على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، في مناطق تواجدهم الخمسة.

وعلى الرغم من اعتراف الأونروا بـ “انهيار الأوضاع في قطاع غزة على جميع المستويات”، واطلاعها على أحوال اللاجئين في مخيمات لبنان، التي وصلت فيها نسب البطالة والفقر إلى أرقام غير مسبوقة، إلى جانب الترهل الكبير الذي تعانيه البنية التحتية، خصوصاً في فصل الشتاء، مع عدم إغفال وضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وموجات النزوح المستمرة في ظل استمرار الصراع، وسوء الأوضاع في البلدان التي يلجؤون إليها، كل هذا يفرض على الأونروا قرارات طوارئ تعالج الصعوبات التي يتعرض لها اللاجئون في مختلف أماكن تواجدهم، وتحديداً حاجاتهم.

حلول وسيناريوهات

ويخلص الباحث بعد العرض السابق الى ان الأونروا نجحت، إلى حد ما، في المحافظة على برامجها الرئيسية المقدمة للاجئين الفلسطينيين، وتحديداً قطاعات التعليم والصحة والإغاثة.

وارجع الباحث الخلل إلى قرار تأسيس الأونروا، اذ ان بنوده أدت إلى عدم الاستقرار المستمر الذي تعاني منه الوكالة.

واعتبر ربط موازنة الأونروا بشكل وثيق بتبرعات طوعية من قبل الدول، جعلها رهينة لسياسات هذه الدول، التي باتت تفرض عليها إملاءات تتعلق بكيفية صرف الأموال الممنوحة لها، وأصبحت أزمة التمويل للاجئين شكلاً من أشكال ابتزاز، خصوصاً أولئك الأكثر فقراً.

كما أن الولاية قصيرة الأجل والمتجددة للوكالة، والافتقار إلى آليات تواكب النمو الطبيعي لأعداد عن اللاجئين الفلسطينيين، إذ أن أعداد الجيل الأول من اللاجئين، والذي زد عن الـ 750 ألفاً حينها، بات اليوم أكثر من خمسة ملايين نسمة، ما يفرض تغييراً في السياسة المالية المتبعة من قبل منذ إنشائها منذ سبعين عاماً.

تدرك أمريكا و”إسرائيل”، أن إلغاء الأونروا، أمر أشبه بالمستحيل، على اعتبار أن قرار إنشائها متخذ من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومرتبط مباشرة بتطبيق القرار و194هو ما يطمئن اللاجئين الفلسطينيين، المتمسكين بالأونروا، على اعتبار أنها شاهد أساسي على النكبة، لكن هذه الأطراف تراهن

على ضغوطها على الأونروا سياسيا وماليا كأداة للضغط على اللاجئين من خلال حرمانهم من الخدمات الأساسية، وصناعة عوامل دافعة للتهجير وتفريغ مخيمات اللاجئين من سكانها.

وخلص الباحث الى ان بقاء الوكالة كهيكل اداري لن يسعف اللاجئين الفلسطينيين ما لم يستطع هذا الهيكل القيام بدوره، حيث تبدو قدرة الوكالة على الاستمرار في تقديم خدماتها محل شك دائم.

كما أن عجز الأونروا عن توسيع برامجها بما يعالج الكم الكبير من الاحتياجات الطارئة والمتزايدة يشكل

خطرا في حد ذاته على اللاجئين، بل ويترك شرائح واسعة من اللاجئين تحت رحمة هذه الظروف دون توفير ما هو ضروري من أدوات الدعم لحياتهم والتلبية لاحتياجاتهم.

مسارات للحل:

وينصح الباحث الأونروا، باستغلال التصويت الكاسح الذي نالته لتجديد تفويض ولايتها حتى الشهر السادس من عام 2023 في حشد الأموال اللازمة، كحل مؤقت، علماً أن الحل الدائم، يكمن بإجبار الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على دفوعات إجبارية للوكالة، وليست طوعية، تغطي نفقات البرامج الرئيسية للوكالة، أو وضع موازنة الأونروا، ضمن الموازنة التابعة للأمم المتحدة، إذ إن الوكالة هي إحدى الهيئات التابعة لها، ويمكن أن تقوم الأمم المتحدة، بتغطية العجز السنوي الذي تعاني منه الوكالة.

كما أكد على دور السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، في تسخير طاقاتها الدبلوماسية، للحفاظ على برامج وقطاعات الأونروا، بما يضمن حياة كريمة للاجئين لحين تطبيق القرار 194وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكراً على المعلومات القيمه. لكن لم افهم منطق تقسيم الأموال بالنسب المئويه!! لماذا هذا التباين!! التربيه والتعليم من أهم أسس سيادة المجتمعات ولكن إن لم تدعمه ببيت دافئ وعائله متماسكه مادياً.. لا فينا ولا في تعبنا!!!

  2. امريكا الغت التمويل المالي للاونروا يعني عودة اللاجءين كذلك الغيت و الدليل ان صفقة القرن لم تذكر اللاجءين . انه الخداع و المكر الامريكي و الاسراءيلي اين قرارات الشرعية الدولية رقم ٢٤٢ . ٣٣٨ الكرة الان في الملعب الفلسطيني .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here